recent
جديدنا

صدى الالم الفصل الثاني عشر

Wisso

 
                   رواية صدى الألم 

                                                                بقلم سجى إمام 




مرت عليهم ليلة هادئة، خالية من أي كوابيس أو منغصات لنومهم، حتى كريم الذي اعتاد أن يكون نومه متقطعًا، نام قرير العين.


في الصباح استيقظت هبة أولًا، اعتدلت في جلستها وهي تتألم من وجع ظهرها بسبب نومها على أريكة الصالة. فتحت هاتفها لترى الساعة، فانصدمت بأنها الثامنة صباحًا. بسرعة أبعدت غطاءها وذهبت لغرفة تيم، فتحت الباب بهدوء لترى كريم لا يزال نائمًا بجانبه. لم تتوقع وجوده، فهي ظنت أنه سيغادر صباحًا كعادته.

أغلقت الباب بحذر وهي تكتم ابتسامة صغيرة من المشهد الذي لم تتوقعه ،  ثم ذهبت لتتوضأ وتصلي، وبعدها بدأت بتحضير الفطور.


استيقظ كريم ليجد تيم بين ذراعيه، فابتسم بحب وقبّله برفق، ثم أبعده بحذر حتى لا يوقظه. نظر لساعته فاتسعت عيناه

"التاسعة!" قالها مذهولًا. لقد غرق في النوم دون أن يشعر بالوقت. أخرج هاتفه وأخبر أحد العمال أنه لن يأتي اليوم، وكذلك هبة.

ثم وقف وعدل من ملابسه وشعره وخرج، لتستقبله رائحة طيبة آتية من المطبخ. رائحة الفطائر الساخنة اختلطت مع رائحة المطر الرطب، لتعيده للحظات قديمة مع شفق، فغص قلبه ...


دخل المطبخ ليراها تتحرك بخفة بين أركانه ،  أسند كتفه على الحائط وظل ينظر إليها وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه، لكن ذكرى شفق سرعان ما محت تلك الابتسامة.

التفتت لتراه متكئًا على الحائط، فاعتدل بوقفته وقال وهو يقترب منها ليتذوق من الفطائر

"صباح الخير." تناول قطعة وأكلها.


حاولت جاهدة أن تبدو ثابتة أمامه، تُخفي ارتجاف يديها ولهفتها، وردت عليه التحية بصوت خجول، ثم طلبت منه الجلوس لتسكب له الشاي.

قال مبتسمًا بخفة  "إنها لذيذة فعلًا… لكن تأخرت، يجب أن أذهب."


 ثم أكمل وهو يحرّك رأسه بحرج  "غفوت دون أن أشعر، لم أستيقظ إلا قبل قليل. أبلغت المكتب أن اليوم إجازة. لكن، لماذا لم توقظيني؟" و ابتسم بخفه..


التفتت إليه وهي تبعد عينيها عنه بارتباك

"وأنا أيضًا غرقت في النوم ولم أشعر بالوقت. لتكن إجازة لتيم كذلك." قالتها بنبرة ضاحكة.

التقت عيناهما ابتسامة خفيفة هربت منهما دون وعي، فتهرّب سريعًا قائلاً  "سأذهب للملحق لأرى عمر، لعلّه أيضًا غرق في نومه." وضحك بعدها.

شعرت هبة بفرح داخلي لرؤية ضحكته وسماع نبرة صوته معها ،  استدار ليغادر. استوقفته قائلة "لكن تناول فطورك أولًا."

أجابها بابتسامة صغيرة "سأتناوله مع عمر."

فقالت بسرعة، مقاطعة "إذًا سأجلب فطوركما إلى الملحق." ثم بدأت بتحضير الشاي، بينما هو ظل ينظر إليها للحظة، وابتسامة رقيقة تتسلل إلى محياه قبل أن يستدير ويغادر.


كان الجو جميلًا، و رائحة التربة المبللة من المطر تعبق في المكان.

فتح كريم باب الملحق، ليرى عمر نائمًا ويشخر بصوت مزعج. كتم ضحكته واقترب منه، وقال بصوت مرتفع "أيها الجندي، انهض!"


فزع عمر، فوقف فجأة أمام كريم وهو يؤدي التحية العسكرية. انفجر كريم ضاحكًا من حالته، بينما عمر صرخ فيه عندما أتضحت له الرؤية  "هل هذه طريقة للإيقاظ؟!" وجلس على السرير مرتبكًا، يحاول تعديل هندامه ومسح آثار النوم.


قال كريم وهو يضحك بقوة "كان يجب أن ترى حالتك."

بينما عمر ينظر له بضجر، فتوقف كريم عن الضحك حين لاحظ استياءه.


ذهب عمر وغسل وجهه، ثم عاد يسأله بحدة 

"أين كنت طوال الليل؟!" حدّق به بنظرات فاحصة.

مسح كريم على رقبته بتوتر واضح، وهمّ ليتكلم، لكن عمر باغته وهو يصفق بيديه ويقول بنبرة مشاكسة

"أم أنك نمت هناك؟!" ثم ضحك.

فقال كريم موضحًا "تيم خاف من صوت الرعد، وطلب مني أن أنام بجانبه… فقبلت."


هز عمر رأسه مبتسمًا بمكر، لكنه صمت. همّ أن يتحدث، لكن طرقات على الباب قاطعته. قام كريم وفتح الباب، فوجد هبة تحمل صينية الفطور. أعطته إياها وكانت على وشك المغادرة، لكن عمر وقف سريعًا وبادلها تحية صباح بابتسامة غريبة، أربكتها.

التفتت إليه بدهشة، تنقلت نظراتها بين كريم الذي بدا متضايقًا من تصرف عمر، وعمر الذي يبتسم ببلاهة. أومأت برأسها ثم رحلت.


أغلق كريم الباب ووضع الصينية وهو يقول لعمر بامتعاض 

"أهذه طريقة لتصبح على أحد؟"

ضحك عمر بشدة ثم جلس يأكل، وجلس كريم بجانبه. وبعد أن أنهيا الطعام، قال عمر مبتسمًا 

"أعجبني الملحق… يبدو أنني سأبيت معك."

ابتسم كريم وردّ "واضح، فقد غرقت بنومك أيضا."


أخبره عمر أنه أخذ إجازة أسبوع من العمل ليستريح قليلًا، ويراجع ملفاته.


في المطبخ، جلست هبة تستمع لتيم الذي كان يحدثها بحماس


"نمت البارحة بشكل جميل يا ماما … شعرت أنه يشبه أبي حين كان يحتضنني."


غص قلبها وتأثرت، فحنَت على رأسه وقبّلته. ثم تناولوا فطورهم، وبعدها ذهب تيم إلى غرفته ليلعب، بينما قامت هي بترتيب البيت.


لكنها لمحت من نافذة المطبخ رجلًا يسير في الحديقة متجهًا نحو الملحق. لم تتبيّن ملامحه جيدًا.

 رأته يطرق الباب، ففتح له عمر، لكنه توقف عند العتبة ولم يُدخله. استغربت وركزت النظر.


كان الرجل سديم. وقف عمر بدهشة، بينما عينا سديم التصقت بكريم، الذي ما إن رآه حتى نهض،  فأبتعد  عمر وقال كريم بجمود  "ادخل."


فرح سديم ودخل. جلس الثلاثة، لتتبدل ملامح كريم إلى جدية حادة. قال بصرامة 

"تحدث… قل ما لديك."


نظر سديم إلى عمر وكأنه يطلب الحديث على انفراد، ففهم عمر وهمّ أن يخرج، لكن كريم أوقفه قائلاً 

"سيبقى عمر. هو ليس بغريب. إما أن تتحدث بوجوده أو تغادر."

نبرة صوته كانت صارمة، فأربكت سديم وأوجعته.


تنهد سديم وقال بندم 

"لن أطيل. أنت تعرف سبب  قدومي… أريد أن أعتذر عن كل ما فعلت و ..."

فتح كريم فمه ليقاطعه، لكن سديم أكمل بصوت مبحوح

"أرجوك لا تقاطعني. دعني أُكمل."


تنهد مجددًا وأكمل 

"ما فعلته لا يُغتفر. لا أعذار لي. أكلت حقك وطردتك أنت وعائلتك. غلبتني نفسي الأمارة بالسوء على فطرتي… لم يكن لك ذنب، بل كنتَ ضحية حقدي وغيرتي. انا كنت دائمًا الأول، المفضل عند أبي وأمي. وعند قدومك… تبدّل كل شيء."

سالَت دمعة ساخنة على خده. صوته تهدّج وهو يقول

"أبي .. قلّ اهتمامه بي، وحبه تلاشى فجأة. او هذا ما كنت أشعر به ،  صار يقسو علي بحجة أنني الابن الأكبر. تبدّلت شخصيتي، صرت لا أطيق وجودك. لكن أمي… كانت تواسيني، تحتضن الصغير المكسور بداخلي. هي من كانت تضع يدك الصغيرة في يدي وتقول " سديم، هذا الصغير سيكون لك عونًا وسندًا في الحياة فلا تترك يده ابدا ."


ابتسم بمرارة، يمسح دموعه وهو ينظر لعيني كريم التي امتلأت بالدمع "وقد كنتَ فعلًا يا أخي… لكنني خنت عهدها وخنت إخوتي."


انفجر سديم بالبكاء، كأنه ولأول مرة منذ سنوات يواجه ضعفه وانكساره.

ابتعد عمر قليلًا ليترك لهما خصوصية.


مسح كريم دموعه وقال بصوت متحشرج، لكنه حاد 

"حكمت عليّ ونفذت حكمك بجريمة لم أرتكبها! كيف لي أن أعلم ما بك وأنت كنت تتهرب مني دائمًا؟! لم تجلس معي يومًا كأخ. كنت أقترب منك، وأنت تزداد جفاءً!"

تقطع صوته بألم 

"كنت طفلًا في الثامنة، يا سديم. طفل فقد أمه… وأب أعلن الحداد واعتزل وحده. وأخ وحيد… تركني وسافر. كنتُ وحيدًا في ذلك البيت، لا رفيق لي سوى الوحدة."


رفع سديم رأسه وهو يبكي

"لم يعتزل… لم يعلن الحداد. هو فقط لم يُرد تحمل مسؤولية طفلين. لو كنت أكبر قليلًا… لأرسلك أنت أيضًا ! أليس هو وظّف من يهتم بك، وانسحب بهدوء. تركك لهؤلاء بدلًا من أن يحتضنك بنفسه."


رفع كريم بصره واستمع له، قلبه يضيق بتذكر تلك المرحلة. ورغم ذلك، كان يعلم أن أباه لم يحرمه من حبه يومًا، حتى لو كان غائبًا عنه.


قال أخيرًا  "ليس موضوعنا الآن." ثم وقف.

وقف سديم أيضًا، وعيناه تتعلقان به برجاء 

"سامح أخاك يا كريم… أغفر خطاياي. أعدك، لن أخذلك مجددًا. سأكون السند الذي تستحقه لك ، أعطيني فرصة فقط "


همّ كريم ليتحدث، ولكن صوت صراخ من الخارج أوقفه، التفتَ كريم لعمر الذي بدا عليه القلق وتوجّه نحو النافذة ليرى ما الذي يحدث، لكن كريم سمع صوتها!

انتفض قلبه بعنف حين سمع صرختها، واندفع خارجًا بذعر وهو يهتف"إنه صوت هبة!"


تبعه عمر وسديم يركضان خلفه بتوتر واضح عليهما.

وقفوا ليروا أربعة رجال، بيد أحدهم تيم، وهو يبكي محاولًا أن يبعده عنه، لكن الرجل كان ممسكًا به بقوة بحضنه.

ورجل آخر يبدو أنه أكبرهم، وبجانبه آخر يسحب هبة بقوة من ذراعها، وهي تصرخ غاضبة باكية "اتركوني أنا وطفلي!"


اتسعت عينا كريم بصدمة، وانقبض صدره بشدّة بخوف ،  اندفع كريم كالبرق، والغضب يشتعل في ملامحه ولكم الرجل بقوة فأسقطه أرضًا بحركة مباغتة، ثم أمسك بهبة وأرجعها خلفه لتحتمي به.


صرخ في وجوههم."من أنتم؟ وماذا تريدون؟"


كانت هبة تبكي و.خائفة ، فقالت بصوت مرتعش  "تيم! " و هي تشير للطفل  ، التفت كريم لعمر الذي 

 قال  لسديم و هو يتجه نحو ذلك الرجل  "سديم، اتصل فورًا بالشرطة!"

توجه عمر نحو الرجل الممسك بتيم، وبحركة رشيقة منه أسقطه أرضًا، وأخذ تيم منه وأعطاه لسديم، طالبًا منه ألا يتحرك من مكانه ويحميه.

تشبّث تيم  بسديم بخوف، ودموعه تسيل على وجنتيه وهو ينادي "ماما!"

كان ينظر كريم بعينين تلتمعان غضبًا وهو يراقب كل واحد منهم و هبة خلفه تحتمي به و هي تبكي ..


تحدث أحد الرجال، وكان يبدو أنه كبيرهم  ، بغضب "من أنت لتحمي ابنتنا منّا وتأخذها هكذا منا !" 

و لكم كريم و بغاته ليسحب هبة للخلف بقوة، مما جعلها تصرخ متألمة.


"اتركها فورًا!" قالها كريم وهو يصرخ ويكوّر قبضته.


قبض الرجل أكثر على ذراع هبة فتألمت، وقال مستفزًا "لن أتركها، أريني ماذا ستفعل؟"


بينما الآخر وقف يمسح الدماء عن فمه وقال بعصبية  "إنه ذلك الحقير الذي تسكن معه! دعني اريه مع من علق ! "

أتى عمر ليقف بجانب كريم، وتحفّز الاثنان للعراك.

لكن هبة صرخت باكية مترجّية  "أخي! أرجوك، اتركه، دعهم يذهبون!" غضب أخوها من كلامها، فصفعها وهو يهزّها بعنف  "وتتجرئين أن تدافعين عنه أمامي أيضًا؟!"

لم يتحمّل كريم، فتقدم نحوه ولكمه بقوة عدة لكمات، حتى ترك الرجل ذراع هبة محاولًا تفادي ضرباته.


أخرج الرجل الكبير سلاحًا ووجهه نحو كريم، فشهقت هبة بخوف و تصرخ " لا تؤذيه ارجوك " وهمّت لتقف أمام كريم لتحميه ، لكنه سحبها وأرجعها خلفه قائلًا بصرامة 

 "ابقي خلفي ولا تتحركي."

كانت نظرته صارمة ، فشلّت اعتراضها، فتشبثت به وهي ترتجف، تتنقل بعينيها بين تيم والرجال بخوف .


وما إن رأى عمر السلاح مصوَّبًا نحو كريم حتى أخرج سلاحه بدوره ووجهه للرجل قائلًا  "أمامك ضابط شرطة، أنزل سلاحك فورًا!"


لكن الرجل لم يكترث، وحدق بهبة بغضب  "هبة ستأتين معنا شئتِ أم أبيتِ! تعالي فورًا!"


صرخت هبة بصوت باكٍ  "لن أذهب معكم أبدًا!"


 تقدم نحوها غاضبًا الرجل الآخر ، و  مما أفزعها، وقال بسخرية جارحة "أنسمع من غريب أنك تسكنين مع رجل آخر وتلوّثين شرفنا؟! ألم تفكرين بسمعتنا ! "


اشتعل وجه كريم غضبًا، وانقبضت يداه حتى كاد يفتك به  فصرخ "ماذا تقول أيها الحقير؟!"

وكان على وشك الانقضاض عليه، لكن هبة أمسكت به برجاء مرتجف "لا تذهب، أرجوك!"

توقف كريم وهو يرى خوفها في عينيها، فانكسر اندفاعه، وتراجع بخطوات مثقلة، فيما ظلّ عمر متحفزًا.


بكى تيم فاحتضنه سديم محاولًا تهدئته، فدفن الصغير وجهه في حضن سديم، بينما هو كان يحتضنه بحنان وقلق، وعيناه تتابعان أخاه بخوف.


قال الرجل الكبير بحدة "لا يمكنها البقاء هنا بعد الآن، عائلتها أتت، وستذهب مع إخوتها ، أليس كذلك هبة ؟" نطق بكلماته الأخيرة مهددا ...


التفت كريم بدهشة لهبة وقال  "هؤلاء إخوتك؟"

أطرقت رأسها بأسف وقالت بصوت ممزوج بالخذلان وهي تنظر لهم 

 "نعم، إخوتي... وعائلتي التي أرسلتني للمجهول وتركتني أصارع الحياة وحدي. أين كنتم عندما مات حمزة؟ أين كنتم عندما كنت أتصل بكم وأستغيث؟! ما الذي تغير ؟ " كانت نبرة صوتها ترتجف بين خذلان و غضب و خوف ..


صرخ الأخ الأصغر عاصم "الآن جئنا! ابنتنا ستأتي معنا، وليس لك دخل بها بعد الآن !" قالها بنبرة قاسية لا تحمل أي رحمة و مهددا لكريم..


شحن الأخ الأكبر حاتم سلاحه ووجهه نحو تيم، صائحًا  "إن لم تأتِ الآن فسيحدث ما لا يعجبك!" 


تجمد الزمن للحظة، ارتجفت أوصال هبة وهي ترى فوهة السلاح مصوبة نحو صغيرها، فيما شعر كريم أن الأرض انسحبت من تحت قدميه، وكأن شبح الفقد يمد يده ليخطف روحه مرة أخرى.


صرخ عمر "أنزل سلاحك وإلا أطلقت النار!"

قال عاصم بغضب: "ماذا يعني أن تبقي مع رجل غريب وفي بيته أيضًا؟! هل  فكرتِ يومًا بما سيقوله الناس عنا؟! هل فكرتي بسمعتنا ؟! "


أخرج كلامه كلًا من هبة وكريم من صدمتهما، بينما تابع الأخ الأكبر 


 "الآن، إما أن تأتينا طائعة، أو.... " 

و لعب بسلاحه بينها و بين تيم و كريم . 

تشبثت هبة بكريم، شدّت على يده وهي تبكي برجاء "أرجوك، افعل شيئًا! إن ذهبت معهم سيقتلونني، أو يزوجونني ويأخذون تيم! افعل شيئًا، أرجوك!" انفجرت باكية ، وارتعشت كلماتها وهي تتشبث به ..

أمسك بيدها محاولًا طمأنتها وأرجعها خلفه بمحاولة منه طمئنتها و حمايتها.  


بينما عمر يحمي تيم وسديم بجسده، ونظراته لا تفارق المسلحين، كان كريم ينظر مطولًا للأخوين، وصدره يعلو ويهبط بقوة.

داخل قلبه دوّى خوف هائل من فقدهما، من أن يُنتزع منهما الآن، وهمس داخله بيأس "لا يمكنني أن أسمح لهم بأخذهم... أريدهم بجانبي!" 

كان ينظر لهولاء الرجال الذين بدواء يتقدمون نحوهم و عمر يصرخ بهم بلا فائدة ، و تيم و سديم بلا حماية كان قلبه يخفق بجنون عليه فورا ان يجد حل لهذا المشكلة .

طفت فكرة مجنونة في عقله " لن يستطيعوا أخذهم إلى مكان إذا كانت..."  

فرفع عينيه بثبات وقال بقوة "لن تأخذوهم الى اي مكان!"


ضحك حاتم بسخرية  "ومن تكون لتمنع أخاها من أخذها؟"

رد كريم بصوت ثابت كالصخر 


 "زوجها! سنتزوج أنا وهبة ، و لن يستطيع أحد أخذهما الى اي مكان  "

ساد صمت مزلزل، تبدلت ملامح الجميع، ارتخت يد الأخ عن سلاحه وهو ينظر لأخيه الأصغر بذهول، بينما عمر وسديم اتسعت أعينهما من الصدمة. أما هبة، فكانت الدهشة تمزقها وهي تنظر له، تدمع عيناها صامتة، فيما أصابع كريم تشد على يدها تأكيدًا لكلامه.

ضحك عاصم و قال " و هل سنصدق ؟ هل نحن اطفال امامك !؟ هبة تعالي معنا او ستندمين بشدة" قالها بنبرة كالسم مهددا..


رفع السلاح مره أخرى و وجهه نحو كريم و هو يصرخ بهبة أن تأتي ، و عمر من جهته يصيح بالرجال الاخرين ان يتوقفوا ..


تراجع كل من كريم و هبة و عمر للخلف بترقب و توجس منهم و خاف داخلهم " أنهم مدركين "

 قالوها في داخلهم و لكن صفارات إنذار الشرطة علت فجأة، فخافوا وانسحبوا بسرعة.


قال عاصم مهددًا "لن نسمح لك بالبقاء هنا بعد الآن. وسنعود لأخذك. ستندمين يا هبة!" 


غادروا على عجل، بينما كانت هبة تبكي بخوف.

اقترب منها كريم محاولًا تهدئتها.

"تيم..." قالتها بصوت ضعيف مرتجف.

التفت فوجد تيم مع سديم الذي كان قد أبتعد قليلا ليبعد تيم  عن المشهد، فتوجه كريم إليه ونادى تيم، فارتتمى الطفل في حضنه وهو يبكي وقد ارتجف جسده الصغير.


أخذه كريم وأومأ برأسه امتنانًا لسديم ، ثم عاد به إلى هبة.

أخذت طفلها واحتضنته بقوة، والدموع تغرق وجهها.


أما عمر وسديم، فقد كانا مذهولين ينظران لكريم، الذي تفادى نظراتهما وأدخل هبة وتيم إلى المنزل.


قال سديم بدهشة وهو يحدّق به "ما سمعته ورأيته... حقيقي؟!"

قال عمر "كنت سأكذبك لو لم أسمعه بأذني."

ثم أمسك هاتفه ليهاتف المركز، لكنه توقف والتفت لسديم قائلًا: "أعلم أنك تضع من يتعقب كريم ويحميه. أريدك أن تزيد عددهم في هذه الفترة . لا أستطيع أن أخرج  له أمر حماية رسمي  و..."

قاطعه سديم بثقة."سأتكفل بحمايتهم، لا تقلق. ولن أجعلهم يشعرون بذلك."

أومأ عمر برأسه ثم غادر، ولحق به سديم بعدها...



 *كريم*


كانت تسير بجانبي وهي تحمل تيم بصعوبة، تظهر عليها ارتعاشة من شدة البكاء والذعر. طلبت منها أن تعطيني تيم، لكنه أصر على البقاء مع أمه، متشبثًا بها بخوف.


دخلنا المنزل، وكل منا في حالة يرثى لها. طلبت منهم الجلوس على الأريكة، ثم ذهبت إلى المطبخ وأحضرت الماء.

كانت هبة تبكي بصمت وهي تحتضن تيم بقوة، كما لو أن أي لحظة فراق ستفقده.


اقتربت منهما وجلست بجانبها،  ومددت لها كأس الماء .

"هبة، اشربي بعض الماء."

التفتت إليّ بعينين ضبابيتين مليئتين بالدموع، أنزلت رأسها وبكت. أخذتُ تيم منها، وما أن أخذته حتى بكى هو أيضًا قائلاً "خفت كثيرًا يا بابا."

احتضنته، ووقفت لأخذه لغرفته، وجلست بجانبه حتى هدأ ونام في حضني. وضعته في سريره واطمأنت عليه، ثم عدت إلى هبة.


كنت أسمع شهقاتها وبكاءها، نظرت لها و لجرح حاجبها الذي تسبب به أخوها فذهبت و أحضرت علبة الاسعافات الاولية و تقدمت وجلست بجانبها، ومددت لها الكأس  مرة أخرى. أخذته بيد مرتعشة وشربت، أرتعشت يدها  فأخذته منها وضعته  على الطاولة. قلت بصوت حنون "أأنت بخير؟"

نظرت إليّ ودموعها تتساقط. حزنت لحالها، وأومأت برأسها بصمت. كانت ممسكة بذراعها، وأدركت أنها تتألم من قبضة ذلك الحقير.

فتحت العلبة و أخرجت قطنة بها مادة مطهرة فترددت يدي ، لمحت ما في يدي فنظرت لعيني مطولا لاشرد أنا بها و بتلك العينان الحزينه و المتعبة ، مددت يدي و عقمت لها جرحها بينما هي أغمضت عينها بألم .


أكملت و جلست بجانبها صامتًا أفكر بالذي حدث وبالكلمات التي قلتها 


سنتزوج… أنا وهبة… !


ما هذا الجنون؟ كيف قلت تلك الكلمات؟ كيف؟ أو لماذا قلتها؟!


صرخ صوت داخلي "يكفي إنكار! أنت تخاف أن تفقدها أو أن تبتعد عنك… تقبل أن هناك مشاعر لها بداخلك!"


قاطعني صوتها الضعيف الباكي 


"كنا أنا وتيم نرسم، ثم دق الباب، فظننت أنه أنت… ففتحت… لكن صدمت عندما رأيتهم أمامي."


شهقت وأكملت بصوت متحشرج "دخلوا بالقوة، وما أن صرخت، حتى تقدم أخي الأصغر يصرخ بي ويقول أنسمع من الغريب أنك…" ثم توقفت باكية.


كنت أستمع لها، وأشعر بألم داخلي حين أراها تتألم أو تبكي. أردت أن أضع يدي على كتفها وأمسح عليها بحنان، لكنني لم أفعل.


أكملت باكية  "تسكنين مع رجل غريب في بيته، وقال كلامًا سيئًا و جارحاً… حاولت أن أسكتهم وأطردهم، لكنهم سحبوني و تيم  معهم  وبعدها حدث ما حدث."


مسحت دموعها، ونظرت إليّ "سنذهب أنا وتيم من هنا… لا يمكنني أن أعرض حياتك للخطر بسببي."


عارضت كلامها بحدة 

"لن تذهبوا لأي مكان! أإذا كنت ستحميني، ستعرضين حياتكما للخطر!"


قالت بصوت خافت، وعيناها تدمعان "ولكن…"


توقف عقلي عن التفكير. ماذا إن لم تكن تريد الزواج؟ ماذا إن لم ترغب بقربي؟ ماذا لو تهورت؟ كيف لي أن أقرر بالنيابة عنها قرارًا مثل هذا؟

وفي الجهة الأخرى، كيف لي أن أتزوج بعد شفق؟ كيف لي أن أقول تلك الكلمة "زوجتي" لغير شفق؟! 

ما الذي وقعت فيه أنا؟!

لا يمكنني الانسحاب الآن، ولا أعرف كيف أمضي قدمًا بنتائج هذا القرار.


تنحنحت وقلت بهدوء  "ولكن… ماذا؟ أيوجد حل آخر غير ما قلته؟ أخبريني."


قالت  بقلة حيلة و هي تبكي "لا يمكنني أن أضعك بهذا الموقف… سأذهب معهم، وليحدث ما يحدث."

صمتت قليلاً، ثم تذكرت شيئًا وقالت بغصه "ولكن تيم… ابني، سيأخذونه مني."

وضعت يدها على وجهها وبكت.


قلت بعتاب واستغراب 

"أترضين بذهابك معهم والمجازفة بفقد تيم، على أن تبقي معي؟"


التفتت إليّ وهزّت رأسها نافية "لا… ليس هذا… لكنك قلتها بلحظة، كنت مجبرًا… وأنا لا أريد أن نكون عبئًا عليك، أو سبب شعورك بالذنب تجاه شفق."


صمتت، وجلست أفكر بكلامها.

ذكرى شفق تلوح أمامي، وشعور أنني قد أفقد تيم وهبة يبعثر عقلي و روحي.

تنهدت وحاولت أن أفرض على عقلي القرار.فقلت

"هبة… لا يوجد طريقة لبقاء تيم معك وبقائك هنا غير أن نتزوج. أعدك، سأحميكما ولن أسمح لهم بإيذائكما مرة أخرى."

قلتها و انا انظر لذراعها المتألمة…


همت لتتكلم، شعرت أنها تريد أن تعترض 

"سأذهب بعيدًا من هنا، و بعيدا عن  هذه البلد… هذا هو الحل." قالتها بتردد بدأ واضحا..


بدأ الغضب يتسلل داخلي، لماذا تريد الرحيل وتصر عليه؟ يبدو أنها لا تريد البقاء معي…


حدقتها وقلت 

"ألا تريدين البقاء معي؟ أقصد هنا؟"

حدقت بي مطولًا، وعيناها تبرقان بخفة، ثم أنزلت عينيها وصمتت.


طال صمتها، فقلت 

"ما فهمته من صمتك أنك لست موافقة. إذاً هيا لنحزم أمتعتنا ونذهب من هنا… وسأتي معكم، فلا يمكن أن أترككم لوحدكم."

هممت للذهاب لغرفة تيم، لكن صوتها الخائف المتردد أوقفني "موافقة."


التفت لها وارتاح داخلي 

"موافقة على عرضي بالزواج منك؟"

هزت رأسها وقالتها مرة أخرى بارتباك وتوتر.


حاولت أن أطمئنها 

"كل شيء سيكون بخير، لا تخافي. والآن، اذهبي وارتاحي."

علت وجهها ملامح مطمئنة و أنسحبت بهدوء لغرفة تيم  ، دموعها كانت تزعج قلبي ، لكنها أبتسمت بخفه  فجعلتني أطمئن.

أتصل بي عمر، فاستأذنت وخرجت.




حل المساء، وكريم جالس يفكر ويعيد التفكير بما سيعمله وقراره… جانب منه يشعر براحة غريبة، وجانب آخر يشعر بالذنب وتأنيب الضمير.


أتى عمر وجلس بجانب صديقه، فسأله إن كان بخير، فهز كريم رأسه بشرود.

تحدث مفكرًا بصوت عالٍ 

"عمر . هل ما فعلته كان صحيحًا؟ أم أنني سأندم؟ هل خنت شفق؟ كيف أفهم قلبي أن شفق لا تُنسى أبدًا؟ كيف… كيف أفهمه أنني خائف من رحيلهم؟"


تحدث عمر 

"كريم، عليك أن تصحوا من كابوسك ، فأنت لازلت  تحيا في جرحك كانك مدفون معه ، لا تفكر كثيرًا وترهق عقلك بذلك. انظر لها كإشارة من الله لك ، و فرصة للبدء من جديد. ستكونون داعمًا لبعضكم البعض ، ودواءً لجروحكم."


نظر كريم لعمر، بدا عليه أنه يلين لكلامه، لكنه قال بحزن واضح في صوته "ولكن شفق…" 


جلس عمر صامتًا لبرهة، ينظر إلى كريم وكأنّه يقرأ ما في صدره، ثم قال بصوتٍ هادئ 

"شفق ستظل دائمًا ذكرى جميلة في قلبك، وبالتأكيد لا أحد سيأخذ مكانها يا كريم. ستبقى في قلبك للأبد، لكنك  لا تزال على قيد الحياة. الحياة لا تطلب منك أن تنساها، بل أن تُكمل الطريق الذي توقّف عندها. أنت لا تخونها حين تبحث عن سند جديد، بل تخون نفسك إن دفنت قلبك معها."


وضع كريم يده على رأسه ودفن وجهه بين كفيه، حائرًا، وفي داخله صراع مؤلم.

ارتجفت أصابعه فوق جبينه وكأنّه يخشى أن ينفلت منه حزنه ويطفح أمام صديقه.


ربت عمر على كتف كريم وقال

"إنها ليست مصادفة. الله لا يجمع الأرواح اعتباطًا. ربما جُرحك وجُرحهم خُلقا ليلتئما معًا. انظر إليهم جيدًا يا كريم، ستجد أنك أنت أيضًا بحاجة إليهم بقدر حاجتهم إليك."


صمت عمر، وطال صمتهما، وظل بجانبه. مرّ القليل من الوقت فتحدث عمر  بجدية "كريم، يجب أن نبدأ بالإجراءات بسرعة لكي لا يفتعلوا مشكلة أخرى."


رفع كريم رأسه ونظر لعمر بتعب، ثم أنزله ثانية. فقال عمر  "كريم، إنهم يحتاجونك، فتشبّث بهم. وأنا سأسرع الإجراءات وأحاول إنجازها بحلول الغد."


رفع كريم رأسه بدهشة وقال "لماذا هذه السرعة؟!"


"أنت لا تعرف أخوتها وكم أنهم خطيرون، لذلك علينا العجلة."


رأى عمر تردد كريم وخوفه فقال 

"إذا كنت غير مستعد أو غير متأكد، تراجع، فما زال الوقت مبكرًا."


رفع كريم رأسه وقال: "ولكن… إذا تراجعت، سيأخذونهم ويذهبون و…"


بدأ صبر عمر ينفد وتحدث 

"أنت لا تعرف ماذا تريد. جانب منك يريد أن يبقوا معك وتمارس لهم دور الاب و الحامي ، وجانب آخر لا يزال رافضًا بأنك تعلقت بهم وأحببتهم. كريم، قلت لك من قبل: فتّش في داخلك، لا تهرب من الإجابة . اسأل نفسك: متى تكون سعيدًا؟ معهم أم من دونهم؟ متى تتنفس بارتياح، بجانبهم أم وحيدًا؟ متى يبتسم قلبك، بجانبها أم وحيدًا؟ اسأل نفسك… وأظن أنّ كلينا يعرف الإجابة."


كان كريم يستمع له وكأنه ضائع في بحرٍ من الأسئلة والحيرة.

عيناه الزائغتان أشبه بطفل فقد طريقه في غابة مظلمة.


ساد الصمت بينهما، تنفّس عمر بعمق ثم قال بنبرة صارمة ولكنها مشبعة بالحنان 

"كريم… الفرق بينك وبين الموتى، أنك ما زلت قادرًا أن تختار. فإما أن تختار أن تظل قبرًا مفتوحًا لشفق، أو تختار أن تكون حياةً جديدة لنفسك و لغيرك… القرار بيدك وحدك."


وقف عمر وقال "أنا سأذهب الآن، وأنت نم وارتَح وفكّر جيدًا، ولا تقلق بخصوص حمايتكم، سأتولى الأمر."


خرج عمر من الملحق، فرأى هبة تفتح باب منزلها وتخرج، ووجهها يحكي خوفها وذعرها. تقدم نحوها فسألها عن حالها، فاكتفت بهز رأسها. ثم التفتت له وقالت مباشرة 

"أنا متأكدة أن أحدًا أخبرهم بمكاني."


ركز عمر معها وسألها  "من؟! أتشكين في أحد؟"


شردت قليلًا وهي تتذكر أن هيثم  قبل يومين أرسل لها رسالة وهو يعيد عرضه عليها، لكنها رفضت، فأرسل لها  "ستندمين بشدة على رفضك هذا."


هزت رأسها لتخرج نفسها من شرودها وأجابت "نعم، أشك في هيثم."


اتسعت عينا عمر بتعجب فقال "وما الذي جعلك تقولين هذا وتكوني متأكدة إلى هذا الحد؟"


قالت "لقد أخبرني أخي، عندما دخلوا وحاولوا أخذي، قالوا إنهم سمعوا من غريب أنّني… " 

وترددت 

 قليلًا وكأن الكلمات تقطع حنجرتها … فقلت لهم: ممّن سمعتم؟! فقال أخي:

 من شخص يحبك."


نظرت له بقوة وقالت: "إنه هيثم، وأنا متأكدة. حاول أن ينتقم مني لأني رفضته، فقرر أن يشوّه سمعتي وشرفي أمام أهلي، وكان يعلم أنهم سيأخذون تيم مني، فسيكون هذا أفضل انتقام." وأخرجت هاتفها لتريه الرسائل.


فكّر عمر بكلامها ورأى تلك الرسائل، وبدأ شكه يزداد نحو هيثم.

قال: "حسنًا، أمر هيثم عندي. ولا تخبري أحدًا عن هذا الأمر. لكن الأهم الآن سلامتكم. ادخلي وأغلقي الباب والنوافذ، ولا تخرجوا بمفردكم إلا لو كان كريم معكم. وأنا سأحاول أن أؤمّن حماية لكم. والبلاغ قد قُدم، وإخوتك الآن مطلوبون، وإذا وجدناهم سيسجنون."

أومأت بصمت.


استأذن عمر وهمّ بالذهاب، فأوقفته هبة وقالت بتردد:

"أ… كريم… أهو بخير؟" قالتها بخجلٍ واضح.


التفت إليها عمر وابتسم: "إنه بخير، لا تقلقي."

أومأت له بنظرة شكر وذهبت.



وفي صباح اليوم التالي…

جلس كريم عند قبرها وفرش الورود عليها، كان صامتًا لا يعرف كيف يبدأ حديثه،  ريح باردة لامست وجنتيه . تنهد بحزن وتكلم معها وكأنها أمامه، كلام مبعثر لكنه يحكي ألمه:


"شفق، أنا أحبك كثيرًا، وحبك في قلبي لن ينقص أبدًا، ولكن…" غصّ صوته وكأن قلبه يمزّق صدره من الداخل "ولكنني قمت بشيء صعب على قلبي… سأ… سأتزوج يا شفق."


وصمت وهو يحارب دموعه ليكمل بصوت متحشرج: "نعم، سأفعلها. فأنا تعبت وأريد أن أرتاح قليلًا. دُفنت وأنا حيّ، لكن معهما شعرت وكأني حييت مرة أخرى. سأفعلها لأحميهم، ولكي أكون بجانبهم… لتتعافى روحي ويترمم قلبي الذي أصبح أنقاضًا بعد رحيلكم."


بكى كريم وهو يخرج ما في داخله:

"لا أحد يعلم أن الميت الحقيقي ليس من دُفن في التراب، بل من بقي حيًّا! شفق، كانت أطول وأبشع سنة مرّت في حياتي، وما مرّ يوم عليّ سهل… كلها كانت عظام!"


نقل بصره لقبر تيم وقال باشتياق موجع:

"صغيري… كم اشتقت لك. كل صباح أستيقظ وأتذكر لمساتك الصغيرة لي… وروحي تتقطع لفراقك."


ابتسم وهو يتذكر تيم وهبة ليقول:

"أتوا ودخلوا حياتي كالنسمة الباردة في عز الحر… تعلقت بهم، ووجدت مع تيم سببًا للتعلق بالحياة من جديد… ووجدت معها سببًا للبداية من جديد."


وقف وسكب الماء على قبرهما وقال بصوت باكٍ وبحب:

"مكانتكما في قلبي لن تتغير، فأنتما الأولان دائمًا."

انحنى قليلًا، لامس بيده التراب وكأنه يودّع قلبه المدفون تحته و دعا لهما وغادر.


_________


في مكتب الشرطة، كان عمر ويوسف يتشاوران بخصوص المستجدات الجديدة ودخول هيثم كمشتبه.

قال يوسف وهو يجلس بجانب عمر:

"لكن لا يمكننا استدعاؤه أو اتهامه من دون دليل ملموس، فكلام هبة وحده لا يكفي." 


كان عمر ينظر إلى هاتفه بتركيز، ثم ارتسمت على وجهه علامات الدهشة، فمد الهاتف نحو يوسف قائلاً:

"تقدّمنا بطلب استعلام عاجل لشركة الاتصالات، وجاء الرد " صمت قليلا ليرى ردة فعل يوسف و أكمل " أنظر  هاتف هيثم التُقط في نفس البقعة الزمنية التي وُجد فيها إخوت هبة أي بالقرب من بيت كريم ." 


أخذ يوسف الهاتف ودقق النظر في العنوان، ليجده بالقرب من بيت كريم فعلا !. تبادلا النظرات وهما يفكران في طريقة لاستدعائه أو كشفه، ثم بدآ يدققان في ملف القضية من جديد.


عاد كريم إلى المنزل وطرق الباب ليعطيهم الخبز كعادته في الصباح. طرق عدة مرات، لكن لا رد.

 تسللت رعشة خوف إلى صدره، ودار السؤال في ذهنه: "أيمكن أن تكون رحلت هي وتيم؟ أم أن إخوتها أخذوها؟" 


أخرج مفتاحه ودخل، فوجد البيت خاليًا، مرتبًا، لا يحمل أي أثر لعراك. ذهب إلى غرفة تيم وفتح الخزانة ليجدها كما هي.

تمتم بقلق: "إلى أين ذهبا… وفي هذا الوقت؟" 



كانت هبة قد أوصلت تيم إلى الروضة، لكنه تشبث بها وهو يبكي:

"لا أريد الذهاب… ماذا لو أتوا هؤلاء الرجال مرة أخرى؟ أنا خائف، لا تتركيني!" 


انحنت عليه وقبلته وحاولت تهدئته بصوت حنون مرتجف:

 "تيم بني، لا تخف… لن يأتوا مرة أخرى. ألم ترَ كيف خافوا وذهبوا؟ ثم إني لن أتأخر… سأذهب سريعًا وأعود لأبقى معك في الروضة، ما رأيك؟" 


رفع رأسه إليها وقال: "لن تتأخري؟ عديني." 

هزت رأسها مؤمِّنة وقبلته، ثم أوصت معلمته بشدة ألا تسلمه لأحد غيرها، وغادرت.


حاول كريم الاتصال بهبة، لكن هاتفها كان في المنزل. فكّر أن يتصل بعمر ليخبره باختفائها المفاجئ، ثم تراجع وقرر الانتظار قليلًا.

راح يدور في أرجاء المنزل بقلق، حتى وقعت عيناه على مكان حقيبة تيم. لم يجدها. 

قال غاضبًا وهو يزفر:  "أيعقل أنها أخذته للروضة… وهي تعرف خطورة الوضع؟!" 


خرج مسرعًا متجهًا إلى الروضة.


وقفت هبة أمام مكتب هيثم. 

قلبها يرتجف، والخوف ينهشها، لكنها ألبست ملامحها قناع القوة كان المكتب مليئ  بالموظفين و هذا جعلها تطمئن قليلا . وطرقت الباب.


سمح لها بالدخول، وما إن رآها حتى ابتسم بمكر قائلاً بنبرة ضاحكة:

"أوووه… السيدة هبة أتت لزيارتي، يا لي من محظوظ." 


اقترب منها أكثر، وابتسامته تحولت إلى نظرة زاحفة تثير الرعب في قلبها. قال:

"هل غيّرتِ قرارك… ووافقتِ؟" 


ابتعدت بخوف، لكنها قالت بصوت قوي:

 "أنت من أخبر إخوتي، صحيح؟ أتظن أن بهذه الطريقة ستجعلني أوافق؟" 


ضحك هيثم وجلس واضعًا ساقًا على ساق، وقال ببرود قاسٍ:

 "أخبرتهم بما يستحقون أن يعرفوه…. ليكن درسًا لكِ… فأنا لا أحب أن أخسر شيئًا أريده." 


صرخت هبة بغضب:  "أنا لست شيئًا أو غرضًا تريده فتأخذه!" 


وقف هيثم بعصبية واقترب منها بسرعة، فعادت للخلف بخوف وهي تصرخ أن يبتعد. حاصرها بجسده وثبتها على الجدار، وقبض على ذراعها بقوة، وقال بصوت خفيض مخيف :

 "ما أريده أحصل عليه… بالرضا أو بالقوة… أو أضمن أن لا يكون لغيري أبدًا." 


اتسعت عيناها رعبًا، وحاولت دفعه و الافلات منه فلم تستطع، بينما هو ضحك ساخرًا وابتعد قليلًا.


ركضت نحو مكتبه وأمسكت كأس ماء وهي تهدده :  "ابتعد… وإلا…" 

نظر لها باستهزاء وقال:  "وإلا ماذا؟ ماذا ستفعلين بالكأس؟" 


شدّت الكأس بقوة فانكسر بيدها، فجرحت نفسها. تبدلت ملامحه فجأة للقلق، وتقدم منها بسرعة قائلاً:

 "ماذا فعلتِ؟! يدك تنزف." 


حاولت أن تسحب يدها لكنه أمسكها بقوة وقال:

 "لا تتحركي… توجد قطع زجاج في يدك." 


أخرجها من يدها بحذر، ثم قال: "لا تتحركي… سأحضر المعقم." 

استدار ليأخذ علبة الإسعافات، وفي غفلته أخذت هبة قلمًا من طاولته وخبأته في جيبها بمنديل.


عاد إليها، فلما رآها ارتبكت. مد يده ليساعدها، لكنها قالت بحدة:

 "أبعد يدك… لا أريد مساعدتك. ابتعد وإلا سترى مني ما لا يعجبك." 


وقف يتأملها معجبًا بقوتها رغم غضبه، ثم ابتسم ابتسامة مريضة. أما هي، فخرجت مسرعة والدم يقطر من يدها.


في الخارج، فوجئت بعمر واقفًا أمامها، وجهه يشتعل غضبًا. أشار لها أن تتبعه بعيدًا عن الشركة، فسارت خلفه بتوتر.

عند سيارته، التفت نحوها وهمّ بالكلام، لكن عيناه وقعتا على يدها النازفة. اتسعت حدقتاه وقال بقلق شديد:

 "يدك… تنزف! هل هيثم فعل هذا؟ أقسم أني سأعتقله حالًا، هذا الحقير…" 


همّ بالتحرك، لكنها أوقفته بسرعة:

 "عمر… اهدأ. أنا من جرحت نفسي." 


نظر إليها مصدومًا، فأخرجت القلم الملفوف بمنديل وقالت:

"ذهبتُ إليه من أجل هذا… لا أفهم كثيرًا في أمور الشرطة، لكنني فكرت أن أعطيك شيئًا عليه بصماته… ربما يتطابق مع ذلك المنديل. لا أعلم إن كان سينفع… ربما لا يفيد." 


كانت كلماتها الأخيرة تنزل بخيبة أمل. لكن عمر أمسك القلم بعينين متسعتين وقال بجدية:

 "بل سيفيد… ويفيد كثيرًا."


ارتسمت ابتسامة على وجهها، فيما أخرج عمر صندوق الإسعافات من سيارته وأعطاها المعقم والشاش، فعقمت جرحها وضمدته.

ارتدى عمر  قفازًا من حقيبته ووضع القلم في كيس بلاستيكي شفاف، ثم قال: سنوديه للمختبر رسميًا ونطلب مقارنة البصمات."


ثم رفع نظره نحوها وقال بنبرة عتاب حانية:

 "ما فعلتِه مجازفة كبيرة يا هبة. ألم أقل لكِ ألا تخرجي وحدك؟ لقد وصلتُ فور خروجك… لو كنتِ بالداخل لاقتحمت المكان. لقد عرضتِ حياتك وحياة تيم للخطر." 


أنزلت رأسها بصمت، فعرف أنها تأثرت. قال بنبرة أخف، وبابتسامة فخورة:

 "لكن… كان تصرفًا شجاعًا منك." 


رفعت نظرها نحوه، وطرف ابتسامة بدا يظهر. أكمل قائلاً:

 "عديني فقط ألا تكرري مثل هذا… وأي فكرة مجنونة تخطر لك، أخبريني بها أولًا." ضحك وهو ينهي عبارته.


ردت بصدق: "ذهبت لأتأكد… وشكوكي كانت في محلها. هو من أخبر إخوتي. وأردت أن أجد أي خيط يساعدك في الإمساك به." 


قال عمر بصرامة: "هبة، من هو الشرطي هنا؟ هذه مهمتي أنا. لا تتدخلي مجددًا. والآن لنذهب ونأخذ تيم." 


ركبت السيارة بجانبه، فعلق بابتسامة:

"كريم ذُعر من اختفائكم… لقد قلق كثيرًا."


تبدلت ملامحها للحزن وشعرت بالذنب.

قطع شرودها سؤال تبادر الى ذهنها، فقالت:  "كيف عرفت مكاني؟" 

ابتسم وهو يرفع حاجبه:  "أتسألين ضابط شرطة هذا السؤال؟" 

التفتت للأمام محرجة، فيما هو تذكر اتصال سديم الذي أمده بموقعها.


أوقف عمر السيارة أمام الروضة، فشاهدوا كريم واقفًا، ملامحه متوترة.

قال عمر بسرعة:  "لا تخبريه أنكِ قابلتِ هيثم." 

هزت رأسها موافقة.


لكن عمر التفت ليدها وقال مفكرًا:  "هذا الجرح… إن رآه كريم فلن  يكون جيدًا."

غطّت الضماد بكمّ واسع  وقالت:  "جرح صغير… لن يُرى." 


نزلت من السيارة، وتبعها عمر.


ما إن لمحها كريم حتى خفق قلبه بقوة، وهدأ جزء من قلقه. لكن نظرته حملت غضبًا مكتومًا وهو يقول بحدة:

"إلى أين ذهبتِ؟ ولماذا لم تخبريني؟ ألا تعلمين خطورة خروجكم؟! قلقت عليكما… ذعرت… خطر في بالي ألف احتمال…" 


توقف محاولًا تهدئة نفسه، فيما التزمت هي الصمت، تعرف أن قلقه هو سبب عتابه.


قال عمر ليفك التوتر:  " كريم ، لنأخذ تيم ونذهب." 

تقدمت هبة وقالت:  "سأحضره أنا."  ودخلت مسرعة، وكأنها تهرب من نظرات كريم.


حدق كريم بعمر وسأله باستغراب:  "لماذا جاءت هبة معك؟" 

فكّر عمر ثم قال: "أتت لمركز الشرطة بخصوص البلاغ ضد إخوتها. صادفتها هناك وأصريت أن أوصلها بعدما أخبرتني أن تيم بالروضة… هذا كل ما حدث." 


تفحصه كريم بنظرة متفحصة، وقبل أن يرد، ركض تيم نحوه صارخًا:

 "بابا!" 

احتضنه كريم وقبله بحرارة، فذاب قلبه. ثم أوصلهم عمر جميعًا إلى المنزل.

وقف كريم وهو لا يزال يحمل تيم، ثم نظر إلى هبة وقال بصوت خافت مرتجف:

"هبة، لا تفعليها مرة أخرى… لقد خفت عليكم كثيرًا."

نُطقت كلماته الأخيرة بضعفٍ لم تستطع هبة تجاهله.

التفتت إليه بارتباك، وعيناها هربتا إلى الأرض، تشعر بالذنب لأنها جعلته يقلق، ثم أومأت برأسها بصمت.


سلّمها تيم، وتأكد أن كليهما دخلا المنزل، قبل أن يتجه إلى الملحق ليستريح من تعب أفكاره المثقلة.



"كلمة واحدة قلبت الموازين: 'سنتزوج'.. فهل تكون طوق نجاة أم بداية لصراع أخطر؟ وماذا يخبئ هيثم من انتقام؟ انتظرونا في الفصل القادم!"



يتبع...



google-playkhamsatmostaqltradent