recent
جديدنا

صدى الالم الفصل الحادي عشر

Wisso

 
                  رواية صدى الألم 

                                                          بقلم سجى إمام 



مرَّ يوما العطلة بشكل هادئ ودافئ لكلٍّ منهم. و في صباح اليوم التالي ، استيقظ كريم مبكرًا في هذا اليوم، وصلّى صلاته، و دعا ربه و ناجاه بكل أوجاعه ومخاوفه. بكى بين يدي مولاه، متوسلًا أن يجبر كسر قلبه، و يرحمهما.

خرج من الملحق، وكانت نسمات الصباح هادئة وباردة ،  مشى بين الطرقات التي كانت شبه خالية، ذهب للمقبرة ليزورهما، وبعدها اشترى بعض الخبز ورجع.


لمح هبة تهمُّ بالخروج، فوقف وتأملها قليلًا، تسللت ابتسامة خفية إلى قلبه وهو يراها، لكنه سرعان ما وبّخ نفسه على تلك الخاطرة.


تقدم نحوها قائلًا "صباح الخير."

التفتت إليه وابتسمت، وحَيّته أيضًا.

رفع الكيس وقال  "لقد اشتريت الخبز."

التفتت له و رفعت يدها بخجل ولعبت بأطراف شعرها ، فأكمل  "أخبرتكِ أنني سأجلبه في الصباح، لا داعي لخروجك." قالها بصوت دافئ يحمل شيئًا من العناية، جعلها تشعر بأن وجودها يعني له شيئًا.

فابتسمت وأومأت برأسها دون كلام.

مدَّ لها الكيس، فأخذته وشكرته وهمّت بالذهاب، لكنه أوقفها قائلًا وهو يرفع حاجبه وتعلو وجهه ابتسامة "اليوم يومك الأول في العمل، ومديرنا لا يحب التأخير." قالها بنبرة مرحة حاول أن يُخفي بها توتره.


التفتت إليه وعيناها تلمعان وقالت "لن نتأخر، سأذهب الآن وأحضر الفطور لنا." و استدارت و ذهبت مسرعة .

و كأن  لفظة كلمة " لنا"  تُخبره أن يومه أصبح جزءًا من يومها.

وقف كريم يسترجع كلمتها الأخيرة "لنا!"


 *كريم*

 

شعور دافئ بدأ يتسرّب إلى أعماقي، و كأن شي جديد يُخلق. 

 وكأن هذه الكلمة وحدها كانت كفيلة بأن تزيح بعضًا من ثقل قلبي.

فجأة وجدت نفسي أبتسم وأسرح في خيالي، وكأن كل أحزاني تتلاشى أمامي. ملامحها الهادئة، حياؤها المربك، ورجفة صوتها التي تلامس اوتار قلبي… 

جعلتي أشعر بأنها بلسم جراحي.


لكن سرعان ما أطرقت رأسي، و مشيت مثقلا و انا  أستحضر وجه شفق أمامي ، و ذكرياتي معها .

و كرهت من نفسي ان أفكر بأمراة غيرها ، "كيف أفكّر بامرأة غيرها؟ كيف أخون ذكرى حبها لي؟"

دخلت للملحق و جلست أُفند مشاعري، أحاول أن أجد جوابًا لأسئلتي : 

لماذا فكرة بعدها عني تُزعجي؟

لماذا أحميها وأخاف عليها؟

لماذا أمامها أشعر بأنني مكشوف؟

هل لأنها لامست جرحي، و فهمت ما يمر به قلبي ، واحتضنت ألمي، وطمأنت قلبه بمجرد وجودها؟

من تكون تكون بالنسبة لي ؟ 

أسئلة و أسئلة بدأت تأتي في راسي و لم أعرف لها إجابة .

أو لأن الإجابة عن هذه الأسئلة ستجعلي أقف على عتبة عتاب من شفق؟


طرق الباب فقطعت أفكاري. قمت وفتحت، فإذا بها تقف أمامي تحمل صينية الفطور ، و على وجهها بسمة دافئة أنستني قلقي ، أخذت الصينية منها وشكرتها، فقالت "أنا وتيم جاهزان، سنفطر ثم نذهب."

أومأت برأسي، وغادرت.


نظرت إلى الصينية، وشرد ذهني بين وجهها وصوت شفق، وبين قلبي  الذي بدأ يتأرجح بين ماضٍ يأسره وحاضر يمدّ له يده ، بداء صراع قوي في داخله و لكنه اختار عدم المواجهة و الانسحاب بهدوء..

عزمت في نفسي"سأحاول أن أبتعد عنها و أكون أكثر رسمية معها."


أوصلنا تيم إلى الروضة، كان مجموعة من الأطفال يلعبون، وما إن رأوه حتى ركضوا إليه يتحدثون معه. ذهب معهم وهو يخبرهم بما فعله في الإجازة، دون أن يلتفت لنا.

ضحكت هبة قائلة "انظر إليه… لقد باعنا فورًا."

ضحكتُ، وكدتُ أرد ، لكنني تذكّرت قراري، فتبدّلت ملامحي إلى البرود، وهزّ رأسي بجمود.

رأت هبة تغيري المفاجئ، وكادت تسألي، لكنني قلت بلهجة مختصرة "لنذهب، هيا."

مشت خلفي وهي حائرة، تشعر بالانزعاج من تصرفي.



 *هبة* 


وصلنا إلى مكان عملي الجديد، مكتب صغير للبرمجة والتصميم. دخلنا، فعرّفني كريم على العاملين معه، وطلب منهم شرح طريقة العمل لي، ثم غادر دون تفسير.

تابعته بعيني حتى غاب، و أنا لا أعرف سبب هذا التغيّر، لماذا هذا الجمود فجاءة ؟ 

" من الممكن انه متضايق من شي" قلتها في نفسي و تجاهلت ذلك الشعور السيء الذي بث داخلي و بداءت التعلم تدريجيا.


كنت طوال الوقت ألمح مكتبه، أتساءل "  لماذا لم يأتِ؟ لماذا لم يسأل عني؟"

عبست ملامحي وحاولت الانشغال بالتعلم.

وبعد ساعتين خرج كريم واقترب مني، فتهللت أساريري، لكنه تحدث بصوت بارد لا يشبهه، وسأل "كيف يسير العمل؟"

التفتُ نحوه مطولًا ثم أبعدتُ نظري وقلت بصوت حزين  "بشكل جيد."

أومئ و رحل دون تعليق، تاركًا أياي مذهولة من تصرفه.

تساءلت في نفسي " ما به؟ مالذي حصل ليتغير كلامه و تصرفاته معي هكذا ؟! لقد تحدث معه في الصباح و كان طبيعيا فما الذي حدث ؟! " 



في بيت العائلة…


كان سديم وسهى في غرفة المكتب الخالية. سديم ينظر إلى كل شبر فيها و تعلو وجهه ابتسامة رضا.

قالت سهى  "هل ستتركها خالية هكذا أم تفكر في تأثيثها من جديد؟"

فكرت قليلا و أجاب سديم  "بصراحة، لا أعلم."

اقترحت سهى "ما رأيك أن نجعلها غرفة فردوس؟ إنها واسعة، وبها إطلالة جميلة، والتهوية جيدة، وأيضًا لها بلكونة كبيرة." قالتها وهي تتحرك في الغرفة بحماس.


فكّر سديم قليلًا، ثم ابتسم قائلًا "لتكن إذن غرفة فردوس."

فرحت سهى وعانقته، وهي تتحدث بسرعة وتخبره كيف ستضع السرير هنا والخزانة هناك. ثم أخذت هاتفها تبحث عن أثاث للأطفال.


راقبها سديم بحب، ثم ذهب إلى غرفته الجديدة التي جهزها كمكتب،  كانت خالية من أي ذكرى تزعجه ، فمجرد التفكير بأنها خالية من أي ذكرى مؤلمة منحه شعورًا بالتحرر.


جلس يتفحص بعض الأوراق لساعتين، وحين أنهى عمله فرك عينيه بتعب. تذكّر كريم وكلامه، وأحس بثقل في داخله.

قال في نفسه "نعم… سأذهب إلى بيته. فلقاؤه في المقبرة يعيد إليّه ألمه، وهذا ما لا أريده هذه المرة."


حان موعد انصرافهم، كانت هبة منهمكة بالعمل ولم تلحظ أن الوقت قد تأخر ، فتقدّم منها كريم وقال "يبدو أن العمل أنساكِ الوقت" قالها وهو لا ينظر إليها، ولكن نبرته كانت مازحة.

مما جعلها تبتسم وتنظر إلى ساعتها قائلة "لقد تأخرنا على تيم، هيا لنذهب"، ثم وقفت وهي تلمّ أغراضها بسرعة وتضع الملفات في حقيبتها على عجل.


خرج كريم وكان يحاول جاهدًا التهرب منها ومن الحديث معها ومن النظر إليها، فيما مشت بجانبه بصمت، وكانت تلتفت إليه بين الحين والآخر محاولة قراءة ملامحه، لكن قسمات وجهه بدت متحفظة.


وصلوا إلى الروضة، وخرج تيم وهو يودّع أصدقاءه. اقترب من أمه فقبّلته وأخذت حقيبته وسألته عن يومه.

التفت إلى كريم وابتسم، فحمله كريم وقبّله وقال ضاحكًا  "أرى أنك أصبحت شخصية مشهورة وكاريزما"، ثم بدأ يدغدغه، فقهقه تيم وهو يقول "بابا يكفي!"


توقف كريم وقد بدت عليه ملامح التأثر، ليحتضنه تيم قائلًا "أنا أحبك كثيرًا يا بابا".

ابتسم له كريم بحب متاثراً ، ليكمل تيم ببراءة "اليوم طلبوا منا أن نرسم شخصية نحبها أو بطلاً " وصمت قليلًا وهو ينقل عينيه بينهما، ثم قال مبتسمًا بعينين لامعتين بفخرًا طفوليًا: "رسمتك أنت يا بابا كريم... أنت بطلي".

ثم احتضنه، لكن هذه المرة بقوة.


تأثر كريم ودمعت عيناه وهو يمسح على ظهر تيم بحنان أبويّ دافئ.

مسحت هبة دموعها وهي تنظر إليهما، فقد رأت كم تعلّق تيم بكريم وجعله في مكان والده، وكيف تعلّق كريم بطفلها بصدق ومارس دور الأبوة معه، مما جعل مشاعرها تجاه كريم تكبر.


ظل كريم حاملًا لتيم، بينما تيم يتحدث عن يومه وأصدقائه طوال الطريق، وكريم يستمع له ويعلّق أحيانًا، وهبة تسير بجانبهما وهي تشعر بسكينة واطمئنان .



في المساء،  وبعد أن نام تيم، أسدلت هبة سجادتها وصلت، وبعد أن أنهت صلاتها رفعت يدها لربها و بدأت بالدعاء لحمزة بالرحمة والمغفرة، ودعت لطفلها ودعت لكريم. كانت تسترسل بالدعاء ولم تنتبه أنها بدأت  بالدعاء له، وما إن انتبهت حتى رفعت عينيها الدامعتين وقالت 

"اللهم إني استودعتك إياه وقلبه، وهو البعيد مني ولكن القريب من قلبي، ربي إني استودعتك إياه في ليله ونهاره وفي نومه وصحوته، اللهم لا تُسكر له قلبه واجبره يا جبار ولا تُصعّب عليه أمراً".

صمتت قليلاً، وأخذت نفساً مرتعشاً وهي تبلع غصتها، ثم قالت بصوت مختنق بالبكاء 

"اللهم إني استودعتك قلباً أحببته فاحفظه بعينك التي لا تنام".

مسحت دموعها، ودعت لنفسها بأن يجبرها ربها ويعوضها عن فقدها وكسرها، وما إن أنهت حتى صعدت بجانب تيم ونامت بجانبه.



أغلق كريم هاتفه بعد أن اتصل به عمر ليطمئن عليه، وأخبره أنه سيمر عليه غداً في المكتب.

تمدد كريم على سريره وهو يتذكر أحداث اليوم وطريقة معاملته الجافة مع هبة، تنهد ببطء وأدار وجهه للجانب الآخر فقلبه رافض لتلك المعاملة، ولكن عقله يجبره عليها.

تذكر ملامحها، وكيف أنها في بداية اليوم كانت متحمسة، وعيناها الجميلة التي رسم الحزن معالمها لمعت فجأة ولكن سرعان ما خفت ذلك اللمعان عندما رأت جفاءه المفاجئ.


اعتدل في جلسته وضميره يؤنبه قائلاً

"إنها لا تستحق هذه المعاملة مني".

عاد واستلقى ببطء، وأغمض عينيه، لتأتي صورتها وهي تبتسم بخجل .

ارتفع طرف شفتيه بابتسامة صغيرة ولكنه سرعان ما أبعد تلك الصورة عن باله، وشعور بالذنب ينهش قلبه.

تقلب على جنبه، وزفر بقوة، ودمعة باغتته وهو يتذكر شفق وتيم.

شفق... من كانت حياته وكل شيء له.

شرد بعينيه نحو السقف، وكأن الذكريات تكاد تخنقه ، وصراعه الداخلي بين أن يمضي في حياته أو أن يبقى وفياً لهما.


في اليوم التالي، وقبل الظهر بقليل، أتى هيثم ليزور سهى ويتحدث معها.

قبّل فردوس ووضعها على فراشها، ثم جلس بجانب سهى التي كان يبدو عليها التوتر، ولكنها تكابر وتضحك معه.

اقترب منها وسألها بنبرة حنونة "سهى، لا تبدين بخير، ما بك؟ أشعر أن فيك شيئاً".

أنزلت رأسها وهزت رأسها بالنفي.

شد على يدها وقال لها: "أنظري إلي".

رفعت رأسها ببطء، فأكمل "أخبريني إذا كان هناك مشكلة، ولا تخافي، فأخوك هنا".


ابتسمت بسخرية وقالت "آخر مرة أخبرتك بمشكلتي، أوقعتني في مصيبة".

ضحك هيثم وأرجع ظهره للخلف، ووضع ساقاً فوق الأخرى.


تنهدت سهى وقالت "سديم... لا تعجبني تصرفاته وحالته في هذه الفترة".

أدار عينيه بضجر وقال "وماذا فعل صهري؟".


"إنه مصمم على أن يجعل كريم يسامحه، وأيضاً أن يُرجع له نصف الأملاك. لقد رأيت تلك الأوراق بعيني، والآن أصبح يتبعه ليجعله يسامحه".

علت وجه هيثم ابتسامة جانبية خبيثة "وما الذي يقلقك؟ دعيه".


حدّقت به، وضيقَت عينيها عليه، وقالت بصوت منخفض

"هيثم، أنا خائفة... إذا عاد كريم ونبش الماضي وعرف أننا كنا السبب في طرد سديم له وفي..."

صمتت فجأة، وارتجفت أصابعها وهي تنظر له بخوف ودموع.


"لن يعرف شيئاً" قالها ببرود، مما جعلها تنفجر فيه "برودك هذا يقتلني، أريدك فقط أن تتأكد أن لا ينكشف أمرنا".

تنفست بسرعة متقطعة، ثم تابعت "وأيضاً لقد أخبرني سديم أنك تشاجرت مع كريم، أرجوك يا هيثم، ابقَ بعيداً عنه وعن تلك المرأة".


وما إن سمع ذكرها حتى تغيّرت ملامحه فجأة، واعتدل في جلسته، وقال وهو ينظر للفراغ بحقد

"أتدرين لماذا تشاجرنا؟"

ثبت نظره عليها لثوانٍ ثم أكمل بصوت مليء بالغيظ "بسببها. كنت أريدها لي، ولكنني شعرت أنه يكن لها شيئاً، فحاولت استفزازه لأتأكد".

وقف وأدخل يديه في جيبيه وأكمل: "وحدث ما حدث، وتأكدت أنه يخفي شعوره".

ارتفع صوته فجأة "وهي أيضاً تكن له مشاعر، وكان هذا واضحاً من عينيها وخوفها عليه مني".


ارتجفت فردوس من صوته العالي، وبكت، فذهبت إليها سهى وهدأتها حتى نامت.

اقتربت منه وقالت محذرة  "هيثم، يكفي. ابتعد عنهم، وليرَ كلٌ منا حياته. أخرج كريم من رأسك... يكفي".


ثبت نظره عليها، وصوته انخفض لكن نبرته صارت مخيفة: "ليس بعد".

أمسكت ياقة قميصه وشدته بقوة، وقالت بغضب "هيثم، أتريد موتي؟! أبتعد عنهم، وابتعد عن المشاكل. اذهب لبلد آخر وعش حياتك، وأخرج هذا الحقد والحسد من قلبك".


انهارت باكية ووضعت رأسها على صدره "لن تستفيد شيئاً من هذا الحقد. انظر لي... لم أستفد شيئاً، سوى ذنب كبير وعذاب ضمير لا يدعني أنام".

احتضنها ومسح بيده على ظهرها، وما إن هدأت حتى قبلها من جبينها وقال محاولاً طمأنتها 

"لن يحدث لك شيء، كل شيء سيكون بخير، فقط لا تخافي ولا تقلقي، فأخوك موجود".

مسحت دموعها وقالت بابتسامة باكية  "وهذا ما يخيفني أساساً".

ضحك بخفة، وودعها.



مرَّ عمر  على مكتب كريم، فدخل فرأى هبة! استغرب لرؤيتها فتقدّم إليها وقال بلهجة استجوابية."ما الذي تفعلينه هنا؟"

لم تلاحظ وجوده إلا عندما تحدّث، فالتفتت إليه مستغربة، وما إن رأته حتى نظرت له وقالت  "حضرة الشرطي، أهلاً بك."

تنحنح عمر بخجل من تصرفه وقال "أ... أعتذر على طريقتي و..." ارتباكه بدا واضحًا عليه، إذ كان يحك رقبته بعفوية.

لتقول هبة بصوت هادئ "لا عليك، إنها بالتأكيد شخصية الشرطي من تحدثت." وابتسمت له، ليبتسم ويخفّ الحرج قليلًا، فأكملت "تعلم أنني استقلت من عملي، فعرض علي كريم أن أعمل معه فقبلت." قالتها وعيناها تلمعان، وصوتها يحمل خفة عند ذكر اسمه.


أومأ عمر برأسه و تحدث قليلا معها ، ليستأذن منها ويذهب إلى غرفة كريم...


دخل عمر وهو مبتسم بمكر، ينظر إلى كريم بنظرات مُشاكسة، فجلس صامتًا ينظر له ويبتسم.

بينما كريم استغرب حالته، فأبتسم وقال "ما بك؟ ما هذه التعابير!"

رفع عمر يديه وقال: "لا، لا شيء." وضحك.

قلب كريم كفيه وقال "لا حول ولا قوة إلا بالله، هل جننت؟ لماذا تضحك هكذا إذًا؟"

اعتدل عمر في جلسته وتبدّلت ملامحه إلى الجدية وقال "لقد رأيت هبة، قالت إنها تعمل هنا." رفع حاجبه وكتم ضحكته.

حدّق كريم به مطولًا ولم يرد، بعد أن عرف سبب ابتساماته وضحكه.


أبعد كريم نظره عنه وقال "لا شيء  مما تفكر فيه."

"وماذا تظن أنني أفكر؟!" قالها متسائلًا وهو يتفرّس ملامحه.

تنهد كريم بضيق وقال "لنغيّر الموضوع، ما الذي أتى بك؟ هل هناك تطوّر جديد؟ لقد تواصلت مع يوسف، ولكن لا يوجد شيء أيضًا."


تحدث عمر بصوت جدي "بخصوص القضية، مع الأسف، لا تقدم." 

تنهد كريم بحزن، بينما قال عمر في داخله " لقد اقتربنا من النهاية يا صديقي، فقط لأتأكد، وبعدها أعدك أنك سترتاح من هذا الهم." 


ليكمل بصوت ضاحك "ولكن هناك تطور بخصوص..." وصمت ليرى رد فعل كريم الذي تحفز واستمع له، فضحك عمر وقال "بخصوصك أنت وأفعالك ومشاعرك."


"ماذا؟" قالها كريم مستغربًا.


"كريم، لا تنكر، هيا أخبرني." قالها عمر وهو ينظر له باسماً.


"ما بك يا عمر؟ بماذا تهذي؟" قالها كريم بضجر وهو يقوم من مكانه ليجلس مقابله.


"أتحدث عن هبة، ما سر إبقائك إياها دائمًا بالقرب منك؟" قالها بنبرة الشرطي.


"هل ستسجوبني الآن!" قالها كريم متسائلًا وهو يدير عينيه بضجر، متجنبًا النظر إليه.

تقدّم عمر وقال: "نعم، لذا لا تتهرب وأجب."


نظر له كريم متسائلًا، فقال عمر فورًا وبدون مقدمات "هل تشعر بشيء تجاه هبة؟ فكل تصرفاتك تدل على هذا، وقوفك معها، حمايتك الزائدة لها، تعلقك بها، وإبقاءك لها بقربك... هذا ما رأيته وشعرت به منك. أما ما لاحظته فيها فهي أيضًا تشعر بشيء تجاهك." صمت وابتسم.


نظر له كريم وقال بصوت يعكس صراعه "ما الذي تقوله يا عمر؟ هل مساعدتي لها ووقوفي معها يدل على..." صمت وقال مستهجنًا "وكيف يمكنك التفكير في شيء مثل هذا يا عمر؟ ألا تعلم قدر شفق في قلبي! هل يمكن أن أنساها بهذه السرعة!" قالها بانفعال، وصوته باغتته غصة مؤلمة احتبست في حنجرته، بينما ضاق صدره فجأة.


وضع يده على قلبه وقال بصوت مبحوح متألم "قلبي يؤلمني عندما أفكر بشيء آخر غيرها، فما بالك بامرأة أخرى!"

تحدث عمر بجدية وقال "كريم، أنا أعلم قدر شفق في قلبك، وكنت شاهدًا على حبكما، ولكن..."

قاطعه كريم: "لا يوجد لكن يا عمر، اصمت أرجوك."

أكمل عمر وقال "أنا آسف كريم، ولكن شفق ماتت ولم تعد هنا، فأرجوك يا صديقي لا تدفن نفسك معهم."


تأثر كريم وأنزل رأسه وقال بصوت مكلوم "عمر، هل أتيت لترمي الحقيقة المرة بوجهي مرة أخرى؟"


"كريم، أنت تعلم أنني أريد لك كل الخير، وهذه الحالة التي أنت فيها لا تعجبني، كريم، لكل بداية نهاية، وقصتك مع شفق انتهت في هذه الدنيا برحيلها." صمت عمر، فالكلام لم يكن سهلًا على كريم أبدًا.

أطرق كريم رأسه بحزن وهو ينظر أمامه.


كسر عمر الصمت وقال "لماذا لا تعطي قلبك فرصة؟"

تحدث كريم أخيرًا وقال "لا يمكنني خيانتها."

وقف عمر وجلس بجانبه وقال "أنا لا أقول لك انسَ شفق، وإنما أعطِ لنفسك ولروحك فرصة للعيش مرة أخرى."

نظر كريم له وكأنه بدأ يقتنع ويفهم كلامه، ليكمل عمر "لقد ساق الله لك تيم ليكون لك بلسماً على جرحك و..."

فقاطعه كريم وهو يبتسم بحزن "ذلك الصغير... أتعلم أنني أرى فيه ابني؟ عندما رأيته شعرت وكأنها معجزة أتت لتخرجني من شبح فقدي، تعلّقت به كثيرًا وكأنني أتعافى معه وبقربه، وأستمد منه القوة لأمضي."


ابتسم عمر وقال "إذًا، أترى أن هذه مصادفة أم قدر مكتوب؟ لقد ساقهما الله لك، أقداركم ووجعكم متشابه، وكأن كل منكم شفاء للآخر."


أمسك كريم رأسه بألم وتنهد بحرارة.

بينما عمر وقف وقال "عليك المضي قدمًا يا صديقي، فالحياة طويلة، وإذا كنت وحيدًا فهي أطول، انظر حولك جيدًا، ورتب مشاعرك، واستخِر ربك، فهو من سينير بصيرتك ويجبر قلبك."


وقف كريم بتعب، ليحتضنه عمر و يجلس معه قليلا  و بعدها غادر .



خرج عمر، و كانت ملامحه متغيرة ملامح شابها التوتر والضيق. لاحظت ذلك هبة، فهمّت لتقوم إليه، لكنه كان مسرعًا وذهب. جلست وهي مستغربة حالته تحاول فهم سبب تغيّر مزاجه.


مرّت ساعة، خرج كريم من مكتبه ليرى أحد العمال يتحدث مع هبة ضاحكًا .

تفرّس في ملامحها فوجدها جامدة لا تنظر له، وإنما تنظر للأرض وتهز رأسها فقط ، ألقى عليها نظرة فاحصة، فرأى وجهها خاليًا من الانفعال، وعينيها هاربة نحو الأرض، تكتفي بإيماءة قصيرة.


لم يعجب كريم أن أحدًا يتحدث معها أو يقف معها، فتقدّم نحو ذلك العامل وأمسكه من كتفه بقوة أفزعته. التفت العامل غاضبًا وكان على وشك السب، لولا رؤيته لكريم، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة وهو يسأله إذا كان أكمل عمله، ثم نقل بصره نحوها.

علت بسمة خفيفة على محياها وأنزلت رأسها في محاولة منها لإخفائها.


توتر العامل وأجابه بتلعثم بأنه سيكمله فورًا، ثم ذهب.

تعلقت عينا كريم بها وهي تبتعد عنهما قليلًا، استدارت لترجع إلى عملها، لكنه أوقفها بقوله

"هيا، سنذهب."


 توقفت فجأة، ونظرت إليه بدهشة "إلى أين؟ بقي ساعة كاملة على موعد خروج تيم."

التفت للعامل مطولًا، ثم عاد ببصره إليها وقال 

"سأنتظرك بالخارج." وذهب.


ابتسمت في داخلها، لا بل طارت فرحًا عندما رأت وميض الغيرة المشتعل في عينيه، وأحسّت أنه يغار عليها. ابتلعت ريقها وأخذت نفسًا عميقًا، وحاولت إخفاء ابتسامتها، ثم أسرعت تلملم أغراضها وقلبها يرفرف.


خرجت، فرأته واقفًا بصمت، يديه في جيبيه، وعينيه معلّقتين أمامه. وقفت قليلًا تتأمله وعلى وجهها ابتسامة خجلة، ثم تماسكت، وأخذت ملامحها بعض الجدية، واقتربت قائلة بصوت ثابت "أتيت… لنذهب."


التفت إليها وأومأ برأسه، ومشى، ومشت هي بجانبه بصمت.

كلّ منهما في عالمه؛ هي سعيدة بقربه، وهو مرتبك، مشاعره متخبّطة من هذا القرب.


تفحّص ساعته،  ثم  قال بنبرة محايدة  "ماذا لو جلسنا في المقهى حتى يحين موعد خروج تيم؟"


أومأت برأسها بصمت، فاتجها إلى المقهى. جلسا، فطلب كريم عصيرًا، وطاف بينهما صمت ثقيل.

فتح هاتفه، يقلّب فيه محاولًا تجنب الحديث معها، بينما هي نظرت إليه باستغراب من تصرفاته، فهو لم يكن يتجاهلها من قبل هكذا.


حمحمت لتلفت انتباهه، فالتفت، فقالت مستفسرة 

"أهناك شيء يضايقك؟"

أغلق كريم الهاتف وقال وهو لا ينظر إليها  "لا."

تقدمت قليلًا وقالت وهي تنظر في عينيه 

"إذًا لماذا لا تتحدث معي؟ هل أزعجتك أو ضايقتك بشيء؟"


اعتدل في جلسته وقال  بسرعة نافياً

"لا يوجد شيء من هذا."


تغيرت نبرة صوتها و ارتجفت كلماتها وهي تقول. "لماذا إذاً تتصرّف هكذا معي؟"


نظرا لبعضهما مطولًا، فانخفض رأسه، ونظر إلى ساعته، وقال بتهرّب  "حان موعد انصراف تيم… لنذهب."


ذبلت عيناها بحزن و مشت بجانبه، وفي داخلها شعور بعدم الطمأنينة من حالته.

أخذوا تيم ورجعوا إلى البيت، ودّع كريم تيم كعادته بحب، ثم ذهب من غير أن يحدّثها، وهذا جعل داخلها يضطرب و تاركًا قلبها في دوامة قلق.


حان المساء…


فاتصل عمر بكريم وأخبره أنه إن كان متاحًا سيمر إليه، فأخبره كريم أن يأتي.

وصل عمر ودخل بعد أن استأذن، وقال وهو يرفع الأكياس بيده و ابتسامة مرحة على شفتيه"لقد أتيت، وانظر ماذا أحضرت."


قالها بنبرة أضحكت كريم، الذي وقف وتقدم نحوه وبدأ بمساعدته في وضع الطعام.


تحدث عمر بصوت يمثل التعب، وقال "لقد كان يومًا متعبًا، أنا جائع… هيا لنأكل بسرعة."

ابتسم كريم ابتسامة صغيرة هادئة وجلس بجانبه يأكل معه وهما يتحدثان.


وبعد أن أكلا، تحدث عمر بجدية، وقال "كريم، لقد كنت قاسيًا معك اليوم وقلت كلامًا ثقيلًا، لذلك أنا أعت…"

قاطعه كريم قائلًا "قلت الحقيقة يا صديقي، والحقيقة تؤلم."


همَّ عمر ليتحدث، لكن صوت رسائل متتالية من هاتف كريم قاطعهما.

التقط كريم الهاتف، نظر إليه بلا اكتراث، ثم أقفله.


قال عمر وهو يشير إلى الهاتف "ماذا هناك؟"


أخذ كريم كأس الشاي ورشف منه بهدوء، وقال بلا مبالاة  "إنه سديم… يرسل رسائل كعادته الحديثة."


اندهش عمر وقال "سديم يتواصل معك؟!"


أكمل كريم  "نعم، لقد خرج أمامي مرتين حتى الآن، ويرسل لي رسائل كل يوم."

"وماذا يريد؟" قالها عمر وهو يركز في كلمات كريم.


زفر كريم بهدوء، وحرك عينيه قليلًا كمن يسترجع ذكريات مؤلمة ثم قال  "يريد مني أن أسامحه، ويظن أن بإرجاع ما هو ملكي في الأساس سيجعلني أصفح عمّا فعله بي."

ارتجفت نبرة صوته قليلًا، لكنه حاول أن يظهر اللامبالاة.


تعجب عمر وقال "أعاد لك حصتك؟!" أومأ كريم برأسه فقط.


صمت عمر قليلًا مفكرًا، ثم قال "وهل ترى أنه نادم فعلًا وصادق؟"

التفت كريم له مطولًا، وشرد وكأنه يرى أخاه أمامه، ثم قال "لقد رأيت الندم في عينيه وصدق مشاعره… لكنني لا أستطيع أن أجبر نفسي على مسامحته… "

 توقف لحظة ثم أكمل " على الأقل الآن." و نظر للفراغ امامه بشرود ...


بدأت السماء ترعد وتبرق، وانهالت الأمطار بشدة.

وقف عمر وقال بقلق "يجب أن أعود قبل أن يشتد المطر وينغلق الطريق."

أمسكه كريم وقال "لا، لا يمكنك قيادة السيارة بهذا الجو… ابقَ هنا."


همَّ عمر ليعترض، لكن هاتف كريم رن، وكانت هبة.

تأمل اسمها قليلًا قبل أن يرد، ثم تحدثت وطلبت منه أن يأتي لأن هناك تسريبًا للماء.


استأذن من عمر  وخرج مسرعًا بعد ان أكد عليه عدم الذهاب ، يحتمي من المطر بمظلته.


فتحت هبة له الباب ليدخل بسرعة، فقال بقلق وهو يتفحص أركان المنزل: "من أين التسريب؟ هل من غرفة الصغير أم من المطبخ؟"


هزت رأسها نافية، وأشارت إلى الغرفة المغلقة "التسريب من هناك، انظر… الماء وصل إلى الصالة."


التفت كريم إلى تلك الغرفة، وفجأة اكتست ملامحه بالحزن، فأسرع نحوها وأخرج من جيبه المفاتيح بيد ترتجف، وفتح الباب.

وما إن دخله حتى لفح وجهه هواء بارد ورائحة رطوبة نافذة أحس أنها اخترقت جسده وأوجعته.


أسرع نحو النافذة المفتوحة وأغلقها بإحكام. أسند جبينه عليها وأغمض عينيه، وزفر بحرارة احزانه .


وقف، ونظر إلى هبة التي كانت واقفة عند العتبة، لم تتقدم ولم تدخل الغرفة، فقد أدركت أنها كانت غرفته مع شفق.


خرج صوته بصعوبة وهو يقول  "أيمكنك مساعدتي بتنظيف الغرفة؟"

شعرت بصوته المختنق، فانقبض قلبها، ووافقت، ثم ذهبت لتجلب بعض الأدوات.


بدأا بتنشيف الماء من على الأرض، ثم تجفيف الأثاث.

تقدم كريم نحو خزانة الملابس ليتفقدها، وحين فتحها تسللت رائحة شفق الدافئة لداخله،  فانقبض صدره وخانته دموعه.


لمح ألبوم صورهما، كانت أصابعه تتحرك عليه كما لو أنها تتحسس أثر قلبه لا ورقه.


هبة توقفت تنظر إليه بتأثر، لمحت الألبوم في يده، ورأت صراعه الداخلي بين أن يفتحه فتصرعه الذكريات أو يتركه مغلقًا.

أعاده مكانه بحذر، وكأنه يضع قطعة زجاج رقيق، ثم التفت إليها، فابتعدت بنظرها متظاهرة بأنها تواصل التنظيف.


تقدم إليها وقال بصوت متحشرج "كانت هذه الغرفة مليئة بالروح والألوان… أما الآن فقد غطاها الرماد الباهت ."

قالت هبة وهي تنظر في عينيه بتأثر  "بغياب من نحب، كل شيء يفقد رونقه."


تأمل عينيها مطولًا، وكأنه كمن وجد فيهما طوق نجاة، لكن صوت بكاء تيم قطع لحظتهما.

ذهبت هبة مسرعة، ولحقها كريم.


جلست بجانبه واحتضنته، تمسح دموعه وتحاول تهدئته، لكنه قال بصوت باكٍ  "أنا خائف."

ضمته أكثر، لكنه أشار لكريم قائلًا "أريد بابا أن ينام بجانبي."


حاولت هبة أن تشرح له أن كريم متعب وسيغادر، لكن الرعد دوّى وأفزع الصغير، فبكى أكثر وقال برجاء "بابا، لتنام بجانبي."


لم يستطع كريم أن يرفض، فتقدم وقال لهبة "أيمكنني النوم بجانبه؟"

ابتسمت بحنان وقالت "بالطبع."


انسحبت بهدوء، وتمدد كريم بجانب تيم، فاحتضنه الصغير وهو ما يزال يشهق.

لف كريم ذراعه حوله وقال بهدوء "لا يوجد ما يخيف… نم يا صغير."

رفع تيم رأسه وقال "لن تتركني وتذهب؟"

هز كريم رأسه نافيًا، وقبّله، فابتسم تيم وأغمض عينيه مطمئنًا.

كان كريم يمرر أصابعه على شعره برفق، وكأنه يبث السكينة في قلبه.


بعد قليل، جاءت هبة لتطمئن، فوقفت عند الباب تبتسم وهي تراهم، ثم اقتربت وغمرتهما بغطاء، ونظرت إليهما للحظة، وقلبها يخفق لأن ثلاثتهم تحت سقف واحد.


يتبع ...


google-playkhamsatmostaqltradent