رواية صدى الألم
بقلم سجى امام
في خارج قاعة المحكمة، كان سديم جالسًا بجانب سهى يمسح على رأسها وظهرها بصمت حاني، فهو يعرف أنّ لا كلام يمكنه أن يخفف عنها ما تشعر به.
خرج هيثم وهو مكبَّل اليدين وبجانبه يوسف. التفتت سهى لترى هيثم أمامها، فنهضت بسرعة واقتربت منه، لكن أحد الضباط أوقفها.
وقفت وهي تضم يدها وتنظر إليه بعيون دامعة.
"دعُوها تتحدث معه قليلًا." قالها يوسف بحزم ، بعد ان أشفق على حالتها .
ارتبك الضباط ورفضوا، لكن يوسف أخبرهم أنّ المسؤولية عليه.
التفتت له سهى بامتنان و أومئت له .
التفت سديم لهيثم بازدراء وغضب، ثم استدار ليجلس.
وقفت سهى أمامه وهي تنظر في عينيه و شريط طفولتها معه يمرّ أمامها سريعًا…
هو عائلتها الأولى وأمانها.
نظرت إليه بنظرات ألم و غضب و خذلان لتدميره حياته وحياة غيره.
تبدلت ملامحها للحزن عندما رأت يديه المكبلتين، وأدركت أنّها لن تستطيع إنقاذه من نفسه…
فلقد فات الأوان.
تقدمت منه بخطوات مرتعشة وهي تبكي بحرقة. لا تزال عيناها تنظران إليه بحزن، كأنها لا تزال ترى فيه أخاها، ظل طفولتها.
تقدم منها هيثم ورفع يديه المكبلتين ليحتضن سهى. استدار قليلًا ليعطي سديم ظهره كي لا يرى تأثره.
همس في أذنها بصوت منخفض مرتعش
"سهى… أنا آسف… بسببِي خسرتِ طفلك."
تمسّكت به وهي تبكي وتهز رأسها نافية.
أكمل هو، وعلى وجهه ابتسامة حزينة
"أكنتِ تظنين أنّني سأؤذيك يا سهى؟ ألا تعلمين مكانتك عندي؟"
رفعت نظرها نحوه وهي تدمع، ومسحت على وجهه.
أنزل رأسه وقال بصوت منخفض منكسر
"عديني ألّا تبكي عليّ… أنا لا أستحق دموعك هذه. لكن… لا تنسيني." ارتجف صوته عند آخر كلمة و هو يحارب دموعه .
أبعدها عنه قليلًا وقال
"سهى، عديني."
أمسك وجهها ومسح دموعها وقال
"لن تبكي، ولن تحزني عليّ. ستمضين في حياتك… وستكونين سعيدة مع أبنائك. ستتركين الماضي خلفك. عديني…"
همّ أحد الضباط أن يقطع حديثهم، لكن يوسف أرجعه بيده.
رفعت سهى نظرها نحوه برجاء مرتبك، وقالت بصوت مهزوز متقطع "هيثم… أا…"
وصمتت مختنقه بدموعها .
كاد هيثم أن يضعف، لكنه قال بنبرة جادة حاول تثبيتها
"لقد أخبرتك بما أريده… اعتبريه وصيتي لك."
صمت لحظة ثم قال بنبرة عميقة مرتجفة وهو يبعدها عنه
"لا تأتي يوم… إعدامي."
كانت تنظر له بعيون دامعة حزينة.
أشار للضباط فأخذوه، وتبعهم يوسف.
بينما جاء سديم واصطحب سهى التي كانت صامتة بحزن ، فقط عيناها تذرف الدمع بصمت..
داخل قاعة المحكمة
كان كريم جالسًا وبجانبه هبة ممسكة بيده وهي تحمد الله في سرّها. اقترب عمر منهما، فتركت هبة يد كريم .
جلس بجانبه وهو يمسك بكفه قائلًا
"لقد أخذنا حق شفق وتيم… الحمد لله."
التفت إليه كريم، وأمسك بكف عمر بقوة، وقال
"الحمد لله… عمر، كنت معي منذ البداية ولم تتركني لحظة. وعدتني أن تجد من تسبّب بتعاستي… ووجدته."
شدّ كريم على يده وأضاف بابتسامة منهكة
"والآن أستطيع أن أشكرك كما قلت… رغم أن كلمة شكر لا تكفي. شكرًا يا أخي."
تأثر عمر بكلامه فاقترب منه واحتضنه ، قال عمر
"ما قمتُ به واجبي… شفق وتيم كانوا أيضًا كعائلتي. والآن سيرتاحون بعد أن أخذنا ثأرهم."
وقف عمر وقال
"هيا لنخرج، لا يمكننا البقاء هنا أكثر."
وقف كريم أيضًا، ومد يده لهبة.
أمسكت يده بخجل، فابتسم لها، وخرجا من القاعة.
وما إن خرجوا حتى هبّت نسمة هواء ناعمة، فأغمض كريم عينيه وأخذ نفسًا عميقًا و اخرجه ببطئ و على وجهه ملامح هادئه .
لاحظت هبة ملامحه فابتسمت في داخلها لرؤيته يبتسم أخيرًا براحة.
استأذن عمر منهما وذهب . بينما صعد كريم وهبة إلى السيارة.
تحدثت هبة بنبرة حذرة
"أستذهب للمقبرة؟"
شغّل كريم السيارة وقال
"سأذهب… لكن سأوصلك أولًا وبعدها.."
قاطعته بصوت خافت
"أيمكنني مرافقتك؟… لأكون بجانبك."
ارتبكت وخفضت نظرها
"أعني… لكي لا تكون وحدك."
التفت إليها كريم بابتسامة دافئة وقال
"إذًا… لنذهب."
صعدت غرفتها وهي باقية في صمتها الباكي، تذرف دموعًا حارّة بصمت موجع.
تمدّدت في سريرها وغطت نفسها، وأغمضت عينيها محاولة إسكات عقلها.
تبعها سديم بحزن، جلس بعيدًا عنها، لكن عندما سمع شهقاتها… صعد إليها واحتضنها فسكنت وهدأت… حتى نامت.
أوقف كريم سيارته بالقرب من المقبرة، والتفت لهبة قائلًا
"أستأتين معي؟"
قالت هبة
"اذهب أنت أولًا… وسأتبعك ''
فهي تعلم أن هذه اللحظة خاصة بثلاثهم .
أومأ لها بنظرة حانية ثم ذهب.
*كريم*
لأول مرة أتي إلى هذه المقبرة… وخطواتي سريعة.
لم أكن مثقلًا كما كل مرة.
اليوم… هناك راحة غريبة في صدري.
سرت نحوهما، وقفت بينهما، رفعت يدي وقرأت الفاتحة، ثم جلست.
الورد ما زال طازجًا.
أمسكت قربة الماء وسكبتها بهدوء.
"شفق… كما وعدتكما… لم أترك حقكما يضيع. أخذت ثأركما… واقتصصت من ذلك المجرم."
قلتها بصوت متهدج مهزوز ،
صمتُ قليلًا ثم تابعت
"أعلم أن هذا لن يعيدكما… لكنه أراح قلبي قليلاً."
أغمضت عيناي و أخذت نفسا عميقا و انا أتذكر كل ما مر بي لاقول
"من أخذ مني نفسي… سيُؤخذ منه نفسه. من جعلني أدفن قلبي… سيدفن هو أيضًا." دهمني بكائي و
اهتز صوتي لكنني حاولت الصمود .
"اليوم… لن أبكي. جئت لأبشركما…
هيثم حُكم عليه بالإعدام… قصاصًا لكما. هذا اليوم اللي انتظرته…
لقد أوفيت بوعدي."
ارتسمت بسمة حانية على وجهي و قلت" أنا واثق أنكما تسمعاني الان و انكما فرحتما بهذا الخبر" صمتُ قليلا و أنا أمسح دموعي و أحارب اشتياقي لهما.
لمحتُ طيف هبة وهي تنظر إلي بعيون دامعة، فأشارتُ لها أن تقترب.
اقتربت وقرأت الفاتحة بصوت منخفض شبه باكي ، مسحتُ على ترابهما برفق. ثم وقفتُ وأمسكتُ يد هبة.
قلتُ لهما بصوت هادئ
"لازلت عند وعدي لكما سأتي لأزوركما في كي يوم و أجلب معي الورد الذي تحبين " سكتُ قليلا و كأنني سمعتُ صوت شفق و قلت بابتسامة" سيكون ورداً من حديقتنا سنزرعه بيدنا… مثلك تمامًا يا شفق."
قلتها و أنا أنظر لهبة التي كانت تبتسم رغم دموعها و تاثرها.
تحدثُ بنبرة حذرة
"إن أردتِ زيارة قبر حمزة… فلنذهب."
استدارت، نظرت لقبر حمزة، وأومأت. فذهبنا وقرآنا الفاتحة.
وقفت أمام قبره تبكي بصمت… وكأنها تحدثه في قلبها.
وقفتُ بقربها بصمت..
و بعد مدة قليلة التفتت إلي وقالت"لنذهب… تيم سيقلق."
أومئت لها، وصعدنا السيارة، واتجهنا لمنزل المزرعة.
أستقبلتهم نسيبة وهي تحتضن كريم بفرح " يا بُني… لقد نصرك الله وأخذ حقك ممن ظلمك."
هزّ كريم رأسه ، لتحتضن نسيبة هِبَة وهي تحمد الله وتشكره.
أتى تيم وهو يجري ورمى نفسه في حضن كريم، فاحتضنه بقوة داخله. جلسوا جميعًا على طاولة العشاء، ومرّ الوقت جميلًا وهادئًا، ثم ذهبوا جميعًا ليناموا بعمق وراحة.
نام الجميع و لكن كريم لم ينام ليقرر ان يذهب و يصلي ، خرج من غرفتهم وذهب ليتوضأ ويصلي. كان صوته متهدّجًا من البكاء، قرأ الفاتحة و بداية سورة مريم، ثم ركع وسجد وسبّح ربه وحمده وشكره.
سلّم، ثم رفع يديه قائلا
"يا رب… الحمد لك حمدًا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك، يا من لا تُظلَم عندك نفس، ولا يضيع عندك حق… الحمد لك يا رب على عدلك الذي لا يُخطئ، وعلى أخذك لي حقي ممن ظلمني دون أن ألوث يدي بالانتقام.
الحمد لك لأنك نصرتني حين ظننت أني منسيّ. يا رب… شفق وتيم عندك فارحمهما برحمتك الواسعة اللهم اجعل لهم نورًا في قبورهم وسَعةً في منازلهم وطمأنينة في قلوبهم، كما طُمأن قلبي اليوم.
يا رب… ما أردت يومًا إلا سلامًا، فأنزل على قلبي السكينة بعد هذا الألم، واغسل بجميل فضلك ما علق من الحقد، وعلّمني أن العدل بيدك وحدك، وأن الخير لا يأتي إلا منك.
يا ربي لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا… لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين. يا ربي كنت معي عندما هُجرت من الجميع، فلك الحمد… فثبّتني على شكر نعمتك ما حييت."
أغمض عينيه ودموعه تنهمر وهو يؤمّن على دعائه. جلس في مكانه يستغفر ويذكر ربه إلى أذان الفجر، فصلى وذهب ونام بجانب تيم وهِبَة.
مرّ يومان، تحسنت حالة سهى بفضل اهتمام سديم ووقوفه بجانبها دائمًا.
جلسا في الصالون يشربان الشاي، وبجانبهما فردوس تلعب.
كانت سهى شاردة و كأنها تفكر و فجأة قالت وهي تنظر لكأس الشاي "متى سينفَّذ الحكم؟"
وضع سديم كأسه وقال
"سيتأخر… فحكم مثل هذا لا يُنفّذ بسرعة، هناك الكثير من الإجراءات."
أومأت برأسها وهي تضع كأسها، ثم حملت فردوس و هي تحدّثتها وتلاعبها.
وقفت وقالت "سأصعد لأغيّر ملابس فردوس."
تحركت ثم توقفت متسألة
"سديم… ألم تتصل بكريم؟"
"بلى، اتصلت به واطمأننت عليه." قالها سديم.
"إذا كنت تريد أن تذهب إليه… اذهب. أنا بخير، لا تقلق علي." قالتها سهى بنبرة هادئة مطمئنة.
وقف سديم، أخذ فردوس منها وقال بابتسامة حنونة
"سأذهب غدًا إن شاء الله… أما اليوم فهو لأميرتي." قبّل فردوس وأمسك بيد سهى وصعدا.
في بيت المزرعة…
كانت الأجواء جميلة وفرِحة.
جميعهم في الحديقة: عمر، يوسف، و عائلة كريم.
كان كريم و يوسف يشوون الكباب، بينما عمر يحمل تيم الذي كان يريد أن يساعد كريم، فرفض كريم بلطف خوفا عليه ، فعَبَس تيم، ليضحك الجميع.
بعد أن جلسوا، اقترب كريم من تيم و داعب أنفه بلطف
"لماذا أنت عابس هكذا؟"
ضيّق تيم عينيه وقال
"لأنك لم تسمح لي بالشواء معك."
أخذه كريم وجلسه في حضنه
"سأجعلك أنت تشوي معي المرة القادمة… ما رأيك؟"
تحفّز تيم وابتسم وهو يهز رأسه
"أنا موافق!"
ضحكت هِبَة ونسيبة.
ليكمل كريم "ولكن… لتكبر قليلًا."
ضحك يوسف وقال
"لكن هذا غِش يا صديقي."
التفت تيم لكريم وقال بنبرة غاضبة "أنا كبير! لم أعد صغير!"
نغز عمر يوسف بخفّة، فتوجع يوسف وأمسك ذراعه بحركة سريعة متألما . فسكت الجميع و هم ينظرون ليوسف بقلق.
قال كريم بقلق
"يوسف، هل أنت مصاب؟ في ذلك اليوم رأيت أن يدك كانت…"
التفت يوسف نحو عمر بضجر وقال
"نعم، أصبت… لكنه جرح بسيط."
ضحك عمر وقال بمكر
"نعم جرح بسيط… ولهذا نراك تذهب للمشفى كل يوم."
كتمت هبة ضحكتها، بينما نسيبة كانت تنظر لهما بسعادة.
رفع كريم حاجبه وهو ينظر ليوسف بمكر و ابتسامة .
حك يوسف ذقنه بارتبك واضح وهو يهمس بكلمات غير مسموعة.
ضحك عمر وقال وهو يلتفت ليوسف "أنا جعت… هيا لنبدأ."
بدأ الجميع بالأكل. بعدها ذهبت هبة ونسيبة وتيم للداخل، بينما بقي الشباب يتحدثون.
كان الثلاثة يتجنبون الخوض في موضوع المحكمة وهيثم، فتحدثوا عن كل شيء إلا ذلك. فقط كي لا يقتربوا من ذلك الشيء الذي يحرق صدر كريم .
سكتوا قليلًا، ثم قال كريم موجّهًا كلامه لعمر بضحكة مكتومة
"إذا… ما قصة الذهاب للمشفى؟"
تحفّز يوسف ونظر لعمر نظرة تحذير واضحة.
رفع عمر كتفيه وقال بنبرة مشاكسة ضاحكة "صديقنا وقع… مع الأسف."
ابتسم كريم "ماذا؟ كيف؟ أخبرني!"
"سأخبرك… لكن سيخبرنا أولًا عمر."
قالها يوسف بنبرة ماكرة و هو ينظر لعمر.
"لماذا أخبرك؟" قالها عمر بلا مبالاة وهو يشرب الماء.
"ستخبرنا عن لارا. ما رايك؟ "
قالها يوسف بابتسامة نصر و هو يريح ظهره و على وجهه ابتسامة ماكرة.
وما إن سمع عمر الاسم… حتى شَرَق بالماء وبدأ يسعل.
أسرع كريم يربّت على ظهره
"ما الذي يحدث؟ لا تتحدثا بالألغاز… أخبروني!" قالها و هو يكتم ضحكته.
"يوسف!" قالها عمر بنبرة تحذير واضحة.
"أنت من بدأت يا صديقي." قالها يوسف ضاحكًا.
جلس كريم وقال بنفاد صبر
"أستظلان هكذا؟ قولوا ما لديكم."
تنفس يوسف بارتباك، ثم قال وهو يحك ذقنه بحرَج
"كل شيء حدث فجأة… لم أعلم متى أصبحت— أقصد… أصبحنا…"
صمت ثم قال فجأة
"لقد قررت الزواج و—"
"ماذاا؟" قالها عمر بدهشة .
بينما كريم كان ينظر بابتسامة هادئة.
"كيف التقيت بها؟" قالها كريم بنبرة هادئة .
ابتسم يوسف وبدأ يحكي
"في تلك الفترة… بعد القبض على هيثم… استلمت ملف قضية أخرى. يومها وصل بلاغ عن مكان المجرم، فذهبنا فورًا، وحصل اشتباك… وأُصبت. قبضنا عليه وعلى عصابته… وكانت هي مع فريق المسعفين." لمعت عيناه عند ذكرها و ابتسم .
نغزه عمر ضاحكاً
"ما بك؟ توقفت؟ هيا أكمل!"
ابتسم يوسف
"وكان من حسن حظي أنها هي من عالج جرحي… ومن هنا بدأ كل شيء. لا أدري… ألمستْ ذراعي أم قلبي في ذلك اليوم؟"
أما نسيبة وهِبَة فكانتا تراقبانهم من النافذة.
قالت نسيبة
"انظري لهم… ولسعادتهم… ليحفظ الله ابتسامتهم وصداقتهم."
كانت أعين هِبَة على كريم الذي كان سعيدًا من قلبه.
قالت: "آمين…" بهمس محب.
"يبدو أنهم سيسهرون… لنذهب وننام. تيم لم يتحمل ونام."
قالتها نسيبة بابتسامة حانية.
أومأت هبة، حملت تيم، وذهبت لغرفتها.
كان عمر وكريم يستمعان ليوسف، وما إن أنهى جملته الأخيرة…
حتى انفجر عمر ضاحكًا
"صديقنا صار شاعر… و نحن لا ندري!"
التفت إليه يوسف و ضيق عيناه بضجر ، قال كريم بهدوء وجدية
"أنت متأكد من مشاعرك يا يوسف؟ قرار الزواج مصيري… فكّر جيدًا ولا تتسرع."
وضع عمر يده على كتف يوسف وقال بثقة
"أنا أثق بصديقي وباختياره. ويوسف ليس من النوع الذي يتهوّر… كلنا نعرف إنه عاقل و ناضج."
"نعم… بالطبع فكرت. واستخرت ربي… ووجدت راحة في صدري. لهذا قررت أن أُفاتحها قريبًا."
قالها يوسف.
ابتسم كريم
"ليكتب الله لك الخير والسعادة."
وأمّن الثلاثة.
بعد ساعة، استأذن عمر ويوسف وغادرا. ودّعهما كريم، ثم ذهب لغرفته ونام بجانب هِبَة وتيم.
في صباح اليوم التالي…
بعد أن اطمأن سديم على سهى وأنها أصبحت أفضل، ذهب إلى الشركة لينهي أعمالًا تحتاج توقيعه.
توقع أن ينتهي سريعًا… لكن العمل طال حتى بعد الظهر.
نظر إلى ساعته وهو يتذكر وعده لكريم بأن يزورهم اليوم.
أنهى ما بيده على عجَل، و ذهب إلى بيت المزرعة.
كان كريم يلاعب تيم في الحديقة، بينما هبة كانت قادمة وبيدها صينية فيها بعض الكيك والشاي.
"لنستريح قليلًا و نأكل، وبعدها نكمل" قالها كريم وهو يتقدّم ليجلس بجانب هبة ويتناول قطعة من الكيك، بينما تيم أخذ كرته وجلس بجانب كريم.
أعطته هبة كأس ماء ليشربه، ثم قام بعدها ليلعب بكرته.
أتت نسيبة و قاطعتهما قائلة "بني، أتى أخاك سديم."
وضع كريم كأسه و وقف ليذهب ليستقبله. تحدثت هبة وقالت "سآخذ تيم ونذهب إلى الداخل، يمكنكم التحدث براحتكما هنا."
أومأ كريم لها وذهب.
بينما هي اقتربت من تيم وقالت "تيم، يكفي لعبًا. هيا لأغيّر لك ملابسك."
تذمّر تيم و رفض، لكنها اقتربت وحملته قائلة "ما رأيك أن نرسم أو نقرأ قصة؟"
ابتسم تيم وقال وهو يحتضن أمه بفرح "لنرسم."
كان سديم جالسًا في الصالون وهو ينظر للمكان بحنين .
أتى كريم فلاحظ نظراته ليقول بابتسامة هادئة وهو يقترب "يبدو أنك تذكرت شيئًا."
وقف سديم ونظر لكريم مطولًا و كأنه يتفحص ملامحه فقال "كريم… أنت بخير؟"
فأومأ له كريم، ليتقدّم منه سديم ويحتضنه وهو يربّت على ظهره.
تردد كريم قليلًا، لكنه رفع ذراعيه واحتضن أخاه بقوة، وأغمض عيناه وهو يزفر براحة .
أبعده سديم بلطف وقال بابتسامة وهو ينظر للمكان "كنا في الصيف دائمًا نأتي إلى هنا، وكنت أنا وأمي نهتم بالحديقة و…"
صمت قليلًا وهو يجلس.
جلس كريم وهو يستمع له.
"كانت أفضل أيامي أقضيها هنا عندما نأتي أنا وأمي… كنا نضحك ونلعب بحرية." كان سديم يتحدث وصوته يختنق بالشوق لامه و الحنين لذكرياتهما.
بينما كريم قال بغصة "أما أنا فلا أتذكر أشياء كثيرة عنها أو عن هذا المكان… فقط بعض المشاهد غير الواضحة."
أنزل سديم رأسه بحزن.
فقام كريم وهو يمسح وجهه قائلًا "الجو جميل في الخارج… لنتحدث في الحديقة." أومأ سديم.
ذهبا وجلسا بصمت، ليقطع الصمت صوت سديم
"ماذا شعرت بعد الحكم عليه؟"
التفت له كريم مطولًا وهو يحاول أن يترجم شعوره فقال
"أأ..… أمل ضعيف في القدرة على تخطي ألم الفراق، أمل كاذب بأن أستطيع استكمال الحياة بدونهم."
صمت قليلًا ثم قال
"ولكن… أتعلم يا سديم؟ شعرت ببعض الراحة… أن من أخذ مني شفق وتيم وحياتي، ستُؤخذ منه حياته، ولن يتنفس معنا نفس الهواء في الوقت الذي حرمني فيه منهما."
كان سديم يستمع له بتأثر و عيون دامعه .
أكمل كريم
"هذا عقابه في الدنيا… ولكن هناك حساب آخر. حساب أمام الله… وهذا ما يجعلني صابرًا."
أتت نسيبة وبيدها صينية فيها عصير و بعض الفطائر.
ربت سديم على يد كريم، فأومأ له كريم وشكر نسيبة فأبتسمت لهما و ذهبت .
ساد الصمت بينهم قليلًا، ليقول سديم "كريم… ماذا ستفعل الآن؟"
فكّر كريم قليلًا ليقول
"لم يكن لدي الوقت لأفكر بما سأفعل… ولكن ما أعلمه هو أنه يجب علي أن أجد بيتًا."
"تجد بيتًا؟! ألا تنوي العودة لبيت أبانا؟" قالها سديم بنبرة متسألة حذرة.
استقام كريم بجلسته وهو ينظر ليديه قائلًا
"لا… لا أريد العودة لذلك البيت. فيه الكثير من الذكريات… وفيه الكثير من الأشياء التي أريد أن أنساها."
فهم سديم ما يقصده كريم فقال
"ولكنك ستعود للشركة… وستأخذ كل حقوقك فيها."
أخرج سديم ملفًا وأعطاه لكريم قائلًا
"في هذا الملف حصتك من الشركة، والأملاك، ورصيدك و…"
وضع كريم الملف وقاطع سديم قائلًا
"سديم… أنا لا أريد مالًا ولا أريد…"
فقاطعه سديم قائلًا بحزم
"هذا حقك أنت. أعترف لقد أخطأت، وحرمتك، وسلبت حقك… ولكن الآن أنا أعيد الحق لصاحبه. حسناً… أنت لا تريده، ولكن فكر بعائلتك أولًا."
نظر كريم لنافذة المطبخ فلمحها، فتلاقت عيناهما فابتسم ابتسامة خفيفة وهو يفكر بكلام سديم، فطال صمته.
"غدًا سأتصل بك… وسنذهب لنبحث عن بيت مناسب. لا أريد اعتراض."
وقف سديم وقال كلماته بثبات.
التفت كريم إليه بعدم فهم، ليقف هو الآخر.
ابتسم سديم وقال
"اسمَع كلام أخاك الأكبر… لا أريد اعتراض. أحضر هبة وتيم أيضًا."
رفع كريم حاجبه وقال بتسأل
"لم أفهم؟ أتخبرني أم تأمرني؟!" قالها و على وجهه ابتسامة
ضحك سديم وقال ابتسامة مشاكسة
"الاثنين معًا."
ثم أكمل بجدية
"مرّ على الشركة في أقرب وقت… هناك عدة أوراق عليك رؤيتها وتوقيعها."
أومأ كريم، فاستأذن سديم ليودّعه ويذهب.
طرق كريم باب غرفته ليدخل، ليأتيه صوت تيم الضاحك وهو يقفز على السرير ويقول
"بابا، انظر لرسمتي!"
جلس كريم وتربّع بجانبهما وهو يرى رسمة تيم ويبتسم. فالتفت لهبة وقال باسماً لتيم "أرسمت عائلتنا؟ "
تعلّقت عيناها به عندما سمعت منه “عائلتنا”، وابتسمت ابتسامة بسعادة
بعثر كريم شعر تيم وقال بنبرة ضاحكة
"إذًا… أتريد أن تكون رسّامًا عندما تكبر؟"
تحدّث تيم وقال بثقة "سأصبح دكتور."
ابتسمت هبة وقالت: "ألم تقل أمس أنك ستصبح طيّار؟ والآن دكتور؟"
رد تيم بحماس طفولي
"سأصبح دكتور… سأعالج الجميع… لن أدع أحد يمرض."
احتضنه كريم وقبّله وهو يقول
"بطلي ذو القلب الكبير."
صمت كريم قليلًا، ثم نظر لهبة قائلًا "هناك ما أريد أن أخبرك به."
اقتربت منهما وهي تخبره أن يتحدث، فقال كريم
" هبة..... تعلمين أن بيتنا احترق و ... " أنزل راسه و صمت قليلا فكان يحارب غصّته وصوته الذي يختنق، لكنه أكمل وهو ينظر في عينيها بنبرة ممتلئة رجاء "لنبدأ من جديد… من الصفر… حياة جديدة وفصل جديد."
دمعت عيناها و أومئت برأسها ، فأمسك كريم بكفّها وأكمل "إن شاء الله… ستكون أيامنا القادمة أجمل… وستزورنا السعادة مرة أخرى ، لنخطوا خطوتنا الاولى و نبدأء ..."
"إن شاء الله… سيفرح الله قلوبنا ويطمئنها." قالتها بنبرة مهتزة وفرِحة.
ابتسم لها وقال " إذا ما رأيكما أن نذهب غدًا لنرى بعض البيوت؟"
تحدّث تيم بحماس "لنذهب! أنا موافق!"
نظر كريم لهبة التي كانت تفكّر، وقال بنبرة مشاكسة بلطف
"لازلنا لم نحصل على الموافقة بعد."
"ولكن كريم… كيف نبحث عن بيت… وحالتنا الم…" قالتها هبة بنبرة قلق خفيف.
لكن كريم طمأنها وقال "لا تقلقي سأحلّها أنا."
"كيف؟ أخبرني لأعرف." قالتها هبة بنبرة كاستجواب شرطة ، لاحظت نبرتها فأحرجت و ارجعت شعرها للخلف بخجل.
ابتسم كريم من حالتها، وأخبرها باختصار بما دار بينه وبين سديم.
فأومأت بتفهّم…
يتبع……
