رواية صدى الالم
بقلم سجى إمام
في اليوم التالي، أتى عمر ويوسف إلى المشفى للاطمئنان على كريم وعائلته.
كان صوت عمر يحمل ذنبًا خفيًا، ونظراته كانت تهرب كلما التقت بعيني كريم أو هبة.
لاحظ كريم ذلك، فاقترب منه وسحبه بلطف نحو الخارج.
قال كريم بصوت متعجب
"عمر.. ما بك؟ ما هذه الحالة؟ وكأنك أنت المذنب؟!"
جلس عمر على الكرسي وهو يتنهد بعمق وقال بصوت واطئ
"ألستُ مذنبًا؟!"
جلس كريم بجانبه، نبرته ثابتة لكن صوته فيه دفء
"بالطبع لا. المذنب الحقيقي هو ذلك الحقير.. هيثم."
سكت لحظة، ثم أضاف وهو يرمقه بنظرة جادة
"كانت حركته غير متوقعة وصادمة، فلا تلُم نفسك. أخبرني الآن.. هل توصلتم لشيء؟"
أومأ عمر وأجاب بجدية، صوته فيه صرامة
"أصدرنا أمر قبض عليه، وهو مجرم مطلوب الان. و حدّدنا موقع هاتفه وذهبنا إلى هناك، لكننا لم نجده. ما زلنا نبحث."
كان كريم يستمع له بتركيز، وما إن أنهى عمر كلامه حتى حدّق فيه قائلًا بحدة
"عمر.. أهذا كل شيء؟ أنت لا تخفِ عني شيئًا . عمر ارجوك لاتخفي عني هذه المرة شي ..."
أبعد عمر نظراته مترددًا، يصارع نفسه هل يخبره بشأن سهى أم لا.
ثم قال بصوت متردد
"هناك أمر.. لكن سأخبرك به لاحقًا، ليس الآن."
صمت كريم ولم يُصر أكثر، ثم عادا معًا إلى غرفة هبة.
كانت هبة بحال أفضل، بجانبها تيم الذي لم يفارقها منذ أن استيقظ من نومه.
جلس كريم بالقرب منهما، بينما قال عمر وهو ينظر لهبة وكريم، نبرته واثقة لكن ملامحه مثقلة
"سنقبض عليه.. وسيعاقَب على ما فعله. لا تقلقا." فأومأ كريم وهبة بصمت.
فاستأذنا عمر ويوسف للذهاب إلى مركز الشرطة.
خرج عمر ويوسف، لكن عمر أخبر يوسف أن يسبقه، وأنه سيلحق به لاحقًا. وافق يوسف، فبقي عمر وحده.
أخرج هاتفه واتصل بسهى، صوته خافت وحذر، يخبرها بما عليها أن تفعل.
كان كريم يتحدث مع هبة، لكن عيناه وقعتا على هاتف يوسف الذي نسيه على الطاولة.
نهض مسرعًا ليلحق بهما، لكن خطواته توقفت فجأة حين لمح عمر يسير وحده نحو القبو.
رفع حاجبيه بدهشة، همس في داخله باستغراب "إلى أين يذهب وحده؟". فقرر أن يتبعه بخطوات حذرة.
توقف عمر، وكان بجانبه شخص.
تقدم كريم أكثر، عيناه تتسعان حين أدرك أنها سهى!
ضاقت عيناه بدهشة مكتومة، وهمس في داخله "ماذا تفعل سهى مع عمر في هذا المكان؟!".
لكن دهشته تحولت إلى صدمة حين سمعها تقول بصوت منخفض
"لقد تواصلت اليوم مع هيثم.. وقلت له كما أخبرتني."
تجمد كريم في مكانه، قلبه يخفق بعنف، ثم تقدم نحوهم بخطوات غاضبة "ماذا يحدث هنا؟!"
ارتبكا الاثنان، عيونهما اتسعت رعبًا من غضبه المفاجئ.
التفت كل من سهى وعمر إلى كريم بدهشة و عيناهما متسعتان.
توترت سهى وخافت من نظرات كريم لها فتراجعت للخلف بخوف .
تقدم منهما كريم وقال بعصبية وهو يرفع إصبعه السبابة في وجهها
و قال بصوت غاضب حاد "أتتواصلين مع ذلك الحقير رغم كل ما عمل؟!"
هزت رأسها نافية وحاولت أن توضح له، لكن عمر تحدث بهدوء
بصوت هادئ متماسك "أنا من طلبت منها."
سكن كريم، التفت لعمر متسائلًا، فأكمل عمر
"ألم أقل لك إن هناك أمرًا أخفيه عنك؟"
هز كريم رأسه بتركيز، ليكمل عمر
"سنستدرج هيثم عن طريق سهى، فهي الوحيدة التي تستطيع التواصل معه."
كان كريم مذهولًا مما يسمع، أطرق رأسه قليلًا مفكرًا، ثم قال
بصوت متردد لكنه غاضب في داخله "ولكن أتظن هيثم غبيًا ليخبرها بمكانه بسهولة؟ وأيضًا لا يمكننا المخاطرة بحياتك."
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى سهى بحدة.
التفت عمر إلى سهى وأشار لها أن تذهب، فأومأت وذهبت بخطى سريعه مرتبكة .
استغرب كريم ذلك، وما إن خرجت حتى تحدّث عمر بتوتر وهو ينظر لكريم
بصوت متهدج "كريم.. ما سأقوله سيكون صادمًا ومؤلمًا."
ضحك كريم ضحكة ساخرة
بصوت متماسك ظاهريًا لكنه مهتز قليلًا "لقد تعودت على الألم والصدمات.. تحدث."
تنحنح عمر وقال
"لا أعرف كيف أقولها، لكن سأدخل بالموضوع فورًا. سهى أتت إليّ واعترفت بكل شيء تعرفه عن هيثم و..."
قاطعه كريم، مندهشًا
"ولكن لحظة، ما دخل سهى بكل هذا؟ نعم هي أخته، لكن لا أظن أنه أخبرها و..."
صمت كريم وهو يحاول أن يستوعب.
تنهد عمر وبدأ يحكي لكريم كل ما أخبرته به سهى.
كان كريم يستمع له بصدمة، لم يتوقع أن غيرتها من شفق ستجعلها تتخلص منها للأبد!
قال كريم مذهولًا بصوت مصدوم مستنكر "أيعني هذا أن سهى من طلبت من هيثم أن يبث الخلاف بيني وبين سديم، وأن يتخلص منا؟ يقتلنا؟!"
حك عمر ذقنه بتوتر وقال
"ليس هكذا تمامًا، وإنما هي أخبرته فقط أن يجد طريقة لطردكم من البيت، وهو من..."
قاطعه كريم بلهجة حادة
"أتدافع عنها أمامي؟! سأذهب الآن إليها وأسألها لماذا فعلت ذلك!"
قالها و همَّ ليذهب، لكن عمر أمسكه من ذراعه بقوة وتحدث
بصوت صارم "كريم، لا تفعل شيئًا مجنونًا يرجعنا إلى خط البداية! اهدأ."
أبعد كريم يد عمر عنه، ثم هدأ قليلًا، ليعتذر و يقول
"عمر، ما تقوله ليس سهلًا عليّ."
ربت عمر على كتفه ليكمل
"مثلما قلتُ ، سهى طلبت منه أن يخرجكم من البيت فقط، وهو وعدها أن يساعدها. فعل ذلك عن طريق جعلك أنت وسديم توقعان ببعض، وتزيد المشاكل بينكما. وأيضًا.. هناك أمر ..." صمت عمر قليلًا.
قال كريم بصوت متوتر "عمر، تحدث! ما بك صمت؟"
تنحنح عمر وقال
"توجد تفصيلة مهمة مبهمة. هيثم التقى بشفق، وبعدها بمدة قصيرة خرج وهو غاضب بشدة، وأخبر سهى أن الأمر سيتم.. وبعدها حدث الحادث! و لا نعرف ما حدث ، أتذكر انت شي ؟ هل شفق اخبرتك عن هذا ؟."
استمع كريم وهو يفكر ويعصر ذاكرته و متحير "هل شفق أخبرتني بلقائها هيثم؟" فلم يتذكر أنها أخبرته أبدًا.
تحدث كريم
"لا شفق لم تخبرني بشيء عن هذا! وأيضًا، ماذا كان يريد منها ذلك الحقير؟" قال جملته الأخيرة مستهجنًا.
فكر عمر قليلًا وتردد، ثم قال
"هيثم مهووس بك، يريد كل شيء يخصك. ألم تلاحظ هذا من قبل؟"
اتسعت عينا كريم بدهشة، ليكمل عمر
"عائلتك، سعادتك، نجاحك، عملك.. كل هذا كان يثير حسده ويجعله يقارن نفسه بك. وأظنه.. كان..."
صمت عمر، بينما كريم تحفّز، يحثه على أن يتكلم.
أكمل عمر بنبرة حذرة
"أظنه كان يريد شفق ، ان ينتزعها منك . وعندما لم يحصل عليها، قرر قتلها مثلما عمل مع هبة."
تحدث كريم بلهجة منصدمه بصوت مرتفع مذهول "ما الذي تقوله يا عمر؟!"
أغلق هيثم هاتفه بغضب وهو يصرخ بعصبية و بصوت هائج "اللعنة!"
بعد أن تم تجميد أرصدته في البنك والتعميم عليه كمجرم مطلوب، لم يرضَ أحد من أصدقائه مساعدته.
زفر بحنق وأخرج شريحة هاتفه وأتلفها.
أتى أحد رجاله بملامح غاضبة و تحدث بصوت متوتر حاد "إلى متى سنظل هنا؟ الرجال مستاؤون ويريدون مالهم. إذا لم تعطنا اليوم سنذهب ولن نلتفت لك!"
توتر هيثم، فهو لا يملك المال ليغطي نفقاتهم، لكنه صرخ به قائلًا
و كان صوته غاضب متعجرف "من يريد الذهاب.. يذهب! أنا لا أحتاج لأحد!"
كور الرجل قبضته بغضب وقال بهدوء أخاف هيثم
"لولا الوفاء بيننا، لكنت قتلتك الآن. سنذهب و لا تتصل بنا بعد الآن "
ثم ذهب وأخذ رجاله معه.
جلس هيثم وحيدًا، غاضبًا، يلعن حظه وما حدث معه.
أغمض عينيه فجاءه صوت داخلي ساخر "أنت فاشل.. ولا زلت فاشل."
جلس على الأرض، احتضن نفسه وقال بنبرة متهدجة وهو ينظر للأمام بعينين مخيفتين
"أنا لست فاشلًا.. أنا فقط لم أحظَ بالفرصة المناسبة."
كور قبضته وأضاف
"كل هذا حدث بسبب كريم.. هو السبب! انتزع مني نجاحي، وانتزع كل شيء مني. ابتسم له الحظ وعبس في وجهي! لماذا؟!"
تعالت أنفاسه بغضب، ثم وقف وهو يمسح وجهه ويقول في داخله
"لم يكن يستحق شفق أبدًا.. ولم يستحق هبة.. أنا فقط من أستحقها. سأنتزعها منه.. ولن أجعله يفوز عليّ. سأحطم و أنتزع منه كل ما يحب ."
بعد أن أخبر عمر كريم بكل شيء وفصّل خطته، هدأ كريم ورتب أفكاره ومشاعره.
تحدث بحزم و صوت ثابت جاد "لا يمكنني أن أؤمّنهم على عائلتي بعد الآن. سنذهب من هنا فورًا."
اعترض عمر
"إلى أين ستذهب؟ وأيضًا، هبة لم تتعافَ بشكل كامل."
قال كريم
"قلت لك.. لا يمكنني أن أثق بهم مرة أخرى."
سأله عمر باستفهام
"بقولك (بهم) من تقصد؟ سهى وسديم؟!"
رد كريم
"نعم.. فبعد ما عرفته، لا يمكن أبدًا أن أطمئن على عائلتي بقربهم."
قال عمر موضحا
"سديم ليس له دخل. هو لا يعرف أي شيء عن هذا. وأيضًا، أتعلم أنه ساعدني كثيرًا، وكان يحميكم ويساعدكم من البداية من غير أن تشعر. لا تظلم أخاك وتعاقبه بفعل زوجته."
صمت كريم مفكرًا بكلامه.
رأى أن عمر معه حق، فسديم أثبت أنه حقًا نادم على ما فعله.
فأومأ برأسه وأخبر عمر أن يستمر بخطته كما اتفقا، وأنه لن يفعل شيئًا يخربها.
رجع كريم لغرفة هبة، فوجد سهى تتحدث معها وتلعب مع تيم.
انزعج وظهر ذلك على ملامحه.
تقدم نحوها، أخذ تيم منها، فتمسك به الطفل وعانقه بحب.
رمقها كريم بنظرات ثاقبة ، فارتبكت سهى واستأذنت لتخرج بسرعه .
استغربت هبة تصرف كريم، فسألته بقلق إن كان قد حدث شيء.
أجاب نافيًا، ثم جلس بجانبها مبتسمًا وهو يلعب مع تيم ويدغدغه محاولا تشتيت عقله.
كانت هبة تنظر إليهما وهي تبتسم بسعادة.
تحدث تيم بين ضحكاته ، بصوت طفولي ضاحك "بابا.. أنا جعت.. لنأكل."
أبتسم كريم وقال "إذًا.. هيا لنشبع بطلنا!"
وقف، التفت لهبة وهو مبتسم
"هبة.. ماذا نحضر لكِ؟"
تأملت وجهه الضاحك بحب، ابتسمت وقالت
"لا يفرق.. أحضروا لي مما ستأكلونه."
أومأ كريم وقال
"سنذهب سريعًا ونعود لنأكل معًا."
فذهب كريم وتيم ليحضرا الطعام.
بينما هبة أغمضت عينيها بسعادة دافئة. رغم ألمها، إلا أنها سعيدة بقربه منها واهتمامه بها.
لكن ذكرى قديمة عادت إليها.. يوم وجدها كريم مغمى عليها في المقبرة، وكيف كانت تملئها الحيرة و الخوف من اقتراحه أن تذهب معه إلى بيته.
و لكن ذاك الخوف تبدل اليوم إلى أمان، وتلك الحيرة تبدلت إلى طمأنينة معه .
كانت تحاول ان لا تتذكر او تفكر بهيثم او بذلك اليوم ، لكن جرحها ما زال يذكّرها بوجه هيثم و هو يغرس السكين فيها فأغمضت عينيها بخوف وألم.
طرق الباب ودخل كريم وتيم بيدهما الطعام.
ركض تيم نحوها وهو يرفع يده يخبرها بما أحضروا.
فأومأت بابتسامة هادئة.
لاحظ كريم تغير ملامحها، فأغلق الباب وتقدم نحوها، يخرج الطعام وهو يتحدث مع تيم ليساعده في إخراج الأطعمة و عيناه معلقه عليها.
في غرفة سديم
قالت سهى بصوت تستعطف فيه سديم
"سديم.. لا داعي لبقائنا هنا. لنرجع إلى منزلنا. فردوس لوحدها.. وأنا اشتقت لها."
فكر سديم بكلامها، فوافق.
ففردوس وحدها هناك، ولا يتضح ما قد يفعله هيثم.
فاتصل بعمر وأخبره بقراره. فأكّد له عمر أنه سيتأكد من حمايتهم وأمانهم و انه يمكنهم الذهاب بأمان.
في غرفة هبة
أنهوا طعامهم، فأعطى كريم بعض الألوان والورق لتيم ليشغل نفسه ولا يملّ.
أخذها تيم بفرح وبدأ يرسم ويُلوّن بحماس طفولي .
ابتسمت هبة وهي تنظر إليهما، فالتفت كريم إليها، والتقت عيناهما في صمتٍ مشحونٍ بشيءٍ غامضٍ.
نظر لها طويلاً دون أن يبعد عينيه، وتقدّم منها بخطواتٍ مترددة قليلا .
ارتبكت هي فأنزلت رأسها، تفرك يديها بخجلٍ واضحٍ وصوت أنفاسها يختلط بنبض قلبها المسرع.
جلس بجانبها وقال بصوتٍ دافئٍ
"هبة، لا تكتمي خوفك بداخلك، تحدّثي... سترتاحين."
قال جملته الأخيرة بابتسامةٍ حانيةٍ.
كان قربه منها يربكها، ونظراته تزعزع ثبات قلبها .
رفعت نظرها نحوه بخجل، لتتسارع دقات قلبها وتكاد تفضحها.
قال كريم بصوتٍ منخفضٍ مائلٍ للحزن
"ما مررتِ به لم يكن سهلًا أبدًا... إنه صعب ومخيف. لذلك أخرجي ما بداخلك، وأنا بجانبك، سأسمعك."
قالها وهو يُمسك كف يدها برفقٍ، وكأنّ لمسته تعدها بالطمأنينة.
رفعت عينيها الدامعتين نحوه، وعيناها تحملان ارتجافَ ذلك الكابوس وهي تستحضر هيثم والنيران، لتنفجر باكية وهي تقول بصوتٍ متهدّجٍ باكٍ
"كنت خائفة، خائفة جدًا... لا من الموت، ولكنني خفت أنني لن أستطيع رؤيتكما مرة أخرى... خفت أن أفقدكما!"
تأثّر كريم ببكائها وكلماتها، اقترب منها أكثر، لترتمي هبة في حضنه وتتشبّث به وهي تقول ببكاءٍ متقطعٍ
"لا تتركني... عدني بهذا... لا تتركني أنا وتيم... عدني!"
رفع كريم ذراعيه بترددٍ قليلا، و لكنه بعدما سمع رجائها ضمّها إليه وهو يمسح على شعرها بحنانٍ، وقال بصوتٍ مطمئنٍ وهادئٍ
"أنتما عائلتي الآن يا هبة... كيف لي أن أترك عائلتي؟ أعدك أنني سأكون سندكما ودائمًا بجانبكما."
أبعدها بلطفٍ، ومسح دموعها بإبهامه برقةٍ ، رفع رأسها، وقال وهو ينظر إلى جرحها بنبرةٍ جادّةٍ غاضبةٍ
"ما حدث كان بسببي، وأنا أعدك يا هبة أنني سأنتقم ممن آذاكما، ولن أتركه ينجو أبدًا."
أمسكت هبة كف يده بخوفٍ، وقالت بصوت يرتجف
"كريم، أرجوك، لا تفعل أي شيء... هيثم شخص مجنون وسيؤذيك، لا تتورّط معه. الشرطة هم من سيتصرفون معه."
كانت دموعها تنهمر بصمتٍ، ونبرتها تختنق بين الخوف والرجاء ..
شعر كريم بصدق خوفها، فحاول أن يطمئنها بنبرةٍ هادئةٍ مطمئنة
"هبة، لا تخافي واطمئني، سأكون مع عمر ، إذا لا تقلقي علي ."
ثم صمت لحظة، ومال عليها بابتسامةٍ خفيفةٍ ممازحةٍ
"ومن يكون هذا الهيثم أصلًا؟ ألم تتغلّبي عليه وتخدعيه؟"
رفع حاجبيه بخفةٍ وابتسامةٍ مشاكسة.
توترت هبة عندما فهمت تلميحه بأنه عرف ما أخفته، فاستعدت لتتحدث، لكنه بادرها بصوتٍ حازمٍ خافتٍ
"لقد أخبرني عمر بكل شيء، ولكن... لماذا لم تخبريني أنا بكل هذا؟ ألا تثقين بي؟!"
هزّت رأسها بسرعة وهي تقول بصوتٍ خافتٍ مرتبك
"لا، ليس لأني لا أثق، وإنما... لأنني خفت عليك. خفت أن تتهور وتذهب إلى هيثم و..."
قاطعها وهو يشدّ على يدها بنبرةٍ حنونةٍ حاسمةٍ
"لا عليكِ، فهمت ما تقصدين."
اقتربت منه ووضعت رأسها على صدره، أغمضت عينيها، وكأنها وجدت موطن أمانها .
في الخارج
خرج كريم من الغرفة بعد أن تأكد من نومهما.
جلس على أحد الكراسي بجانب الغرفة وأخرج هاتفه، همّ ليتصل بعمر، لكن سديم أتى وجلس بجانبه.
أعاد كريم الهاتف إلى جيبه ونظر إلى سديم الذي جلس بصمتٍ، وعيناه تشيان بعاصفةٍ داخلية.
تحدث كريم بصوتٍ منخفضٍ
"سديم، أهناك شيء؟ تحدث."
هزّ سديم رأسه نافيًا، ونبرته مشوبة باللوم لنفسه
"كيف لم أرَ أو أفهم أن هيثم كان وراء كل هذا؟ حتى أنني لم أشعر بشيء... كل شيء كان أمامي، وكنت أعمى! دائمًا ما كنت لا أطيق هيثم ولا أرتاح له، لكن لم أتخيل أن يخرج منه كل هذا!"
شرد كريم مع كلماته، وعيناه تائهتان بين الماضي والخذلان ، فهو أيضا لم يلاحظ حقد هيثم المخفي بابتسامته الكاذبة.
قال بهدوءٍ
"لا تلُم نفسك، سديم. ما حدث قد حدث. الآن علينا أن نجد هيثم ويُعاقَب."
التفت إليه سديم بنبرةٍ مملوءةٍ بالندم
"هو من تسبب بالمشاكل في الشركة، ورمى كل شيء عليك، وأنا... أنا حملتك كل شيء وظلمتك و ركبني شيطاني يا اخي... سامحني يا أخي."
سكت كريم قليلًا، و التفت لسديم مطولا و هو يتذكر كل ما مر به هو و عائلته فأغمض عيناه و حدث نفسه
"ما كان في الماضي مضى... ذهبت شفق وذهب تيم، وتبقى أخاك... نعم، أخطأ، لكنه عاد نادمًا ، سامحه و أشدد عضدك باخاك "
تنهد كريم، ومسح وجهه بكفه .
نظر إليه سديم بخوفٍ من ردة فعله
فوقف كريم، ووقف سديم بسرعة وهو قلق.
ابتسم كريم بخفةٍ ، وفتح ذراعيه و هو يشير لاخاه أن يقترب .
أمتلئت عيناه بالدمع ليقترب سديم منه بسرعةٍ، واحتضنه بقوةٍ،
فربّت كريم على ظهره بصوتٍ متهدّجٍ متأثرٍ
"سامحتك بحقي يا أخي... ليعفُ الله عنك أيضًا."
انفجر سديم بالبكاء، وكأنه تخلّص من جبلٍ من الذنب الذي ارهق روحه
أما كريم، فشعر وكأن الحياة أعادت له سنده الذي فقده .
بعد لحظة، افترقا، وابتسامة امتنانٍ باكيةٍ جمعت بينهما.
قال سديم بعد أن تنهد براحةٍ
"غدًا سأوصل سهى إلى المنزل لتبقى مع فردوس، وسأتأكد من أمنهم، وبعدها سأعود لأبقى هنا معكم."
تغيّر وجه كريم عند سماع اسمها، لكنه قال
"لا داعي لرجوعك، نحن أيضًا سنخرج. الطبيبة أخبرتني أنه لا داعي لبقاء هبة في المشفى، حالتها جيدة."
تساءل سديم بقلق
"ولكن إلى أين ستذهبون؟!"
صمت كريم للحظةٍ، و هو يحدث نفسه بحيرةٍ ثقيلةٍ
"إلى أين سنذهب؟ بيتنا احترق، ولا مكان آخر لي، ولا مال..."
أخرجه سديم من شروده وهو يربت على كتفه قائلًا بنبرةٍ حازمةٍ مطمئنةٍ
"لا تفكر كثيرًا، فبيت أبيك موجود، فلتأتوا إليه..."
قاطعه كريم برفضٍ صارمٍ واضح النبرة "لا يمكن."
"لماذا؟" قالها سديم باستغراب.
ردّ كريم وهو يتجنب النظر إليه
"لا تهتم، سأجد مكانًا مناسبًا."
قال سديم بثقةٍ وإصرارٍ
"أنا من سيجد، وسأتأكد من أمان المكان، لا تشغل بالك."
نظر له كريم مترددًا وقال بصوتٍ متعبٍ
"لكنني لا أملك المال الكافي حاليًا و..."
قاطعه سديم وهو يرفع حاجبه مستنكرًا
"عن ماذا تتحدث؟ تتحدث وكأنني سأتفضّل عليك!"
ثم أكمل بعد صمتٍ قصيرٍ
"أتتذكر بيت المزرعة؟ إنه مناسب لبقائكم هناك هذه الفترة."
أومأ كريم موافقًا، ثم أضاف بصوتٍ هادئٍ حازمٍ
"أنا لن أبقى معهم كثيرًا، لهذا تأكد من حمايتهم تمامًا."
همّ سديم ليتحدث، لكن سهى أتت في تلك اللحظة. نظرت إلى كريم، فالتقت عيناه بعينيها رماها بنظرةٍ قاسيةٍ أربكتها.
قال وهو يحدق فيها بعينين صارمتين
"هذه المرة... لا يمكنني الوثوق بالشخص الخطأ ، فأخاطر بهما ، لهذا تأكد من حمايتهم ."
ارتبكت سهى، فقد ظنت أنه أخبر سديم بما يعرفه.
أومأ سديم ثم أخرج هاتفه وقال
"حسنًا، سأتكفّل بكل شيء."
ثم التفت إلى سهى واقترب منها مبتسمًا بلطفٍ
"سهى، عشر دقائق وسآتي، لن أتأخر."
وقف كريم يراقب تفاعل سديم معها، ولاحظ كيف يتغير كل شيء فيه حين يتحدث معها و عنها ، صوته، نظرته، حتى ابتسامته.
بقي كريم وسهى ينظران إلى بعضهما، فتحدثت سهى بصوتٍ مرتجفٍ متلعثمٍ
"أنا لا أعرف ماذا أقول... أو كيف أقولها، لكني لم أتوقع حقًا من هيثم أن يتمادى لهذا الحد و..."
قاطعها كريم بحدةٍ ونبرة صوته امتزجت بالغضب والألم
"وما ذنب تيم في كل هذا؟ وما ذنب شفق؟ أفقط بسبب غيرة نساءٍ أُخِذت مني عائلتي؟!"
ارتجف صوت سهى وبكت بحرقة، وهزّت رأسها نافيةً، بينما صوته يعلو قليلًا
"أخبريني إذًا! لماذا؟ ما الذي دفع ذلك الحقير لفعل كل هذا؟!"
نظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع، والخوف يسكن ملامحها.
وقف و هو ينظر لها بمزيج من الاشمئزاز والاحتقار ، فكل ما فيها يذكّره بدمار قلبه.
أتى سديم بعد أن أنهى اتصاله، ليرى سهى منهارةً باكيةً.
اقترب منها بسرعةٍ، وصوته مملوءٌ بالقلق
"سهى! ما بكِ؟ لماذا تبكين؟!"
التفت إلى كريم وسأله بقلقٍ
"كريم، ماذا حدث؟!"
مسحت سهى دموعها بسرعةٍ وهي تنظر إلى كريم بخوفٍ من ردة فعله.
بينما تنقلت نظرات سديم بينهما بحيرةٍ واستغرابٍ. همّت سهى لتتكلم، لكن كريم قطع عليها بهدوءٍ متماسكٍ ونبرةٍ واثقةٍ "كنا نتحدث... فتذكرت شفق وتيم وتأثرت قليلًا، أليس كذلك؟"
سقط قلبها من مكانه، فوجئت بكلامه، نظرت إليه مطولًا قبل أن تومئ برأسها بصمتٍ.
ثم التفتت نحو سديم وقالت بصوتٍ خافتٍ متعبٍ
"خذني إلى المنزل، أرجوك."
غادر كريم بعدها إلى غرفة هبة، وجدها نائمةً مع تيم، فابتسم بارتياحٍ عميقٍ، وجلس بجانب سريرها ينظر إليها بصمتٍ مطمئنٍ.
في صباح اليوم التالي..
ذهب سديم وسهى إلى بيتهما بعد أن أكمل سديم كل الإجراءات الخاصة بهما، صعدا بلهفةٍ وشوقٍ لصغيرتهما.
تقدّمت سهى وحملتها وهي تُقبّلها وتشمّها، وتتمتم بكلماتٍ لم يفهمها سديم، كان يتأملهما وهو يبتسم، ليقترب منهما وقال ممازحًا بنبرة دافئة
"ماذا تركتِ لي؟ أعطيني ابنتي."
وما إن رأته فردوس حتى ضحكت وهي ترفع يديها الصغيرة نحوه ضحكتها الرقيقة ملأت المكان دفئًا، ففرح سديم بحركتها وأخذها من حضن أمها وهو يلاعبها ويُقبّلها بحنان و حب .
وصل عمر و يوسف إلى المشفى، وكان كريم يتصل بعمر، فردّ عمر بسرعة يخبره أنهما وصلا، ولم يدع كريم يتحدث.
أغلق كريم الهاتف وهو ينظر إلى هبة قائلاً بابتسامة صغيرة تحمل دهشة "لن يتغيّر عمر أبدًا."
فابتسمت، بينما كان تيم ينظر لهما بعدم فهم يحرك رأسه الصغير متسائلًا.
طرق الباب، فأذن كريم بالدخول، ليدخل عمر وعلى وجهه ابتسامة مرِحة
"لم نتأخر، أليس كذلك؟!"
ابتسم كريم بسخرية وقال بصوت ساخر خفيف
"والنصف ساعة ماذا تعني؟!"
ثم ضحكا بعدها.
اقترب يوسف من تيم، وحمله وهو يُخرج من جيبه قطعة حلوى ويُعطيها له، ففرح تيم وشكر يوسف .
تقدّم عمر و يوسف، الذي كان يحمل تيم، بينما كان كريم مع هبة التي تألمت عند وقوفها، فأقترب هو منها قائلا
"هبة، تمسّكي بي." قالها كريم وكأنه يطلب إذنها ليقترب منها بصوت دافئ .
أومأت برأسها، فتقدّم منها ولفّ ذراعه حولها وأسندها لتقف.
وقفت وسارت بجانبه، أنفاسها ودقات قلبها تتسارع بقوة، خافت أن يفضح أمرها أمامه فحاولت أن تهدأ وتتنفس ببطء صوت أنفاسها الخافتة يمتزج بنبضها المضطرب .
بينما هو كان يشعر بها وبارتباكها من قربه وخجلها من لمساته، وبدقات قلبها المتسارعة وأنفاسها المتقطعة، فابتسم في داخله بحيرة.
أركبها السيارة بحذر وجلس هو وتيم بجانبها في الخلف، بينما عمر ويوسف في الأمام، وتوجهوا إلى بيت المزرعة.
كان البيت كبيرًا نسبيًا وفيه حديقة واسعة من الجهة الخلفية.
ذهب يوسف وتيم إلى الحديقة يتجولان، بينما دخل البقية، فاستقبلتهم امرأة في العقد الخامس بوجهٍ بشوش وهي ترحّب بهم صوتها يحمل دفء الأمومة.
أجلس كريم هبة ثم تقدّم من تلك السيدة وهو يبادلها السلام والترحيب، أبتسمت لعمر عندما راته ، فأومأ لها بابتسامة.
"خالتي نسيبة، هذه هبة، زوجتي... هبة، تعرفي على خالتي نسيبة هي من تهتم ببيت المزرعة مندو سنوات" قالها كريم و هو ينظر لهبة بعيون لامعه.
انسحب كل من عمر وكريم وتركَا هبة والخالة ليتعارفا.
جلس كريم وعمر في الخارج ليتحدث كريم بجديةٍ خافتة
"متى ستنفّذ خطتك يا عمر؟"
صمت عمر مفكرًا، فطال صمته، ليتحدث كريم مجددًا بنبرة حادة متوترة
"لا يوجد أمامنا وقت، عمر، إذا لم تتحرك سريعًا، لا تلمني إن تحركت أنا وحدي!"
حاول عمر تهدئته موضحًا أن هناك إجراءات وترتيبات عليه القيام بها قبل أي شيء، لكن كريم قال بعصبيةٍ متزايدة و صوته يرتفع تدريجيًا
"لا تهمّني تلك الإجراءات، ما يهمني هو هيثم، أن يُقبض عليه!"
وقف بعصبية وقال نبرته حازمة
"إذا اضطرّ الأمر سأذهب وحدي وأبحث عنه."
وقف عمر أيضًا وقال بحزم
"لا تتحدث بجنون، اهدأ واجلس لنتحدث."
جلسا وساد الصمت بينهما، كلٌّ منهما يفكر في الخطوة التالية و هالة من التوتر تطفو فوقهم.
"لنبدأ من الغد، أخبر سهى أن تتواصل معه." قالها كريم بحسمٍ قاطع. التفت عمر له وأومأ برأسه بصمتٍ متفكر.
أتى تيم وهو يركض فقطع تفكيرهم، فوقف كريم وذهب إليه وحمله قائلاً بمرح
"ما رأيك أن تطير قليلًا؟"
ضحك تيم وقال ضاحك متسأل
"لكن ليس لدي أجنحة!"
ابتسم كريم وقال
"افتح ذراعيك يا صغير."
ففتح تيم ذراعيه، فرفعه كريم قليلًا ودار به ضاحكًا، وركض به في الحديقة و صوت ضحكاتهما يملأ المكان.
علت ضحكات تيم وكريم، سمعت هبة صوتهما، فازهر قلبها فرحًا و علت وجهها إبتسامة دافئة.
وقفت بصعوبة وتوجهت إلى النافذة لترى المشهد، فدمعت عيناها بتأثر و حب .
مر اليوم بهدوء ، حضرت لهم نسيبة طعام العشاء، فأكلوا جميعًا.
وبعد أن أنهوا طعامهم، أخبرتهم أن غرفتهم جاهزة، فأومأ لها كريم وشكرها.
حمل تيم الذي نام فورًا وذهب لغرفتهم، التي كانت غرفة دافئة وجميلة، أثاثها قليل لكنه مريح.
يتوسطها سرير كبير، وفي الجانب الأيسر دولاب ملابس، وفي الأيمن نافذة كبيرة تطل على حديقة المنزل، وبجانبها طاولة صغيرة.
تقدّم كريم من السرير ووضع تيم برفقٍ على السرير وغطّاه بحب نظراته كانت مليئة بالعطف و الحنان.
استدار ليذهب ليحضر هبة، لكنه وجدها قد أتت.
كانت تسير بخطواتٍ صغيرةٍ متألمة، وقفت بجانب الباب، ونظرت إلى الغرفة نظرة سريعة ، عيناها مرهقتان لكن فيهما راحة .
تقدّم منها مسرعًا وأسندها، فاجلسها على السرير بجانب تيم، وهو يلومها بصوت حنونٍ
"لماذا أتيتِ وحدك؟!"
هزّت كتفيها بابتسامةٍ صغيرة فابتسم هو أيضًا وأعطاها أدويتها لتنام بجانب تيم.
وقف كريم يتأملهما، عيناه تلمعان بحبٍ وسكينةٍ نادرة.
همّ ليذهب إلى الغرفة المجاورة، لكنه توقّف وتراجع، محدثا نفسه أن مكانه بجانبهما.
تقدّم من السرير بتردد ، أبعد الغطاء بحذر، وسحب تيم قليلًا، ونام بجانبهما، احتضن تيم وأغمض عينيه لينام براحه ...
في اليوم التالي، في مركز الشرطة،
كان يوسف يتواصل مع المختصين بخصوص قضية هيثم، بينما عمر اهتم بأمان سهى والعائلة كلها.
نظر عمر إلى ساعته فوجدها العاشرة صباحًا، أخرج هاتفه وأرسل لسهى
"إن كنتِ مستعدة، لنبدأ."
دخل يوسف وجلس بجانبه وهو يخبره أن كل شيء جاهز.
"أمر المختصين تم، متى ستتصل سهى؟" قالها يوسف بصوتٍ قلقٍ متحفّز.
زفر عمر وقال بضيق واضح
"لم ترد بعد." ثم رمى هاتفه على الطاولة.
مرت خمس دقائق، لتصل رسالة من سهى "سأتصل الآن."
تحفّز عمر ووقف بتوتر، حاول الاتصال بها لكن الخط كان مشغولًا، فأسرع هو و يوسف نحو غرفة المراقبة ليستمعا للمكالمة.
ارتجفت يد سهى وهي تمسك هاتفها لتتصل بهيثم كان نفسها متقطع من الخوف.
زفرت بخوف وهي تنظر إلى فردوس النائمة بجانبها قائلة همسًا بصوتٍ مرتجف
"من أجلك يا ابنتي، لكي لا تحملي ذنب أمك وخالك."
اختارت رقمًا عشوائيًا من بين الأرقام التي أعطاها هيثم ، فاتصلت به، لكنه لم يكن في الخدمة.
ظلّت تحاول لأكثر من رقم، حتى ردّ أخيرًا.
فُتح الخط، لكن لم يأتِ أي رد.
ابتلعت ريقها وتحدثت بتوجّس بنبره خافتة مترددة
"هيثم... هذه أنا، سهى."
"ماذا تريدين؟ تحدثي بسرعة!" قالها هيثم بصوتٍ عالٍ مهدد.
بكت سهى وقالت بسرعة باكية
"هيثم، ساعدني أرجوك، سديم علم أننا خططنا لكل شيء، وطردني من المنزل وأخذ فردوس! ساعدني!"
صمتت وهي تبكي، فيما ظل هيثم صامتًا، يشكّ في أمرها.
سألها بنبرةٍ غليظةٍ خافتة فيها ريبة "سهى، أنتِ لا تكذبين؟"
نفت بسرعة وهي تبكي، صوتها يعلو بالشهقات
"لا أكذب، هيثم! سديم طردني، أتسمع؟! أخذ مني طفلتي، والآن منحني مهلة إلى الغد، وبعدها سيرميني بالشارع!"
تأثر هيثم ببكاء أخته وقال بحذر متردد
"حسنًا، اهدئي، لا تبكي. سأرسل لكِ عنوانًا، تعالي إلى هناك، وبعدها سنرى ماذا سنفعل لنأخذ فردوس."
اتسعت عيناها بخوفٍ حين سمعته، لكنها تماسكت ومثّلت الثبات
"حسنًا، سأأتي فور أن ترسل العنوان."
أغلق هيثم الخط ورمى بالشريحة بعيدًا.
بينما انهارت سهى باكية على الأرض دموعها انهمرت بصمتٍ موجع ، كانت خائفة من هيثم وشرّه، خائفة أن يؤذي سديم أو يأخذ منها فردوس.
قطع الاتصال، فالتفت عمر بتحفّز إلى المسؤول عن تتبع المكالمة وقال بصوتٍ جاد
"أظهرت لك الموقع؟"
فهزّ الرجل رأسه نافيًا بأسف، وأخبره أنه استخدم *برنامج تشويش* يمنع تعقّبه بدقة.
خرج عمر ويوسف مستائين وغاضبين، رنّ هاتف عمر، فرآه كريم المتصل، نظر مطولًا ولم يُجب.
ثم رنّ هاتف يوسف، وكان أيضًا كريم، فردّ وطمأنه محاولًا إخفاء توتره
"كل شيء يسير بشكلٍ جيد ، لا تقلق
شكّ كريم في كلامه، خصوصًا أن نبرته كانت تقول العكس، فسأله بصوتٍ مرتاب
"أين عمر؟ ولماذا لم يردّ علي؟"
تهرّب يوسف قائلاً
"إنه في اجتماع مهم."
أغلق كريم الهاتف وهو يشعر بالقلق والاضطراب عيناه تائهتان في التفكير.
عاد لغرفته فرأى أن هبة قد استيقظت، فحاول رسم ابتسامةٍ هادئة وتقدّم منها قائلاً بصوتٍ دافئ
"صباح الخير."
اعتدلت في جلستها وأرجعت شعرها للخلف، وابتسمت بخجل قائلة بصوتٍ خافت
"صباح النور، يبدو أنني نمت كثيرًا."
ضيق كريم عينَيه وهو ينظر إلى ساعته وقال مازحًا
"نعم قليلًا... فما زلنا في الظهيرة."
"ماذا؟ أصبحت الظهيرة وما زلنا نائمين؟!" قالتها وهي تهمّ لتقف، لكن كريم أوقفها وجلس بجانبها.
أمسك بيدها وربت عليها بلطف وسألها بصوتٍ حنون
"هبة، هل أنتِ أفضل اليوم؟"
شردت قليلًا بملامحه وحنانه، ثم ابتسمت بخفوتٍ وأومأت برأسها.
صمت كريم للحظة ثم قال بجديةٍ هادئة نبرته منخفضة لكنها مثقلة
"هبة، ثقي بي ... " صمت قليلا بينما هي ضيقت عيناها بقلق ليكمل هو "
لا أريدك أن تتوتري أو تخافي، فقط ثقي بي و..."
قاطعته هبة بصوتٍ مرتجفٍ وقلقٍ واضح
"لكنّك تخيفني هكذا! ماذا حدث؟"
أحسّ ببرودة أناملها، فاحتضن كفّها وشدّ عليها قائلاً بنبرةٍ مطمئنة
"لم يحدث شيء... إلى الآن. أ أ أنا سأذهب إلى ... "
قاطعته هبة باكية بخوف قائلة بنبرة متهدّجه "لماذا؟ وإلى أين ستذهب؟"
تمسّكت بيده برجاءٍ صادق
"لا تذهب، أرجوك... ألم تعدني أن لا تتركنا أبدًا؟"
مسح دموعها وقال بهدوءٍ حنون
"هبة، لم تتركي لي مجالًا لأتحدث حتى. أسمعيني على الأقل."
نظرت له بعيونٍ دامعة وهي تمسح آثار البكاء، فتحدث كريم بنبره هادئة
"أنا ما زلت عند وعدي، ولن أتركك أبدًا." ضغط على كفها بخفّة، فهدأت قليلًا فأحست بالأمان .
أكمل كلامه وهو يبعد نظره عنها عيناه تهربان من الحقيقة
"هناك بعض الإجراءات سأُكملها مع عمر وأعود."
صمت وهو يشعر بالذنب لكذبه عليها، فوقف يحكّ ذقنه بتوتر و هو يتهرب بعيناه منه .
شعرت هبة أن به شيئًا غريبًا، فاعتدلت في جلستها ووقفت أمامه، نظرت في عينيه وقالت بنبرةٍ مملوءة بالقلق
"أيّ إجراءات هذه في هذا الوقت؟ .. كريم، هل تُخفي عني شيئًا؟"
تهرّب من سؤالها وقال بصوتٍ متوتر
"سأذهب وأعود، لا تقلقي عليّ."
تقدّمت منه أكثر وقالت بنبرةٍ باكية و صوت مبحوح "متى ستعود؟"
شعرت بضيقٍ وغصّة في داخلها ما إن أخبرها بذهابه، فخافت عليه وتزعزعت طمأنينتها.
احتضن وجهها بيديه وقال بصوتٍ حنونٍ مطمئن
"لن يستغرق الأمر وقتًا طويلًا، إن شاء الله سأعود سريعا ."
أدركت انه يخفي عنها شيء و انه لا يريد اخبارها نظرت إليه بعينين ضبابيتين مليئتين بالدمع، فشعر بخوفها واقترب منها بحذرٍ واحتضنها.
تشبّثت به هبة وبكت بصوتٍ خافت، أحتضنها اليه و ربت على ظهرها بحنان وهو يهمس
"أنتم بأمان هنا، لا أحد يعرف هذا المكان... سأعود بسرعة، أعدك."
ابتعدت عنه وتحدثت بثباتٍ خافتٍ وهي تُبعد نظرها عنه و قالت بصوت مبحوح يمثل القوة
"حسنًا، لتذهب... لكن اعلم أننا منتظرون لك."
اقترب منها وقبّل جبينها برفق، ثم اتجه نحو تيم النائم، قبّله أيضًا، والتفت إليها مطولًا ابتسامة هادئة حزينة على شفتيه، أومأ برأسه وخرج.
أوصى نسيبة أن تهتم بهما جيدًا، وشدّد على الحراس ونبّههم قائلاً بحزمٍ جاد
"كونوا يقظين... لا أريد أي خطأ هذه الليلة."
ثم استقل سيارته، وانطلق نحو مركز الشرطة، بينما خلفه ظلّ البيت يبتلع الصمت، وصوت أنفاس هبة الخائفة يعلوا صداها.
يتبع ...
