recent
جديدنا

صدى الالم الفصل الخامس عشر

Wisso

                   رواية صدى الالم    

                                                                بقلم سجى امام 


استيقظ كريم، صلى صلاته كعادته، ودعا لشفق وتيم بالرحمة، لكن هذه المرة شمل بدعائه هبة وتيم، ودعا لهما أيضًا، ولنفسه.

خرج، وكعادته قرر أن يزور قبرهم، لكن ما إن خرج من باب الملحق حتى أحس بضيق ثقيل على صدره، تنهد بضيق، ورفع وجهه للسماء وتعوذ من الشيطان.

مشى بخطى مترددة، وعندما وصل إلى باب منزله توقف، شرد، وتعقّدت أنفاسه وهو يضع يده على صدره الذي شعر وكأنه يختنق. أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه ببطء، ثم مضى نحو المقبرة.


كان هيثم مختبئًا في أحد البيوت المهجورة. فتح هاتفه واتصل بكريم، لكنه لم يرد. خرج هيثم والتقى برجلين، وتوجّهوا معًا بثبات نحو هدفهم.


وقف هيثم أمام منزل كريم يراقبه، بعد أن صفّى رجال سديم من الطريق. رأى كريم وهو يغادر، فقرر الدخول وأخذ هبة و كان عازما هذه المرة.

أمر رجاله بإشعال النار في الملحق، وابتعد هو عن الأنظار بينما اقترب من باب المنزل وفتحه باحترافية.


في نفس الوقت، رصد عمر ويوسف إشارة هاتف هيثم لتحديد موقعه. فزعوا عندما رأوا الموقع، فاندفعوا على الفور مع قوات الدعم.

وفي الوقت ذاته، اتصل أحد رجال سديم الذي تمكن من الفرار و أخبره بما حدث ، ليهرع هو الآخر نحو منزل كريم.


كانت هبة في المطبخ تحضّر الفطور لهم، وكانت تدندن بسعادة. توقفت فجأة عندما لاحظت رائحة غريبة. رائحة حريق!

فتحت النافذة لتجد الملحق يشتعل! الصورة أمامها كانت مروعة، ألسنة اللهب ترتفع، والدخان يملأ المكان اتسعت عيناها بالخوف، وصرخت داخلها باسم كريم.

استدارت لتذهب نحوه، لكنها وجدت هيثم واقفًا أمامها، مبتسمًا بمكر شرير.

اتسعت عيناها بالخوف، خائفة على كريم الذي كانت تظنه في الملحق، وخائفة على تيم أيضًا ، و خائفه منه .

صرخت حاملة سكينًا بيدها مهددة

"أخرج حالًا من بيتي وإلا سأقتلك بيدي!" ورفعت السكين تجاهه.


ضحك هيثم ضحكة مخيفة، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة  "لن تستطيعي فعلها. انظري، ها أنا أمامك؟ أفعليها لأرى!"


تراجعت للخلف بخوف، ونظرت إلى الملحق المحترق، أرادت البكاء لكنها قاومت خوفها، وقالت بعصبية 

"ماذا تريد منا؟ لماذا تفعل كل هذا؟ أنت مريض! مختل!"


"لا أريد شيء غيرك، تعالي معي لينتهي كل هذا!" قالها هيثم بصوت مخيف وملامح حادة.

بحركة سريعة، أمسك بيدها ليسقط السكين منها، شعرت بالألم و صرخت حاولت أن تصرّ على التحرر من قبضته، لكنه سحبها بقوة.

سمعت صوت تيم وهو يبكي ويخبط باب غرفته مستغيثًا بها.


حاولت أن تبعده عنها، لكنه كان يمسكها بقوة ويجرّها. أمسكت مزهرية أمامها وضربته بها على رأسه، ليسقط متألمًا ونازفًا.

ذهبت مسرعة نحو غرفة تيم لتحاول فتح الباب، لكنه كان مغلقًا. كانت تبكي وهي تحاول بائسًا.


التفتت للخلف، فوجدته أمامها، نازفًا وغاضبًا، وعيناه تحوّلتا سوداوين من الغضب. أمسكها من شعرها وصرخ "كيف تجرؤين على ضربي هكذا؟!" ثم ضربها كفًا فوقعت على الأرض وقال بغضب "لم أكن أريد إلا أن تكوني لي، لكن الآن لن أجعلك لأحد!"


زحفت على الأرض وهي تبكي، تحاول النهوض، لكنه أمسكها وهزاها بقوة وهو يصرخ

"لماذا؟ لماذا؟ ماذا ينقصني لتختاره هي وتختارينه أنت؟ لماذا هو دائمًا؟ لماذا؟"


شعرت بالدوار من قوة هزه ، لكنها قالت بنبرة مستهزئة به 

"لأن هناك فرق كبير بينك وبينه ، فرق بين رجل و بين شخص حقير ، انت مجرد مريض و ..."

لم يدعها تكمل كلامها، فقد أفقدته كلماتها صوابه. رماها على الأرض بقوة وذهب إلى المطبخ ليأخذ السكين المرمية على الأرض.


قامت هبة بوهن وحاولت الهرب، لكنه أمسكها، ونظر في عينيها بنظرة مخيفة وقال بابتسامة 

" وداعًا يا جميلة " وغرس السكين في بطنها ثم أخرجها.


سقطت هبة على الأرض باكية و متألمة ، تنظر بحسرة إلى غرفة ابنها تيم.

بينما خرج هو وأمر رجاله بحرق المنزل أيضًا. وما هي إلا دقائق حتى اشتعل المنزل بالكامل، وكان تيم وهبة بداخله.


وصل عمر ويوسف وفريق الدعم مع سديم، ليروا البيت بأكمله يحترق!

ذعر الجميع، وارتفعت صرخات الهلع.

عمر وسديم علّقت عيونهم على الملحق بصدمة موجعة تجمدا في مكانهم بعيون متسعة فقد ظنا ان كريم داخل الملحق ، بينما يوسف اتصل بالمطافئ بسرعة.


كان كريم  راجعًا من المقبرة، يحمل الخبز كعادته، شم رائحة الحريق، ودقق النظر ليجد أن بيته يحترق!

رمى ما بيده وركض بكل قوته نحو المنزل.


"لا… لا يمكنني أن أتحمل ألم الفقد مرة أخرى!" قالها في داخله، و هو واقفًا أمام باب منزله المشتعل بعيون متسعة..


كان عمر وسديم قد فرحا لرؤيته، لكنه كان في عالم آخر . عالم بين الامل و الألم ..

كان  كل تركيزه على أن  "هبة وتيم في الداخل". قالها وهو يندفع بين النيران نحو المنزل من غير أي تردد .

صاح سديم محاولًا منعه، لكنه لم يسمع. ليقرر سديم الدخول خلفه " لن أترك أخي هذه المرة " قالها في نفسه عازما و أندفع خلفه.

عمر كان مصدومًا من هول المشهد، أراد الدخول معهم، لكن يوسف منعه.


قفز كريم وسديم بين النيران، كانت الرؤية صعبة بسبب الدخان واللهب المتصاعد. تقدم كريم وهو يفتش عن هبة، ليجدها ساقطة على الأرض مغشيًا عليها.

اقترب منها، حملها بحذر، ونظر حوله بحثًا عن تيم، لكنه لم يجده.


"كريم، أخرجها وأنا سأخرج تيم!" قالها سديم بحزم.


احتضن كريم هبة نحو صدره وأخرجها، بينما وصلت الإسعاف لتتولى التعامل معها.

وضعها على الأرض، و هو يتفحصها بعيناه ، أتسعت عيناه ليرفع يده ليرى دماءها بكفه الملطخة بها، ارتجفت يده وهو ينظر إلى جرحها الغائر النازف..


أتى عمر وسحب كريم بعيدًا، ليتولى المسعفون هبة.

نظر كريم إلى يديه المصبوغتين بالدم، وعيناه ترتعشان، همس بخوف و أرتباك 

"تيم… تيم…" و هم ليركض مرة أخرى نحو الداخل بدون شعور ، لكن عمر صرخ ليوسف ورجاله ليوقفوه.

أمسكوه بقوة بينما هو يصرخ بهم بهستيرية ليبتعدوا عنه ..


دخل عمر للمنزل بصعوبة ، النيران قد أكلت كل شيء، كان اللهب يلحف وجهه بحرارة دقق النظر  ليرأى سديم يحاول كسر باب غرفة تيم . تقدم إليه، لكن عمود من السقف سقط و حال بينهم.

استطاع سديم كسر الباب أخيرا  ودخل ليجد تيم فاقد الوعي، لفه ببطانية كبيرة وحمله.


كان السقف ينهار شيئًا فشيئًا. تقدم سديم بصعوبة، بينما عمر حاول إزالة العمود، واستطاع أخيرًا ازاحته. تقدم إلى سديم، لكن قطعة خشبية محترقة سقطت على ظهره، فوقع هو وتيم أرضا.


ركض عمر إليهما بسرعة، حاول إزالة القطعة عن سديم، لكن سديم تحدث و هو يسعل  " عمر خذ تيم و أذهب و أنا سألحق بكما ،  هيا  ، لا تضيع الوقت ، أذهب " 

تردد عمر و لكن سديم صاح به ، ليحمل تيم و يخرج به بصعوبة .

و ما ان خرج حتى تقدم نحوه كريم بلهفة خائفه و هو يتفحص تيم بيد ترتعش خوفاً ، أراد أن يحمله و يحتضنه و لكن فريق المسعفون اخذوه ليفحصوه..


ألتفت كريم لعمر و حدق به بخوف بعد ان لاحظ ان سديم لم يخرج معهم " عمر ، أين سديم ؟! " 


التفت عمر اليه و كأنه تذكر سديم ليقول و هو يهم بالدخول مرة أخرى" أنه عالق في الداخل ، سادخل و أحاول ان.." لم يكمل كلامه عمر و إذا بكريم يندفع نحو الداخل ليتبعه عمر أيضا ، ليصرخ بهما الجميع ان يرجعا و لكنهما لم يستمعا ..

كان فريق الإطفاء يحاول جاهدا اطفاء النار المشتعلة بقوة .

دخل كريم و عمر ليروا سديم فاقدا للوعي ، تقدموا نحوه سريعا و ازاحوا تلك القطعة عنه ، و حملوه و أخرجوه ، و ما إن خرجوا حتى

ثلاثتهم سقطوا أرضًا فاقدي الوعي، والنيران تلتهم المكان من حولهم.



وصلت سيارات الإسعاف إلى المشفى، ليتم إدخالهم جميعًا، كان كريم يسير بتعب خلفهم و هو يسعل من أثر الذخان و على يداه دمائها ، اقترب منه يوسف وهو يسنده  ، كان قلقاً عليه .


بينما كان كريم يحارب ليأخذ نفسًا، تقدم نحو الطوارئ ليجد تيم في أحد الأسرة، أبعد يد يوسف عنه، سار إليه متعبًا وقلقه ظاهر على وجهه ينظر حوله بذهول وخوف، كأن قلبه يخرج من صدره ، كان الأطباء حوله يسعفونه ويضعون له الأكسجين.


حاول كريم أن يقترب، لكن الأطباء منعوه، فصاح بهم بهستيرية "ابتعدوا، دعوني أرى أبني!"

أمسكه يوسف وحاول تهدئته، لكنه انهار باكيًا "يوسف، أنهم لا يدعوني أرى أبني، يوسف، لا يمكنني أن أفقدهم مرة أخرى!"

احتضنه يوسف وهو متأثر بحالته، صوته يرتعش وهو يحاول التحكم بنفسه.


أتى الدكتور المسؤول عن حالة تيم وربت على كتف كريم وقال بنبرة هادئة مطمئنه "لا تقلق، إنه بخير. لقد استنشق كمية كبيرة من الدخان وانخفضت نسبة الأوكسجين بالدم، لكننا تدخلنا ووضعه الآن مستقر."

تنهد كريم براحة طفيفة، تقدم نحو تيم الغائب عن الوعي، مسح على رأسه وقبله، رأى بعض الحروق البسيطة في يده الصغيرة، فدمعت عيناه بألم وحزن عميق.


"أنظر، تيم بخير، لنكشف عليك أيضًا، حالتك لا تبدو جيدة" قالها يوسف بنبرة خائفة ومرتجفة.


اعتدل كريم وقال بصوت ضعيف ينبض بالخوف والارتباك  "لنطمئن على هبة وسديم أولًا"، وهم ليسير، لكنه توقف ونظر ليوسف بوهن "عمر! أين عمر؟ أهو بخير؟"

طمأنه يوسف أن عمر بخير وأخذه إليه، وكان سريره بجوار سرير تيم. اطمئن كريم عليه، ثم توجّهوا ليسألوا عن سديم وهبة.


"مدام هبة قد تم نقلها إلى غرفة العمليات، أما السيد سديم فتم نقله إلى الغرفة رقم ٤٩٠" قالتها الممرضة المسؤولة في الاستقبال.


اتسعت عيناه كريم عندما سمع "غرفة العمليات"، خاف داخله وضغط يده على صدره، سار بين أزقة المشفى المزدحمة ،  خطوات متقطعة، أنفاس متسارعة ، لا يرى أمامه غير وجهه المشتعل بالقلق ، سار و ما أشبه اليوم بالأمس ! 

سار بين ازقه المشفى المقتضه و لكنه لا يرى أحد غير وجهته اليها. 

توقف أمام غرفة العمليات، انهار وسقط أرضًا وهو يسعل بقوة واضعا  يده على صدره ،  دموعه تتدفق بصمت، و قلبه يكاد ينفطر، كان يوسف بجانبه ليفزع عند رؤية حالته تلك ، ليذهب بسرعة وينادي الممرضين ليتدخلوا.


لكن كريم أبى أن يتحرك قبل معرفة حالة هبة. أجلسه يوسف، ليتدخل الممرضون ويعقموا له الحروق التي في يده، ويعطوه قناع الأكسجين ليهدأ قليلاً و يتحسن تنفسه.


بعد ساعة، كانت  أشبه بسنة.

خرج الدكتور، فأزاح كريم قناع الأكسجين ، وتقدم نحوه ، فسأله كريم بلهفة وخوف "طمّنّي، أزوجتي بخير؟"


كانت ملامح الدكتور لا توحي بالخير، قال "لقد  أصيبت إصابة عميقة في البطن، وحدث نزيف داخلي حاد، وانخفض الأكسجين في دمها. ستظل هذه الليلة في العناية المركزة، وغدًا سنرى." صمت قليلاً، ثم أضاف "لقد عملنا ما علينا، لننتظر ونرى." قالها و هو ينزل راسه.


استمع كريم لكلمات الدكتور مصدومًا، كأنه شبه واعٍ، قال متحشرجًا "ماذا يعني لننتظر ونرى؟ تحدث، قول لي أنها بخير!"


"تحلّى بالصبر، ستكون بخير، ادعوا لها" قال الدكتور، ثم ذهب.


جلس كريم، ودموعه تذرف بصمت، دموع حارة ومحرقة، بينما يوسف بجانبه يواسيه.

أعطى يوسف لكريم بعض الماء ليشربه، ليهدأ قليلاً، فتحدث قائلاً "ذهبت ورأيت سديم، إنه بخير، فقط بعض الحروق في ظهره، ونقلنا تيم للغرفة المجاورة لسديم ، إنه بخير وعمر بجانبه."


كان كريم شاردًا، ينظر إلى الفراغ، هزه يوسف ليعود للتركيز معه، وأخبره بما قال سابقًا.

قال يوسف "لنذهب إذا ونطمئن على سديم وتيم."

قال كريم و عيناه معلقة على باب غرفة العناية المركزة " و لكنني أريد ان أراها و أطمئن عليها أيضا " 

ربت يوسف على كثف كريم و قال بنبرة هادئة " لا يمكننا رؤيتها الان ،  هبة ستكون بخير باذن الله لندعوا لها  ، و لكن الان لنذهب و نرى تيم هيا " 

وقف كريم بصعوبة، و يوسف يمشي بجانبه، يترقب أي لحظة سقوطه، فحالته سيئة للغاية.


وصلت سهى إلى المشفى، كانت و تركض بخوف، تبكي وتسأل عن سديم، فأخبروها أنه في "الغرفة ٤٩٠".

ذهبت مسرعة، وهي تبحث عن غرفته، وفي الطريق وجدت كريم، اقتربت منه وهي منهارة "أين سديم؟ أهو بخير؟ أين هو؟" جلست على إحدى الكراسي منهارة، تبكي وتشهق.


انخفض كريم لمستواها وقال مطمئنًا  "سديم بخير، حالته مستقرة، غرفته تلك، لنذهب ونطمئن عليه." مسحت دموعها، وقفت، وأومأت برأسها، ثم تقدمت مسرعة نحو غرفته.


وقف كريم أمام غرفة سديم قليلاً شاردا ، فقال له يوسف  "سأنتظرك عند غرفة تيم." أومأ كريم برأسه فقط.

بعد دقائق دخل لغرفة سديم، ابتعدت سهى وانسحبت بعيدًا عنهما. تقدم كريم نحو سديم وقال بصوت مبحوح شبه باكي "أأنت بخير؟ " قالها وعيناه ضبابيتان.


"سأكون بخير إذا أخبرتني أن تيم وهبة بخير أيضًا" قالها سديم ، و هو ينظر إلى أخيه الذي كان على وشك الانفجار.


أغمض كريم عينيه، لتنهمر دموعه، مسحها وقال بغصة "تيم بخير، الحمد لله... لكن هبة حالتها حرجة..."

علت وجه سديم ملامح التأثر و العاطفة ليمد يده لكريم ليجلس بجانبه، لكن كريم نظر له مطولًا بعيون دامعة وقال بصوت مرتعش "ليس الان  ، لاذهب أنا  " وذهب مسرعًا.


أطرق سديم رأسه بحزن، يتوجع من ألم ظهره، استغربت سهى من رد فعل كريم، فقالت "لماذا ذهب بهذا الشكل؟"

تنهد سديم وأغمض عينيه "لأنه يعلم، إذا أتى واقترب مني، سيضعف أكثر وينهار، قلبه سيلين، وسيسامحني. لكن ما فعلته معه  جرحه بشكل عميق جدا  ." صمت سديم و هو يتألم من ألم ظهره و وجع بعد أخيه عنه ..



 *كريم*


دخلتُ أحد الحمّامات، وغسلتُ وجهي بالماء وأنا أحاول أن أنسى مشهد هبة و دماؤها بيدي. ارتجفت يداي وأنا أنظر إلى الدماء وهي تسيل منهما. غسلت يدي مرات عدة وأنا أحاول أن أُبعد أثر الدم.

طفحتُ الماء على وجهي مرة أخرى، أنفاسي تتسارع وقلبي كأنه سيخرج من مكانه.

جلستُ بتعب على الأرض وضممت نفسي، أغمضتُ عينيّ، فمرّ أمامي مشهد فقدي لشفق وتيم بكل تفاصيله ومشاعره، وكأنه تكرّر للتو. لكن الفرق أنّني هذه المرة استطعت أن أنقذهم وأُخرجهم.

وقفتُ وخرجتُ وأنا أدعو الله ألا يختبرني بألم الفقد مرة أخرى ولا يريني فيهم حُزناً.


استجمعت قواي ودخلتُ غرفة تيم،  و ابتسامة واهنة على وجهي و أنا أراه بخير امامي. وما إن رآني حتى انفجر باكياً بضعف و وهن وهو يشير إليّ بيده لأقترب منه. احتضنته بقوة فتشبث بي وهو يقول بصوت متحشرج متقطع من البكاء "بابا... لقد خِفت، خفت كثيراً.. ماما... أين ماما؟"

حاولتُ أن أطمئنه وأهدّئه لكنه ظل يبكي وهو يسأل عن هبة. لم أعرف ماذا أقول له ! فأكتفيت ان أحتضنه بصمت موجع.

دخلت سهى وأشارت إليّ أن أترك لها تيم لنخرج جميعاً.


تقدّم مني عمر دون أن ينظر إليّ وسألني إن كنت بخير. أجبته ليهز رأسه بصمت غريب عنه.

وضعت يدي على كتفه وقلت "عمر، ما بك؟ أَيُؤلمك شيء؟"

تهرّب بنظراته ونفى. جلسنا ثلاثتنا بصمت كل منا يسبح بعالمه بشرود ، وبعد نصف ساعة خرجت سهى وملامحها متعبة والدموع بادية عليها، قالت "لقد نام بصعوبة، اذهب إليه ونم بجانبه."

صمتت قليلاً ثم أضافت بنبرة باكية "إنه يهذي باسم أمه واسمك." ثم ذهبت إلى غرفة سديم .


دخلتُ بجانب تيم، احتضنت جسده وهو لا يزال يشهق ببكاء، تشبث بي واحتضنني مردداً "ماما... ماما."

أغمضت عينيّ بغصّة، ثم استسلمت للنوم فجسدي متعب ومرهق.




في الخارج ، كان يوسف مستغرباً من  حالة عمر، كان صامتاً يحدق بالفراغ بشرود. فسأله مستفسراً، فأجابه عمر بصوت متأثر "أنا السبب... أنا السبب يا يوسف، أنا لم أحْمِهم وخالفت وعدي لها."

قال يوسف  "عمر، ما هذا الكلام؟ لقد فعلنا كل شيء لنحميهم، ولكن..."

قاطعه عمر بصوت منخفض مهزوز  "كيف سأنظر لوجه كريم وتيم إن حدث شيء لهبة! أنا من وعدتها وقلت لها إنني سأحميهم، لكنني لم أستطع..."

حاول يوسف أن يقنعه أنه بلا ذنب، لكن عمر لم يستمع. وقف وقال له بحزم "سأذهب الآن لأجد ذلك الحقير، وأنت ابقَ مع كريم ولا تتركه." وغادر رغم محاولة يوسف منعه.


في المساء، كانت سهى بجانب سديم النائم، فتحت هاتفها واتصلت لتطمئن على فردوس، فطمأنتها مربيتها عليها. أغلقت الهاتف وقد شعرت بالارتياح قليلاً. نظرت إلى سديم النائم و بضع حروق صغيرة ظاهرة على كتفه. أمسكت كفه وقبّلته بعينين دامعتين. أحسّ بحرارة دموعها فقال بصوت حانٍ

"سهى، ألم أخبرك أنني لا أحب أن أرى دموعك؟ فلماذا تبكين الآن؟"

حاول أن يعتدل في جلسته بصعوبة، فسارعت لمساعدته وجلست مقابله بعيون دامعة.

مسح دموعها محاولاً طمأنتها، لكنها قالت بصوت باكٍ "سديم، ما الذي حدث هناك؟ ألم تفكر بنا؟ كيف ترمي بنفسك وسط النيران؟ ماذا سأفعل إن حدث لك شيء لا قدر الله؟"

قال مبتسماً بحنان "سهى، أنا أمامك الآن وبخير، لم يحدث لي شيء سوى بعض الحروق البسيطة."

نظرت في عينيه وقالت  "ألم تفكر بي أو بفردوس عندما قفزت بين النيران؟"

أنزل رأسه متذكراً تلك اللحظة وقال بشرود "كل ما خطر ببالي حينها كريم الذي قفز دون تفكير، فقلت: لقد تركته أكثر من مرة و الان 

لا يمكن أن أتركه  أبداً."

اقتربت منه بحذر لكي لا يتألم واحتضنته، ليبادلها العناق.


طرق الباب فانفصلا، ودخل يوسف وقد بدا عليه التعب و التوتر . ظل صامتاً فأخبره سديم أن يتحدث و لكنه نظر الى سهى و هو يحك ذقنه بحرج ، فهمت سهى انه يريد الحديث على أنفراد فهمت لتخرج و لكن سديم تحدث  بجدية "حان الوقت لتعرف، تحدث يا يوسف."

تنهد يوسف وقال "أولاً نحمد الله على سلامتكم جميعاً." أومى سديم بينما سهى كانت تنظر له بتركيز

 ثم أكمل مباشرة  "تأكدنا أن هيثم هو المسؤول عن حادث شفق وتيم، وعن الحريق وطعن هبة."

صُدمت سهى ووضعت يدها على فمها فهي لم تتوقع منه أن يتمادى لهذا الحد . أمسك سديم يدها وضغط عليها محاولاً تهدئتها وقال "هل وجدتموه أو أي أثر له؟"

هز يوسف رأسه نافياً "لا، لم نجده، ولهذا جميعكم في خطر، وسنُبقيكم تحت الحماية، خصوصاً كريم وهبة وتيم."

تشاوروا، فقال سديم "متى سنخبر كريم؟ لا يصح أن نخفي هذا  أكثر."

فقال يوسف "معك حق، لكن عمر هو الوحيد الذي يمكنه التعامل معه و إبلاغه."

" أين عمر ؟ ناديه اذن " قالها سديم ، فاخبره يوسف ان عمر ذهب لمركز الشرطة.


خرجت سهى بينما هما لا يزالان يتحدثان ، كانت تسير بخطوات شاردة دامعة نحو غرفة كريم وتيم. فتحت الباب قليلاً نظرت لهما مطولا بحزن و عذاب ضمير أحست بوجع و وخز في قلبها ما ان رأتهما  متعانقين كأنهم يتشبثون بالحياة. كتمت شهقتها وأغلقت الباب، ثم توجهت إلى العناية المركزة، حيث رأت هبة شاحبة بلا حراك والأجهزة موصولة بها. دمعت عيناها حزناً عليها وعلى طفلها.

جلست تبكي بقوة، وإذا بوجه فردوس يتراءى أمامها. تذكرت كوابيسها ففزعت و تتابعت أنفاسها بخوف و قلق ، وضعت يدها على صدرها و هي تنظر للامام بفزع .


أتى كريم ليطمئن و  ليرى هبة، لكنه لمح سهى على حالتها تلك. تقدم إليها قلقاً يسأل إن كانت بخير. مسحت دموعها وأومأت برأسها .

جاءت الطبيبة المسؤولة، فتقدم منها و سألها كريم بلهفة "دكتورة، طمئنيني، كيف حالتها؟ متى ستستفيق؟"

قالت: "حالياً حالتها مستقرة، لكن عدم استيقاظها يقلقنا. من الممكن أن تدخل في غيبوبة إذا لم تستيقظ الى غداً."

وقع الخبر كالصاعقة على كريم، جلس شارداً يحدق أمامه، بينما سهى تنظر له ولهبة في الداخل. تحدثت الدكتورة بمحاولة لطمئنته 

" نحن سنفعل كل ما نستطيع فعله و الباقي لنتركه على الله ادعوا لها " اومئت بصمت و ذهبت .

جلس كريم مثقلا و هو شارد ينظر للفراغ بصمت مؤلم و مزعج ..


حدقت سهى به مطولا ثم نقلت نظرها نحو هبة لتقرر  أن تنهي هذا، ذهبت و تركت كريم لوحده و ما ان تأكدت انها ابتعدت اتصلت بعمر ليأتي للمشفى ، لم يوافقها و تجاهلها في البداية و لكنها اخبرته بأمر و ما هي الا  نصف ساعة و قد وصل إلى المشفى.

توجه مباشرة إلى كريم الجالس بشرود، وما إن رآه حتى تذكر حالته يوم فقد عائلته. تقدم عمر منه و جلس بجانبه و ربت على كتفه وقال له كريم بصوت متألم 

"ألم أكن أنا الهدف منذ البداية؟ لماذا أحبّائي دائماً من يتأذون وأنا أبقى خلفهم؟" صمت كريم قليلا و قال بصوت متألم

 "  لم أستطع حمايتهم للمرة الثانية يا عمر."

ربت عمر على كتفه قائلاً بجدية  "كريم، يجب أن نتحدث بأمر مهم."

قال كريم و هو يضع يده على راسه متوجعاً "ما الشيء المهم الآن؟"

قاطعه عمر "ألا تريد أن تعرف من تسبب بكل هذا؟"

انتفض كريم وقال بانفعال "من هو؟ تكلم بسرعة."

وقف عمر و هو ينظر للمكان فقال "لا يمكن هنا، لنذهب إلى غرفة سديم." فسار سريعاً، وتبعه كريم وقلبه يغلي.

كانت سهى بجانب غرفة تيم، أومى عمر لها و دخل ، نظرت لكريم  وهي تقول: "سأبقى مع تيم، لا تقلق."

هز كريم راسه بصمت و دخل  مع عمر إلى الداخل.

أغمضت عينيها، وانسابت دموع صامتة على وجنتيها. تحركت بسرعة وجلست أقرب منها، مسحت دموعها بكفي بلطف وهمست بصوت هادئ  "لقد انتهى الأمر.. أنتم الآن بأمان".


قالت بصوت متهدّج، و دموعها تتساقط 

"خفت على تيم كثيرًا.. شعرت بالعجز وأنا لا أستطيع إنقاذه منه  "

مسحت دموعها من جديد، وعيناها تلمعان بحب ، وقلت 

" و لكنك أتيت. و أنقذتنا مرة أخرى  و لم تتركنا" 

فأبتسمت بلطف و قلت و انا أشد على كفها  " ولن أترككم بعد الآن أبدًا." 

ابتسمت هبة بخفة، وأغمضت عينيها هامسة بصوت متقطع

"لن تتركنا.."

نامت وهي تكرر الكلمة، كأنها تتشبث بها لتأخذ منها أمانها.

ظللتُ بجانبها أراقب تنفّسها الهادئ حتى تأكدت أنها غفت بسلام، ثم عدت وتمددت بجانب تيم، أحتضنه وأنا أشعر أنني لست وحيدًا بعد الآن.



يتبع ...

صدى الالم الفصل الخامس عشر
Wisso

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  • غير معرف22 أبريل 2026 في 10:39 م

    روعه تسلم ايدك حبيبتي

    حذف التعليق
    • غير معرف23 أبريل 2026 في 2:01 ص

      برااااااافو عليك حبيبتي سجى

      حذف التعليق
      • غير معرف23 أبريل 2026 في 8:26 م

        روعة حبيبتي تسلم ايدك 👏👏👏❤️❤️❤️

        حذف التعليق
        google-playkhamsatmostaqltradent