recent
جديدنا

صدى الالم الفصل السابع عشر

Wisso

                  رواية  صدى الالم 

                                                             بقلم سجى إمام  



دخل كريم إلى مركز الشرطة وهو يبحث عن عمر، فرآه يوسف الذي صُدم لرؤيته، فتقدّم منه سريعًا وهو يقول بنبرة قلق

"كريم! كيف جئت إلى هنا؟! ألا تعلم أن خروجك هكذا خطر عليك؟!"


تحدث كريم بصوتٍ حادٍ و هو  منزعج

"جعلتموني مضطرًا لأن آتي! أين عمر؟ ولماذا لا تخبراني بكل شيء؟ يوسف، ألم نتفق أن كل خطوة تقومان بها سأعلمها؟!"


"لنتحدث في مكتب عمر." قالها يوسف وهو يشير لكريم نحو المكتب بصوتٍ حازمٍ متوتر.


دخل يوسف ومن ورائه كريم، وما إن رأى عمر كريم حتى اتسعت عيناه بدهشة مفاجئة ، وبدأ يلومه لخروجه لوحده من دون أي حماية.


جلس الثلاثة، فتحدث كريم وهو مستاء 

"لماذا لا تُشركاني معكما؟! بماذا اتفقنا؟ أتتذكر ما قلتَ يا عمر؟"


أومأ عمر برأسه و هو يفرك جبينه بتعب، بينما يوسف هو من بادر وشرح لكريم كل ما حدث في الصباح من اتصال سهى بهيثم.


نظر عمر إلى ساعته وقال بصوتٍ محبط

"سيحل المساء بعد قليل، وهيثم لم يُرسل العنوان إلى الآن."


"لا أعتقد سيرسله اليوم." قالها يوسف بنبرة متوقعة و هو ياخذ كاس الماء امامه.  


شرد كريم قليلًا، ثم قال بعدها بصوتٍ قلق

"ماذا سيحدث لسهى؟ لا يمكننا المخاطرة بها و إرسالها إليه ، فخطتنا كانت معرفة مكانه فقط و ليس ذهابها اليه ."


"علينا المخاطرة إن كنا نريد القبض على هيثم." قالها عمر بصوتٍ حاول أن يكون ثابتٍ لكنه متوتر في أعماقه.


زفر كريم بضيق وهو يحاول أن يشرح ليوسف وعمر أن إرسالها إليه خطر عليها .


رنّ هاتف عمر، فأجاب، فكانت سهى.

فتح عمر مكبّر الصوت ليسمعها الجميع.


"ألو، المفوّض عمر، أتسمعني؟!" قالتها سهى بصوتٍ مترددٍ وقلق.


"نعم، أسمعك، تحدّثي." قالها عمر بصوتٍ جادٍّ و هو يركز على الهاتف 


"هيثم أرسل لي العنوان، ويطلب مني الذهاب إليه الآن!" قالتها سهى بنبرة خوف و قلق أحس بها  الجميع . 


صدى صوت كريم ارتفع وهو ينهاها بصوتٍ صارمٍ مليء بالقلق


"سهى، لا تذهبي! أرسلي لنا العنوان ونحن سنذهب!"


"حينها سيفهم أنه فخ! هيثم ذكي جدًا! سأذهب أنا لوحدي، وسيكون المفوّض عمر ورجاله خلفي يحمونني، أليس كذلك؟" قالت جملتها الأخيرة بنبرةٍ خائفة  و كأنها تنتظر تطمينًا.


رد عمر  مطمئنٍ لها 

"نعم، لا تخافي، سنكون معك. أرسلي العنوان بسرعة لنتحرّك."


انتزع كريم الهاتف من عمر وهو يقول بصوتٍ متوترٍ مفعم بالرجاء


"سهى، لستِ مجبرة على الذهاب! لا تذهبي! ماذا إن كشفك هيثم؟ سيؤذيكِ و..."


قاطعته سهى بصوتٍ باكٍ لكنه حازم "سأذهب من أجل شفق وتيم... لكي يُعاقب قاتلهما. وإن حصل لي شيء،  فأنا أيضا مذنبة بحقهما ."


صمتت قليلًا ثم قالت بصوتٍ متهدّجٍ يقطعه البكاء 

"فردوس... في أمانتك. إذا حدث لي شيء، فردوس اعتبرها مثل ابنتك."


همّ كريم ليتحدث، لكنها أغلقت الخط ، توتر كريم و قلق داخله 

فالتفت إلى عمر وهو قلق عليها  ابتلع ريقه و قال بتوتر

"عمر، أأنت متأكد أنها ستكون بأمان؟"


هزّ عمر رأسه بثقة بصوتٍ حازمٍ مطمئن أكد له ذلك ، ثم وصلتْه رسالة بالعنوان، فأرسلها ليوسف والفريق المختص.


تحدث كريم معترضًا طريق عمر  متسائل

"سديم... أين هو؟" كانت نبرته قلقة.

ربت عمر على كتف كريم وقال بهدوءٍ مطمئن

"إنه في الشركة، ورجالنا يحموه، لا تقلق."


"ولكن ماذا إن عاد سديم و رأى أن سهى ليست في المنزل؟" قالها كريم  بقلقٍ واضح .


"لقد رتبنا لكل شيء يا كريم، لا تقلق." قالها يوسف بثقه و حزم.


فذهبوا جميعًا إلى العنوان الذي أرسلته سهى  ، خطواتهم السريعة تعبّر عن توتر الموقف.



وصلت سهى إلى المكان الذي حدده هيثم، أوقفت سيارتها لتنزل وهي تلتفت حولها بتوجس، كان المكان مظلمًا ومهجورًا. ابتلعت ريقها بخوف وهي تتصل بهيثم لكنه لم يرد.

 ركبت سيارتها و أشعلت أضواء السيارة لتضيء المكان وتشعر بالقليل من الأمان.


بينما كان هيثم يراقبها من بناية بعيدة عنها قليلًا، كان يشك بها، لذلك قرر أن يجعلها تنتظر ليرى ماذا سيحدث. رأى اتصالاتها لكنه تجاهل الرد.


ارتجفت سهى عندما سمعت أصواتًا أخافتها، فدخلت سيارتها وأغلقت الأبواب وهي تبكي بخوف.

أتتها رسالة من عمر تطمئنها أنهم معها ويراقبونها، فهدأت قليلًا.


مرت ساعة ولم يأتِ هيثم، ولم يتصل أو يرد عليها. تعبت سهى، فأمسكت هاتفها واتصلت مرة أخرى، لكن هذه المرة رد هيثم.

"هيثم، أين أنت؟ أنا منذ ساعة هنا!" قالتها سهى بصوت مهتز وخائف.


"لم أستطع القدوم اليوم، سأرسل لك عنوانًا غدًا، تعالي إليه." قالها ببرود وأغلق الخط.


بقيت سهى مذهولة وهي تنظر إلى هاتفها بحالة من الصدمة، ثم رمت الهاتف بعصبية وهي تسب هيثم. وضعت رأسها على المقود بتعب وزفرت بضيق، ثم هدأت قليلًا لتقود سيارتها عائدة إلى منزلها.


استغرب كريم و عمر و فريقه من عودتها، و تساؤلوا، لكنهم لم يتحركوا إلا بعد مدة من مغادرتها، وبعد أن تأكدوا من خلو المكان من المشتبه به.


كانت سهى تقود سيارتها وهي تفكر بما يحدث معها، وكيف بدأ كل شيء. أخفضت نظرها بأسى وهي تلوم نفسها بشدة لأنها أطاعت شيطانها ووافقت هيثم في ذلك اليوم ولم تمنعه.


أوقفت سيارتها لتنزل، وفي تلك اللحظة أتى سديم! أوقف سيارته ونزل منها، وعلامات القلق والخوف ترتسم على وجهه قائلًا

"سهى، ما الذي أخرجك؟ أنتِ بخير؟ سهى؟"


وقفت أمامه وهي تهرب بعينيها عنه، فلو نظرت إليه لانهارت باكية فورًا. ردت بصوت منخفض 


"خرجت لأستنشق بعض الهواء، لقد ضاق صدري."


ضم سديم حاجبيه بقلق فلم تعجبه حالتها ولا نبرة صوتها، فتقدم منها محاولًا أن يعرف منها الحقيقة، لكنها تهربت سريعًا ودخلت المنزل.

تبعها سديم وهو يخبرها أن تقف ليتحدثا، لكنها دخلت غرفتهما فورًا.


"سهى، ما هذه الحالة؟ تحدثي معي! هل حدث شيء؟ أخبريني!" قالها سديم وهو يمسك ذراعها ويسحبها إليه.


سرت رجفه بجسدها وهي تهرب بعينيها الدامعتين عنه وأجابته أنها بخير.

لم يصدقها، فهو يعرفها ويشعر بها، هي ليست بخير. رفع رأسها برفق وقال "انظري إليّ، وقولي إنك بخير لأصدقك."


أبعدت يده وهي تهز رأسها ودموعها تنهمر بصمت. أدرك سديم أنها لا تريد التحدث، فاحترم صمتها وضمها إليه، فتمسكت به وبكت بصمت على صدره.


رن هاتفها، فابتعدت بسرعة لترى من المتصل، وكان عمر فارتبكت وأخفضت الهاتف ثم أغلقت المكالمة وجلست على سريرها.

تقدم منها سديم وبدأ سلوكها يقلقه أكثر، جلس بجانبها وهو يحدق بها بنظرات متسائلة.


لاحظت نظراته، فابتلعت ريقها وقالت وهي تمسك كفه

"سديم، أنا بخير، إنه مجرد توتر وضغط مما مررنا به."


فطمأنها سديم وهو يخبرها ألا تقلق أو تخاف، وأن كل شيء سيكون على ما يرام.



عاد الجميع إلى مركز الشرطة، كان كريم وعمر ويوسف مجتمعين، وعلى وجوههم مشاعر مختلطة من الحيرة والقلق والخوف مما يحدث وما قد يحدث.


"قلت لكما إن هيثم ذكي، وبالتأكيد خطته هذه ليختبرها ويتأكد أنها لا تكذب عليه." قالها كريم بصوت مستاء.

مسح يوسف وجهه بتعب وقال بحدّة

"لكننا متقدمون عليه بخطوة، ولم نكشف له بعد، وهذا يعني أنه سيقع في الفخ."


اعتدل كريم في جلسته وقال

"ليحدث ما يحدث، لا يهمني، ما يهمني هو سهى، لا أريدها أن تتأذى، لنخرجها من خطتنا، لا أريد أن أعرّضها للخطر."


"أخبرتك أنها تحت حمايتنا، وأنا المسؤول شخصيًا عن أمنها، لا تقلق." قالها عمر بثقة.



في بيت المزرعة…


كانت هبة تنظر إلى ساعتها بقلق، وداخلها يرجف من الخوف. تشعر بشعور سيّئ وكأن شيئًا سيحدث. وضعت يدها على صدرها بألم وهي تنظر إلى السماء وتدعو.


أتت نسيبة من خلفها وربتت على كتفها قائلة

"ابنتي، تأخر الوقت وأنتِ لم تأكلي شيئًا بعد، هيا تعالي لأضع لكِ طعام العشاء."


نظرت لها هبة بعيون ذابلة وقالت

"لست جائعة، حقًا لا أريد أن آكل شيئًا، لا رغبة لي."


أمسكت نسيبة يدها وقالت

"لا يمكن هذا، أنتم أمانة عندي، ماذا سأقول لكريم عندما يسألني عنك؟ هيا لنأكل سويًا." قالتها بابتسامة دافئة وهي تشدها بلطف ، فابتسمت هبة وسارت معها.



وصلت رسالة إلى هاتف عمر من سهى فتحفز الجميع ، فتحها بسرعة وقرأها بصوت مرتفع

"لم يأتِ هيثم، أخبرني أنه لم يستطع القدوم، وأنه سيرسل لي عنوانًا آخر غدًا. أعتقد أنه لا يثق بي، لذلك فعل هذا. سأتواصل معكم عندما يرسل العنوان الآخر."


أنهى عمر قراءة الرسالة وجلس يفكر، فعمّ الصمت بينهم وهم غارقون في التفكير.


في الصباح…


لم يذهب سديم في ذلك اليوم إلى الشركة، قرر أن يبقى بجانب سهى ليطمئن عليها.

نزل إلى المطبخ وتأكد من أنهم أعدّوا ما طلبه، ثم نظر برضى إلى ما أعدوه وصعد لغرفتهم.


استيقظت سهى على صوت رسالة في هاتفها، كان الرقم مجهولًا، فأدركت أنه هيثم! أخذت الهاتف وفتحته لتقرأ 

"تعالي لهذا العنوان، ساعة أمامك، لا تتأخري."


ارتجفت أصابعها وهي تكتب بسرعة لعمر لترسل له الرسالة ، ثم أسرعت لتتجهز وتستعد للخروج.

كانت تهم بفتح الباب، لكن سديم فتحه قبلها اتسعت عيناها بصدمة وهي تتراجع خطوة بينما ضيّق هو عينيه وقال بتساؤل حاد 


"يبدو أنك ذاهبة... إلى أين؟"


تلعثمت ولم تعرف بماذا ترد عليه، طال صمتها، فبدأ سديم يغضب وقال بصوت هادئ لكن نبرته غاضبة


"سهى، سألت سؤال... إلى أين ذاهبة في هذا الوقت؟"


وقفت أمامه وهي تفرك يديها بتوتر "أنا... أ..."


قاطعها صوت فردوس الباكي من غرفتها، فذهبت مسرعة إليها، بينما زفر سديم بغضب وتبعها.


دخلت سهى غرفة فردوس بسرعة، وأخرجت هاتفها بيد مرتجفة لتخبر عمر بوجود سديم، وأنها لا تستطيع الخروج، ليجدوا حلًا بسرعة.


حملت طفلتها وبدأت تهدهدها بخوف و توتر ظاهر وهي تدور بها في أرجاء الغرفة.

اقترب منها سديم، لكنها تهربت منه بالحديث مع ابنتها.


جلس سديم يحدق بها بصمت، مما زاد توترها أكثر.


في مركز الشرطة..


قال عمر بقلق

"ما العمل الآن؟ لا وقت لدينا!" زفر بضيق بعد  أن أخبرهم برسالة سهى.


وقف كريم وقال بحزم

"لنذهب ونخبر سديم بكل ما يحدث."


اتسعت أعينهم بدهشة "ماذا؟!"


"لنذهب، وأنا سأتحدث مع سديم وأقنعه، لا تتدخلا مهما حدث." قالها كريم وهو يهمّ بالخروج، ليتبعه عمر بسرعة، بينما بقي يوسف مع الفريق.



وصل عمر وكريم إلى منزل سديم، نزل عمر من سيارته وهمَّ ليدخل المنزل، لكنه استدار فوجد كريم واقفًا ينظر إلى المنزل بنظرات عميقة.

اقترب عمر منه ووضع يده على كتفه وقال بصوتٍ هادئ 

"كريم، لا تضعف الآن، لا يوجد لدينا وقت."


زفر كريم وقال وهو يمسح وجهه  بتوتر 

"لا أستطيع الدخول... سأُتصل بسديم وأطلب منه القدوم إلى هنا."


تفهّم عمر وأومأ برأسه بهدوء، ليُخرج كريم هاتفه ويتصل بسديم.


كانت سهى تهز فردوس بلطف لتنام وهي تتهرب من سديم ونظراته، كانت مرتبكة وقلقة من ذهاب هيثم و فشل خطتهم.

قطع تفكيرها صوت سديم وهو يتقدّم منها قائلًا بهدوءٍ 

"نامت فردوس."

أخذها منها ووضعها في فراشها، ثم استدار عاقدًا يده وقال

"أهناك ما تُخفينه عني يا سهى؟ أو شيئًا تريدين قوله؟" قال كلماته وهو يقترب منها وينظر في عينيها بنظرة فاحصة، ليزداد ارتباكها أكثر.


أخفضت نظرها عنه وحاولت ألا تبكي أمامه.

احتضن سديم وجهها بكفه وقال بنبرة حنونة

"سهى حبيبتي، أعلم أن هناك شيئًا يقلقك ويزعجك، أخبريني به، لا يوجد شيء لا يمكن حله."


رفعت عينيها الدامعتين نحوه وهمّت لتقول كل شيء، لكن هاتف سديم رن، و كأن صوت الهاتف كصفعة أعاد لها اتزانها، فمسحت دموعها وأخبرته أن يرد.


"لا يهم الهاتف الآن، ما يهمني أنتِ وحالتك..."

قاطع كلامه صوت رنين الهاتف مرة أخرى، لتخبره سهى أن يرد.

زفر بضيق، وأخرج هاتفه بعصبية، ليرى أن كريم هو المتصل.

رفع حاجبه وقال بقلق

"إنه كريم!"


تحفزت سهى، وخاف داخلها ابتلعت ريقها بتوتر، وقالت له أن يرد.

رد سديم، وما هي إلا ثوانٍ حتى أغلق الخط.

اقتربت منه سهى متسائلة بقلق واضح 

"ماذا يريد كريم؟"


"أخبرني أنه ينتظرني في الخارج، سأذهب لأراه." قالها سديم باستغراب وخرج بعدها.


خافت سهى وتسائلت في داخلها 

"أيعقل أن يخبره كريم بكل شيء؟!"

أحست بألم في صدرها بشدة، وأحست بضيقٍ اجتاحها، فجلست وهي تتنفس ببطء و هي تضع يدها على صدرها بارتجاف.


أخرجت هاتفها واتصلت بعمر لتخبره بقدوم كريم، فأجابها بهدوءٍ "نعم، أعرف، فأنا وكريم أتينا معًا."


"لماذا أتى؟ وماذا يريد من سديم؟!" قالتها سهى بصوتٍ  خائف.


تنهد عمر وقال 

"سيخبره بكل شيء، هكذا أخبرني."


أغلقت سهى الهاتف وهي تنظر للأمام بفزع قائلة بهمسٍ مرتجف "سينتهي كل شيء بيننا بمعرفته... لن يسامحني سديم أبدًا."


نادت سهى مربية فردوس لتضعها في أمانتها، ثم نزلت بعدها لتتحدث مع سديم.


خرجت إلى الحديقة لترى سديم يتقدّم نحوها، وقفت بلا حراك تنتظر ردّة فعله عيناها تلمعان بدموع محبوسة . 


اقترب منها سديم واحتضنها قائلًا  بدافئ

"ألهذا الأمر قلقتِ وذرفتِ كل هذه الدموع؟ لماذا لم تتحدثي معي كنت سمحت لك "


ابتعدت عنه والتفتت له باستغراب، فابتسم وقال

"كريم في الخارج ينتظرك، هيا اذهبي، ولكن لا تتأخري، لقد أخبرني كريم بما كنتي تخفيه عني " قال كلمته الأخيرة و هو يربت على يدها.


أدركت سهى أن كريم لم يخبر سديم بخصوصها، فتداركت الموقف ولم تضف أي شيء، فقط أومأت برأسها وذهبت.


كان كريم ينظر إلى ساعته وكأنه يعد الدقائق ثم زفر بضيق .


خرجت سهى وتوجهت نحوهم، وما إن رآها كريم حتى تغيّرت ملامحه وكأن الأمل عاد إليه.

التفتت سهى له بامتنان وتحدثت بسرعة بصوتٍ حاسم عكس ما داخلها 

"لنذهب، لا وقت لدينا، هيا!"


أومأ كلٌّ من عمر وكريم، وركبا سيارتهما، بينما ركبت سهى سيارتها وتوجهت للعنوان الذي حدده هيثم.


كان يوسف وفريقه قد سبقوهم إلى المكان وتوزعوا فيه، فاتصل يوسف بعمر قائلاً 

"نحن في الموقع، و هيثم لم يصل بعد. أين أنتم؟"


أخبره عمر أنهم قريبون منه، وشدد عليه أن يتخفوا ولا يظهروا.


وصلت سهى للمكان، أوقفت سيارتها ونظرت بتوجسٍ وخوفٍ إلى المكان، كان بستانًا مهجورًا فالتفتت حولها بحذر و خوف و هي تتفحص أرجاء المكان ، ابتلعت ريقها وخرجت من سيارتها، لتلفح وجهها أشعة الشمس الحارقة.

وضعت يدها فوق عينيها لتتفحص المكان، ثم أخرجت هاتفها لتتصل بهيثم، لكن كالعادة لا رد.


التقى كريم وعمر بيوسف ليراقبوا المكان، كانت أعينهم تتفحص كل شيء، و آذانهم تتربص لأي صوت و التوتر سيد الموقف .


أصدر هاتف سهى رنينًا، فانتبهت له بسرعة وفتحته، كانت رسالة من هيثم

"أنا في تلك المزرعة أمامك، تعالي إلى هناك، وأطفئي هاتفك."


رفعت رأسها لترى المزرعة المهجورة أمامها، كان شكلها مخيفًا وموحشًا، ترددت قليلًا لكنها قررت الذهاب، أرسلت لعمر ما قاله هيثم، ثم تحركت.


وصلت رسالة سهى إلى عمر، فأمر رجاله القريبين من المزرعة بالتأهب، وتحرك هو و كريم و يوسف بحذرٍ ليقتربوا من المزرعة ويحاصروها.


اقتربت سهى من باب المزرعة المتهالك، فأغلقت هاتفها وأخفته، مدت يدها بتوتر وفتحته لتدخل،

دارت بعينها تبحث عن هيثم ، ليأتيها صوتها و هو يدخل من الجهة الأخرى استدارت فرأت أمامها هيثم الذي أشار لها أن تتقدم منه سريعًا.


خافت و ارتبكت، وبدا ذلك عليها وقفت مكانها بلا حركة  وضمّت يديها إلى صدرها، فتقدّم منها هيثم قائلاً بنبرةٍ مستغربة 

"سهى، ما بك؟ أأنتِ خائفة مني؟ أنا؟!"


هزّت رأسها نافية،   قائلة بصوتٍ حاولت أن تثبّته

"خفت من المكان فقط."


قالتها وهي تنظر لأرجاء المكان المتهالك.

اقترب منها وربّت على كتفها  وقال

"أعلم أنك حزينة بسبب ما حصل، لكن أعدك سنرجع فردوس لحضنك، وذاك الحقير سيرى ما سأفعل به لاحقًا."


اتسعت عيناها بخوفٍ مما سمعت، وتسارعت دقات قلبها بذعر .

أمسكت يده ترجوه قائلة  بتوسل

"هيثم، أرجوك، لا تؤذِ سديم، إنه..."قاطعها وهو يبعد يدها بعنف ويصرخ بها و ملامحه تشتعل غضبًا "أبعد كل ما فعله هو وأخوه بنا، تتوسلين من أجله؟!"


تراجعت للخلف بخوفٍ منه، فأمسك يدها بقوة وشدها إليه قائلاً بصوتٍ حادٍ 

"سأنتقم من سديم وكريم وأقتلهما، وأنتِ... إن كنتِ تريدين أن تبقي معي..."

صمت لحظة، ثم شدّ على يدها أكثر حتى تألمت، وقال بصوتٍ غاضب

"إن كنتِ تريدين أن تبقي معي ، فعليك أن تصمتي ولا تراجعينني فيما أفعل، أهذا واضح؟!"


هزّت رأسها بخوفٍ وهي تبكي و دموعها تتساقط دون صوت، فأبعد يده عنها واستدار وهو يمسح وجهه، وزفر ببطء محاولًا الهدوء.

اقترب منها رافعًا يده نحوها  كي يمسح على راسها ، و لكنها تراجعت بخوف منه ، أنزل يده و  طمأنها قائلًا  بصوتٍ هادئ و هو يسمح على كثفها 

"أنا آسف، سهى، لم أقصد أن أخيفك أو أهددك، أنا فقط... عندما أغضب لا أرى أمامي ولا أعرف ماذا أقول."


حاولت رسم ابتسامة لتبدو هادئة، فابتسم لها وقال

"هيا، لنذهب، كي لا نتأخر على الطائرة."


تقدّم هو، وتبعته هي ببطء، وهي تتفحص أرجاء المكان نظراتها متوترة تبحث عن أي إشارة.


كانت تنتظر اللحظة التي يداهم فيها عمر وفريقه المكان.


لاحظ بعدها عنها، فاقترب منها وأمسك يدها بحركةٍ مفاجئة وقال

"يبدو أنك لستِ بخير، لنذهب من هنا سريعًا."


سارا معًا، بينما كانت تنظر له بحزنٍ وشفقة ومشاعرٍ لم تعرف لها تفسيرًا .


فتح هيثم الباب و خرج ليتفاجأ بما أمامه، اتسعت عيناه صدمةً وهو ينظر لسهى بنظرة تفاجؤٍ وغضبٍ وخذلان، تبدلت ملامحه للغضب وشد على يدها وقال وهو يجز على أسنانه "لماذا؟"


أرتبكت سهى و خافت منه و لكنها بحركةٍ سريعةٍ منها دفعته بقوة لتُحرّر يدها منه وتركض نحو عمر وفريقه.


تقدّم كريم وهو ينظر لهيثم بغضبٍ حارق وقال

"لقد وصلتَ لنهاية الطريق يا هيثم."


وقف هيثم بثبات أمامهم وهو ينظر في عيني كل واحد منهم بقوة وقال باستعلاء 

"لا تكن واثقًا لهذه الدرجة."


غضب كريم وازداد حنقه عليه ليقول وهو يهمّ بالذهاب إليه لولا عمر الذي أمسكه، فتحدث كريم قائلًا بغصه 

"أيها الحقير، ماذا أردت من عائلتي؟ لماذا؟ أخبرني، لماذا انتزعتَ مني روحي؟ لماذا؟!"


ضحك هيثم، والتفت إلى سهى وقال بنبرة غاضبة 

"ألم تخبريهم؟ اسألوها! تحدّثي وأخبريهم، هيا!"

قال كلماته الأخيرة وهو ينظر إلى سهى بغضب.

أشار عمر لرجاله أن يُبعدوا سهى، لكنها رفضت.


تحدث عمر قائلًا 

"هيثم، سلّم نفسك بهدوء، لا يوجد لك مخرج من هنا."


كان هيثم يبتسم باستفزاز وهو ينظر إلى كريم ليتحدث بنبرةٍ مخيفة

"أتَعلم؟ لقد أخطأتُ عندما قتلتُ شفق وتيم .."


اتسعت أعين الجميع صدمةً مما سمعوا، بينما كريم تعالت أنفاسه وصرخ به وهو يسبّه، وكاد أن يتقدم إليه لولا منع عمر وتهديده

"كريم، كُن هادئًا، وإلا سنضطر لجعلك تذهب من هنا."


صرخ به كريم بغضب

"ألا تسمع ما يقول؟! إنه يعترف بجريمته، وأمامي أيضًا!"


أبعد عمر عنه وقال كريم  وهو يهدد هيثم "سأجعلك تندم وتتعفن في السجن!"


ضحك هيثم أكثر، مما استفزّ كريم الذي كان يمسك أعصابه بصعوبة، كور يده بغضب وهو يرى ضحكته الحقيرة.


بينما كانت سهى واقفة تنقل عينيها بين الجميع بخوفٍ وهي تبكي، تحدثت بصوتٍ باكٍ تصرخ بهيثم

"هيثم، أرجوك سلّم نفسك! لنحلّ هذا الأمر، أرجوك!"


تبدلت ملامحه وهو ينظر إليها بغضبٍ وقال

"كل ما يحدث بسببك وبسبب خيانتك لي، والآن ستدفعون الثمن!"

ليرجع يده إلى خلف ظهره ويُخرج سلاحه.

فتحفّز الجميع وأشهروا أسلحتهم.


"خذوا سهى من هنا فورًا!" قالها عمر بأمرٍ حازم.


أخرج هيثم سلاحه و وجّهه نحو كريم الذي كان واقفًا مقابله ينظر في عينيه بثباتٍ حاد، وتحدث هيثم قائلًا 

"نعم، لقد أخطأتُ عندما قتلتُ شفق وتيم فقط " و شدد على كلمة ''فقط'' ليكمل كلامه

"  والآن سأصحح خطئي وأقتلك أنت أيضًا!"


وقف عمر أمام كريم ليحميه، لكن كريم دفعه بقوة فسقط أرضا و سقط سلاحه ، ليأخذ منه سلاحه ووجّهه نحو هيثم وقال بتهديد 

"ستدفع ثمن ما فعلت!"


حاول عمر أن يراجع كريم ويخبره أن يترك السلاح، لكن كريم أبعده بحزم ، و وجّه سلاحه نحو هيثم بقوة. وكأن في تلك اللحظة كريم وهيثم انفصلا عن الجميع...


"أخبرني، لماذا فعلتها؟!" قالها كريم بصوتٍ عالٍ غاضب وهو يوجّه سلاحه نحو هيثم.


"لأنها لم ترضَ أن تكون لي واختارتك!" قالها هيثم وهو يجزّ على أسنانه بغضب.


اتسعت عينا كريم صدمةً مما سمع وقال باستهجان 

"أنت مريض! حقًا مريض! كيف أمكنك أن تفكر بهذا أو..."


قاطعه هيثم بغضبٍ هستيري وقال "لستُ مريضًا! أنا فقط أحببتها وأردتها لي، لكنها بسببك رفضت! كل شيء حلمت به كان لديك! كل ما أردته كان يحصل لك! بسببك خسرتُ شفق، وهي خسرت حياتها!"


وبينما كانا يتحدثان، أشار عمر بيده لبقية الفرقة أن يتحركوا بحذر، وكان يوسف على رأسهم، ليستديروا من الخلف ويحاصروا هيثم من الجهة الخلفية.


"حقًا أنت مريض بشدة! ألهذا أخذتَ مني أغلى ما أملك؟! بسبب حقدٍ وغيرةٍ مريضةٍ منك جعلتني أُدفن حيًّا!" قالها كريم بغصّةٍ مؤلمة.


التفت إليه هيثم وقال بنبرةٍ مخيفة مثل نظراته 

"لا تقلق، ستلحق بهما الآن."

ورفع سلاحه وصوّبه على صدر كريم، فتحفّز كريم ووضع إصبعه على الزناد ليُطلق هو الآخر.


"سأجعلك الآن تجتمع بهما!" قالها هيثم، ومن ثم صدى صوت رصاصته في الأرجاء.


وما إن أطلق حتى انقضّ عليه من الخلف يوسف وضربه ليسقط أرضًا ويسقط سلاحه أيضًا، فرماه يوسف برجله بعيدًا.


وما إن سمعت سهى صوت الرصاصة حتى تحرّكت من مكانها فورًا، كانت خائفةً على هيثم وخائفةً من أن يكون قد قتل كريم. اقتربت بذعر لترى أمامها هيثم في يد الشرطة، بينما كريم على الأرض...


كان كريم جالسًا على الأرض، وفي حضنه عمر الذي قفز أمام الرصاصة وأخذها هو.

وكأن حواسه تبلدت في تلك اللحظة، يداه ترتجفان، دموعه تنهمر بصمت، وعيناه معلّقتان على عمر بصدمة.

اقترب يوسف منهم وهو يتحدث بقلق

"كريم، أنت بخير؟ عمر! عمر!!"

قالها يوسف وهو يسحب عمر إليه ليرى مكان إصابته.


صرخ يوسف 

"الإسعاف! اتصلوا فورًا بالإسعاف!"


اقتربت سهى منهم وهي تسأل بخوف "أهو حي؟"

هز يوسف رأسه لتضع يدها على صدرها وتزفر براحة.


بينما كريم لم يتحرك من مكانه، فقط ينظر لعمر الذي ينزف أمامه، وتراءى أمامه شبح الفقد مرة أخرى.

بلع ريقه بصعوبة وارتجفت شفتاه وهو يهمس ببكاء 

"عمر... أفق، أرجوك، لا تتركني أنت أيضًا."


فتح عمر عيناه ببطء و وهن، وهو ينظر إلى يوسف وكريم اللذين كانا يبكيان، فتحدث بصوتٍ متألم وقال "أبتعدوا عن رأسي، لماذا تبكون كأنني مت؟!" و ابتسم بضعف  محاولًا التخفيف عنهما.


اعتدل بجلسته بصعوبة وساعده يوسف على ذلك.

ارتاحت ملامح كريم عندما رأى عمر بخير وتنهد براحة.


تحدث عمر وهو يضغط على جرحه وقال بصوتٍ متألم "أنا بخير... أصابتني بذراعي، لا تقلقا."


"الحمد لله أنك بخير يا عمر، لقد خفنا وذهب عمرٌ من عمرنا. ستصل الإسعاف بعد قليل، تحمّل يا صديقي." قالها يوسف وهو يربت على كتفه.


بينما كريم وقف وهو يُكَوّر قبضته، والتفت لهيثم الذي كان يصرخ بعصبية 

"ابتعدوا عني! اتركوني!"


فانفجر غضب كريم فجأة، كان صدره يعلو ويهبط بعنف و هو ينظر اليه ، ليذهب إليه مسرعًا، وانقضّ عليه ينهال عليه ضربًا.


حاول عمر الوقوف لكنه لم يستطع، تألّم بشدة ليتحدث يوسف بسرعة  "عمر، لا تتحرك، سأذهب أنا!"


التفت يوسف إلى سهى التي كانت تهمّ بالذهاب خلفهم، لكنه أوقفها وأخبرها أن تبقى، رفع يده محذرًا بعينيه الحادتين ، ثم ذهب مسرعًا ليحاول إبعاد كريم عن هيثم.


أبعد كريم رجال الشرطة وأمسك بهيثم ليضربه ويلكمه، وهو يصرخ به بعصبيةٍ وهستيرية 

"قتلتهم! قتلت عائلتي!"


ولم يصمت هيثم أيضًا، بل وجه إلى كريم عدة ضرباتٍ بدوره.


"أمسكوهم بسرعة، و أبعدوهم عن بعض!" قالها يوسف بحزم.


لينقض رجال الشرطة ويمسكوا بهيثم بصعوبة، بينما يوسف حاول أن يمسك كريم، لكن كريم كان في قمة غضبه، لا يزال يصرخ ويدفع يوسف وهو يقول بغضب 

"كيف تطلب مني أن أتركه، وهو من قتل عائلتي؟! كيف؟!" قالها و هو يشدّ يوسف من ثيابه بعنف .


أشار يوسف لرجاله أن يأخذوا هيثم بسرعة.

لاحظ كريم حركة يوسف فاستدار ليرى هيثم وهو مُقيّد ويُجرّ بواسطة رجال الشرطة.


"لا يمكن أن يذهب هكذا! أنزلوه! سأقتله بيدي!"

قالها كريم بغضب وهو يذهب مسرعًا نحو سيارة الشرطة،

لكن يوسف أمسكه بقوة وجذبه إليه، محاولًا تهدئته، بينما كريم يتنفس بصعوبة، ويداه ترتجفان بانفعال .


وصلت سيارات الإسعاف، فنهض عمر بصعوبة وهو يستند على أحد أفراد الشرطة.

اقترب منه الأطباء ليفحصوه، لكنه تحدث وهو يئنّ من الألم 

"أعطوا لصديقي مهدّئًا فورًا، فهو يتألم أكثر مني... سريعًا."


التفت الطبيب إليه بغرابة، فأومأ عمر له ليذهب الطبيب فورًا ويأخذ إبرة المهدّئ.


اقترب الطبيب بحذر من كريم الذي كان يصرخ ويهزّ يوسف بعنف

ثم بحركةٍ سريعة غرز الإبرة في ذراعه.


استدار كريم ليرى من هذا، لكن قواه خارت فجأة ، هدأت أنفاسه وتثاقل جسده.


"سيُغمى عليه، أمسكوه كي لا يقع!" قالها الطبيب بسرعة.


أُغمي على كريم، فأمسكه يوسف والطبيب وتم نقله هو وعمر إلى المشفى.


بينما كانت سهى داخل سيارتها تبكي بقهرٍ على كل ما حدث،

شهقت بصوتٍ مبحوح ووضعت رأسها على المقود .


أتى يوسف وأشار للشرطة الذين كانوا يحمون سهى أن يذهبوا.

طرق يوسف بلطفٍ على زجاج السيارة، فرفعت رأسها لتراه أمامها،

مسحت دموعها وأنزلت زجاج النافذة.


تحدث يوسف برسمية "أأنت بخير؟"


أومأت برأسها بصمت، ليكمل حديثه

"لنذهب إذًا، لا داعي لبقائك هنا."


هزّت رأسها بـ"نعم"، وهمّت لتشغل السيارة، لكن يوسف قال 

"حالتك لا تسمح لك بالقيادة، سأقود أنا."

زفرت بتعب ومسحت وجهها من الدموع  ، ثم خرجت ليقودها يوسف إلى المنزل، وأخبرها ألا تُخبر سديم بما حدث.


وبعد أن أوصلها، ذهب إلى المشفى للاطمئنان على عمر وكريم.



"سقط هيثم أخيرًا… لكن القلوب التي نزفت في هذه المواجهة، هل ستشفى يومًا؟ هذا ما ستكشفه الفصول القادمة…"

يتبع….


google-playkhamsatmostaqltradent