recent
جديدنا

صدى الالم الفصل الرابع عشر

Wisso


                    رواية صدى الالم 

                                                    بقلم سجى إمام 



في الخارج كان عمر يتحدث مع حاتم بعد أن أعاد له هواتفهم، وأخبره أنه  هو وأخوه احرار ،   يمكنهما الذهاب، بشرط ألّا يتعرضا لهبة أو كريم مرة أخرى...


خرجوا من الصالة، فتقدم عمر منهم واقترح أن يذهبوا جميعًا للعشاء معًا. رحبوا بالفكرة، فانطلقوا جميعًا...

كانت أجواء العشاء دافئة ومليئة بالطمأنينة، بين مزاح الأصدقاء وحديثهم وذكرياتهم. استمتعت هبة بضحكاتهم وقصصهم، وتيم الذي كان يسرق الأنظار بتعليقاته البريئة وكلماته المضحكة...

في نهاية السهرة، أوصلهم يوسف إلى البيت وودعهم بابتسامة.

وقفوا أمام باب المنزل بارتباك ظاهر على ملامحهما. كان كريم يحمل تيم النائم بين ذراعيه، وهي تسير بجانبه بخطوات مترددة. وقفت أمام الباب وفتحته، ثم أشارت له أن يعطيها تيم، لكنه رفض وأصر أن يُدخله هو بنفسه.

ابتعدت قليلًا فدخل أولًا وهي بعده، وأغلقت الباب خلفهما.


تقدمت نحو غرفة تيم وقلبها يتسارع نبضه مع كل خطوة. وضع كريم الصغير في سريره بهدوء، غطّاه بعناية، ثم انحنى وقبّله بحنان. استدار ليخرج، فوجدها أمامه تفرك يديها بارتباك واضح.


توتر هو أيضًا، وحك ذقنه بتوتر وهو واقف ساكن لا يعرف ما يقول أو يفعل، فكل ما كان يخشاه أن يجرحها بكلمة أو حركة منه.

قال بصوت منخفض متردد

 "كان يومًا جميلا..."


هزت رأسها مبتسمة بخجل. ساد الصمت بينهما، وكان يرجع شعره بارتباك، ثم قرر الانسحاب

"أ... تصبحين على خير إذن."

وهمَّ أن يذهب...


لكنها التفتت نحوه بصوت خافت يحمل تساؤلًا "ألن تبقى هنا؟"


توقف مكانه، ونظر إليها، وداخله صوت يقول "معها حق، لماذا أذهب وأتركهما وحدهما؟ الآن أصبح من حقيهما عليَّ أن أبقى بجانبهما... لكن....، ... لا أستطيع البقاء في مكان ينبض بذكراهما."


رأت نظرته تتجه نحو غرفته القديمة التي أغلقها منذ رحيل شفق وتيم ففهمت سبب أنسحابه ، فتحدثت بصوتها الحاني، بابتسامة مطمئنة  "تصبح على خير أيضًا."


تفاجأ من ردّها، فقد كان يظن أنها ستشعر بالحزن أو الاستياء، لكنها لم تفعل.

قال وهو يحاول التوضيح بنبرة مترددة "هبة، أنا... ليس لأني لا أرغب في البقاء، ولكن..."


قاطعته بهدوء وتفهّم "لا داعي للتبرير... أفهم جيدًا ما تريد قوله."


كأن حملًا ثقيلا أزيح عن صدره، فتنهد براحة، وابتسم لها بلطف، ثم تمنى لهما ليلة هانئة وخرج.


أقفلت الباب بعده، ووقفت للحظة وقلبها يخفق بسعادة لم تختبرها من قبل. نظرت إلى خاتمها في يدها، فابتسمت وعانقت يدها الأخرى وكأنها تحتضن تلك اللحظة.


ذهبت، توضأت، وسجدت شاكرة لربها الذي أبدل خوفها وكسورها بالأمان والطمأنينة والجبر...

نامت تلك الليلة بسلام، ليست خائفة بل مطمئنة، ليست وحيدة، بل هو الآن بجانبها.


أما كريم، فأكمل صلاته وألقى بجسده المنهك على السرير. أغمض عينيه يستحضر أحداث اليوم، فلم تأته سوى صورتها أمامه. فتح عينيه، وشبح ابتسامة رسم على وجهه.

أخذ هاتفه، نظر لصورة شفق وتيم القديمة بحنين موجع، ثم فتح رسائل يوسف، فوجد صورًا التقطها لهم اليوم معًا...

 كانت جميلة، عفوية، مبهجة.

أطال النظر إليها، ثم أغلق الهاتف ونام بهدوء وراحة.



في اليوم التالي...


التقى عاصم بهيثم في مكان بعيد عن الأعين. أخبره ببرود "هبة وكريم... تزوجا."


اتسعت عينا هيثم بصدمة، أمسكه بغضب، وصاح بعصبية "ما الذي تقوله؟! كيف سمحتما بهذا؟! كيف وافقت؟!"


أبعده عاصم صارخًا هو الآخر  "ابتعد عني! لست أنا من وافق... إنه أخي!"

 "لماذا؟!!!" صاح هيثم بغضب وانفعال.


 "لأننا إن لم نوافق... لكنا في السجن! الضابط عمر هددنا، وقال موافقتكما شرط لحريتكم."


ازداد غضب هيثم، عينيه لم تعد تريان شيئًا. ركب سيارته، وانطلق بسرعة مجنونة...



استيقظ كريم، وكعادته مرّ أولًا على لقبرهما، ثم خرج ليشتري الخبز المحمص. عاد فوجدها تفتح الباب وهي تبتسم بخجل "صباح الخير." قالتها بنبرة دافئة.


ابتسم بخفة ورد  "صباح النور. لقد أحضرت الخبز."

مدّ لها الكيس، لكنها ابتسمت وقالت "الفطور جاهز، كنا ننتظرك." ثم استدارت لتدخل، فتبعها.


نظر حوله، شعر أن المنزل مختلف... كأن الحياة بدأت تعود إليه. حتى رائحته تغيّرت.

دخل المطبخ، فرأى تيم يأكل فطوره وهبة جالسة بجانبه ، كانت هبة تختلس بعض النظرات له بابتسامة خجولة.


وضع الخبز على الطاولة، ثم اقترب من تيم وقبّله و قال مازحا

 "لماذا لم تنتظرني يا صغير؟"


ابتلع تيم ما في فمه، وقال ببراءة

"لقد تأخرت... وأنا جعت!"


بعثر كريم شعره وهو يضحك، ثم جلس قائلًا وهو ينظر إلى هبة

 " بالعافية عليك يا صغيري ، ما رأيك أن نجعل اليوم إجازة لتيم؟"


سكبت له الشاي بهدوء وقالت

 "لقد اتصلوا من الروضة، أخبروني أن اليوم حفلة للأطفال... ولا بد أن نحضر."


ارتشف من الشاي ببطء، ثم قال وهو يغمز لتيم الذي قفز فرحًا

 "إذن إن كان الحضور مهمًا... فلنذهب."


ابتسم تيم بحماس، بينما همست هبة وكأنها تكلم نفسها وهي تعبث بخاتمها  "لكنني تغيبت عن العمل كثيرًا..."


وضع كريم الكوب، و هو يفكر بما قالت متذكرا تقرب أحد العمال منها

فنظر إليها بجدية  وقال بنبرة هادئة  "هبة... لا داعي بعد الآن لذهابك للمكتب."


رفعت عينيها نحوه بدهشة هادئه  "لماذا؟ هل حدث شيء؟"


شرد للحظة، تذكر ذلك الرجل الذي   تحدث إليها، فضاق صدره ورد بعصبية غير مقصودة

"أنا فقط... لا أحب أن يتحدث معك أحد او ..." صمت و لم يكمل و هو يبعد نظره عنها بارتباك.


لمعت عيناها بفرح خفي، أحست بغيرته التي راقت لها، لكنها لم تُظهر ذلك. أما هو، فاستوعب ما قاله فارتبك، وحاول التوضيح بنبرة متلعثمة  "أقصد... أنا لست ضد عملك، ولكن ...  في النهاية انه قرارك "


أخذت كوب الشاي، ومثلت أنها تفكر بقرارها، بينما قلبها حسمه منذ أن نطق بتلك الكلمات.

ساد صمت قصير بينهم، فقطعه تيم بضحكة بريئة  "لقد شبعت! هيا لنذهب للحفلة!"


وقفت هبة وحملت تيم، وقالت بنبرة لطيفة "أيمكن أن أفكر وأخبرك؟"


وقف هو الآخر، وأجاب بابتسامة هادئة "بالتأكيد... خذي وقتك."

ثم ذهب كل منهما ليتجهز لحفلة تيم.


بينما كان هيثم في غرفته التي أصبحت أنقاضًا، جالسًا على الأرض وهو ينفث دخان السجائر بعصبية، ينظر إلى الفراغ بعيون حمراء كالدماء...

رمى سيجارته وأخذ هاتفه ليقول بصوت مخيف "ما حدث كان سيئًا للغاية، وللأسف سأضطر لمعاقبته هو الآن ." قالها بنبرة غليظة محمّلة بالغضب.

وقف ونظر إلى صورة هبة وقال بصوته الدموي

"سيكون هذا أكبر عقاب لها وسترجع إليّ منكسرة." ضحك بعدها ضحكة هستيرية جنونية.


في مركز الشرطة..

كان عمر ويوسف منتظرين النتائج بفارغ الصبر، وقف عمر وهو يدور في الغرفة ويقول بصوت قلق مرتفع

"ماذا إن كان هو؟ كيف سأخبر كريم بذلك؟"

قال يوسف وهو يحاول تهدئته بنبرة هادئة "عمر، اهدأ واجلس... دقائق وسيتضح كل شيء."

جلس عمر وحاول أن يلتقط أنفاسه ببطء...


بعد قليل، طرق الباب، فأذن له عمر بالدخول. أعطاه الشرطي الظرف، فأخذه عمر بتوتر ويداه ترتجفان.

شكر يوسف الشرطي وأغلق الباب خلفه واقترب من عمر وقال بحماس 

"افتحه لنرى، هيا عمر!"

فتحه عمر وحدّق في الأوراق، لتتسع عيناهما بدهشة وصدمة.

البصمات تتطابق... بصمات صاحب المنديل تطابق بصمات هيثم!


ألقى عمر بنفسه على الكرسي وهو يقول بصدمة واضحة وصوت مبحوح "أيعقل أن يكون هيثم وراء كل هذا!؟"


قال يوسف بجدية

"إذن وجدنا المشتبه به في قضية القاتل المأجور، ولكن... هل هيثم أيضًا مشترك في قضية شفق وتيم؟"

التفت له عمر وهو يفكر بعمق وقال بصوت واثق "نعم، بالتأكيد... وإلا لماذا يتخلص من ذلك الرجل؟ بالتأكيد كي لا يتكلم."

نهض يوسف وهو يقول بحزم 

"سأذهب وأقدم هذه الأدلة للنيابة لأُخرج قرار القبض عليه."

خرج يوسف مسرعًا، بينما بقي عمر مصدومًا وشاردًا...



وصل كريم وهبة وتيم إلى الروضة.

كان تيم سعيدًا جدًا وهو يسير بين أصدقائه الأطفال.

جلسوا ثلاثتهم ليبدأ الحفل، وكانت أولى فقراته فقرة غنائية لمجموعة من الأطفال، بعدها فقرة الأسئلة، وأخيرًا فقرة مسرحية شارك فيها بعض أصدقاء تيم.

كان تيم يشير لهم بفرح ويتفاعل مع الأطفال بضحكاته البريئة.


كانت هبة  تنظر إلى كريم وهو يحتضن طفلها بحب و احتواء، بعينين يملؤهما الحب والامتنان نظرتها كانت  مليئة بالطمأنينة.

ضحك تيم بعفوية وهو يتحدث مع كريم، فامتلأ قلبها بالراحة.


لاحظ كريم نظراتها، فالتفت إليها. تلاقت عيناهما لثوانٍ، فابتسم لها بابتسامة دافئة، بينما أنزلت هي نظرها بخجل، وعلت وجهها ابتسامة خجولة.


انتهى الحفل بخطاب من المديرة، تشكر الحضور ، كان الحفل بسيطًا لكنه أدخل السعادة عليهم.


رن هاتف هبة، فاستأذنت من كريم وخرجت لترد.

كان المتصل حاتم. ردت بانفعال

"ماذا تريد الآن؟" قالتها بصوت مرتفع متوتر ...

قال حاتم بصوت جاد "هبة، اسمعي فقط... هناك رجل يُدعى هيثم، كان يريدك. وللأسف أخوك الغبي اتفق معه."

اتسعت عيناها بخوف وقالت بنبرة مرتجفة "ماذا؟ اتفق معه على ماذا؟"

قال بحزم "اسمعي... كان يريد منه أن يسلمك إليه مقابل المال. لكن الأمور سارت عكس ما يريدون. أنا اتصلت لأحذرك منه... انتبهي واحذري منه ، ليكون هذا معروفي الأخير لك"


أغلقت الهاتف وهي واقفة بذهول وارتجاف.

اقترب منها كريم وتيم، فقلق عندما رأى ملامحها تتغير وسألها بصوت قلق. "هبة... أأنت بخير؟"

ارتجفت عند سماع صوته ونظرت له بعينين واسعتين.

اقترب منها أكثر وقال باستفهام قلق

"هبة، ما بكِ؟ هل حدث شيء؟"

أمسكت بذراعه بشدة وكأنها تستند إلى أمانها الوحيد وقالت بصوت متقطع وهي تنظر لتيم

"لنذهب للبيت..." نبرتها كانت خائفة ومرتجفة.


حمل كريم تيم، بينما بقيت هي متمسكة بذراعه. كانت شاردة وملامح الخوف بادية عليها.

سألها كريم أكثر من مرة عن سبب حالتها، لكنها تهرّبت وأجابت بصوت ضعيف "لا شيء... فقط تعبت."


وصلوا إلى المنزل، ليجد كريم سديم منتظرًا في الحديقة.

أعطى كريم تيم لهبة ودخلت، بينما بقي هو متوقفًا ينظر إلى سديم.

مسح كريم بيده على وجهه وتقدم نحوه.

وقف سديم مبتسمًا بلطف وقال "أخيرًا جئت."

قال كريم بضجر واضح "لماذا أتيت؟"

رد سديم بهدوء "بما أنك لا ترد على رسائلي، أتيت أنا."

مد له ملفًا وقال "ينقص توقيعك فقط."


أخذ كريم الملف وفتحه، فإذا بها أوراق حصته من الأملاك.

ابتسم كريم بسخرية وقال

"تعيد ما هو لي من الأساس... بعد أن أخذته بالمكر والخداع؟"


كان سديم صامتًا، يستمع له.

مد كريم الملف وقال بصوت مبحوح متألم

"لا حاجة لي بها الآن. ألم تكن منذ البداية تريدها؟ خذها... فأنا لا أريدها." تأثر كريم وصوته تزعزع وهو يتابع "من أجل هذه الأوراق، أنا خسرت أخي."

مزّق الملف ورماه على الأرض، وقال بصوت غاضب وموجوع

"من أجل هذه الأوراق يا سديم... أنظر إليها جيدًا!"

أمسكه سديم من يده وقال برجاء صادق "كريم، اسمعني فقط. نعم أنا المخطئ، وأنا المذنب بحقك. أنا من ظلمك وخذلك وأكل حقك  لكنني ندمت، ورجعت إليك منكسِرًا."


تأثر كريم بكلماته وكاد أن يلين، لكنه أبعد يده عنه ونظر إليه بصمت طويل، ثم قال بهدوء حاسم 

"سديم، اذهب... لا أريد الحديث معك الآن."


همّ سديم ليتحدث، لكن هاتفه رن.

كاد أن يغلقه، لكنها كانت سهى تتصل. رد بسرعة وقال بلهفة 

"أنا مشغول الآن." 

لكن صوتها المتهدج بالبكاء أوقفه

"سديم... فردوس..." وانقطع صوتها ببكاء.


قال سديم بخوف واضح، أوقف كريم لينظر له بقلق  "ماذا حدث، سهى؟ ما بها فردوس؟"

ردت سهى من بين دموعها وصوتها مرتعش "حرارتها مرتفعة... ولم تنزل منذ الامس، سديم تعال بسرعة."

وضع سديم يده على صدره وبدأت الرؤية تسود أمامه.

كاد أن يسقط لولا أن كريم سنده وأجلسه وهو يقول بقلق "سديم، ما الذي حدث؟"


يداه كانتا ترتجفان خوفًا على طفلته "فردوس"... طفلته التي تمناها سنوات طويلة.

وقف بصوت مرتجف وصرخ بانفعال

"فردوس... إنها ليست بخير!"


أسرع نحو سيارته، فتَبعه كريم بقلق. أوقفه كريم وقال بحزم

"أعطني مفتاح السيارة... أنا من سأقود. لا يمكنك القيادة بهذه الحالة."

أعطاه سديم المفتاح دون نقاش.

قال كريم محاولًا تهدئته "لا تقلق... ستكون بخير."

أومأ سديم برأسه بصمت، وهو يتمتم بالدعاء لطفلته. وقف كريم بسيارته أمام بيت العائلة.

نزل سديم مسرعًا، بينما تأمل كريم البيت بحسرة عميقة.


عاد سديم مسرعًا وهو يحمل فردوس الباكية في حضنه، وركبت معه سهى.

لاحظت سهى وجود كريم، لكنها لم تكن بحالة تسمح لها بالتفكير بأي شيء غير طفلتها. قاد كريم السيارة بسرعة إلى المشفى...



وقف هيثم أمام منزل كريم يراقبه من بعيد، يتفحصه بنظرات مخيفة وماكرة. ارتسمت على فمه ابتسامة باردة وهو ينفث دخان سيجارته ببطء. رأى ذهاب كريم وسديم فاطمأن أن هبة وحدها. رمى سيجارته وتقدّم نحو المنزل عازمًا أن يأخذ هبة معه شاءت أم أبت.


لكن خطته فشلت بقدوم عمر، فتجمد مكانه للحظة، ثم انكمش جسده ليلتصق بالحائط ويختفي في الظلال . توارى هيثم بسرعة واختفى بعيدًا عن نظرهما وهو يلعن عمر بصوت منخفض. ظل يراقبهما ويستمع لما يقولان، وعيناه تضيقان كذئب مترقب.


توقف عمر قليلًا أمام الباب قبل أن يطرق، يضع يده على مقبض الباب ثم يسحبها مترددًا، أنفاسه ثقيلة وكأنه يحاور نفسه. كان يفكر بطريقة مناسبة يخبر بها كريم أن هيثم هو القاتل. تنهد وطرق الباب.


فتحت له هبة، ملامح وجهها باهتة وخائفة. لاحظ عمر ذلك لكنه لم يرد أن يحرجها بالسؤال، فاكتفى بقوله بنبرة هادئة "أكريم موجود؟"


قالت بصوت خافت "لقد كان مع أخوه في الحديقة."


أجاب عمر وهو ينظر حوله بتركيز "الحديقة خالية، وأيضًا الملحق مغلق… يبدو أنه خرج. سأتصّل به." مد يده إلى جيبه ليخرج هاتفه وهو يزفر.


قاطعته هبة بصوت مرتعش، نبرتها متكسّرة مرتعشة "هـ...يثم هو..."


رفع عمر نظره نحوها بعينين متسائلتين، وقال بتركيز  "ما به هيثم؟"


 همست هبة وعيناها تنزاحان بعيدًا عن عينيه، وكأنها تخشى أن يُقرأ خوفها   "لقد اتفق مع إخوتي... وهو من أخبرهم لكي..." صمتت فجأة، وهي تفرك أصابعها بتوتر واضح.


قال عمر بفضول يزداد مع نبرة حازمة "لماذا؟ تحدثي."


هبة أغلقت عينيها لثانية، ثم قالت بصوت متهدّج "إنه يريدني… والآن إن علم أنني تزوجت من كريم سيجنّ. أنا خائفة منه، خائفة أن يؤذي كريم أو تيم..." اهتز صوتها  و هي تحارب دموعها كي لا تسقط.

شعر عمر بثقل خوفها، فحاول طمئنتها  "من الجيد أنك أخبرتني بذلك. لا تخافي منه. لقد أخرجنا أمرًا بالقبض عليه، ومن الممكن أن يكون يوسف قد أمسكه الآن."


مسحت دموعها بارتباك وهمست "سأخبر كريم و..."


قاطعها عمر بنبرة جادة حازمة

"لا تخبريه. أنا من سأخبره. عند الإمساك بهيثم."


أومأت برأسها بصمت، بينما هو اتصل بكريم يسأله عن مكانه. أجابه أنه في المستشفى مع سديم .عندها ارتجف قلب هبة وسألت بقلق 

"أهو بخير؟"

رد عمر بنبرة مطمئنة  "ابنة سديم ساءت حالتها، وهو معهم الآن."


زفرت هبة بارتياح، مسحت على وجهها كمن يستجمع قواه ، ودخلت إلى الداخل، بينما غادر عمر مسرعًا.


أمّا هيثم، فما إن سمع أنهم سيعتقلونه حتى أسرع إلى بيته. فتح الباب بعنف، خطواته متوترة ويده ترتعش وهو يجمع أوراقه. خطف جواز سفره وأمواله بسرعة . وبينما هو يهمّ بالخروج من المنزل، إذا بيوسف والشرطة يقتربون من البوابة!


فزع هيثم، تسارعت ضربات قلبه، عيناه تدوران بجنون يبحثان عن مخرج . ركض بسرعة وخرج من الباب الخلفي متسللًا، قبل أن يراه أحد.


فتّش رجال الشرطة المنزل ولم يجدوه. اتصل يوسف بعمر وأخبره بلهجة محبطة  "لم نجده... لا في المنزل ولا في الشركة."


صعد يوسف إلى غرفة هيثم، فوجد الخزنة مفتوحة، لكنها خالية. وقف لحظة يضغط على جبينه بغضب .

ذهب يوسف وهو مستاء ومحبط، فقد أدرك أن هيثم سبقهم بخطوة.


في المشفى...

كانت سهى منهارة، باكية خوفًا على طفلتها، بينما سديم قلبه ينزف قلقًا، وملامحه متوترة بشكل واضح.

ظل كريم مع أخيه ولم يفارقه، فهو من  يعرف جيدًا شعور أن تُبتلى بأعز ما تملك وتخشى أن يُسلب منك. ارتجف قليلًا وهو يمسك بهاتفه ويتصل بهبة ليطمئنها ويخبرها أنه سيتأخر.

أتى الطبيب، فأغلق باب الغرفة خلفه وتقدم منه الجميع بلهفة. سأل سديم بصوت مرتعش "دكتور... طمّني على ابنتي... أهي بخير؟"


هز الطبيب رأسه بجدية وقال بنبرة مهنية "لقد أصيبت بنزلة فيروسية قوية جدًا، وأيضًا لديها فقر دم حاد. نحتاج لنقل دم لها بشكل عاجل."


قالت سهى بصوت يملؤه الرجاء

"خذوا مني... أنا أمها، خذوا مني."


التفت إليها الطبيب وسألها بلطف إذا كانت تُرضع. فأجابت بصوت خافت "نعم."

هز رأسه بأسف وقال  "للأسف لا يمكننا أن نأخذ منك."


تدخل سديم بسرعة، صوته يرتجف "خذوا مني إذًا."

سأله الطبيب بجدية إذا كان يعاني من مرض أو يتناول أدوية. فأجاب بصوت مثقل  "أنا مريض بالسكري."

تنهّد الطبيب وهز رأسه بالنفي "أنت أيضًا لا يمكنك التبرع."


أخرج سديم هاتفه وهمّ أن يتصل بأحد رجاله، لكن صوت كريم قاطعه وهو يتقدم بثبات نحو الطبيب قائلاً 

"أنا عمها... يمكنكم نقل الدم مني."


سأله الطبيب بعض الأسئلة فلما تبين صحة كريم ، أشار له الطبيب أن يتبعه ، فتقدم سديم نحوه وربّت على كتفه بامتنان. اكتفى كريم بإيماءة صامتة وذهب مع الطبيب.


بينما تقدمت سهى نحو سديم لتحتضنه بقوة وهي تبكي، فوضع كفه على ظهرها بلطف وربّت عليها قائلاً بصوت حانٍ منخفض "ستكون ابنتنا بخير... اطمئني."


أتى عمر فرأى سديم و سهى جالسين، ملامحهما يعلوها القلق والخوف. تقدّم نحو سديم وسأله عن كريم، ليخبره أنه في غرفة التبرع بالدم. همَّ أن يذهب، لكنه استدار وسأل بنبرة جادة  "أتعرفان أين هيثم؟"


التفت إليه سديم باستغراب، وهز رأسه نافيًا، صوته متردد قليلًا "لا"

نظر عمر إلى سهى، فأجابت بنبرة غير مبالية "لابد أنه في الشركة... أو في المنزل... لا أعلم "


أدرك عمر من طريقة كلامهما أنهما لا يعرفان مكانه بالفعل، فاتجه ليتفقد كريم. كان كريم مستلقيًا، وجهه شاحب، عيناه نصف مغمضتين وكأنه يقاوم التعب، و يتنفس ببطء.

اقترب منه عمر وتحدث بصوت هادئ وحنون "كريم... أأنت بخير؟"


فتح كريم عينيه ببطء، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال بنبرة ضعيفة ممزوجة بالسخرية 

"بخير... لكن لماذا جئت؟ أليس لديك عمل غيري؟"

ابتسم عمر وهو يحاول التخفيف عنه، ضحك بخفة ثم أخرج من حقيبته علبة عصير وبسكويت وقدّمها له قائلاً بنبرة مازحة 

"لا، ليس لدي عمل غيرك يا صديقي... أنت مصيبة رأسي."

ضحك كريم بصوت خافت، ومد يده ليتناول العصير، وأخذ يرتشفه ببطء.


خرج كلٌّ من عمر وكريم بعد ان أكتمل سحب الدم ، وتوجها نحو سديم وسهى.

وقف سديم على الفور ما إن رأى كريم، و كأن كلمات كثيرة عالقة في صدره لكنه عاجز عن قولها .

سألت سهى بنبرة قلقة "هل تم نقل الدم؟"


أومأ كريم برأسه بإيجاب، لتجلس هي وتزفر بارتياح واضح، ملامحها تسترخي أخيرا بعد  توتر طويل.


أراد سديم أن يقترب من كريم، عيناه تمتلئان بالاعتذار والرغبة في كسر الجدار بينهما، لكنه حين خطا خطوة نحوه، ابتعد كريم قليلًا وجلس بعيدًا. بينما جلس سديم بجانب سهى صامتًا.


مرّت ساعة، حتى أتى الطبيب ملامحه أكثر ارتخاء هذه المرة، وصوته يحمل بشرى. قال بابتسامة مطمئنة "الطفلة تحسنت... يمكنكم رؤيتها الآن."

قفز قلب سهى من الفرح، فدمعت عيناها وهي تحمد الله بحرارة، ثم ارتمت في حضن سديم.

سديم نفسه لم يستطع أن يحبس دموعه، فانهارت دموع الفرح على وجنتيه، بينما ضم زوجته براحة و هو يحمد الله... 


ابتسم كريم وهو يراقبهم، شفتاه تبتسما بخفة، وفي داخله دعاء حامد لله أن الطفلة بخير.

وقف هو وعمر ليستأذنا بالذهاب، لكن سديم وقف فجأة وقال بنبرة فيها استعطاف صادق "أتذهب دون أن ترى ابنة أخيك، يا كريم؟"


توقف كريم، التفت نحو عمر كأنه يطلب دعمًا. أومأ له عمر بابتسامة مشجعة، ليتنهد كريم ويدخل معهما.


اقتربت سهى من سرير طفلتها، أمسكت بيدها الصغيرة وقبّلتها وهي تبكي بارتياح.

تنهد سديم بعمق كأن ثقلًا انزاح عن صدره، ثم انحنى ليقبل طفلته.

ابتسمت الطفلة بضعف و وهن وهي تتحرك قليلًا.


كان كريم  يقف خلفهما، عيناه تلتمعان بدمعة محبوسة، يراقب المشهد بابتسامة حانية.

قال سديم وهو يلتفت إليه بنبرة رجاء "كريم... اقترب."

اقترب كريم ببطء، جلس قرب الطفلة. قال سديم وهو يبتسم لابنته "فردوس... هذا عمك كريم."


همس كريم بتأثر باسمها  "فردوس..." ومسح وجنتها الصغيرة بحنان.

مدّت الصغيرة يدها وأمسكت بإصبعه، فارتسمت على وجهه ابتسامة متأثرة، بينما عينيه تلمعان.

كاد يبكي لكنه قاوم، وقبّلها بخفة.


خرج بعدها، فلحقه سديم وقال بامتنان صادق ونبرة مكسورة 

"شكرًا لك يا أخي... بفضلك ابنتي بخير."

التفت كريم نحوه وقال بصوت هادئ وحاد قليلًا "أظننت أنني سأتركها تتحمل ذنب  والدها؟  "

سكت سديم، و  ملامحه انطفأت، و عيناه ذبلت .

زفر كريم وقال بنبرة مثقلة "على أي حال... المهم أنها بخير. فهي بلا ذنب." 


وذهب هو وعمر، بينما دخل سديم إلى عائلته، لكن داخله كان يتألم من كلام وتصرفات كريم معه...

أوصل عمر كريم واطمأن عليه، سمعت هبة صوت سيارة عمر لتخرج وترى كريم أمامها، لتسأله بلهفة خائفة

"كريم، أنت بخير؟ وجهك يبدو شاحباً." كانت تتكلم بكلمات سريعة متتابعة تحكي لهفتها و خوفها..


نظر لها كريم مطولاً وابتسم وقال بصوت واهن "أنا بخير، فقط القليل من التعب وسيذهب إذا نمت جيداً."

مسك رأسه متوجعاً وهمّ ليذهب، لكنه ترنّح قليلاً. ارتبكت هبة وخافت عليه فتقدمت منه بسرعة وأسنَدته بذراعها "كريم، لا تبدو بخير... تعال معي لتستريح في الداخل."


تردد قليلاً، ثم استسلم لقلقها ودخل معها. جلس كريم على الأريكة وهو يمسك رأسه بألم وقال بصوت خافت "أنا بخير... هذا فقط بسبب أنني تبرعت بالدم اليوم ، هبط سكر دمي على ما يبدو "

استمعت له هبة بوجه مرتبك، ثم أسرعت وأحضرت له سندويتش وعصيراً، قدمتهما له بلطف.

اعترض في البداية ولم يرضَ أن يأكل، لكنها أصرت بإصرار رقيق، وجلست بجانبه تراقبه وهو يأكل.


قال ممازحاً بابتسامة باهتة "أتعدين لقمي؟"


ارتبكت هبة، وانخفض صوتها المرتجف وهي تتهرب "لا طبعاً... أنا..."


ضحك كريم بصوت خفيف وقال

"كنت أمزح."


ارتبكت أكثر، وأخفضت رأسها، كأنها تبحث عن مخرج من الموقف. ثم سألت فجأة عن حالة الصغيرة 

"كيف حال الطفلة الآن؟"


رد كريم وهو يضع كأس العصير على الطاولة، واعتدل في جلسته، صوته أصبح أكثر جدية

"الحمد لله، هي بخير الآن. لكن... ألن تخبريني ما سر حالة الذعر تلك؟ من اتصل بك وأخافك بهذا الشكل؟ "


تجمدت هبة في مكانها، نظراتها تائهة، وصوتها متردد

"أ... اتصل أخي..."

ثم صمتت ولم تكمل  ، تفكر أتخبره بكل شي ؟ أم لا تخبره و تنتظر عمر ليخبره ؟ 

زمّ كريم شفتيه بضيق، وصوته ارتفع قليلاً بنبرة انزعاج

"لماذا يتصل بك؟ ألم يقل إن علاقتهم بك انتهت؟ هل هددك بشيء؟ هبة، لا تخافي منهم... وأخبريني الحقيقة ولا تخفيها عني."


ابتلعت ريقها بصعوبة ثم حاولت أن ترسم ابتسامة هادئة مصطنعة وهي تقول "اتصل ليكرر أن علاقتهم بي انتهت... وأنا حزنت وتأثرت لذلك.

أنا فقط... خفت من شعور الوحدة والضياع مرة أخرى"

كانت تكتم دموعها بصعوبة، ثم أشاحت بوجهها عنه ومسحت دموعها بخفة.

اقترب منها كريم قليلاً، وصوته أصبح حانياً دافئاً  "عن أي وحدة تتحدثين؟ أنا وتيم موجودان!" قالها و هو ينظر لعيناها ، أخفضت رأسها بخجل ليقول بصوت مازح " أم أننا غير مرئيين بالنسبة لكِ؟"


رفعت رأسها ببطء، عيناها تلمعان بالدموع والابتسامة، وفي داخلها صوت يقول "وكيف لي ألا أراك، وأنت في داخلي تسكن؟"


تلاقت عيناهما، نظراتهما حملت حديثاً صامتاً، شعوراً  دافئا اجتاح صدرهما برقة. لكن هذا الصمت انكسر بقدوم تيم وهو يفرك عينيه بنعاس، صوته الطفولي رقيق

"بابا... أخيراً أتيت."

اقترب من كريم وارتمى في حضنه. ضمّه كريم بحنان شديد، وربّت على ظهره قائلاً بصوت حنون  "لقد تأخرت عليك اليوم... أنا آسف يا صغير."

دفن تيم رأسه في حضنه، وما لبث أن غلبه النعاس لينام.

ظل كريم يربت على ظهره بهدوء، وملامحه ترسم الحنان الابوي، حتى غلبه هو الآخر النعاس وأغفى.


هبة كانت تنظر إليهما بعيون دامعة بالحب، ذهبت بهدوء وأحضرت بطانية، وغطّتهما بعناية، ثم جلست بجانبهما، لتغفو هي الأخرى.


تحسنت حالة فردوس، ليقرر الطبيب أنها يمكنها العودة إلى بيتها.

احتضنتها سهى بلهفة ، تقبّلها بشغف ودموعها تسيل ..

بينما سديم كان بجوار الطبيب، يسأله عن الأدوية وطريقة استخدامها بدقة.


في الصباح...

استيقظ سديم ليرى سهى تحمل فردوس، وعيناها محمرتان من البكاء. فزع واقترب منها بسرعة، نظر إلى ابنته النائمة فاطمأن قليلاً، ثم أخذها منها بحذر ووضعها في سريرها.

اقترب من سهى، أحتضن وجهها بكفيه ، وقال بصوت قلق 

"لماذا هذه الدموع الان؟ فردوس بخير والحمد لله."


بدأ يمسح دموعها بيده بحنان.

أجابت بصوت باكٍ مرتجف

"سديم... لقد خفت. خفت كثيراً عليها. خفت أن أفقدها..."

كانت يداها ترتجفان وهي تتشبث بقميصه. صمتت لحظة، ثم تابعت بصوت مخنوق

"و كأن قلبي يُنتزع من صدري وأنا أراها بتلك الحالة في المشفى. " صمتت و أخذت نفساً و هي تعلق نظرها به بعيون دامعه ، تعالت شهقاتها قائلة "  إذا كان هذا ما شعرتُ به لمرضها، فماذا شعر كريم... عندما دفن ابنه وقرة عينه في التراب؟" انهارت باكية بين يديه.

تأثر سديم بشدة، احتضنها محاولاً تهدئتها، بينما عينيه تدمعان أيضاً، إذ عادت صورة أخيه يوم دفنهما إلى ذاكرته... كيف كان كالجثة الهامدة، يمشي بلا روح ، دمعت عيناه ندما و قهرا لتركه اخيه في ذلك اليوم وحيدا ..


أما سهى فكانت دموعها تختلط مع عذاب ضميرها. فهي وإن لم تعلم تفاصيل خطة هيثم، كانت شريكة في قتل عائلة كريم وتدمير حياته بشكل من الاشكال. كلما تذكرت تيم وشفق، شعرت بنار تنهش صدرها.

وما زاد ألمها أن كريم نفسه كان سبب نجاة ابنتها، وعودتها إليها سالمة.


لم تتحمل صراعها الداخلي أكثر، خارت قواها وسقطت مغشياً عليها.

فزع سديم وصوته يرتجف وهو يناديها "سهى! سهى، أجيبي!"


لكنها لم ترد. أسرع يتصل بطبيبتها.

وبعد مدة قصيرة حضرت الطبيبة، وبعد فحصها طمأنته قائلة بنبرة جادة "ضغطها انخفض بسبب التوتر و الحزن والخوف على ابنتها... لكنها ستتحسن مع الراحة والهدوء."

تنفس سديم بارتياح ممزوج بالقلق، وظل ممسكاً بيد سهى، يتمتم بخوف وندم.



كريم 



لا أعلم كيف غفوت هكذا، فقط أغمضت عيناي ونمت، لأستيقظ فأجد نفسي وسطهما! عن يميني تيم، وعن شمالي هبة.

كان منظرهما جميلاً، فابتهج قلبي وارتسمت بسمة دافئة على وجهي. كان تيم نائمًا في حضني، وهبة محتضنة يدي، ورأسها مستند على كتفي. تأملتهما بحب وأنا أنقل نظري بينهما،  وشعرت براحة وسكينة تسري في جسدي كما لو أن ثِقل السنين انزاح عني. وكأن الحياة بدأت تنبض في عروقي من جديد.


همستُ داخلي بنبرة يملؤها الامتنان وأنا أنظر إلى تيم مطولًا: "هذا الصغير… هو من احتوى كسري وضعفي. رغم صغر سنه، كان شفاءً لجرحي، وكأن الله أرسله لي كبلسم لتلك الندوب." قبلت تيم ومسحت على شعره بحنان  .


ثم التفتُّ لهبة… لتلك الفتاة القوية، التي رغم كل ما مرت به، لم تنهار ولم تنكسر، بل حاربت من أجل طفلها حدقت بها و قلت في داخلي  "هي من تعرضت للفقد والوحدة والضياع أكثر من مرة، لكنها ظلت ثابتة وقوية، لم تتزعزع… صارت في قوتها وتباتها مثالًا أقتدي به."


"  معها، لم أشعر أنها تشفق علي مثلما يفعل الجميع. معها فقط، وجدت شخصًا يفهم ألمي، يقرأ وجعي، ويشعر بي. لم أكن أحتاج إلى جمل طويلة أو شفقة زائفة، بل فقط إلى صمتها الهادئ الجميل، ذاك الصمت الذي كان بالنسبة لي أفضل من حوار طويل ، وكأنها فعلًا… هبة من الله لي . " 


تعلقت عيناي بملامحها، ولأول مرة ألاحظ جمالها عن قرب، فعلت شفتي ابتسامة صغيرة تسللت دون إذن. تحركت هبة قليلًا، فـأغمضت عيناي سريعًا ممثلًا النوم، محاولًا كبح ارتباكي.


هبة 



فتحت عيناي لأجد نفسي نائمة في حضنه! رفعت نظري إليه بخجل، لأجده ما يزال نائمًا، فأغمضت عيناي وأنا أشكر الله أنه لم يفق بعد، ثم حاولت أن أسحب نفسي بعيدًا عنه بحذر.

تأملته قليلًا، وابتسامة حالمة ترسم على وجهي، ثم سحبت يدي من ذراعه بهدوء وابتعدت بينما هو لا يزال غارقًا في نومه. أسرعت إلى غرفة تيم وأقفلت بابها بهدوء، وأنا أصارع أنفاسي المضطربة ودقات قلبي المتسارعة.


وضعت يدي على صدري علّه يهدأ ويستكين، لكن نبضاته كانت تعلو بقوة وكأنها تتراقص داخل ضلوعي ، شعرت بحرارة تسري إلى وجنتيّ وأنا أتذكر وضعنا ثلاثتنا! ابتسمت بخجل، ووضعت يدي على وجهي، لأجد عبق عطره ما زال عالقًا على كفي. رفعته إلى أنفي، وأخذت نفسًا عميقًا وكأنني أحتفظ به داخلي. إنها مشاعر لأول مرة أختبرها معه! جميلة، مربكة بنفس الوقت..


سمعت حركة خفيفة في الخارج، فأدركت أنه قد استيقظ. فتحت الباب بحذر وبشكل غير ملحوظ، لأراه قد خرج...


عبست ملامحي بحزن لخروجه هكذا، لكن صوت هاتفي قاطع أفكاري. ذهبت إليه بسرعة وفتحته لأجد رسالة منه فابتهج داخلي وأنا أقرأ 

"صباح الخير ، لم أحب أن أفيقك، فقلت أرسل لك رسالة أخبرك بها أنني ذاهب للمقبرة، وبعدها سأعود لنفطر سويًا، وسأحضر الفطور معي." احتضنت الهاتف، وعلى وجهي بسمة دافئة حالمة و كأن الازهار  تفتّح في قلبي.


دخل تيم فجأة، فتفاجأ من منظر أمه ليقول بدهشة بصوت طفولي صافٍ "أمي... لماذا تحتضنين الهاتف وتبتسمين هكذا؟"


ضحكت هبة بخجل، ثم اقتربت من تيم وحملته بين ذراعيها وقبّلته

"استيقظ أميري النائم." قالتها بنغمة مرحة، وبدأت تدغدغه حتى انفجر تيم بالضحك.



في مركز الشرطة


"لازال فريقنا يبحث عن هيثم، وإلى الآن لم نجد له أثر." قالها الشرطي بصوت مرتبك وهو يرفع ملفه أمام يوسف.

هز يوسف رأسه بصمت، وعلامات الاستياء على ملامحه.

ليقول عمر بحدة و غضب ظاهر في نبرته "كيف لم تجدوا له أثر؟! هل تبخر؟"


تلعثم الشرطي بحرج، فأمره يوسف بالانصراف، ثم التفت نحو عمر وقال بهدوء نسبي 

"عمر، اهدأ، سنجده لا تقلق."


لكن عمر صرخ بعزم

"لا، بل يجب أن أقلق! حياة ثلاثة أشخاص في خطر. وهيثم هذا مجنون، ممكن أن يؤذيهم فقط ليرضي غروره."


تدخل يوسف متفكرًا 

"لقد بحثنا في كل الأماكن التي كان يرتادها ولم نجده. هل يمكن أن يكون مختبئًا في بيت سديم؟"


نظر عمر إليه بدهشة واستنكار

"في بيت سديم؟! لا أظن... لا يمكن..." ثم توقف قليلًا وهو يزفر بقوة، و دخل الشك قلبه 

"ولم لا، كل شيء وارد. سأذهب أنا إلى بيت سديم وأتأكد بنفسي."


أراد يوسف أن يرافقه، لكن عمر رفض وأخبره أنه سيذهب وحده ليختبر سديم.


في منزل كريم


بعد أن زار قبر شفق وتيم، رجع كريم إلى المنزل وأحضر معه طعام الفطور. استقبله تيم بحماس طفولي، لتأتي هبة من خلفه بخطوات مترددة.

كان لا يزال بادٍ عليها الارتباك والخجل، لكنها حاولت إخفاءه. تبادلا النظرات سريعًا، ثم قال كريم وهو يرفع عينيه نحو السماء بنبرة هادئة "ما رأيكما أن نأكل في الحديقة؟"


قفز تيم فرحًا وهو يصفق بيديه

"نعم، نعم!" وركض نحو الحديقة.

ابتسمت هبة بخفة وقالت وهي تتبعه "لقد حُسم الأمر إذن."

أخرج كريم الأطعمة، وساعدته هبة في ترتيبها. جلسوا جميعًا. وبينما كانت هبة تعطي تيم ساندويشته، قال كريم بنبرة جادة "ماذا قررتِ بخصوص عملك؟"


أطرقت رأسها قليلًا ثم قالت بحرج

"أظن أنه يجب علي مساعدتك في أمور المنزل، وأيضًا أقساط تيم ومصاريفه..."


قاطعها كريم بصوت جاد لكنه يحمل غصة "هبة... ماذا تريدين قوله؟ أترين أن حالتي المادية لا تسمح لي بالاهتمام بنا؟"


لمعت عيناها عند سماع اسمها بصوته، وسعد قلبها أكثر حين جمعهم بكلمة "بنا"، لكنها في نفس اللحظة شعرت أنها جرحت كبرياءه.


 أرادت أن توضح، لكنه تابع قائلًا بنبرة قوية وحاسمة "بصراحة أنا لا أحب لزوجتي ان تخرج و تعمل، حتى ولو كانت ستعمل في مكتبي."


"زوجتي..." كم كانت وقع الكلمة على قلبها كالنسيم الحنون، لامس أعمق أوتارها، وأشعل في داخلها ارتجافة خفية. أحست بغيرته عليها، فابتهجت، واحمرّت وجنتاها بخجل لطيف.


ابتسمت بخفة وقالت بنبرة مرحة لكنها متسائلة "أتسألني عن قراري... أم تخبرني قرارك؟"


ارتبك كريم قليلًا، كأنه شعر أنه يفرض رأيه، وتنحنح ليستدرك، لكن هبة سبقته قائلة بابتسامة رقيقة

"لقد قررت في ذلك اليوم، عندما شعرت من كلامك أنك لا تريد هذا."


رفع حاجبه بتعجب وقال 

"إذن لماذا لم تخبريني وقتها؟"


مسحت فم تيم بمنديل، وهزت كتفيها بخفة "لا أعلم... هكذا." ثم ابتسمت وهي تهرب بنظراتها عنه. 

تأملها كريم بدهشة، لكنه شعر بفرح داخلي لقرارها.



وصل عمر إلى بيت سديم. استقبله الخادم وأجلسه في الصالة بينما ذهب ليخبر سيده.

دخل سديم مسرعًا، وعلامات القلق على وجهه.

"عمر... أكريم بخير؟!" قالها بصوت مضطرب.

أجابه عمر ببرود وهو يراقب ملامحه "نعم، بخير."

تنفس سديم الصعداء، ثم اقترب متوترًا "إذن لماذا أتيت؟ أَحدث شيء؟ عمر، تكلم بسرعة ولا تصيبني بالجنون!"


قال عمر وهو يتفحص أرجاء المنزل

"لم يحدث شيء... أتيت لأطمئن على الطفلة. كيف أصبحت؟"


استغرب سديم، وقال بنبرة حادة

"أتيت لهذا الأمر؟ كان يمكنك الاتصال."

لاحظ سديم نظرات عمر المتفحصة، فرقع أصابعه بتوتر، وقال بحدة أعلى "عمر! أنا أحدثك وأنت شارد بمكان آخر!"

التفت له عمر وقال مباشرة "أين زوجتك؟"

تجمدت ملامح سديم لحظة، ثم قال مترددًا "إنها مع فردوس... تعبت قليلًا لكنها بخير الآن."


اقترب من عمر أكثر، ونبرته صارمة

"أَحدث شيء جديد؟ أتشُكّ في أمر يا عمر؟"

تنهد عمر وقال بجدية "سديم، أتعرف أين هيثم؟"


أجاب سديم بسرعة "لا أعرف. دقيقة... هل صدرت نتائج البصمات؟!" قالها بلهفة.


أخبره عمر بكل شيء، وأن هيثم هو المشتبه الأول، وأنه مختفٍ ولم يُعثر عليه بعد.


فتح سديم ذراعيه مستنكرًا و معاتبا وقال بمرارة "عمر، و أنت كنت تشك بي؟! أتظن أنني سأخبئه بعد كل ما عرفته عنه؟!"


أخفض عمر صوته بنبرة مهنية

"لم يكن لدي خيار، في عملي يجب أن أشك بالجميع. لذلك جئت لأتأكد... وتأكدت أنك لا تعرف شيئًا. لكن يا سديم، إذا عرفت أي شيء عنه أو عن مكانه، أخبرني فورًا."

رن هاتف عمر، كان يوسف يطلب منه العودة.



مر اليوم بشكل جميل. استمتع تيم باللعب مع كريم، وضحكاته البريئة ملأت الجو. بينما هبة، كانت سعادتها تتضاعف وهي تراهم معًا؛ ظلّت قريبة منهم، تراقبهم بعينين مغمورتين بالحب.


حلّ المساء، نام تيم فوضعه كريم في سريره، ثم همّ بالذهاب.


تنحنح كريم قليلًا وقال يستأذن

"تصبحي على خير ، أ... إذا لاذهب أنا إلى الملحق."


أطرقت رأسها بخجل وأومأت، لكنها في داخلها شعرت بالاستياء و  بالخذلان ، شعرت كأنه يتهرب منها و لا يريد قربها..


دخل كريم الملحق فوجده بارداً موحشاً. جلس على سريره وتمدد، تستحضر ذاكرته صور الأمس: كيف نام بطمأنينة وسكينة بجوارهما... كأنهما أعادوا له دفء شفق وتيم معًا.

أغمض عينيه، فأتت صورها وهي تطرق رأسها بحزن.

"لقد استاءت عندما أخبرتها أنني سأذهب بهذه الطريقة... وكأنني أتهرب منها." قالها في نفسه معاتبًا.

تمدد في سريره و هو يفكر ، ليقرر أن يعتذر منها ويراضيها في الصباح.


يتبع ...

google-playkhamsatmostaqltradent