recent
جديدنا

صدى الألم الفصل التاسع عشر

Wisso

                    رواية صدى الالم  


                                                        بقلم سجى إمام 



مرّ يومان بهدوء مريح لكريم وهبة، وهدوء مُزعِج لسهى.

  فكان سديم يشعر بتغيّر حالتها وانطفائها؛ أصبحت هادئة، صامتة، حزينة.

كان يسألها عن حالها، فكانت تجيب بابتسامة باهتة "بلا شيء…" 


في المساء


أنامت فردوس في سريرها، ثم خرجت بعدها إلى الحديقة ،  فقد ضاق صدرها داخل المنزل، وأرادت أن تستنشق بعض الهواء.


جلست على أحد الكراسي، وزفرت بحرارة وهي تنظر إلى السماء بعينين دامعتين، تفكر بحالها وحال أخيها.

أخذت نَفَسًا عميقًا ثم أخرجته ببطء، وعيناها شاردتان في الفراغ أمامها.


أتى سديم، ووضع يده على كتفها برفق ،  فالتفتت سهى له بابتسامة صغيرة.

جلس بجانبها وقال بنبرة هادئة

"الجو اليوم جميل… لكنه بارد."


أومأت برأسها وهي تنظر للقمر بابتسامة شاحبة، فنظر هو أيضًا للقمر وابتسم.


أخفضت رأسها، تفكر قليلًا، ثم قطعت الصمت بصوت متردد

"سديم… أ… أنا أريد رؤية هيثم." 


رفع حاجبيه باستغراب وقال باستهجان خفيف

"أتريدين بعد كل شيء… مقابلته؟"


امتلأت عيناها بالدموع وقالت برجاء

"سديم… أرجوك. مرة واحدة فقط… أراه وأتحدث معه. لتكن الأخيرة. فقط… لأراه لآخر مرة." 


توقفت قليلًا تكتم بكاءها 

ثم أكملت بصوت مرتعش 

"إنه أخي في النهاية… لا أستطيع التخلي عنه هكذا دون أن أسمعه و…"

قاطَعها سديم بصوت جاد وهو يقف

"مرّة واحدة فقط… وبعدها لا أريد سماع اسمه مجددًا."


وقفت وهي تهز رأسها وتمسح دموعها بسرعة باصابع ترتجف .

اقترب سديم منها وقال

"لا تُحزني نفسك أكثر… سأتحدث مع عمر، وأخبركِ متى سنذهب."

شكرته سهى، واحتضنت كفه بحب 

ثم صعدا إلى غرفتهما…


في صباح اليوم التالي 


في بيت المزرعة


بعد أن أكمل الجميع فطورهم، ذهب تيم مع نسيبة ليمشوا في الحديقة.

وبقي كريم يتحدث بالهاتف مع عمر، وهبة بجانبه تفكر بشرود.


أنهى كريم المكالمة، فلاحظ شرودها، فتقدم منها وقال بابتسامة "بماذا تفكرين بكل هذا العمق؟"


قطع صوته شرودها، فالتفتت له وابتسمت بخفّة، وهي ترجّع شعرها للخلف قائلة 

"لا شيء… فقط شرُدت."


همهم كريم، ووقف قائلًا "إذن… أنا سأذهب و…"


قاطعته هبة وهي تقف بسرعة، بنبرة قلقة

"إلى أين… سنذهب؟"  لكنها تراجعت وسكتت.


تفهم كريم قلقها، وقال بصوت مطمئن "لا يوجد خطر… سأذهب عمر ينتظرني في مركز الشرطة. لن أتأخر لا تقلقي"

ارتاح داخلها، فابتسمت وأومأت له، ودعته أن يذهب.



في مركز الشرطة


كان عمر ويوسف منشغلين بمتابعة ملف القضية مع المحامي بدقة.

وصل كريم وانضم إليهم، فلم يتبقَّ سوى أيام على المحكمة.


بعد ساعة ونصف، استأذن المحامي ويوسف وغادرا، وبقي كريم وعمر في الغرفة متعبين.


زفر عمر بتعب وقال

"اقتربنا يا صديقي… من النهاية."

أبتسم عمر و ألقى رأسه على الكرسي براحة.


ابتسم كريم ابتسامة ناقصة وهو يهز رأسه بصمت.

أغمض عمر عينيه، ثم أخبر كريم باتصال سديم، وطلبه موعدًا لزيارة هيثم لسهى.


استغرب كريم وقال متسائلًا

"وماذا تريد بلقائه الآن؟"


هز عمر كتفيه "لا أعلم."


"متى موعد زيارتها؟" قالها كريم وهو يقف، يستعد للرحيل .


"بعد غد." قالها عمر.


أطرق كريم يفكر، ثم قال

"هذا يعني… قبل المحكمة بأربعة أيام." و تغيرت ملامحه فجأة.


"عمر… سأذهب إلى بيتي. هل تريد القدوم معي؟" قالها كريم بنبرة عميقة.


كان عمر مغمض العينين من التعب، لكنه بمجرد سماع ذلك تحفّز، واستقام في جلسته، ينظر لملامح كريم قائلا  بحذر:

"أتقصد… البيت الذي احترق؟"


قاطعه كريم بصوت منخفض وهو يهرب بنظراته

"بيتي أنا… وشفق."


جمع عمر أغراضه بسرعة وقال

"بالطبع سأذهب… هيا."


لم يرد عمر ترك كريم وحيدًا، خصوصًا وهو ذاهب إلى المكان الذي يجدد ألمه ، فذهب معه ليكون إلى جانبه.


ركبا السيارة، وبدأ عمر يقودها متوجهًا إلى بيت كريم القديم…



 *كريم*

 

لقد تهربت من هذا اليوم و هذه المواجهة كثيرًا، ولكنني اليوم عزمت على ذلك..

وها أنا الآن في طريقي إلى بيتي، بيتي المليء بالذكريات الدافئة لهما، بيتي الذي تفوح منه رائحتهما، بيتي الذي كنت أشتاق  له لوجودهما فيه..

ذهبا، ولكن تركا لي الكثير من الذكريات وذلك البيت.


أوقف عمر السيارة، فنزلنا. زفرتُ بحرارة وتقدمتُ وأنا أرى ذلك البيت!

تجمّدت خطواتي حين رأيته أمامي محترقًا، أطرافه كلها سواد

التفتُّ للحديقة فلم أرَ خضارًا، وإنما رمادًا!


تقدمت، فأمسكني عمر من كتفي وهو يشير لي ألا أدخل، لكنني أبعدتُ يده بلطف ودخلت، وشعرت به يدخل خلفي..

لم يتبقَّ شيء من البيت سوى بعض الجدران التي استطاعت مجابهة النيران وانتصرَت… ولكن بجروح مميتة.


تنقلت بين الغرف المتفحّمة أبحث لعلّي أجد شيئًا من أثرهما، ولكن كل شيء أصبح رمادًا..

جثوتُ أرضًا، واختنقتُ بغصتي وقلت 

"كل شيء أصبح رمادًا…" كان صوتي  مبحوحاً يخرج بصعوبة .


جلس عمر بجانبي وهو يربت على ظهري قائلًا

"لا تقل هكذا، ستبقى ذكرى شفق وتيم في قلبك وعقلك دائمًا."


أكمل عمر 

"ستنهض من رمادك يا كريم، فلعَلّ هذه إشارة لك لتمضي، ولا تكن أسيرًا لماضيك وألمك."


التفتُّ لعمر وقلتُ بنبرة مرتعشة

"أتقول أن أنسى شفق وتيم؟!"


"لا… وإنما عليك أن تدرك قيمة ما لديك يا كريم. لا تبقَ واقفًا في نفس النقطة ، الحياة مستمرة، وأنت أيضًا… عليك أن تجمع شتات قلبك وعقلك وتستمر." قالها عمر بثبات.


صمتُ وبقيتُ أفكر في كلامه وأنا أنظر لأرجاء البيت المحترقة.


فقلتُ

"شفق وتيم ذهبا… وبقيتُ أنا ميتًا حيًّا في هذه الحياة.

ذهبا فبقيت أسيرًا لذكراهما وذكرياتهما…

ذهبا ولكنهما دائمًا معي...

ذهبا فتوقفت حياتي ولم أرَ لها فائدة… إلى أن دخلت حياتي شيء تغيّر…."

صمتُّ وأنا أستوعب ما قلت باستغراب.  اعترف لساني بما في قلبي! 


رأيت عمر يبتسم، بينما أنا أرجعتُ شعري للخلف و فركت لحيتي بتوتر .


"لماذا لا تعطي قلبك فرصة أخرى؟" قالها عمر بهدوء.


صمت قليلًا وزفرت بحزن.

"فكرت بهذا كثيرًا… فكيف لي أن أفتح قلبي بعدها؟

أشعر وكأنني سأخونها."


"كريم… ألا تشعر بشيء تجاه هبة؟"

قالها عمر وهو ينظر لي مباشرة.


التفتُّ له، وهممت لأنفي…

لكنني تذكرتها.

مرّت ملامحها في ذهني: خجلها، ابتسامتها، ضحكتها، ارتباكها… كل شيء فيها ، فابتسمت بلا وعي.


أبتسم عمر ثم قال بجدية

"لن تخونها ولن تُحزنها إذا مضيت قُدمًا في حياتك، ولكن ستخون ذكراها وحبها لك إذا اعتزلت الحياة.

هل شفق كانت تريد هذا؟ لا…

كانت دائمًا تريد أن تراك سعيدًا… وسعادتك مع هبة."


شردت مطولا و انا أفكر بكلامه فوجدت ان  كلامه أراحني … كان منطقيًا ومقنعًا لقلبي قبل عقلي.

شفق ستظل دائمًا في قلبي ذكرى جميلة ولن أنساها أبدًا.

وعليّ أن أدرك قيمة ما لدي كما قال عمر.

هبة… وتيم، الذين أرسلهم الله لي كهدية من السماء.

لن أخسرهم ولن أحرم قلبي من السعادة.


وقفت، فوقف عمر.

نظرت له بامتنان واحتضنته بقوة وقلت

"شكرًا لك يا صديقي… شكرًا لكل شيء يا عمر."


ربت عمر على ظهري فابتعدتُ قليلًا وقلت

"أتيت إلى هنا مثقّلًا بالهم… لكنك استطعت أن تنتشلني منه وتُريني سعادتي… شكرًا لك يا صديقي"


ابتسم عمر وقال

"سعادتك كانت أمامك… كنت فقط تحتاج من يزيل تشوش رؤيتك."

قال كلماته و استدار و هو  يشير لي أن أتّبعه لنذهب.


"عمر… هذا فريد من نوعه."


قلتُها مبتسمًا وأنا أنظر لسرابه يبتعد أمامي.


استدرت لأنظر للبيت بنظرة حنين للماضي ، ارتعشت أنفاسي وقاربت عيناي أن تدمعا   ، فاستدرت وخرجت متوجهًا لسيارة عمر.




كان الليل قد حلّ، وكريم لم يعد بعد. شعرت هبة بالقلق، لكنّها حاولت ألا تُظهِره.

اقترب منها تيم وهو يفرك عينيه بنعاس

"ماما… أين بابا؟ لقد وعدني أن ينام بجانبي كل ليلة."


مسحت على رأسه بحنان وقالت "سينهي عمله ويأتي… ما رأيك أن أنام بجانبك اليوم؟"

عَبَس تيم قليلًا وأومأ برأسه.

توجّها إلى الغرفة، وصعد تيم إلى السرير ليحتضن أمَّه بقوة.

التفتت هبة لصغيرها بحزن، ومسحت على شعره وقبّلته قبل أن تبدأ قراءة قصته.


قطع قراءتها صوت طرق خفيف على الباب، فابتسمت و همست في أذنه بنعومة

"انظر من أتى؟"


استقام تيم في جلسته وقال بصوت مفعم بالفرح  "بابا!"

دخل كريم مبتسمًا، وفي يده كيسان.

وضعهما على الأرض وجلس بجانب تيم وقبّله قائلًا "هل اشتقتَ إلي؟"


فتح تيم ذراعيه وقال بحماس طفولي "كثييييراً!"


ضحك كريم وهبة على ردة فعله.

التفت كريم إلى هبة التي كانت فرِحة لفرحة ابنها.


أخذ أحد الأكياس و بعثر شعر تيم بخفة قائلًا

"هل شاغب هذا الصغير اليوم؟"


تحفّز تيم وهو ينظر إلى الكيس بحماس واضح، فابتسمت هبة وقبّلت تيم قائلة

"لا، كان هادئًا ولم يتعبني."


"إذًا… بطلنا يستحق هديته." قالها كريم وهو يناوله الكيس.


صفّق تيم بحماس وفتح الكيس ليخرج منه سيارة لعبة.

قفز واحتضن كريم بقوة، فبادله كريم العناق نفسه.


ابتعد تيم بسرعة ليُري أمه الهدية، فابتسمت له، ليقول

"سأذهب لأُري الخالة نسيبة هديتي… وأعود!" ثم ركض مسرعًا.


ضحكت هبة على حالته، ثم التفتت لكريم وقالت بامتنان صادق

"شكرًا لك… لقد جعلته يبتسم ويضحك."


كانت عيناها تلمعان بحب  لم تستطع إخفاءه، بينما كريم تأملها بابتسامة خفيفة ، فهربت بعينيها بخجل.


فقال كريم 

"بالطبع… سأهتم بسعادة ابني. لا داعي لشُكري، فهذا واجبي."


ثم أخرج الكيس الآخر وقدّمَه لها "وهذا… أ أ.. هذه لك."

نطق الجملة الأخيرة بتردد و خجل.


امتدّت يد هبة بخجل واضح، وأخذت الكيس وهي تشكره بصوت منخفض مرتبك.


حكّ كريم ذقنه وهو يقول بمزاح لطيف ونبرة خفيفة 

"اشتريتُ لكِ هاتفًا… الآن كلما تأخرتُ يمكنكِ الاتصال بي."


أطرقت هبة رأسها بخجل، وارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتيها.


استأذن كريم ليذهب ويغتسل، تاركًا إياها في حالة من الفرح وهي تنظر إلى هديتها.

شعرت باهتمامه بها… وبقربه الذي يطمئن قلبها.


أخرجت الهاتف وفتحته، فرأت في الخلفية صورة لكريم وتيم في الملاهي. ارتجفت أنفاسها، ولمعت عيناها بدمعة فرح

أغمضت جفنيها تدعو الله أن يتمّم لها فرحتها به…




و بعد مرور يوم أتى يوم زيارة سهى لهيثم. أوقف سديم سيارته أمام مركز الشرطة، فالتفت لسهى متفحصًا ملامحها التي كانت قلقة ومرتبكة، فقال

"سهى… لنرجع إن شئتِ." قالها بنبرة هادئة لكنها قلقة عليها.


التفتت له وقالت

 "لا… لنذهب." قالتها بثبات افتعلته رغم ارتجاف يديها ، لتتغيّر ملامح وجهها إلى الجدية، وتخرج هي ليتبعها سديم.


استقبلهم عمر وكريم، فتهرّبت سهى من النظر لكريم، بينما سديم تحدث مع عمر عن الإجراءات، فأخبره أن كل شيء تم، وأشار لسهى أن تتقدم لتذهب معه.


التفتت لسديم بنظرة عميقة هربت بعدها بعينيها. أحسّ بارتباكها، فهمَّ ليتقدم نحوها، لكنها استدارت، فأشار له عمر بيده أن يبقى.


زفر سديم بضيق وقال

"لا أعلم لماذا هذا الإصرار على مقابلته؟!" قالها بغضب مكتوم .


لاحظ كريم أن الجميع يلتفتون لهما فقال

"لنذهب لغرفة عمر ونتحدث." 


دخلا، ليرمي سديم نفسه على الكرسي متأففًا بضيق، بينما جلس كريم مفكرًا وهو يتساءل في داخله

 "يا ترى لماذا سهى تريد مقابلته؟ وبماذا سيتحدثان؟" 


قاطع شروده سديم قائلًا

 "لم أكن سأسمح لها أن تراه، لكنها أصرت علي… وقالت :آخر مرة سأراه!" 


رفع كريم حاجبه باستغراب وقال

 "آخر مرة؟!" 


همهم سديم، بينما حك كريم ذقنه بتفكير وقال

 "سديم، إنه في النهاية أخوها… ومن الطبيعي أن تتأثر بما حدث وتريد رؤيته." قالها مهدئًا رغم أن داخله عكس ذلك تمامًا .


ردّ سديم بحدة

"ما يهمني الآن أنه خرج من حياتنا إلى الأبد. لا أريد رؤيته ولا سماع اسمه حتى… ليمُت ونرتاح من شره." 


ابتسم كريم بمرارة وقال بنبرة حادة

 "ليمُت؟! لا يمكنه الموت هكذا… سيُعاقب أولًا. ستكون حياته أسوأ من الموت." 


وقف عمر وسهى أمام ممر الزنزانة، فقالت سهى بتساؤل و هي تفرك يدها بتوتر 

"ألن نذهب لغرفة الزيارة؟ لماذا جئنا إلى هنا؟" 


تحدث عمر

 "لم نُخرج هيثم لأننا لا نستطيع توقع ردة فعله عند رؤيتك. وهذا أيضًا ما طلبه سديم… وهو الأفضل لحمايتك." 


أومأت بصمت، فقال عمر

 "أنا هنا… لن أذهب. إذا حدث أي شيء فقط نادي علي." 

هزّت رأسها ودخلت.

سمع هيثم صوت البوابة تُفتح، فوقف بسرعة ليرى من أتى… فرأى أمامه سهى.

وقفت أمامه بعيون دامعة وحزينة على حالته.

أما هو، فنظر لها بغضب و خذلان، ثم استدار وجلس وقال بصوت غاضب لائم 

 "أتيتِ لترَي أثرك؟! أنظري… ها أنا هنا! وبسبب من؟! بسببك!" قالها و صوته ارتفع وهو يقترب من القضبان .


أنزلت رأسها وهي تبكي، وقالت بصوت باكٍ منفعل 

 "أنت هنا بسبب أفعالك وجرائمك… وليس بسببي." 


زفر بضيق وقال بنبرة غاضبة

"اذهبي من هنا… لا أريد رؤيتك." 


"لن أذهب." قالتها بنبرة عالية وغاضبة و صوتها يرتجف.


صرخ بها "قلت اذهبي! لا أريد أن أسمع كلمة منك! أنتِ خنتِني وتعاونتِ مع أعدائي!" قال كلماته الأخيرة و هو يجز على أسنانه بغضب.


ابتلعت ريقها وقالت

 "لم أخنك… وإنما فعلتها من أجلك. من أجل أن تتوقف… و " 


قاطعها صارخًا

 "لا تكذبي! جعلتِني طُعمًا سهلًا لكريم و الشرطة… وأنا الغبي الذي صدقك!" خرجت منه ضحكة مكسورة بين غضبه و خذلانه. 


ترجته أن يسمعها، لكنه استدار وأشار لها أن تذهب.


وقفت ثوانٍ تحاول تهدئة نفسها، أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته، ثم قالت بصوت ثابت حاد 

 "هيثم… استمع لي. نعم، سلمتك بيدي للشرطة… نعم فعلت. لكن من أجلك… لكي لا تغرق أكثر وتلطخ يديك بالدماء أكثر." صمتت و هي  مختنقه بغصتها .


استدار هيثم ونظر لها بنظرة خاوية، يستمع بصمت.


تابعت 

 "كلانا يعرف أن ما فعلته كان ذنبًا كبيرًا… و يجب أن تُكَفِّره يا هيثم." 


ضحك بسخرية وقال "أنا لم أفعل شيئًا!" 


التفتت له بشفقة وقالت بحدة  "لا فائدة من الإنكار… هناك أدلة عليك وستُحاكم." 


اقترب من القضبان و هو يمسك القضبان بغضب وقال مهددًا 

 "وماذا إن قلت إنك كنتِ شريكتي في كل شيء؟"  


اتسعت عيناها بخوف، لكنها قالت  "إذا سيُريحك الانتقام مني… افعلها. أنا تعبت… تعبت من هذا الحمل." كان صوتها مهزوز ومنهار .


رقّ قلبه لها، فقد كانت ملامحها شاحبة ومتعبة، والآن تبكي أمامه بانهيار.

أغمض عينيه وزفر وهو يلعن ضعفه تجاهها، ثم قال ببرود 

 "يكفي بكاء… اذهبي من هنا ولا تأتي مرة أخرى." 


رفعت نظرها نحوه بعيون دامعة واقتربت من الزنزانة ، لكنه صرخ بها بغضب أن تذهب، فتراجعت خائفة.

ألقت نظرة أخيرة عليه… ثم ذهبت.


كان سديم واقفًا بجانب عمر، قلقًا بعدما سمع صراخ هيثم عليها أكثر من مرة، لكنه في الأخيرة لم يتحمل، وأبعد عمر ودخل… ليجد سهى واقفة أمام الباب تبكي بحرقة.


التفت لزنزانة هيثم بغضب، ثم اقترب من سهى وقد شحب لون وجهها.

مسح دموعها بحنان محاولًا تهدئتها و قال

 "سهى… لا تبكي. هو لا يستحق منك دمعة." 


وضعت رأسها على صدره، لكنها تألمت فجأة من بطنها.

ابتعدت وهي تتوجع، فاقترب سديم مذعورًا يمسكها ويدعمها

 "سهى! ما بك؟!" قالها بذعر واضح .


سمع كريم وعمر صوته، فدخلا فورًا ليجدا سهى مغمى عليها بين يدي سديم.

اتسعت أعينهم بصدمة، فقال عمر بسرعة  "سأتصل بالإسعاف!" 


أوقفه كريم وقال

 "سيارة سديم بالخارج. لنأخذها بها… هيا سديم!" 


بينما كان هيثم يسمع ما يحدث، صرخ بعصبية لكن نبرة صوته كانت خائفه و قلقة عليها 

 "ماذا حدث؟! سهى! هل أنتِ بخير؟!"  لكن لم يأتِه جواب.


ارتجفت يدا سديم وهو يرى الدماء التي سالت منها.

أمسك كريم بكثفه و ضغط عليه وقال "سديم… لا تضعف الآن. هيا، ستكون بخير." 


خرج كريم مسرعًا ليجلب السيارة، بينما حملها سديم وركض بها للخارج.


في الداخل، ظل هيثم يصرخ مجددًا

"ماذا حدث؟ أخبروني!" 

لكن لا أحد يجيبه.


دخل عمر، وبغضب أدخل يداه بين قضبان الزنزانة وجذب هيثم نحوه بقوة، وقال بعصبية 

 "ماذا قلت لها لتسوء حالتها هكذا؟!" 


اتسعت عينا هيثم بخوف وقال

 "أهي بخير؟!" قالها بنبرة أرتعشت خوفاً.


أفلت عمر قبضته بقوة وقال

 "ادعُ أن تكون بخير… وأن لا يحدث لها شيء." 

ثم خرج… وترك هيثم يتخبط بين قلقه وخوفه عليها في بيت المزرعة



كانت هبة وتيم ونسيبة مجتمعين في المطبخ، وهم يعدون طعام العشاء، وكانت الأجواء مرحة بمشاكسة تيم ورغبته في المساعدة بكل شيء. حاول أن يأخذ السكين، لكن هبة أبعدته وهي تحذره

"السكين خطير يا صغيري"

عبس تيم وقال

"كنت أريد أن أقطع أنا السلطة"


ضحكت نسيبة، فردّت هبة وهي تداعب أنفه بابتسامة 

"ما رأيك أن أقطعها أنا، وأنت تزينها وترتبها؟"

ابتسم تيم وهو يهز رأسه بفرح

"حسنًا، سيحبها بابا كثيرًا"


بدأت هبة بتقطيع السلطة، بينما جلس تيم ينظر إليها،  دمعت عين نسيبة فرحًا بهم وهي تدعو  لهم بالخير و السعادة .


قالت نسيبة "ألم يتصل كريم ؟" قالتها و هي تغلق النار.


وضعت هبة ما بيدها وقالت بصوت فرح وخجل "لا، ولكن سأتصل أنا به"

ابتسمت نسيبة لحالتها، أخرجت هبة الهاتف لتريه لها بفرح وحب، قائلة "لقد أهداني ياه كريم" 


ابتسمت هبة وابتعدت بنظرها لتراقب خلفية الهاتف بابتسامة خجولة ، احتضنتها نسيبة ودعت لهما بالسعادة.


قال تيم وهو يشد رداء هبة 

"ماما، أريها صورتي أنا وبابا"


ابتعدا قليلاً، فمسحت نسيبة شعره بحنان وقالت "لقد رأيتها يا حبيبي، إنها جميلة جدًا. ما رأيك أن نتذوق الشوربة؟ هيا"


ذهبت هي وتيم مشيرة لهبة أن تتحدث براحتها، فأومأت لهما هبة بامتنان، واتصلت بكريم.


في المشفى


تم إدخال سهى إلى غرفة الفحص فورًا ليبدأ الأطباء فحصها.

كان سديم واقفًا، شاحب الوجه، والقلق والخوف يسيطران عليه يداه ترتعشان و نظره معلق على باب الغرفة.

جلس كريم بجانبه محاولًا طمأنته، لكن لا فائدة، فخوف سديم لا يمكن أن يزول إلا برؤية سهى بخير.


خرجت إحدى الممرضات، فوقفا سريعًا، وقال سديم بنبرة خائفة وقلقة "سهى… هل هي بخير؟!"


تحدثت الممرضة بحذر 

"حالتها مستقرة، ولكن يجب نقلها إلى غرفة العمليات…"


اتسعت عيناه "غرفة العمليات؟ لماذا؟"


أمسك كريم أخاه وقال بثبات

"أخبرينا بحالتها بالتفصيل"


أومأت الممرضة وقالت

"السيدة سهى كانت حامل، وحصل لها إجهاض مبكر. لذا علينا إجراء تنظيف رحمي لتجنب أي مضاعفات"


صدم سديم مما سمع، وكأن كل شيء توقف للحظة، فتراجع إلى الوراء، فمسكه كريم وأجلسه قائلاً

"لنقم باللازم" أومأت الممرضة وذهبت.


سأل كريم أخاه وهو يربت على ظهره بتأثر "سديم، أنت بخير؟"


أرجع سديم رأسه للخلف وزفر بصوت مختنق

"لم أكن أعلم أنها حامل… ماذا سأقول لها؟ كيف سأخبرها؟"


أغمض كريم عينيه بألم، لكنه حاول أن يطمئنه بصوت خافت 

"سيعوضكما الله، من أعطاكم هذه المرة سيعطيكم إن شاء الله مرة أخرى" أختنق صوته فصمت، محاولًا أن يبقى ثابتًا بجانب أخيه.


رن هاتفه، فأخرجه، ليجد أن المتصلة هي هبة، شرد باسمها وهو يتذكر ما قاله لأخيه قبل قليل  و شبح ابتسامة خفيفة رسم على ملامحهه 

"إنها هبة من الله لي، وعوض الله لي"


قال له سديم وهو يفرك رأسه بألم

"كريم، رد أو أغلق"

استأذن كريم وذهب، ليرد على المكالمة بصوت متعب ، لكنها كانت مبتهجة وسألته عن موعد عودته.

أطرق كريم وهو يفكر كيف يخبرها، فهو لا يريد كسر فرحتها أو إحزانها.


أكملت هي بنبرة ضاحكة 

"لقد حضر لك تيم السلطة وتعب كثيرًا بها وزينها"


صمتت قليلًا ثم قالت بخجل

"وأيضًا حضرنا لك أكلتك المفضلة… لا تتأخر، فنحن ننتظرك"  


كان كريم يستمع لها بفرحة ممزوجة بالحزن على حالة أخيه، ثم أنزل الهاتف ليزفر بضيق 

"لا يمكنني ترك سديم وهو بهذه الحالة" 


اتاه صوتها مرة أخرى

"ألو… الو… كريم، أين أنت؟"


تحدث كريم بتردد مرتبك 

"أسمعك، هبة… أنا… سأتاخر بالعودة، سهى…"


استغربت هبة من صمته و تهربه فقاطعته قائلة بصوت متغير يميل للبكاء  "حسنًا، كن على راحتك"

وأغلقت.


خبأ كريم هاتفه وزفر بحزن، فقد أحس بتلاشي فرحتها وحزنها منه.


استدار ليجد الدكتورة تتحدث إلى سديم، ليتقدم منهما ليسمع الدكتورة تقول

"ما حدث مع السيدة سهى يسمى إجهاضًا مبكرًا، حدث بسبب التوتر وحالتها النفسية غير المستقرة"


سأل سديم بنبرة عميقة

"كم كان عمره؟"


قالت الدكتورة 

"في الشهر الأول، كان الحمل في المراحل المبكرة، لهذا حتى السيدة سهى لم تلاحظه"


أومأ سديم وقال

"أيمكنني رؤيتها؟"


أجابت الدكتورة

"نعم، حالتها الآن مستقرة، وفي الصباح يمكننا إخراجها"

استأذنت وذهبت.


التفت سديم نحو غرفة سهى مطولًا بحزن، ثم جلس على أحد الكراسي وهو يحتضن رأسه بتعب.


جلس كريم بجانبه، يربت على ظهره "اذهب لها، إنها بحاجة إليك الآن"


رفع سديم بصره نحو كريم وقال بتأثر و هو يتذكر ما مر به اخاه 


"كيف؟ كيف أمكنك تحمل ألم فقدهما؟" كانت نبرة صوته متألمة و باكية.

صمت قليلًا، ثم أكمل ودمعه يفر منه: "موت طفلي الذي لم أره بعد جعلني أشعر وكأن جزءًا مني سُلِب… كيف تحملت أنت يا أخي؟" كان يقول كلماته و هو ممسك صدره متألما .


تغيرت ملامح كريم، وامتلأت عيناه بالدمع الحار، ليبعد نظره عن سديم ويطرق برأسه صامتًا.


أكمل سديم وهو يمسك بكف كريم "لقد تركتك وحيدًا يا أخي في ذلك اليوم، لكنك لم تتركني في يومي هذا وكنت معي. كريم، أنا أعتذر لك عن كل لحظة شعرت فيها بالوحدة والحزن…"


تحدث كريم شبه باكي  "سديم، يكفي، لا تكمل"

ابتلع غصته وقال "اذهب لزوجتك، إنها بحاجة إليك. هيا"


مسح سديم دموعه وقال وهو يربت على كف كريم

"وأنت اذهب لعائلتك، فأنت بحاجة لهم"


التفت كريم، أغمض عينيه ليقف وهم ليعترض، لكن سديم أصر عليه "كريم، اذهب، لا فائدة من بقائك هنا، هيا"

رضخ كريم لإصرار سديم و ذهب .


في مركز الشرطة


كان هيثم قلقًا وخائفًا على سهى، ضرب القضبان بعصبية وهو يصرخ بعصبية ،  حاول الضابط المسؤول تهدئته لكن لا فائدة.

لياتي عمر غاضبًا، أمر الضابط أن يخرج  ليصرخ به قائلاً

"ما هذا الجنون؟ ما بك؟!" كان صوته صارخ وحاد


ضرب على القضبان بغضب وقال بنبرة غاضبة قلقة "أخبرني، أهي بخير؟!"


قال عمر بغضب وهو يرفع اصبع السبابة نحو وجهه "أيهمك الآن حالتها؟ بعد ماذا يا هيثم؟ بعد أن جعلتها تخسر طفلها بسببك!"


اتسعت عيناه وقال "ماذا؟ ما الذي تقوله؟!"  كان صوته يرتجف من الصدمة 


تحدث عمر بنبرة لوم غاضبة

"نعم، مات طفلها بسبب أفعالك، بسبب خوفها منك وخوفها من تهديداتك لها. هل أنت سعيد الآن؟ شرك وصل لأختك أيضًا."

خرج عمر بعد أن أمره بالبقاء هادئًا.


جلس هيثم على الأرض في حالة صدمة مما سمع، أغمض عينيه وهو يتذكر كلام أخته عن الأطفال وحبها لهم، تذكر كم عانت لتحمل فردوس وكم صبرت. تكور وهو يبكي 

"ما الذي أصبحته أنا؟! أكل من أحبهم أؤذيهم؟! لماذا؟!"


في بيت المزرعة


أغلقت هبة الهاتف ودموعها قد تجمعت في عينيها. سحبت الكرسي لتجلس وهي تنظر للأطعمة بحزن.

متسائلة في داخلها بحزن

"لماذا تهرب مني؟ لماذا أشعر وكأنه يبتعد عني؟ لماذا أشعر وكأنني عائق له أو أنه مجبر علي؟" قالتها بنبرة مرتعشة .


أتت نسيبة لتراها جالسة تبكي، فاقتربت منها باستغراب وقالت بصوت حنون 

"أبنتي، ما بك؟ لماذا تبكين؟" 


مسحت دموعها وهزت رأسها نافية وقالت مغيرة مجرى الحديث

"أين تيم؟"


قالت نسيبة

"تيم يشاهد التلفاز، لكن ماذا حدث لك؟ تركتك تضحكين وعدت وأنت بهذه الحالة! هل كريم قال لك شيئًا أحزنك؟"


صمتت هبة قليلًا وأنزلت رأسها بحزن وقالت بصوت متهدج 

"فقط قال إنه سيتأخر"


رفعت نسيبة حجابها وقالت

"وأنت لهذا تبكين؟ ربما لديه عمل مهم"


أنزلت هبة رأسها بحزن أحقا تهرب منها أم انه شعور الفقد الذي يداهمها في كل حين هو من تحدث .

 فركت يدها وهمت بالتحدث، لكن صوت تيم وصلهما "لقد أتى بابا"


التفتت نسيبة لهبة بابتسامة وقالت "ها قد أتى كريم" وذهبت لتراه.


بينما هبة ظلت مكانها تفكر وتنظر للأطعمة بحزن، لكنها أبعدت تلك الأفكار عن رأسها. فاتها صوته وهو يضحك مع تيم، وكأن صوته هدأ من  كل تلك المخاوف التي تشعر بها ، فابتسمت في داخلها، ثم ذهبت لمساعدة نسيبة.


استأذنت نسيبة لتذهب لغرفتها لترتاح، اعترضت هبة وقالت

"لنأكل سويًا"

تحججت نسيبة بألم رأسها وذهبت لغرفتها.


جلس كريم على الطاولة بجانب تيم، الذي قال بفخر "أنا من حضرت السلطة"


ابتسم كريم وقال

"تبدو لذيذة، لتسلم يداك يا صغير" قالها وهو يبعثر شعره و يضاحك تيم .


أتت هبة لتجلس بجانبه بصمت وهي تبعد نظرها عنه.

تحدث تيم وقال 

"وماما حضرت لك الشوربة، إنها لذيذة" وقالها وهو يمد لها صحنه.


أخذت هبة الصحن وملأته له، لتأخذ هبة صحن كريم وتملأه أيضًا.

استغرب كريم حالتها الصامتة وعدم نظرها له، فأدرك أنها زعلت منه.


 أكمل طعامه وهو يحدث تيم ويمدح سلطته فيضحك تيم بفرح.


التفت كريم لهبة فرأها تنظر لطبقها بشرود، حاول أن يخرجها من حالتها فقال "تسلم يداك، الشوربة لذيذة جدًا" 


التفتت له وأومأت بصمت، بينما قال تيم "ألم أقل لك إنها لذيذة"


تعلّق نظره بها، فاحست هي بنظراته فقررت الهروب منه، لتستقيم وتأخذ تيم لغرفتهم "هيا تيم لننام" وذهبا.


نظر كريم لها باستغراب وقال في داخله "يبدو أنني أحزنتها" 


وضع يده على رأسه بتعب وزفر ببطء.

مر القليل من الوقت وهو على حاله جالسًا شارداً. زفر، ثم قام وذهب إليها، لكنه وجدها آتية، فابتسم عندما رآها وهم ليتحدث، لكنها تخطته وذهبت لتلم الطاولة.


بقي كريم مكانه متعجبًا من تصرفها، ليستدير ويتقدم منها قائلاً

"هبة… ما بك؟ انظري لي"


التفتت له بعيون دامعة وأخذت الصحون لتذهب مسرعة إلى المطبخ، تبعها كريم ووقف أمامها قائلاً  "تحدثي معي، لا تصمتي هكذا"

همت لتبتعد لكنه اعترض طريقها، فزفرت بحزن وقالت بنبرة باكية 

"لا يوجد شيء، ابتعد لأجمع الطاولة"


حاولت تخطيه لكنه قال

"تقولين لا شيء هناك، لكن لا صوتك ولا عيناك تقولان هذا. أأحزنتك يا هبة؟" قالها و يرفع وجهها اليه ناظرا في عيناها.


تعلقت عيناها به، رأت اهتمامه بها، لم يتركها ولم يتجاهلها، فترددت قليلًا في إخبارها بما تشعر.


لاحظ ترددها، فهم ليتكلم، لكنها تحدثت بصوت منخفض مهزوز خرج منها بصعوبة 

"أأنت تشعر أنك مجبر على البقاء معنا؟"


قاطعها كريم قائلاً بتعجب 

"ماذا؟ مجبر؟ ما هذا الكلام؟!"


أغمضت عينها وقالت عكس ما يريد قلبها بصوتها الباكي 

"إذا كنا عائقًا في حياتك ولا تريدنا، أخبرني، سنذهب و…"


أمسكها كريم و قربها اليه وقال متعجبًا

"هبة، ما الذي تقولينه؟ أي عائق وأي إكراه!"


نظرت لعيناه بعيون ضبابية لتبعدها سريعًا عنه، تأثرت بقربه ولمسه، لكنها أكملت بنبرة لوم معاتبة

"لماذا تتهرب مني؟ لقد شعرت اليوم وكأنك لا تريد أن تكون معنا. صمتك وصوتك المتردد جعلني أشعر بذلك"


أختنقت كلماتها فصمتت ولم تكمل كلامها. سحبها كريم بلطف ليجلسها ويجلس بجانبها محتضنًا كفها، بينما هي تبكي بصمت.


"هبة، لا تبكي أرجوك. أنا أعتذر لأنني جعلتك تشعرين بهذا، لكن أنا لم أتهرب منك، أنا كنت…"

قاطعته وهي تقف قائلة

"سأذهب لأنام"


أمسكها من يدها وقال

"كنت سأخبرك، لكنك لم تستمعي لي. كنت مع سديم في المشفى"


توقفت و نظرت له بقلق ،  ليكمل ويخبرها بما حدث مع سهى.


وضعت يدها على صدرها بحزن مما سمعت، حزنت على سهى وما حدث معها.


أكمل قائلاً "أردت أن أطمئن أولًا ومن ثم أخبرك. لم أرد أن أحزنك وأخيفك، لهذا صمت ولم أقل شيء. أنا أعرفك، ستحزنين وتخافين عندما أخبرك، لهذا صمتت"


تعلقت عيناها به وقالت بنبرة باكية "أنا آسفة" بحركة مفاجئة اقتربت منه واحتضنته.


تفاجأ كريم بحركتها ولم يتحرك لثوان، لكنه رفع ذراعيه ببطء واحتضنها إليه وحاوطها بيده، كأنه بهذه الحركة أبعد كل مخاوفها وأبدلها بالطمأنينة التي سكنت قلبها.


"هناك خوف في داخلي يكبر كل يوم. أنا خائفة دائمًا… لا أعرف… أشعر أن كل شيء أحبه سيذهب عني و…" قالتها بصوت متهدج مهزوز، وهي تدفن رأسها بصدره متشبثة بقميصه.


مسح كريم شعرها بحنان، فهو يفهم خوفها وتوترها، فأراد أن يطمئنها.

أبعدها عنه بلطف وأجلسها، وأعطاها كأس ماء لتشرب، فهدأت.


جلس بجانبها قائلاً

"أنا لن أترككم أبدًا. بعد موت شفق وتيم لم أجد أي معنى للحياة. كنت مدفونًا تحت ركام رحيلهما، لكن قدومك… قدومكما لحياتي جعلني أخرج من ذلك الركام، تنفست معكما، وبدأت فصلًا جديدًا معكم"


صمت وهو يحتضن كف يدها ويشدها إليه بابتسامة


"أتريدين أن نكمل معًا فصول الحكاية التي بدأناها؟"


قالها وهو ينظر في عينيها بعيون لامعة. 

تأثرت هبة بكلامه ولمست صدق مشاعره ورغبته بها، تجمعت دموع فرحتها وعلت وجهه ابتسامة، وهزت رأسها بفرح وخجل.


تحدث كريم بنبرة ضاحكة

"ولكنني لم أسمع الإجابة"


رفعت نظرها إليه بعيون لامعة وفرح وقالت وهي تنظر في عينيه "نعم، أريد أن أكمل فصول قصتنا معك"

ابتسم كريم بحب لها، وهي بخجل تهرب بنظراتها عنه.


سمعا صوت تيم، فذهبا مسرعين لغرفتهم، ليروه يفرك عينيه بنعاس ويقول بصوت شبه باكي

"ماما، أنا خائف… نامي بجانبي"


همت هبة لتتحدث وتقترب، لكن كريم سبقها وقال

"لماذا بطلي يخاف وأباه بجانبه؟"

تقدم من السرير وصعد بجانب تيم ليحتضنه، وقال وهو يشير لهبة

"ماما، وأنتِ أيضًا تعالي"


ابتسمت هبة وتقدمت لتبعد الغطاء وتستلقي بجانب تيم، الذي نام فورًا عندما وضع رأسه على صدر كريم.


لينام الثلاثة براحة وسعادة…



أما سديم فكان طوال الليل بجانب سهى النائمة، ينظر لها بحزن وقلة حيلة أمام ما حدث .

أتى الصباح معلنًا عن يوم جديد.

استيقظت سهى لترى نفسها في المشفى، وضعت يدها أسفل بطنها متألمة بصمت و ارتجافت يديها بألم. استقامت بجلستها وهي تنظر لسديم النائم على الكرسي بجانبها. نادت سديم بصوت منخفض ومتعب  "سديم…"


استفاق سديم على صوتها، فوقف سريعًا وجلس بجانبها وهو يسألها بلهفة "سهى، أنت بخير؟ لا تتألمين؟"


قالها وهو يمسح على وجهها بحنان، كأنه يحاول أن يبعد عنها ألمها.


ابتسمت بتعب وقالت

"أنا بخير… ولكن ماذا حدث لي؟ كيف أتيت إلى هنا؟"


تغيرت ملامح وجهه، وأبعد يده عنها وهو يفكر كيف يبدأ كلامه.

لاحظت سهى تغيره وشحوب وجهه، فخاف داخلها وقالت بصوت يرتجف "أهيثم… بخير؟"

ارتعشت يداها وهي تتألم من أسفل بطنها.


التفت سديم لها، أمسك بكفيها وقبلهما قائلاً بنبرة هادئة ومؤثرة "ساءت حالتك بعد خروجك من عند هيثم، وأُغمي عليك… فأتينا إلى المشفى فورًا، وأخبروني أنك كنتِ…" صمت، وأخذ نفسًا عميقًا ليثبت أمامها.


قالت سهى بقلق "كنت ماذا؟!"


شد على كفيها وقال متألما بغصه "أنك كنتِ حامل، ومع الأسف فقدنا طفلنا…"

شهقت سهى بصدمه، وسحبت يدها منه ووضعتها على بطنها باكية.

رفعت رأسها وقالت باستغراب وبكاء "سديم… كيف؟ أنا لم أشعر بشيء!"


قال سديم وهو يقترب ليجلس بجانبها ويحتضنها  "كان في الشهر الأول، لهذا لم تشعري به"


رمت سهى نفسها في حضنه وهي تبكي بحرقة وألم وقهر كان جسدها يرتجف  ودموعها تتساقط بلا توقف.

هدأت تدريجيًا، لكنها ظلت تحدق في الفراغ، متذكرة كابوسها، وتفكر في داخلها بقهر "لقد تحقق كابوسك وأخذ طفلك منك… كل ما سيحدث بعد الآن عقاب لك عما كنت سببًا فيه يا سهى"


التفتت إلى سديم بعيون دامعة، متذكرة تهديد هيثم لها .

حدثت نفسها وهي تنظر له "سينتهي كل شيء ويدمر… سأخسر سديم و…"

كان سديم يربت على كتفها بحنان، أما هي فلم تتحمل فتتشبث به، كأنها تحاول استغلال كل ثانية بقربه.


وبعد مرور يومين


كانت سهى خلال هذين اليومين لا تفارق فردوس، كانت كمن يستعد للوداع، تنظر نظرة مودع للجميع.

لاحظ سديم ذلك، فحاول أن يكون بجانبها ويهتم بها، ظنًا منه أنها متأثرة بفقد طفلها، لكنه لم يعلم أنها كانت خائفة من هيثم وتهديده لها .


في بيت المزرعة


كان كريم جالسًا في حديقة البيت يشرب الشاي، وبجانبه تيم يلعب ويرسم.

كان كريم في شرود عميق، حتى أنه لم يلاحظ قدوم هبة وذهاب تيم.


جلست هبة بجانبه، مناديه بصوت هادئ "كريم…"


قطع شروده، والتفت إليها وهو همهم، مستقيمًا بحلسته كأنه استعاد توازنه تدريجيًا.


عقدت حاجبيها باستغراب وقالت "كريم… أنت بخير؟ تبدو قلقًا ومتوتّرًا… ماذا حدث؟"


أرجع شعره للوراء وزفر قائلاً 

"غدًا المحكمة… لهذا أنا… لا أعرف لماذا أشعر بخوف وغضب… لا أعرف… أشعر بنار هنا"

وضع يده على صدره .


تذكرت هبة أمر المحكمة لتتفهم شعوره، وترددت قليلاً، لكنها أمسكت كفه بنبرة مطمئنة

"من الطبيعي ما تشعر به… اطمئن، أنا واثقة أن غدًا سيكون يوم نصر الحق، وسنأخذ حق شفق وتيم"


كان صوتها مائلًا للبكاء وهي تقول "لن يضيع حقهما، وسيدفع هيثم ثمن جرائمه… سيهزم، وستنتصر العدالة"


التفت إليها، وعلت وجهه ابتسامة، وضع كف يده على يدها بامتنان، لكنه أنزل رأسه قائلاً بحزن

"أشعر وكأنني تخليت عنهم ولم أستطع حمايتهم… لو أنني…"


قاطعته هبة بحزم

"لا تقل هذا… ما حدث قد حدث. أنت لم تترك من تسبب بموتهم، بل حاربت وواجهت الكثير لتصل لهذه اللحظة… لحظة أخذ حق شفق وتيم. أنت لم تتخلى عنهم، بل حاربت، وها أنت وصلت للنهاية من أجلهم"


كانت كلماتها كفيلة بتهدئة داخله، فالتفت لها بابتسامة منقوصة وقال "هبة… شكرًا لك، كلماتك أراحتني"


ابتسمت بحب، بينما استقام هو.

لتقف هي متسائلة "إلى أين؟"

صمت ولم يرد.


قالت هبة بصوت ثابت 

"كريم… أريد أن أتي للمحكمة"


 نظر إليها وقال 

"سيكون هيثم هناك، ولا أريدك أن تواجهينه…"


قاطعته بقوة

"أنا لست خائفة منه… أريد أن أراه وهو يعاقب ليرتاح داخلي ولو قليلاً"


هم كريم ليعترض، لكنها أصرت. حك كريم ذقنه بتفكير، حاول أن يشرح لها مرة أخرى أنه لا يريد أن ترى هيثم كي لا تتذكر ذلك اليوم وتسوء حالتها، لكنها أصرت بشدة أن تذهب معه.


زفر كريم وقال

"حسنًا… لكن ستبقين بجانبي، وإذا شعرت أن حالتك ساءت سأخرجك، ولا أريد اعتراض حينها"

هزت رأسها موافقة.


أشار لها ليدخلا، فسارت بجانبه بصمت حتى دخلا. ذهب كريم لغرفته، وذهبت هبة لترى تيم.


وبعد نصف ساعة


كان الجميع في الصالون، فجاء كريم واستأذن منهم ليذهب.

وقفت هبة، وتقدمت منه وسألته "إلى أين ستذهب؟"


نظر إليها مطولًا وابتسم لطريقة سؤالها وهيئتها.

أبعد نظره وأجابها "سأذهب للمقبرة"


تعلقت عيناها به لتومئ برأسها بصمت، فأومأ هو أيضًا وذهب لوحهته.


فرت دمعة منها وهي تراه يسير مثقلًا، لتقول في داخلها

"اللهم خفف عن قلبه، وامحُ حزنه، وامنحه سكينة تُعيد إليه السلام والطمأنينة"



خرج كريم متوجّهًا للمقبرة، صعد السيارة التي أعطاها له سديم ليتمكن من التحرك بسرعة أكبر. تحرك، كان يقود وهو ينظر للطريق بتركيز شديد، كأنه يحاول ألا يفكّر بشيء و  يداه تشبثت بالمقود بقوة .


مر من أمام بيته، فتوقف ونظر للحديقة المحترقة. دبلت ملامحه عند رؤية حديقتهم المحترقة ، زفر بحرارة الألم والذكريات ،  ثم أكمل طريقه.


أوقف السيارة بعيدًا قليلًا عن المقبرة، نزل وأخذ نفسًا عميقًا. بدأ يسير ببطء مثقّل، توقف عند بائع الورد ليشتري بعض الزهور، ثم توجّه بهدوء نحو القبور.


تقدّم من قبري شفق وتيم، وعيونه ممتلئة بالدمع، رفع يداه وقرأ الفاتحة. وبعد الانتهاء جلس بينهما، وهو يبعد عن قبر شفق الورد الذابل قائلاً بصوت مختنق وباكي


"أنا آسف لأنني لم آتِ لزيارتكما في هذه الفترة، لكنكم دائمًا في قلبي وعقلي"

صمت لحظة، ثم أزال الورد الذابل عن قبر تيم وقال بصوت متهدج "بني… اشتقت لك كثيرًا" 


أمسك الورد الذي جلبه وفرشه على القبور، قائلاً بغصّة

"أعلم أنه ليس مثل ورد حديقتنا، لكن رائحته جميلة"


صمت وهو ينظر للقبرين أمامه، أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه ببطء.

قال بصوت منخفض

"غدًا يوم مهم جدًا لي ولنا… من تسبب بموتكم سيعاقب. كنت قد وعدتكما أنني سأجد من دمر حياتنا… وجدته، إنه هيثم الحقير"


صمت كريم، وأغلق عينيه بعصبية عند ذكر اسم هيثم، لكنه أكمل بصوت متحكم فيه

"نعم، هيثم من تسبب بكل هذا… وغدًا سأأخذ منه حقكما وحقّي، وستأخذ العدالة مجراها. أنا أثق بهذا"


وقف كريم وهو ينظر لقبريهما مطولًا بحزن. ارتسمت شبح ابتسامة على وجهه وقال

"سأذهب الآن… وغدًا سأعود لأبشركما بنهاية هيثم"


أخذ دلو الماء وسكبه على القبرين، وودعهما، ثم مر على قبر حمزة ليبعد عنه الورد والأوراق الذابلة، وضع بعض الورد الطازج، سكب الماء، ودعا له، ثم غادر. في بيت العائلة


صعد سديم وسهى لغرفتهما بعد تناول العشاء. كان سديم يتحدث على الهاتف، بينما سهى كانت تلاعب فردوس. أغلق سديم الهاتف ليستدير وينظر لهما، فابتسم لمنظرها. تقدّم منهما ليقبلهما بحب.


ضحكت فردوس وهي تقفز لحضن أبيها، قائلة كلمات غير مفهومة . احتضنها سديم ودغدغها ولعب معها.


ابتسمت سهى بفرح، وتقدمت من سديم محتضنة ذراعه ووضعت رأسها على كتفه. قبل سديم رأسها وقال بابتسامة

"سهى، انظري لفردوس… ابتسامتها مثلك تمامًا، جميلة و تأسر القلب"


خجلت سهى ولعبت بشعرها بينما فرح قلب سديم لرؤية حالتها تلك.


و لكنها فجأة استقامت بجلستها و كأنها تذكرت شي ! ونظرت إليه وقالت بصوت منخفض ومرتجف "سديم… تعلم أن غدًا المحكمة، وأنا…"


علم سديم ما تريد قوله، فقاطعها "سهى، أعلم ما ستقولين… لهذا لا، أنا لست موافقًا، لن تذهبي إلى المحكمة"


أمسكت كف يده وقالت بترجي "سديم… أريد أن أذهب، أرجوك"


سحب سديم يده بلطف وذهب ليضع فردوس، التي نامت، في سريرها، ثم عاد ليجلس بجانب سهى وهو يحتضن وجهها قائلاً بحنان "لن اسمح له أن يؤذيك مرة أخرى… في المرة السابقة سمحت لك و انظري لحالتك، و ماذا حدث لك! لا يمكنني المخاطرة بك يا سهى"


أنزلت رأسها بحزن وأبعدت يداه، قائلة بنبرة باكية "سديم… لأذهب أرجوك… لا أعلم… أسأراه أم ستكون الأخيرة؟" كانت دموعها تتساقط على خديها، و يداها ترتجف وهي تغطي وجهها باكية.


اقترب سديم منها واحتضنها بحنان قائلاً "سهى… أرجوك لا تبكي… يكفي"


نظرت لعيناه برجاء وقالت بعيون دامعة "أرجوك سديم… لأذهب"


صمتت قليلاً، ثم أضافت

"إنه أخي، مهما عمل… سيظل أخي، لا يمكنني تغيير هذه الحقيقة"


نظر لها مطولًا و هو يفكر ، و لكنه هزم أمام عينيها ، فلم يرد أن يزيد حزنها، فوافق ، فأومأت سهى مبتسمة بحزن وهي تمسح دموعها.


قالت بصوت متقطع ودموعها تنهمر "لم يكن هيثم هكذا، أتتذكر عندما كنا صغار و نأتي اليكم ، لم يكن هكذا هيثم " صمتت و هي تاخذ نفسا عميقا و أكملت

"  وإنما بعد وفاة والدي، وذهبنا لبيت عمنا، بدأ يتغير… أصبح أكثر عدوانية وحقد… كان يصرخ علي أحيانًا، لكنه لم يكن يسمح لأحد أن يؤذيني… كان دائمًا يحميني من غضب عمي ويتحمل مسؤولية خطئي" 


كان سديم يستمع لها وهي تكمل "وعندما كبر هيثم وأخذ ميراثنا وأسّس عمله ذهبنا من بيت عمي، ظننت أن سلوكه سيتغير، لكنه ازداد سوءًا… أخذ شركة عمي و أمواله وجعلهم يفلسون…  و كأنه كان ينتقم منهم ... حاولت أن أراجعه لكنه …"


قاطعها سديم بسرعة

"أكان يضربك؟!"


هزت رأسها نافية وقالت

"لا… أبدًا… هيثم لم يرفع يده عليّ أبدًا… كان يصرخ ويكسر كل ما يأتي أمامه، ثم يأتي ويعتذر مني"


صمتت و هي تتذكر حماية هيثم لها و وضعت رأسها على صدر سديم وأغمضت عينيها وهي تفكر بقلق

"أسيخبر هيثم سديم عني أم سيصمت؟"



في بيت المزرعة


نام الجميع باكرًا ما عدا كريم، الذي لم يدخل النوم، عيونه متعبة، يتقلب في سريره، ثم قام وخرج ليجلس في الصالون حتى لا يزعج هبة وتيم.


ظل ينظر للفراغ بشرود عميق  قطع شروده صوت أذان الفجر، فقام ليتوضأ ويصلي.


أنهى صلاته، ورفع يديه للسماء مناجيًا ربه "يا رب… أنت تعلم ما في صدري ولا يخفى عليك ضعفي… تعلم أني لا أطلب سوى الحق، ولا أبتغي انتقامًا، بل راحة لروحي المتعبة و عدلاً لشفق و تيم ."


زفر ببطء، وشعر براحة تسللت إلى صدره، فجلس في مكانه يدعو ويسبح.


قاطعت خلوته نسيبة، اقتربت منه ومسحت على رأسه بحنان

"تقبل الله منك يا بني"


ابتسم كريم لها واستقام، فنظرت له لتدرك أنه لم ينام، وعيناه واضحتان متعبتان وذابلتان.

استأذن منها وذهب لغرفته، بينما تبعته بنظراتها حزنًا، تدعو الله أن يريح قلبه وينصره.


دخل لغرفته فوجد هبة وتيم نائمين، ابتسم داخله، وأغلق الباب بلطف.

نظر لساعته، فوجدها الساعة السادسة، فقرر أن يستلقي بجانبهما قليلاً، فلا يزال الوقت قبل موعد المحكمة. ما أن وضع رأسه بجانب تيم، حتى أغمض عينيه بتعب، ونام.



أستيقظت هبة لتراه نائمًا، لكن ملامحه كانت منهكة وحاجباه مقطبان بتوتر. تاملته قليلاً، أرادت أن تمسح على رأسه بكف يدها، لكنها ترددت  ارتعشت يدها لحظة، وتراجعت ببطء، فأبعدت يدها عنه، ووقفت لتذهب لتغير ملابسها وتتهيأ.


خرجت من الحمام لتراه لا يزال نائمًا، نظرت إلى ساعتِها لترى الثامنة. 

"ساعتان أمامنا فقط" قالتها في داخلها.

تقدمت ببطء نحو كريم وهمست باسمه بلطف، فتح كريم عينيه ليراها أمامه بهذا القرب، ابتعدت هبة بخجل ، بينما هو استقام بجلسته وهو ينظر لها و هو يمسح عيناه من اثار النوم .


همست بخفوت وهاربة بنظراتها 


"آآآ… إنها الساعة الثامنة… سنَتأخر على المحكمة"

مسح كريم وجهه وزفر بحرارة محاولا ان  يسيطر على توتره، هو يومئ لها و ذهب و أستعد. اقتربت من تيم وغطّته لتذهب وتساعد نسيبة.

حضرا طعام الفطور، وجلس كريم يسحب كرسيه بجانب المائدة بشرود. أتت هبة وجلست بجانبه، تكسب له الشاي، لكنه أخبرها أنه لا يريد. وضعت له البيض والخبز وقالت "عليك أن تأكل ولو قليلًا لتقوى"


أومأ كريم لها وأشار  لها أن تأكل أيضًا، فابتسمت وأخذت الطعام. كانت نسيبة تتابع حوارهما بصمت .


بعد نصف ساعة، اتصل عمر بكريم

"سيأتي يوسف بعد قليل ليكون معكما، أما أنا سأكون في المحكمة" قالها بسرعة وأغلق الهاتف.


التفتت هبة لكريم لتسأله عما قاله عمر.

استيقظ تيم وذهب إلى الصالون، فرأى كريم وهبة يتجهزان للخروج، اقترب مسرعًا قائلًا 

"إلى أين ستذهبون؟ خذوني معكم!"

قالها وهو متشبث بكريم  و عيناه تتوسلان.


حمله كريم ليجلس على الأريكة، وهو يبعثر شعره ممازحًا

"الأمير النائم استيقظ أخيرًا"


جلست هبة بجانبه، وهي تنظر إلى كريم وملامحه، التي رغم ابتسامته، إلا أنه يبدو وكأنه يعيش حربًا داخلية .


أبعد تيم يد كريم عن شعره وقال بنبرة شبه باكية "سآتي معكم… لا تتركوني لوحدي"


قالت نسيبة

"تيم، لن تكون وحيدًا، فأنا سأكون معك"


احتضن تيم وتعلق بكريم بقوة، قائلًا

"لا… أريد أن أذهب مع بابا وماما"


أحتضنه كريم، وأغمض عيناه وهو يربت على ظهر تيم بلطف وحنان، وهمس في أذنه "بني، أسمعني… أنا و والدتك سنذهب الآن و لن نتأخر ، وستكون هذه آخر مرة نذهب بدونك… أعدك بهذا" 


فصل تيم الحضن، نظر لكريم وهزّ كثّه بعبوس. همّ كريم ليتحدث، لكن هاتفه رن.


أخذت هبة تيم واحتضنته، وهي تتحدث معه وتطمئنه.


نزل تيم من على الأريكة وذهب إلى نسيبة، وقال "سأسمح لكما بالذهاب الآن، لكن لا تتأخرا"


اقتربت منه هبة، قبلته واحتضنته، وهي تعده ألا يتأخر.


اقترب كريم، وبعثر شعره ليحمله، وهمس في أذنه "لن نتأخر يا بطلي"

وقال بنبرة تحفيزية

"تيم، عليك أن تهتم بالخالة نسيبة وتحميها، فأنت رجل البيت في غيابي"


ابتسم تيم بفرح، وهو يهز رأسه. أخذت نسيبة تيم، فقال كريم لهبة:

"يوسف في الخارج… لنذهب"


خرجا ليروا يوسف منتظرًا لهما. اقترب كريم منه، ليرى ذراع يوسف ملفوفة بالضمادات،  تحدث بقلق

"يوسف… أنت بخير؟"

قال يوسف مطمئنًا

"إنه جرح صغير… لا تقلق، هيا لنذهب"


قال كريم "سنذهب أنا وهبة بسيارتنا"

فأومأ يوسف، وصعد كل منهم بسيارته، متوجهين نحو المحكمة.



في بيت العائلة


كانت سهى في غرفة فردوس، تنظر إليها بابتسامة حانية وهي تداعب وجنتيها بلطف ، فرت دمعة منها، فمسحتها بسرعة وحدثت نفسها بثقة كاذبة "سيكون كل شيء على ما يرام… لن يحدث شيء"


دخل سديم، وتقدم نحوها مقبلًا فردوس النائمة، ثم التفت لسهى مشيرًا لها ليذهبا.

خرجت سهى وتبعها سديم، كانت تسير بخطوات سريعة مرتبكة . أوقفها سديم وسحبها إليه وهمّ للتحدث، لكنها فاجأته بحضنها له. رفع ذراعيه واحتضنها بقوة وهو يمسح على ظهرها بحنان.


تحدثت سهى بصوت باكي

"سديم… أعلم أنني أحبك مهما حدث… و مهما سيحدث"


أبعدها بلطف، ورفع رأسها لينظر في عينيها بحب وقال "وأنا يا سلطنتي"

كانت خائفة من أن يذكر هيثم اسمها و تخسر سديم، وكان هذا واضحًا من تعلقها بيد سديم، قالت بنبرة مرتجفة وباكية 

"سديم… مهما حدث… لن تتركني… وسأظل في قلبك"


شد سديم على كفها وطمأنها بحب "ما دام هذا القلب ينبض، لن أتركك، وستظلين سلطته"


ابتسمت سهى، ودموعها تنهمر بصمت ، مسحها سديم وقال

"لا تخافي… سيحدث ما يجب أن يحدث… والآن هيا لنذهب، لقد تأخرنا" أومئت له، ليذهبا إلى المحكمة.



وفي طريق المحكمة


كان كريم يقود سيارته، وملامحه متوترة، يتنفس ببطء محاولًا السيطرة على غضبه المكتوم ،صدره يرتجف مع كل نفس، يضغط يديه على المقود بقوة ، أغمض عينيه لوهلة، ومرت صور شفق وتيم أمامه كالوميض السريع. فرت دمعة منه، تحكي قسوة ما يشعر به وخليط مشاعره.

التفتت هبة إليه، هي أيضًا كانت خائفة، تقبض يدها بخوف وتوتر

قالت هبة بنبرة هادئة "كريم…"


مسح كريم وجهه وهمهم بصمت. ثم أكملت هي  "كل شيء سينتهي اليوم… فقط لا تترك نفسك، وكن قويًا"

أومأ لها بصمت، وهو يركن سيارته بجانب سيارة يوسف، الذي نزل وتوجه نحو عمر، المنتظر أمام بوابة المحكمة.


أوقف كريم سيارته، وزفر ببطء محاولًا تنظيم أنفاسه . التفتت هبة إليه، و أمسكت يده وقالت 

"تبقى خطوة أخيرة… تماسك لأجلهما"


نظر لها وأومأ بابتسامة هادئة

"إذا شعرتِ أنكِ لا تحتملين رؤيته… سنخرج فورًا، فقط أخبريني"


هزت رأسها، نزل هو، بينما هي دعت ربها في داخلها "اللهم اجعل الحق ظاهرًا… اللهم اجعل هذا اليوم بردًا وسلامًا على القلوب التي احترقت"


وقفت بجانبه، أمسك كريم كفها بقوة يداه كانت متعرقتان و  شعرت بحرارة يده، ففهمت أنه يريد منها القوة،  فأومئت له مشجعة و أشارت له ليذهبا.


نظر عمر إلى كريم بملامح جادة، لكنه فهم تمامًا ما يشعر به من خوف وغضب وارتباك، وقف امامه كريم و نظرا لبعض بنظرات عميقة و أومأ له بصمت، شد على كثفه وأشار له ليدخل مع يوسف.


ظل عمر واقفًا، يدعو أن يسير كل شيء على ما يرام، في داخله يعلم أن اليوم لن يكون فقط نهاية هيثم، بل بداية لقلب كريم ليستنشق الراحة. تنهد ورفع نظره للسماء قبل أن يدخل.


كانت سهى وسديم جالسين في آخر الممر. رأى سديم كريم فذهب إليه، بينما سهى كانت تنظر أمامها بقلق على حياتها وخوف من و على هيثم، تخيلت وضعه في السجن و هو مكبلا و عاجزا ، ففركت يديها بتوتر و حزن عليه ، و زفرت بحزن أغمضت عينيها بقهر.


سالت دمعة من عينيها بصمت، وهمست لنفسها   "ليتك عدت من طريقك هذا قبل أن تصل بنا إلى هنا يا هيثم…"

لاحظ كريم سهى، فعاتب سديم لاحضارها معه، لكن سديم أخبره أنها أصرت كثيرًا، وأنها تريد رؤية هيثم.


بينما يوسف وعمر كانا يتحدثان مع المحامي، بدا توترهما واضحًا على وجوههم.


التفت سديم لهبة الجالسة بعيدا عنهم و هي تفرك يداها بقلق ، وقال "لماذا جلبتها معك؟ ستزداد رهبتها عند رؤيته… انظر إليها، يبدو عليها التوتر و الخوف " 

هم كريم ليتحدث، لكن صدى صوت أحد الحراس أعلن بدء المحكمة.


استدار سديم سريعًا نحو سهى، التي وقفت متحفزة ومرتجفة،  تقدم نحوها، ممسكًا بيدها التي كانت باردة مرتعشة 

"سهى… أنتِ لست بخير… لنخرج من هنا… لا داعي لرؤيته"


أبعدت يده عنها وقالت بثبات كاذب "أنا بخير… لنذهب" وتقدمت، فسار سديم بجانبها.


وقف كريم في مكانه ثابتًا، رسم على وجهه الثبات، ومد يده لهبة لتمسك به، وهي تنظر لملامحه المتغيرة.

نظر لها وقال

"جاهزة؟" لا يعلم إن كان يسألها أم يسأل نفسه.

ضغطت على يده بلطف كأنها تبعث له الأمان وأومأت له، ليدخلا. شعرت هبة بارتجاف يده , فشدت على يده.


جلس كريم، وهو يحارب الصور التي تمر في ذاكرته: ضحكت شفق، وجه تيم الصغير، صورتهما في المشرحة، هبة، دماءها،  تيم و خوفه ، حريق بيته. مسح على وجهه وهو يهمس لنفسه أن يصمد ولا ينهار.


بينما كان سديم و سهى خلف كريم وهبة، لاحظ سديم تخبط كريم، فمد يده وضغط على كثفه بخفة ليطمئنه. التفت كريم له وأومأ بصمت.


أدار سديم ظهره للخلف، والتفت لسهى، التي كانت نظراتها ثابتة لكنها تعكس القلق.


جلس عمر ويوسف في الزاوية المخصصة للشرطة. فجأة فتح الباب ليدخل هيثم. كل الأنظار توجهت إليه، لكل واحد منهم نظرة مختلفة.


تحفزت سهى في مكانها، ونظرت له بعيون دامعة حزينة، مشفقه مع حالته.

بينما سديم نظر له بكره وازدراء.

أما هبة ارتجفت عيناها بخوف عند التقاء عينيها بعيني هيثم، لكنها حاولت أن تكون قوية وتنظر له بقوة.

تقدم كريم بجلسته حاجبًا هبة عن نظر هيثم، ونظر له في عيناه بقوة وغل. ابتسم هيثم بسخرية، بينما سحبه الشرطي ليضعه في قفص المتهمين.


وقف هيثم خلف القضبان،  و هو لا يزال ينظر لكريم وهبة.

علت أنفاس هبة، وضعت يدها على جرحها بألم وهي تتذكر  و جهه و طعنه لها في ذلك اليوم.


لاحظ كريم سوء حالتها، فمسك يدها وقال "هبة… لست مجبرة على البقاء… لنخرج هيا"


هزت رأسها نافية، متجنبة النظر لهيثم.


دخل القاضي القاعة، فوقف الجميع. طرق المطرقة ثلاث مرات معلنًا بدء المحكمة.


كانت سهى تنظر لأخوها وهي تبكي بصمت ، بينما سديم أشفق على حالتها وانهيارها بهذا الشكل. التقت عيناها بعين هيثم، وهناك رأت في عيناه الحزن و الانكسار  ، كانت ملامحه منهكة ومتعبة، لكنه سرعان ما أبعد نظره عنها ليمثل القوة.


صدى صوت الحاجب معلنًا بدء الجلسة قال

"القضية رقم (٨٩٣)… المتهم : هيثم الفاروق، في جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والشروع في القتل والحرق العمد."


بدأت المحكمة بصعود المدعي العام، مقدمًا ملخص القضية بشكل كامل، مستعرضًا الأدلة والتقارير الجنائية ، والتي كانت جميعها تثبت الجريمة على هيثم.


ضاق صدر كريم وهو يستمع لتفاصيل الجريمة. فتح أزرار قميصه وأخذ نفسًا عميقًا، كانت دموعه تأبى النزول فهو أقسم أن يكون ثابتًا ولا يفقد نفسه.

أما هبة، فقد وضعت يدها على فمها بصمت، مذهولة مما تسمع، وهي تبكي بصمت  يدها ترتجف بخوف وتوتر. 


نودي عمر، فتقدم للمنصة بثقة وقوة، مقدمًا التقرير النهائي وإفادة هيثم، متحدثًا وهو ينظر لكريم، كأنه يطمئنه أن اليوم سيكون نهاية هيثم.


و بعد أن أنهى المدعي العام قائمة الاتهامات، قال القاضي بصوت جاد

"هل لدى الدفاع ما يود إضافته قبل النطق بالحكم؟"


وقف محامي هيثم، الذي كان فاقد الأمل منذ أول الجلسة، وقال

"سيدي القاضي… بعد اعتراف موكلي الكامل وتثبّت الأدلة عليه، لا أملك ما أضيفه" جلس وهو يغلق ملف القضية.


نظر القاضي إلى هيثم وقال

"المتهم هيثم، ألذيك ما تقوله للدفاع عن نفسك؟"


استقام هيثم في جلسته، ونظر لسهى مطولًا. خافت سهى ووضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها الباكية ارتجف داخلها خوفا ، بينما سديم سحبها إليه وهدأها، ونظراته كانت موجهة لهيثم بغضب.


التفت هيثم إلى كريم وقال ببرود

"أتنتظرون مني ندمًا أو اعتذارًا؟ ...  لن يعيد ندمي واعتذاري شفق أو تيم…"


غضب كريم ووقف، صوته يرتجف وهو يصرخ بعصبية

"أيها الحقير… لا تنطق اسمهما ! "


ضرب القاضي على الطاولة

"هدوء… هدوء!"


جلس كريم، وهو يكور قبضته بغضب، وأنفاسه تتسارع و عيونه تلمع بالغضب.


تحدث القاضي بحدة

"هذا يعني أنك لست نادمًا؟"


نظر هيثم للقاضي مطولًا وقال، رافعًا رأسه بكبرياء مزيف "لست نادمًا"

كاد صوته أن يرتجف لكنه صمد، وهو ينظر ليديه المكبلتين، وتحدث في داخله

"لن يفيد أحد ندمي، ولن يرجع شفق أو تيم. نعم قتلتهم… في لحظة  كنت قد غرقت في الظلام  كنت أرى العالم كله ضدي… عندما تعلقت بشفق ورفضتني، غرقت أكثر في الظلام… قررت سحق كل من يقف ضدي… عميت بصيرتي… مشيت خلف شيطاني… فكيف أطلب العفو الآن؟ فالعفو لا يليق بمن انتهى كل شيء داخله" 


صدى صوت الحاجب

"الحكم!"


تحفز الجميع. شعر سديم ببرودة يد سهى وهي تستمع بتركيز وخوف , فضمها إليه ونظر للقاضي.

أمسكت هبة كف كريم ونظرت في عينيه مطمئنة له، بينما كانت عيناه معلقة على هيثم، الذي سرق منه كل شيء، ينظر له بنظرة غضب وجع كانت صدورهم تخفق بشدة من التوتر.


تحدث القاضي بصوت ثابت

"بعد الاطلاع على أوراق القضية، وسماع أقوال الشهود، ومرافعة الدفاع والادعاء العام، وبعد ثبوت الأدلة القاطعة بارتكاب المتهم هيثم الفاروق جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد بحق كل من شفق وطفلها تيم كريم، وإدانته أيضًا بقتل شخص آخر وهو القاتل المأجور بهدف طمس الأدلة، ومحاولة قتل المجني عليها هبة وابنها، وإشعال الحريق عمدًا في منزل الضحايا… فقد قررت المحكمة بالإجماع…"


ساد الصمت وتحفز الجميع، كانت دقات قلب كريم سريعة وأنفاسه تتسارع، أغلق عينيه واستمع للحكم.

بينما سهى تشبثت بذراع سديم، وهي تبكي وتهز رأسها نافية .


أكمل القاضي

"الحكم على المتهم بالإعدام شنقًا حتى الموت"

قال كلماته، وطرق على المطرقة معلنًا انتهاء المحكمة ونهاية هيثم.


أنهارت سهى باكية، ليخرجها سديم من القاعة، بينما هبة رفعت يدها شاكرة ربها، وهي تبكي بصمت.

أغمض كريم عينيه بعمق، وتنفس نفسًا عميقًا، شعر وكأنه لأول مرة يتنفس بعد الاختناق.


أما هيثم، عندما سمع الحكم، تجمدت ملامحه، لكنها سرعان ما تبدلت إلى ابتسامة مكسورة.

رفع كريم نظره نحوه، ونظر له مطولًا بصمت، ليضحك هيثم بهستيرية ويقول  "انتهى كل شيء" ليأخذوه الشرطة.


يتبع ..




google-playkhamsatmostaqltradent