recent
جديدنا

صدى الالم الفصل الثالث عشر

Wisso

                    رواية صدى الالم    

                          بقلم سجى إمام 





في الشركة، جلس سديم خلف مكتبه يتفقد رسائل الرجال الذين أوكلهم بحماية كريم وهبة وتيم.

تنفس بارتياح حين تأكد أنهم عادوا إلى البيت سالمين، لكن سؤالًا لم يهدأ داخله  "لماذا ذهبت هبة إلى هيثم في هذا الوقت بالذات؟" 


طرق الباب، فأذن بالدخول.

دخل عمر، فنهض سديم مرحبًا وأشار له بالجلوس.


بعد حديث قصير بينهما، قال عمر مباشرة دون مقدمات 

"سأكون صريحًا…  و ما سأقوله سيكون صادماً .  سديم نحن نشك في هيثم."


ارتبك سديم واعتدل في جلسته، ثم قال بدهشة  "هيثم؟! بخصوص ماذا تشك به؟!"


سكت عمر لحظة وكأنه يختار كلماته، ثم قال بجدية 

"سديم، لقد لمست الصدق في كلامك، ورأيت ندمك، وأؤمن أنك تريد مساعدة كريم بصدق… لذلك إن كنت صادقًا فعلًا…"


قاطعه سديم بحزم 

"عمر، ثق بي… وتحدث."


كان عمر واثقًا هذه المرة، فحكى له كل شيء: شكوكه حول هيثم، المنديل، الحادث، وحتى حادثة إخوة هبة.


كان سديم يصغي مذهولًا، عيناه تتسعان مع كل كلمة، حتى قال بصدمة

"هيثم…! لا يمكن!  لكن لماذا؟!"


صمت مفكرًا، والدهشة مرتسمة على وجهه.

قال عمر بهدوء

"لا نعرف لماذا… لكن الأهم الآن أن نتأكد. إذا تطابقت بصمات هيثم مع بصمات المنديل… فهذا يعني…"


أكمل سديم منفعلاً 

"يعني أن هيثم هو القاتل."


هز عمر رأسه موافقًا.


سديم "متى ستظهر النتائج؟"

عمر  "غدًا أو بعده… لكن سديم، يجب أن يبقى هذا الموضوع بيننا فقط."


أومأ سديم موافقًا. همّ بالكلام، لكن هاتفه رن.

رد بسرعة، وما إن سمع ما قيل له حتى وقف بقلق ظاهر.


اعتدل عمر في جلسته وقال بحدة "ماذا حدث؟!"


أغلق سديم الخط ببطء وقال بجدية 

"لقد أمسك رجالي بإخوة هبة قرب بيت كريم."


وقف عمر مصدومًا 

"هل وصلوا لهم… أم…"


قاطعه سديم محاولًا طمأنته "لا تقلق… رجالي أمسكوا بهم قبل أن يقتربوا. الآن يمكنك أخذهم لمركز الشرطة."


قال عمر بجدية 

"لا يمكنني أخذهُم منك هكذا… أخبر رجالك أن يسلموهم لأقرب مركز شرطة " صمت قليلا مفكرا و قال " أو خذني إليهم الآن."


سديم  "حسنًا، لنذهب."

وغادرا معًا.


في ذلك الوقت، خرج كريم واتجه نحو باب منزل هبة وطرقه.

فتحت له، فتنحنح قليلًا وقال وهو يشيح بنظره عنها 

"أ… أتيت لآخذ منك هويتكِ أنتِ وتيم."


أشارت له بالدخول وأخبرته أنها ستحضرها، ريثما يجلس قليلًا.


دخل كريم هذه المرة بعين مختلفة… تأمل البيت بصمت، وقلبه يحاول التعافي.

وقع بصره على غرفته القديمة التي كان يشاركها مع شفق، فابتسم بحنين ، جلس على الأريكة ينتظر هبة.

بعد دقائق، عادت هبة ومدت له بيد مرتجفة البطاقات.

أخذها، لكنه سرعان ما لمح جرحًا في يدها، فتجمد قليلًا ثم وضع الهويات جانبًا وأمسك بيدها قائلًا بقلق 

"كيف حدث هذا؟!"


ارتبكت هبة من قربه ولمسته، فسحبت يدها بلطف واحتضنتها قائلة بصوت خافت 

"حدث عندما كنت أطبخ… مجرد جرح صغير، لا يهم."


ظل ينظر إلى يدها بتركيز، ثم رفع بصره لعينيها… كانت نظراته تقلقها وتربكها، فهربت بنظرها بعيدًا عنه، كأنها تبحث عن مهرب من تلك المواجهة.


قطع صمته بنبرة ثابتة 

"لم يتبقَّ سوى بعض الإجراءات… سأُكملها اليوم و…"

صمت، مترددًا.


التفتت هبة نحوه وقالت بحذر

"كريم… لا تجبر نفسك علينا. نحن نستطيع الاعتناء بأنفسنا. إن أردت التراجع، لن أحزن منك او ألومك… سأحزن فقط إن أجبرت نفسك على أمرٍ لا تريده."


كانت كلماتها تحمل صدق قلبها؛ لا تريد أن تثقله بالندم أو تحمله علاقة معقدة تجرحه أكثر.


أخذ كريم الهويات ووضعها في جيبه، ثم رفع عينيه إليها وقال بثبات  "لن أتراجع… اسمحي لي أن أكون أبًا لتيم، وسندًا لكم."


تأملها لحظة، وعيناه تحملان عزيمة هادئة، ثم أكمل وهو يهم بالخروج 

"سأكمل الإجراءات وأخبرك." وغادر.


تركت كلماته أثرًا غريبًا في قلبها… ارتباك، خوف، حيرة، لكن معها طمأنينة وأمان لم تعرفه من قبل. حتى رعشة قلبها تحولت إلى دفء خفي يملأ صدرها.


في مكان احتجاز إخوة هبة، توقفت سيارة سديم.

قال عمر وهو يفتح الباب 

"سأدخل أنا وحدي و أحل الأمر . ابقَ هنا، يجب ألا يرَوك ولكي لا يعرف هيثم أنك طرف في الأمر "


اعترض سديم، لكن عمر أقنعه، فنزل وحده.

كان الإخوة مربوطين وحولهم رجال سديم. ما إن رأوا عمر حتى صرخ عاصم غاضبًا

"فك يدي حالًا! ماذا تريد منا؟!"


وقف عمر أمامه بهدوء مريب، لم يتكلم، مما زاد من غضبه الذي أخذ يسب ويصرخ بجنون.

أما حاتم فظل صامتًا، عيناه تلمعان ببرود مخيف.

" مابك لماذا لا تتحدث ؟!" قالها عاصم بغضب حارق..

ابتسم عمر بسخرية و إستفزاز وقال

"لا أرى أمامي إنسانًا يستحق أن أضيّع وقتي بالكلام معه."


اشتعل غضب عاصم أكثر، لكن حاتم رفع يده ليُسكت أخاه، ثم التفت إلى عمر قائلًا بهدوء ثقيل

"ما الذي تريده؟"


سحب عمر كرسيًا وجلس أمامهما، وقال بنبرة قوية

"يوجد بلاغ ضدكما في الشرطة، ويمكنني أخذكُما فورًا إن اردت … لكن لن أفعل " صمت و هو ينقل عيناه بينهم قائلا " بشرط "


حدق به حاتم 

"وما هو الشرط؟"


"أن توافق على زواج هبة… وتبتعدوا عنها للأبد ، موافقتكم مقابل حريتكم " 


اتسعت عينا عاصم وصاح بغضب "لا! لن نسمح لها بالزواج من ذلك الرجل!"


لكن حاتم قال ببرود 

"حسنًا… سأوافق. لكن بعد هذا الزواج، هي لم تعد أختنا ولا ابنة لعائلتنا." 


التفت عاصم مصدومًا له 

"أخي! هل نسمح لها هكذا بالزواج منه؟!"

نهض عمر ببطء و هو يستمع ل حاتم يجيب ببرود 


"كانت مشكلتنا أنها تعيش معه من غير أي رابطة. الآن ستتزوج، انتهت المشكلة وانتهت علاقتنا بها إلى الأبد." هم عاصم ليتحدث و لكنه أسكته و أكمل كلامه " إذا متى ستحررنا" 


 تحدث عمر و هو يهم بالخروج "سأعود غدًا… وأخرجك .  لكن في الحال أنتم هنا ."


تركهم وسط صراخ عاصم، وخرج ليصعد إلى السيارة حيث ينتظره سديم.


سديم بقلق  "كنت أسمع صراخًا… ما الذي حدث؟"

عمر مبتسم "لا شيء… فقط كنت أستفزهم قليلًا."


سديم: "وهل وافقوا على العرض؟"


عمر بثقة "بالطبع، أمامك شرطي محنك… لا أحد يرغب بالسجن."


ضحك و هو يقول " لو رأيت فقط وجوهم كيف اصبحت عندما اخبرتهم بشرطي " 

ضحك الاثنان...


في منزل هيثم، أنهى مكالمته مع شقيقته التي يطمئن عليها وعلى طفلتها.

أمسك هاتفه واتصل بعاصم ، لكن لم يرد أحد.

زفر بضيق و جلس و هو يتذكر اتفاقه معه

"ستأخذ هبة وتحضرها لي… أنا من سيتزوجها، وأنت ستأخذ المبلغ الذي تريده."كانت عين عاصم يومها تلمع بالطمع فوافق فورا ...

رمى هيثم هاتفه على الطاولة بعصبية 

"لماذا لا يرد هؤلاء الأغبياء؟!"

ثم اتجه إلى غرفته لينام.


في المساء…


كان تيم يلعب بهاتف هبة، حتى ظهرت رسائل متتالية.

سارعت هبة وأخذت الهاتف بلطف لتقرأ… كانت من كريم.

أرسل يخبرها أن عمر أتم كل الإجراءات… وأن عقد القران سيكون غدًا!

ارتجفت يدها، ونشف حلقها


"غدًا… عقد قراني أنا وكريم؟ يا إلهي…"


وضعت يدها على صدرها الذي يعلو ويهبط بارتباك، لكن ابتسامة صغيرة تسللت إلى وجهها

"سيكون كل شيء بخير… لا تقلقي."

أشارت لتيم أن يقترب، فاحتضنته بشدة وقبّلته بسعادة.


جلست معه ثم قالت بحذر 

"تيم، حبيبي… ما رأيك بكريم؟ أتحبه؟"

ابتسم الصغير بحماس وهز رأسه قائلًا 

"نعم! أحبه كثيرًا… هكذا!"

وفتح ذراعيه على اتساعهما.


ضحكت هبة وربتت على شعره. ثم قالت بصوتٍ خافت متردد 

"تيم… صغيري… أنا وكريم… سنتزوج."


فتح تيم عينيه بدهشة، فأكملت بهدوء  "سنكون نحن الثلاثة عائلة… سنبقى معًا دائمًا."


أشرق وجه تيم بابتسامة كبيرة، وصفق بحماس 

"يعني بابا كريم سيكون معنا دائمًا؟!"

 

اغرورقت عينا هبة بدموع خفيفة وهي تهز رأسها بابتسامة، فاحتضنها تيم وهو يهتف بفرح طفولي نقي.




في الصباح، كان كريم مستلقيًا على سريره، يحدّق في السقف بشرود، فلم يذق طعم النوم تلك الليلة.

تضاربت في صدره الأسئلة: هل ما يفعله صواب؟ هل خان بهذا قراره بالوفاء لشفق؟


نهض فجأة، توضأ وصلّى مرة أخرى صلاة الاستخارة، رافعًا يديه بالدعاء بصوت متهدّج، يطلب من ربه أن يجبر كسر روحه.

جلس بعدها يسبّح ويستغفر، فأحس بهدوء يتسلّل إلى صدره المرهق كنسمة باردة . حين اطمأن قلبه، قرّر أن يبدأ يومه بزيارتهما.


دخل المقبرة بخطى متردّدة، توقّف أمام القبرين، أبعد الورد الذابل وسكب الماء، ثم نثر وردًا جديدًا.


جلس إلى جانبهما، يبتسم بعينين ضبابيتين، وأصابعه تتحسّس تراب قبرها.

وكعادته، بدأ يكلّمهما وكأنهما يسمعانه "شفق... اليوم سأبدأ صفحة جديدة بيضاء، خالية من ألم الفقد..." قالها بصوت متحشرج.


مدّ يده نحو قبر تيم، ومسح التراب بخفة "ابني... روحي... شفق يا نفسي، ستبقون دائمًا في قلبي، مهما حدث.  سأحاول ان أنهض على قدمي و أكون أقوى ، سأكمل ما لم نكمله معًا، كنت دائما ما تريدين نفتح  مكتب اكبر و أن نوسع عملنا سافعلها باذن الله،  كنتي تريدين ان ابننا يكبر و يدرس و يتلقى أفضل تعليم و هذا ما بداءت به مع  تيم الصغير... كل ما تمنيتماه سأحاول تحقيقه."


ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، ثم وقف وهو يهمس بصوت باكٍ "إلى اللقاء... سأتي دائمًا، لن أترككما وحدكما أبدًا."

رفع يده بالدعاء، ثم انسحب،  مر على قبر حمزة فسكب عليه الماء و دعى له و خرج من المقبرة و وقف زافرًا زفرة طويلة كأنه أخرج معها ثِقَل صدره.


رنّ هاتفه، كان عمر يخبره أن أخا هبة حاتم وافق وسيكون هو وليّ أمرها في العقد.

استغرب كريم وقال بحدة متسائلة "كيف وافق بهذه السهولة؟"

حاول عمر المراوغة

"كريم، لا تشغل بالك . يكفي أنه وافق. أم أنك تراجعت؟"

ردّ كريم بتنهيدة

"لا، لم أتراجع. لكن... لم أكن أتوقع أن يوافق إخوتها أبدًا، أنت رأيت تصرّفاتهم في ذلك اليوم."


أنهى عمر المكالمة بنبرة مستعجلة "كريم، لا تضيّع الوقت. استعد سريعًا، وأخبر هبة أن تستعد أيضًا. هيا." ثم أغلق الخط ، أستغرب كريم من تصرفات عمر و لكنه تجاهل الأمر . 


توقف كريم عند باب بيت هبة، يحدّق في يده، يتردد قبل أن يطرق.

ركض تيم من الداخل وهو يصيح بفرح "أنا! أنا سأفتح الباب!"

فتح الباب ليجد كريم، فألقى بنفسه في حضنه ضاحكًا.


ابتسم كريم، بعثر شعره بحنو، ثم التفت إلى هبة التي وقفت مرتبكة عند الباب.

مدّ لها كيسين وهو يتلعثم بخجل "أ... اشتريت بدلة لتيم... و... وأيضًا... لكِ هذا."

لمعت عيناها فرحًا، أخذت الكيس بخجل هامس  "شكرًا."


قاطعهما صوت تيم البريء وهو يقول بحماسة  "أمي قالت إنكم ستتزوجون! سنبقى معًا !"

ضحك وهو يتشبث بكريم."إذًا ستنام بجانبي يا بابا!"

مسح كريم على ظهره بحنان، يخفي ارتباكه بابتسامة صامتة.

ثم وضعه أرضًا والتفت لهبة بنبرة هادئة متحفظة

"لنكون جاهزين... سأعود بعد ساعتين لنذهب." أومأت برأسها، تحاول إخفاء ارتباكها، وعيناها تفرّان منه بخجل.



في بيت العائلة 

و على طاولة الإفطار ، كانت سهى تراقب زوجها وهو غارق في شروده، عينيه معلقتان بهاتفه.

لم تحتمل، وضعت يدها على يده بلطف وهمست بقلق 

"سديم، أهناك ما يضايقك؟"

أدار وجهه نحوها بابتسامة مصطنعة، قبّل يدها وقال بصوت هادئ  "لا شيء، فقط العمل ومشاكله."

ثم حمل فردوس ليلعب معها، لكن شروده ظل ظاهرًا.


رن الهاتف، كادت سهى أن تمد يدها إليه، لكنه سبَقها وأخذه بسرعة، ناولها فردوس وهو يقول بجدية

"مكالمة مهمة، كنت أنتظرها منذ الصباح." ثم خرج إلى مكتبه الجديد.

كان المتصل عمر، يخبره أن بعد ساعة سيأتي ويأخذ حاتم ليعقد الزواج.

ثم أضاف بصوت متذكر 

"سديم، هناك أمر آخر... هواتف الإخوة، هل عندك؟"

أجابه سديم  "نعم، معي... لكنها مشفّرة."

قال عمر "أحضرها معك، سنكسر الشفرة ونرى."


وبعد ساعة، التقيا. أخرج سديم الهواتف، شبكها عمر بالكمبيوتر، قلب محتوياتها.

الأول فارغ. الثاني... أظهر شيئًا مريبًا و كان رقم عاصم! 

رسائل متكررة من رقم غير مسجّل

"خذ هبة وأحضرها لي، ولك ما تريد." اتسعت عينا عمر، ثم سأل بلهجة متوترة "سديم، أهذا رقم هيثم؟"

تأكّد سديم وهو يطابق الأرقام من هاتفه و قال بصدمة  "نعم... إنه هو." سادت لحظة صمت ثقيل، تبادلا النظرات بدهشة وصِدمة.


قال عمر بصوت منخفض متوتر

"لقد وقع بيدي الآن... استخدامه لرقمه أكبر خطأ ارتكبه."

أما سديم، فكان صوته متكسّرًا وهو يهمس "لماذا يفعل هذا؟ ماذا يريد من كريم؟" ثم اتسعت عيناه فجأة

"هل... هل هو من قتل شفق وتيم؟!"


رد عمر بحذر "الاحتمال كبير، فأنا أشك به ، لكن لن نجزم حتى تظهر النتائج."

" متى إذا تظهر هذه النتائج " قالها سديم بنفاذ صبر..

التفت له عمر و هم بالخروج قائلا '' ساتواصل مع صديقي يوسف لأرى ما المستجدات ، و الان سأذهب و احضره و اتي لنذهب بسرعه و لا نتاخر عن كريم "دخل عمر و أخرج حاتم بعد ان اعاد له شرطه

" حريتكما مقابل قبولك لا تنسي هذا ، أي فعل خاطئ منك ساجعلكما تعفنا في السجن و انا عند كلامي " قالها عمر بنبرة مهددة حازمه ..

بداء على حاتم الارتباك قليلا و لكنه اؤمئ برأسه بهدوء .

بينما عاصم لا يزال يصرخ غاضباً

 " اخي لا تذهب لا توافق ، فكوا يدي "

تجاهله عمر و خرجا .



في الملحق...

كان كريم قد تجهز فوقف  أمام المرآة، يتأمل وجهه.

تذكر يوم زواجه من شفق، وكيف كان قلبه يرفرف فرحاً. و لكن الآن، يرى في ملامحه ظل حزن لم يختفِ و كأن جزء منه فقد معها .

 رتّب شعره ولحيته كما كانت تحب.

شعر بغصّة داخله، لكنه أجبر ابتسامة صغيرة على وجهه، كأنه يتدرّب على مواجهة القادم.

كان خائفا من ان يظلم هبة معه و ان يحزنها  ، خائفا من ان لا يقدر على منحهم الأمان و الهدوء ..

أبعد تلك الأفكار و حاول أن يرسم ابتسامة هادئة و ذهب لهما ...


أما هبة، فكانت واقفة أمام مرآتها، تتلمس فستانها الأبيض الطويل ذي الأكمام، تضع تاجًا صغيرًا على شعرها.

كانت تبتسم بسعادة  و في داخلها تشعر بطمأنينه  لأنها  اليوم ستزف الى من ملك قلبها ، الى من شعرت معه بالأمان ..

تلك الابتسامة المطمئنة كانت تخفي ارتجاف قلبها.

حدثت نفسها بصوت خافت و هي مندهشة من نفسها و تسألت 

"كيف سمحتُ لقلبي أن يحب من جديد؟ و يثق من جديد ؟ "

تذكرت زواجها الأول، دموعها الرافضة و الخائفه ...واليوم، رجفت قلبها و  أمل.

نظرت لنفسها و لسعادتها فتذكرت ان حالها ليس كحال كريم الذي بالتاكيد سيكون مرتبك و متوتر من هذه الخطوة فحزنت  ، و لكنها  قالت في نفسها " هو من بادر و عرض عليك الزواج و لكن " صمتت قليلا و كانها كانت تواجهه نفسها" أنتِ من احببته رغم انه لم يعطيك أي إشارة ،  انت من تعلقتي به و أعطيته قلبك ، احببته بغير شروط و بصمت ، ستكملين هذا ستحبيه بصمت و تكتفين بقربه فقط "

صمتت قليلا  و قالت و كأنها تواسي نفسها "  سيكون كل شي على ما يرام لا تقلقي"


جاء تيم من خلفها، نظر إليها بدهشة وقال ببراءة صافية

"أمي... صرتِ جميلة جدًا." ضمته بحنان، قبلته، وأصلحت بدلته الصغيرة.


طرق كريم الباب. تجمّدت في مكانها و سرت رعشة خفيفة فيها ، و ارتجفت أناملها. ركض تيم ليفتح، لتقدم نحوهما بخجل .

وحين خرجت هبة، لمحها كريم... فصمت. تعلّقت عيناه بها للحظة طويلة، قلبه يرتبك، وهي تزداد حُمرة في وجنتيها و تفرك يدها بتوتر و خجل ...

تنحنح ليكسر الصمت، وقال بصوت متحفظ مرتجف "أ.. لنذهب إن كنتم مستعدين." أومأت فقط دون أن ترفع نظرها.

كان يوسف في انتظارهم، سلّم على كريم، ثم ركب الجميع وتوجّهوا إلى المحكمة حيث كان عمر  و حاتم  بانتظارهم...

 

أوقف يوسف السيارة فنزل الجميع.

ترددت خطوات هبة حين لمحت حاتم، فقبض الخوف على صدرها وتوقفت في مكانها. اقترب منها كريم وقال مطمئنًا، بصوتٍ هادئ

"لا تقلقي… لا يستطيع أن يفعل شيئًا."

قالت وهي تحدّق فيه بعينين مضطربتين."وماذا يفعل هنا إذن؟"

أجابها بثبات وهو يميل نحوها قليلًا "لقد وافق على زواجنا، وهو هنا ليعقد لكِ. اطمئني ولا تخافي… هيا بنا." كلماته بدّدت جزءًا من قلقها، فتنهّدت بارتباك ثم خطت بجواره.


تقدّموا نحو عمر و حاتم، فابتسم عمر وهو يحتضن كريم بحميمية، يربّت على ظهره بمزاح خفيف و إبتسامة . ثم ابتعد عنه ورماه بنظرات مشاكسة قبل أن يذهب إلى السيارة، ويُخرج باقة ورد صغيرة، مدّها إلى هبة بابتسامة لطيفة وقال

"كنت أعلم يا صديقي أنك ستنسى إحضارها، فأحضرتها أنا."

ضحك بخفة وهو يناولها إيّاها، فيما هبة أمسكت الباقة بحذر، وعيناها لا تفارقان أخاها بارتباك وقلق ظاهر.


لاحظ كل من كريم وعمر ارتباكها، فقال عمر بهدوء  "يوسف، خذ تيم وهبة، وسنلحق بكم."

حمل يوسف تيم وغادر، وما إن اختفوا حتى التفت كريم إلى حاتم، وصوته يملؤه الثبات 

"ما سبب تغيّر رأيك بهذه السرعة وقبولك؟"


نظر حاتم لعمر بغيظ، ثم قال بضجر

"وجدت أنك رجل مناسب لها. تعلم أن سبب رفضنا لبقائها معك سابقًا هو أنه لم تربطكما أي علاقة، أما الآن فأنت زوجها، فلا داعي للاعتراض."

ارتاب كريم من نبرته، كانت كلماته متناقضة مع نظراته، فحدّق به بتمعّن ثم قال بلهجة محذّرة 

"ما يهمني الآن هو هبة. لا أريدك أن تحزنها. مادمتَ وافقت، فلنكمل الإجراءات بهدوء ونبتعد عن المشاكل."


التفت حاتم إلى عمر، وضاقت عيناه بغضبٍ مكتوم وهو يتمتم 

"لا تقلق. سأُكمل الإجراءات، ثم كلٌّ منّا في طريقه."


تدخّل عمر بصرامة ونظرات محذّرة "لنذهب… سنتأخر، ولا وقت لدينا للجدال."

تحرّكوا بخطوات مشدودة، تحمل في طياتها ثِقَل و توتر.


دخلوا صالة صغيرة وجلسوا، ثم تقدّم كريم وأخوها، وحضر المأذون. أخذ كريم يكرّر ما يقوله المأذون، وصوته حاول أن يبدو ثابتًا، لكن داخله كان يغلي. شعر بصراعٍ مرير بين ماضيه المليء بالوجع، وحاضره المليء بالتغيير. كانت الكلمات تنزل عليه كأثقال، لكنها في الوقت ذاته تفتح له بابًا جديدًا .

حين وقّع، شعر بغصّة، لكنها كانت غصّةً تشبه ولادة جديدة له.

الآن، صار هو السند، صار هو الأمان لهما. قلبه اختلط فيه الحزن بالأمل، والوجع بالمسؤولية.


تم العقد، وكان الشهود يوسف وعمر، وأُنجزت الإجراءات بسرعة بفضل تدخّل عمر وسديم.


دموع هبة انسابت بصمت، مزيج خوف وطمأنينة. أما تيم فصفق فرحًا، يضحك بعفوية و براءة ..


تقدّم حاتم من كريم وقال ببرودٍ جاف "لقد أصبحت الآن زوجتك، هي من مسؤوليتك، نحن لا دخل لنا بها بعد الآن. خصوصًا بعد ما فعلته، لا نريد حتى رؤيتها." كان صوته متعاليًا، يقطر قسوة.


شعر كريم بالاشمئزاز، لكنه أجابه بثباتٍ ونبرة حاسمة 

"نعم… كما قلت، أصبحت زوجتي ومسؤوليتي، وليس لكم شأنٌ بها بعد اليوم. والآن اذهب من هنا ولا تثر المشاكل." اقترب عمر بخطواتٍ سريعة وسحب حاتم بعيدًا وهو يرمق كريم بنظرة دعمٍ صامتة، ثم خرجوا.


تنفّس كريم بعمق، ثم تقدّم من هبة. ابتسامة هادئة لانت على وجهه وهو يمدّ إليها دفتر العائلة. أخذته بيدٍ مرتجفة، تفضح ارتباكها، بينما كانت عيناها تهربان منه بخجل و إرتباك .


أخرج كريم من جيبه علبة صغيرة، فتحها بهدوء ليكشف عن خاتم. مد يده قليلًا نحوها وقال بصوتٍ منخفضٍ دافئ "أعطني يدك…"


التفتت هبة بارتباك، وجفّت أنفاسها وهي تُشيح بوجهها جانبًا، ثم مدت يدها بخجل. أمسكها برفق، فسرت رجفة واضحة في أصابعها. رفع نظره نحوها ليجدها تبتسم بخجلٍ رقيق، وقد ازداد احمرار وجنتيها.


ألبسها الخاتم  وقال بصوتٍ حنون، فيه دفء  "أهلًا بكما… في حياتي."


رفعت رأسها إليه، بعينين تلمعان ، وابتسامة صافية .

قطع تيم اللحظة بصوته البريء وهو ينادي بفرح "بابا!"

سارع كريم نحوه وأخذه من يوسف، الذي ابتسم بحرارة وبارك لهما..

حمل كريم تيم وقبّله، بينما اقتربت هبة منهم، وامتزجت ملامح الثلاثة بمشهدٍ غامر بالسكينة و الدفئ...


يوسف رفع هاتفه مبتسمًا وقال بحماس  "ابقوا هكذا… لألتقط لكم صورة!"


نظر كريم وهبة إلى بعضهما في صمتٍ وارتباك، كلاهما عاجز عن إخفاء مشاعره المتضاربة من خجلٍ وتوترٍ ودفءٍ غامض.


اقترب كريم أكثر وهو يحمل تيم في حضنه، وجعله بينهما، فابتسموا جميعًا. التقط يوسف أول صورة عائلية لهم.

ثم قال ممازحًا وهو يمد يده ليأخذ تيم "والآن واحدة لكما فقط… أعطني تيم."

تصلّبت هبة بخجل، قبضت على باقة الورد بين يديها وضغطت عليها بقوة لعلها تخفي توترها . أما كريم فوقف بجانبها محتفظًا بمسافةٍ قصيرة تفصل بينهما.

يوسف رفع الهاتف من جديد وقال بمرحٍ  "اقتربوا أكثر… وابتسموا."


التقت نظراتهما في حديث عيون صامت، طويل ومرتجف، بينما التقط يوسف الصورة.


ضحك تيم وهو يصفق بيديه الصغيرة  "اضحكوا هكذا!" ثم قهقه ببراءة.


لم يتمالكا نفسيهما، تبادلا ابتسامة عفوية صادقة، ضحكة قصيرة خرجت من قلبيهما. التقط يوسف الصورة وهما يضحكان، والابتسامة تضيء ملامحهما في لقطةٍ صادقة، نقية…


يتبع ...



google-playkhamsatmostaqltradent