recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل العاشر

 خيط من حرير 

الفصل العاشر 

بقلم سميحه رجب ♥️ 



كيف يكون الإنسان مليئًا بالأحلام، ثم فجأة يصبح قلبه مقبرة؟ 

كيف لكل تلك الأحلام أن تختفي فجأة وبدون أي سابق إنذار؟ 

أين ذهب كل شئ؟ 


________


"سعيًا مع محاولة جديدة سرت ولم أكترث للنتيجة، أو بالأحرى قلب الأم النابض بصدرى قرر أن ينحى كل شئ جانبًا حتى أجد حبيبى الغائب أولا، لا يهمنى ما ستؤول إليه محاولاتي فالمحاولة فى كل الأحوال شرف يدفن فى باطنه نيران العنفوان، لم أحسب الخطوات التي كلت أقدامي من تقصيها ولكننى لن أضيع هذه الفرصة من يدى فلربما تحمل فى باطنها جنينًا من الأمل، ولأجل تلك الفرصة سأحاول دون كلل حتى وان تعبت الأيام فأنا لن أتعب".


بعد ساعات طوال وصل القطار أخيرا إلى وجهتها، خطت خطواتها خارجه بتثاقل غريب، هذه مدينتها وهذا هوائها وهذه محطة القطار الخاصة بها، كيف أضحى كل هذا غريبًا عليها؟ 

أم هل تراها سلكت القطار الخاطئ هذه المرة؟ 

ولكنها لم تستسلم لهذه التساؤلات واكملت طريقها ولسانها طوال الطريق يلهج بالدعاء: 

" اللهم إنى أمتك الضعيفة؛ أسألك يا كريم أن ترفق بقلبى وتهون من امتحان أمومتى فلقد شق على وصعبت الإجابات حتى أضحيت هشة ضعيفة لربما أتطاير مع أول هبة ريح، أعد إلىَّ صغيرى فهو نبض قلبى وضياء عيونى ودونه لا صبر لى على الدنيا" 


وبعد قليل من الوقت وصلت إلى وجهتها المقصودة، وقفت أمام البيت تلتقط أنفاسها بعد الطريق الشاق الذي سلكته، لقد ساقتها أمومتها من الصعيد إلى الشمال دون تفكير، لا تعرف كيف ستكون ردة فعل الصغار إذا استيقظوا ولم يجدوها، ولا تعلم ما سيصدر من خالد إذا أدرك هروبها؟ 

أخذت نفسًا عميقًا واستجمعت شتاتها قائلة: 

جئت إلى هنا لعلنى أجد صغيرى، ولكنني لن اتخلى عن ثلاثتهم أيضا، أنا أم لأربعة أطفال وسأحميهم جميعًا لا فرق بين أنس وبينهم ولكنني لا أستطيع الثبات دونه أو دون أحد الثلاثة، سأعود وأشرح له السبب ولولا أنه حرمني الخروج لما خرجت دون اخباره ولكن ذاك المفقود … انه ابنى. 


تحركت لتصعد البيت بخطواتها الثابتة رغم تثاقلها وبملامحها الجامدة رغم انهيارها الداخلى، طرقت الباب مرتين برفق معاكس لاحتراق روحها، ومع الثالثة انفتح الباب لتنصدم صاحبة البيت من رؤيتها هاتفة بإندهاش: 

زهرة؟ هل… 


تحركت تخطو خطوتين نحو الداخل لتجلس أمامها لتسألها مباشرة: 

أين أنس؟ 


زاغت الأخرى ببصرها حيرة ثم أردفت: 

آخر ما علمته انك ستطلقين من كرم، وبعدها لم يصلني شئ عنكما ولا عن أنس... ثم أكملت بذعر: 

أين الولد هل أضعته وسط مشاكلكم؟ 


زفرت الأخرى بحنق وقالت برجاء: 

أرجوك يا سعاد أخبريني الحقيقة إن كنت تعلمين شيئا عن ابنى، كرم يحبك ولك مكانة معلومة عنده وإن سألته لربما يخبرك بمكانه، لقد تطلقنا وخطفه منى. 


اقتربت منها وبدأت تسرد عليها ما يدور بخاطرها فى تلك اللحظة: 

انظري يا زهرة، تعلمين غلاوتك عندى ومشاكلك مع كرم لم تغير من محبتك ولكن صدمتي من كرم كبيرة، فيستحيل أن أنسى اليوم الذي لجأت إليه لأجده يعاملك بنفس القسوة التى يعاملني بها زوجى، فكرة أن ما يحدث معى هو عقابا من الله لكرم جعلتنى أمتلئ بالحقد عليه وعلى زوجي وعلى نفسى، منذ عامين وأكثر وأنا مقاطعة إياه لا أريده أخًا لى، تبرأت منه حين علمت بطبيعة عمله، انا مثلك يا زهرة أنثى مكلومة لا حول لى ولا قوة، إن كان أخذ أنس فلن أستطيع مساعدتك، لقد عجزت عن مساعدة نفسي وأعيش بهذا البيت الذي تهدم قبل أن يُبنى وأنا أنتظر أن يدخل بأى لحظة مع زوجته الثانية، أنا لست قوية مثلك فلا تنتظرى مساعدتى. 


بنظراتها الثابتة أكملت ودموعها الكامنة بجوفها أجبرتها حبيسة بعينيها، أبت أن تبكى لتزيد حزنها وضعفها بل اكملت حديثها بنفاذ صبر: 

لماذا لا تطلقين منه وترتاحين من هذا العناء؟ 


أجابتها بدموع ساخرة: 

وإلى أين أذهب؟ إلى اخى الذى لا يفرق عنه بل يتفوق عليه بـالخسة والحقارة؟ 


أومأت برأسها مردفة بضيق: 

معك حق فإن كان زوجك تزوج بأخرى، فكرم قد وصلت به ليجلب العاهرات لبيتى.. 


تنهدت بضيق ونهضت مقررة الذهاب بعد أن فهمت أنها لن تتمكن من مساعدتها، لتلحقها الأخرى قائلة برجاء: 

أرجوكِ لا تغضبى ولا تحملى بقلبك منى، ما بيدى أى حيلة للوقوف لا أمام أخى ولا أمام زوجى. 


احتضنت يدها بين كفيها وحاولت رسم ابتسامة بسيطة هاتفة بتفهم: 

اتفهمك جيدا لأنني كنت بموضعك بيوم من الايام، ما فعله هؤلاء الرجال بنا يهد الكيان ويكبل الايدى، بيوم من الايام كنت عاجزة عن مساعدة نفسي ومساعدة غيري، ولكن الحمد لله مرت تلك الأيام وستمر هذه أيضا ويعود ابنى لحضني و يهدي الله زوجك…. والآن اتركك بأمانة الله. 


خرجت من البيت تاركة الأخرى حاقدة على أخيها وزوجها وعلى نفسها العاجزة التي جبنت من مساعدة أم لاستعادة صغيرها، أما الأخرى فخرجت حاملة ثقلها الذى دخلت به، تجر أذيال الخيبة مجددا، لقد تأملت ولكن اتضح أنها أخطأت القرار، هى ضعيفة وسعاد كذلك ويبدو أن السبيل لعودته هو الصبر والانتظار فحسب… 


خرجت مشوشة ،متعبة لا تعى ما يتوجب عليها فعله، ظنت للحظة انها دوائها لتكتشف انها اضعف منها، تائهة مكلومة تشعر ان أعضائها اوشكت على اقتلاع قلبها و القاءه بعيدا حيث لا يراه سوى الموت انها بائسة إلى الحد الذي يجعلها تخشى أن تنظر أمامها، تسير بخطواتها المتثاقلة وكأنها ملقاة بين عظامٍ اشخاصاً كانت يوما معها وحولها، انسحبت هي وهزيمتها النكراء التي ما جربت مثلها قبلا، انسحبت بخذلانها وكم آلمتها تلك الحقيقة أنها أصبحت دون صغيرها منسية. 


وقفت عند عتبة ذاك البيت بعيدا كل البعد عن عتبة الطمأنينة، مشت خطوات متثاقلة لا تعرف إلى أين تتجه فالطريق طال وطال على غير عادته، غريبة في شارع مألوف، خطوات فقط ولم تستطع بعد فوقفت تطالع كل الوجوه، لم غدت كلها غريبة؟ لم الأصابع كلها تشير إليها بأنها تلك التي أضاعت ابنها؟ بداخلها شيء ينزف كوداع بارد جاء على حين غرة، حاولت أن تأخذ نفسا لكن أوجعتها كل أضلعها فغصت ووضعت يدها على صدرها وكتمت دمعها كمرات كثيرا، عاد ذلك الصوت يهمس لها بلا انقطاع مرددا بقسوة " أنس ضاع بلا رجعة وعدت خاوية الوفاض"، تألمت ثم بضيق رددت:

أعني يارب فهذا فوق سعتي.


قاطعها صوته الصدح ثم اقترب مندفعا نحوها، ليمسك بذراعها فشهقت بذعر و امتعضت ملامحها، التفتت إليه فزعة وطالعته بعيون متسعة ولم تستطع أن تنطق بشيء، أتراه سيراعي ألمها ويحسن


ليقول بحزم:

اركبي السيارة.


تحركت نحو السيارة وركبت بصمت وجلست على ذاك الحال فركب هو أيضا ونظر إليها برهة ثم حرك مقود سيارته وانطلق مسرعا، لحظات فقط من هدوئه وتحدث قائلا:

هل أنت مدركة ما فعلت؟ ألم أعلمك منذ عرفتك أن أطفالي خط أحمر؟ حسنا أعرف أنك تتألمين لكن كيف هانوا عليك وأنت أمهم؟ لقد وثقت ووثقوا بك، ألا تعرفين قدر ثقة طفل؟ ماذا فرقت عن نورسين؟


قطرة وأفاضت كأس بؤسها ولم تنتظر أكثر فانفجرت قائلة بالم وبكاء:

هل تظنون أني صنعت من حجر فقط لأنني أعرف كيف أخفي ألمي؟ هل قسوت عليكم لهذه الدرجة حتى ألاقي منكم كل هذه القسوة؟


سكتت برهة وبكت بغصة، صرخات مكتومة وآهات ملكومة فطالعها دهشا ولم ينطق ببنت كلمة، كيف ينطق وتلك تخرج صرخات أم، ثم ضربت على صدرها بألم وأضافت بصوت خفيض:

هنا مضغة، عضلة تجمعت فيها كل الأحاسيس مثلكم تماما، يحق لك أن تخاف على أطفالك وهم حولك، أما أنا فابني ضاع، ابني ضاع مني ويجب علي أن أفكر فقط بمن حولي وكيف أخفف عنهم حزنهم، إن لم تكن تعي يا سيد خالد فأنا أموت ببطء، يا عزائي لفؤادي وعجزه وأحسن الله عزائي


كيف استطاعت أن تؤثر به من دون كل النساء؟ كيف على الغير العادة يتألم لألم أم؟ لربما لأنه لاقاها فيها تلك العاطفة حتى الأعماق فهو عاشر أمه ولم يأخذ منها إلا الحسرة وعاشر زوجة لاتعرف للأمومة معنى ولا للحب عنوانا،  لأول مرة ينهزم خالد ويصمت مرغما فتركها لصراخها تعيش ألمها، ولكن لم يتمكن من الوقوف هكذا تاركًا وحش حزنها يدمر ثباتها، فاقترب ليربط على كتفها ضاما إياها بحنان هاتفًا:

سأعيده اقسم لك، لا تدمري نفسك وتدفنيها بوعاء الحسرة، مهما بحثت عنه فلن تجدينه يجب أن نتريث رجالى خلف كرم هناك يرصدون كل تحركاته، كل نفس يتنفسه أعلم به قبل خروجه في الوقت المناسب ستجدين ابنك أمامك، ولكن هناك أربعة أشخاص بحاجتك مثل أنس، أنت لست طبيبتى النفسية فحسب بل انت زوجتى وسكينتي التى لم أشعر بها سوى معك، أنت بنظرى أم أولادى الثلاثة فكيف تريدين أن أتركك تذهبين؟ وكيف تفكرين بالذهاب وحدك دوننا، نحن ينقصنا أنس وتكتمل عائلتنا القوية بفضلك..  


ظل هكذا يتحدث ويتحدث وهى مستسلمة لوهنها متشبثة بأول ضمة صادقة تظفر بها، وكأنه بدد خوفها وهزم حزن السنين حينما بادل فعلتها بتفهمه لإحساس أمومتها المجروح، رغم أنها لاذت بالأمان اخيرًا بعد سنوات عجاف من إهدار كرامتها بالضرب والذل على يد رجل والآن رجل آخر استطاع بفطنته أن يطمئنها أن القادم سيكون افضل ما دام جوارها من يساندها ويدعمها فى طريقها المظلم الصعب، لم تكن مجرد ضمة بل كانت عناقا لسنينهما العجاف معًا، ابتعدت قليلا وأخذت تجول بنظرها بالمكان حولهم لتتنهد براحة قائلة: 

لحسن الحظ أن الشارع خاليًا من المارة وإلا لعلقونا على بابه.


ابتسم ليمسك يدها: 

رجل وزوجته لا دخل لأحد. 


بعد مرور ساعات ومع حلول الليل وصلا إلى بيته الموجود بالقاهرة، أوقف السيارة لينظر للبيت وحين وجد الانارة مشتعلة أردف باطمئنان: 

ها هم قد وصلوا، هيا بنا وحاولى ألا تشعريهم بشئ حتى لا يتجدد حزنهم من جديد، وإن أردت التحدث مع أحد فأنا موجود لا تترددين. 


أومأت بالإيجاب لتتنفس بعمق تستجمع شتاتها قبل أن تلتقى بهم ثم قالت:

لقد أمنت ابنى لديك وسأصبر مع أبنائى الثلاثة حتى تعيده. 


ابتسم ليطمئنها وهز رأسه ليرد:

وعدتك ووعد خالد مهران دين عليه، أنت أكثر من يعلم طباعى صحيح هناك الكثير لم تعلميه بعد ولكن تعرفين اننى لا أخلف وعدى، وأنا وعدتك أن أبنائنا الأربعة سيجتمعون تحت ظلنا قريبًا. 


بادلته الابتسامة وتنهدت باطمئنان لتتحرك صاعدة خلفه متلهفة للقائهم فيبدو أنها اشتاقت وضاق صدرها بالساعات التي فارقتهم فيها، فتح خالد الباب ودلفا على مهل ليجد ملك تقف خلف الباب وكأنها تنتظره، تحرك نحوها مبتسمًا ليصدم بها تركض نحو زهرة تعانقها بلهفة قائلة: 

كنت متأكدة أن بابا لم يكذب علينا، وانك لن تتركينا وتذهبين. 


بادلتها العناق مقبلة كل إنش بخديها ومن ثم شعرها قائلة بنبرة حانية: 

وهل أستطيع الثبات دونكم حتى أذهب هكذا؟ أنا وعدتك من قبل وها أنا أجدد وعدى  يستحيل أن اتخلى عنكم يا صغاري الأعزاء. 


اقترب أحمد حاملا أخاه بين يديه بحذر قائلا: 

للحظة كنت سأصدق انك ذهبت.. 


اقتربت منه لتأخذ الصغير منه وتحركت نحو أقرب اريكة لتجلس وسطهم تضمهم إليها حينًا وتقبلهم حينًا آخر، وهم فرحين كأنهم عصفوران صغيران يقفزان بالعش حول أمهم بمرح وسكينة، أما نوح فكان له نصيب الأسد من الاشتياق واللهفة حينما فتح عينيه ليجد نفسه بحضنها ليتحرك دافنًا نفسه بين ذراعيها ضاحكًا بصوت عالٍ مرددًا: 

ماما .. ماما. 


تقدم خالد نحوهم ليجلس جوار صغيرته قائلا: 

يبدو أنه لم يعد لى داعٍ هنا، بما ان زهرة حضرت فلأذهب أنا إذًا. 


مالت الصغيرة عليه تتعلق برقبته مقبلة خده برفق معاكسة إياه: 

أنت حبيبي وهى زهرتي لا يجوز الغيرة بابا. 


ليعقبها صوت ضحكاتها الجميلة المتناغمة حينما مد يده يداعبها ويدغدغها ببطنها، وكأنها تحمل الشمس بطيات ضحكاتها لتدفء داخلهم، كُل ما في هذه الدُنيا لا يساوي شيئًا عند خالد أمام الطمأنينة التى تبعثها صغيرته، ولا السكينة التى تطغى بعد أثر ابتسامتها فتلمس شيئا خفيا داخله لا يمكن لأحد سوى صغاره بلمسه، ظلت تترجاه حتى تركها ليجذبها لحضنه مقبلا جبينها ثم انحنى نحو نوح قائلا بتذمر: 

كان الأجدر أن تناديني أنا أولا ولكن يبدو أنني سأعلن العصيان عليكم قريبا يا أولاد مهران. 


ابتسمت زهرة لتضيف بنظرة ماكرة:

والله الحق يقال ونحن أهله طبعًا فاللسان يتفوه بما في القلب، ونوح حبيبي يحبني اكثر. 



فرق عن شفتيه ليبتسم ابتسامة سمجة هاتفا:

ولكن هذا ظلم يعنى معى منذ ما يقارب العامين وقضى معك شهر فقط فكيف يحبك اكثر، ابنى سيكبر ويتضح أنه يحب أباه أكثر. 


نهض أحمد لينحنى ملاعبًا أخاه قائلا: 

لا أنتَ ولا أنتِ، نوح يحب أخاه أكثر من أي أحد. 


مد خالد يده ليلعب بشعره ضاحكًا: 

لا أسكت الله لك صوتًا يا غلام، اشتقنا لصوتك ومرحك فلا تحرمنا منه. 


ابتسم لوالده ثم لزهرة بامتنان لعودتها، وظلوا جميعًا هكذا على حالهم أسرة متناغمة لا صوت يعلو فيها على صوت الضحكات النابعة من أطفالهم كل حين، يمرر خالد نظره بينهم لا يصدق ان هذا بيته وهذه عائلته وان هذا الهدوء يسكنه وكأنها خلقت له عالما مغايرًا لما يخالط عالمه الخفى، عالمًا لا حقد فيه ولا غل تغمره المودة والرحمة والحنان والسكينة المفرطة، مضى الوقت سريعًا عليهم لتنهض زهرة وتنيم كلا بموضعه وظلت جوار نوح قليلا، تحادث نفسها بحزنها الذي جاهدت لتخفيه عنهم، أخذت تنطق بشئ ما تتحمله بجوفها لأنس وكأنه هو النائم بحضنها:

لم أكن أتمنى لك حياة شقية كهذه، لم أرد أن ترث عنى مخاوفى واضطراباتى ومتاعبى التى تثقل كاهلي، تمنيت أن أربيك بعيدا عن كوابيس امك ورائحة كأس أبيك، لم اتمنى ان تنشأ يوما بعيدا عنى باكيا مختنقا بهواء هذا العالم الملوث، كم تمنيت أن تبقى بحضنى دوما أنعشك كل حين حينما يصيبك هذا العالم بالأرق، هل تراك تبكى الآن من  الألم والجوع والعطش، هل تقابلت مع أمثال والدك الحمقى الذين يقومون بحشو رأسك بالهراء، تمنيت أن تحيا بكنفى لا تشاهد سوى تلفازي الذي لا يبث سوى الحقائق، لقد خططت لكل شيء فى سبيل ألا تأتى يوما وتسأل نفسك: 

  كيف سوَّلتْ لأمى نفسها أن تأتى بى إلى عالمٍ لا يُبالي بأحد. 


مرت تلك الليلة بعد يوم مرهق قضته من الأقصر حتى القاهرة منغمسة بما تعانيه وبحرقتها التى تكفي لإبادة كل ما يقربها نامت بحضن صغيرها الذى تمكن دونا عن الجميع أن يضمد جرحها النازف ويسكن ألمها بكلمة "ماما" يبدد الألم ويسلمها مقاليد الأمل من جديد. 


وفى الصباح استيقظت ياسمين وبدأت تتجهز لأجل الذهاب إلى العمل، لا تعطى اهتماما لرباب التى أتت على غفلة، دلفت الغرفة دون أن تطرق الباب قائلة: 

ما بك يا ياسمين يبدو أنه لا أهلا ولا مرحبا بى؟ 


أكملت ما تفعله أمام المرآة دون أن تنظر إليها مجيبة:

عادى يعنى هل تنتظرين أن افرش الأرض ورودا لأجلك؟ ماذا تنتظرين مني بعد؟ 


ابتسم الأخرى مضيفة بسخرية:

يبدو انك غاضبة بسبب زواجى من أدهم، ولكن… 


قاطعتها بحزم توقفها عند حدها: 

احفظى أدبك حين تتحدثين معى بعد اليوم، لا يهمني أمرك ولا حتى زوجك ولا أخيك فلتحترقوا جميعا، لم يعد يربطنا شئ سوى تلك المرأة التي أبكيتموها ليل نهار، لا أحد يشفع لكم عندى سواها، أما زوجك المصون فلو زحف على الأرض وتذلل أسفل قدمى لأنظر إليه فقط لما فعلت، وثأري وعاقبة طردي من المنطقة ستدفعونه ثلاثتكم ولا سيما من تسبب فى السرقة سيكون أمامي المسؤول عن قتل عمى عبد الله ولن اغض الطرف عن الانتقام منه، والآن عن اذنك يا ابنة أبى حتى لا أتأخر عن عملى. 


تركتها تتآكل بنيران حقدها تكاد تدمر ما يأتى أمامها، لو كان بإرادتها لخنقتها بعد ما قالته، لكنها تمالكت أعصابها حتى تنفذ ما جاءت لأجله، حين تأكدت من ذهابها أسرعت لتغلق الباب خلفها وبدأت تفتش بأرجاء الغرفة عن الملف الذى أخبرها أدهم عنه، بحثت بكل الأدراج واسفل الفراش وبين ثيابها ولكن لم تجده، لم تستسلم وأكملت التفتيش لتقع عينيها أعلى الدولاب فابتسمت بمكر وعكفت تبحث عن كرسى لتجد الكثير من الأوراق الموجودة هناك، بدأت تبحث بتركيز حتى وجدته أسفل حزمة أوراق أخذته لتخفيه بثيابها مسرعة واسرعت لتخرج قبل أن يكشف أمرها، دون الاهتمام ولا مراعاة لأختها ولا ما سيترتب على إختفاء هذا الملف الموجود بأمانتها.  


أما عند زهرة فلقد استيقظت مبكرا كعادتها لتصلى وتجهز الإفطار قبل استيقاظ أحد، ولكن على غير العادة وجدت خالد يخرج من غرفة مكتبه ليبتسم بمجرد رؤيتها قائلا: 

صباح الخير، ظننتك تنوين الهرب مجددا. 


ابتسمت واكملت تقطيع السلطة مردفة: 

لا أظن أن هذا سبب استيقاظك مبكرا. 


اقترب منها ليسرق قطعة خيار من أمامها مجيبا: 

لا يوجد سبب من الأساس، نمت بمجرد أن ارتميت على الفراش ولم أشعر بنفسى إلا بعد آذان الفجر. 


اومأت برأسها ثم سألته بترقب: 

وهل صليته؟ 


زاغت عيناه حرجًا من سؤالها وفكر فيما سيجيبها به ولكن قاطعه صوت هاتف غريب، فأسرع نحو المكتب قائلا: 

أنه هاتف كرم. 


أسرعت خلفه لترى إن كان قد توصل لشئ بخصوص أنس، وبالفعل قد كان، فلقد حلق كل الأمل عاليا بقلبها حينما سمعت صوت صغيرها مناديًا:

بابا أين أنت؟ لماذا تركتنى هنا وحدى تعال خذني فأنا لا أحب هذا الرجل. 


بلهفة تحدثت: 

أنس حبيبي انا ماما، لقد اشتقت اليك كثيرا أين أنت يا حبيبي اخبرني لآتي وأخذك. 


ولكن سرعان ما هرب الأمل مجددا حينما تبدل الصوت بصراخ رجل كبير: 

ماذا تفعل يا ولد؟ 


ليتبعها بغلق الهاتف مسرعا لتتحول لهفتها لنحيب لا ينقطع، تضم الهاتف لصدرها تتوسل خالد أن يسرع ويتصرف، تنادى انس بأعلى صوتها وكأنه سيسمعها ويأتى مستجيبا لندائها. 


انحنى نحوها محاولا أن يتحدث علها تهدأ ولكن كان صوت أنس وكأنه القشة التى قسمت ظهرها، لقد تيقنت الآن أنه مازال على قيد الحياة فازدادت إصرارا لتستعيده، أبت أن تفلت يدها عن الامل بعودته، كان صوته كما القنبلة الموقوتة التى أججت أمام خالد الجانب الضعيف من زهرة الجانب الشعوري من طبيبته، الجانب الذي طحنته معركة الحياة. 


حاول أن يأخذ الهاتف من يدها ليسرع ويرسل الرقم لأحد معارفه ليبحث له عن مكان صاحبه. 


استيقظ الصغار على صوتها ليركض الكبار نحوها مذعورين، وعلا صوت البكاء نحو فجأة، ليجد نفسه واقفا بين مختلط من  أصوات أعزائه يناظر من أصابهم الذعر ويسمع من طعنهم البكاء وكأن قوة كبلت يده على حين غرة فلا يعرف من سيواسى ومن سيطمئن، وازداد الأمر سوءا حينما زارهم صوت جديد ليصيبهم صوت الرصاص بالذعر اكثر، حيث عسكرت سيارتان امام البيت وتم تسليط الطلقات على الزجاج لتخترقه محطمة كل ما يقابلها، علا صوت بكاء الأطفال لتجذبهم زهرة تخبئهم خلف المكتب صارخة: 

ماذا يحدث يا خالد؟ من هؤلاء؟ 


انحنى نحوهم وحاول أن يطمئنهم قائلا: 

لن يحدث شئ لا تخافوا، وقبل جبين صغاره مكملا: 

سأحضر نوح حتى لا يتأذى وانت لا تتركيهم يا زهرة، ولا تتحركو من هنا حتى أعود. 


ليسحب مسدسه من درج المكتب وتسحب منحنيا للخارج محاولا تجنب الرصاص، ليتوجه نحو غرفة صغيره الذى زاد نحيبه وتحول لذعر حتى كاد ينقطع نفسه خوفا من هذا الصوت الصاخب حوله، كانت الرصاصة قاب قوسين او أدنى من خالد لولا أنه أسرع ليتخفى بفراش الصغير ليجذبه لحضنه، حاول ان يسكته ولكن لا سبيل لذلك، فحاول أن يعود مجددا ولكن الأمر أصبح أصعب فلقد ازداد الرصاص المنهمر على البيت غذارة، انحنى على بطنه محاولا الامساك بالصغير بإحكام حتى وصل لمكان بالصالة محمى بجدار ليضعه خلفه واسرع نحو المكتب ليحضرهم واحدا تلو الآخر، أسرعت زهرة لتحتضن ملك ونوح الذى سكت اخيرا وبدأ  يهدأ بحضنها، وبقيت خلف الجدار تنتظر خالد أن يعود باحمد، تأخر بالخروج من المكتب فلقد ازداد الرصاص الموجه نحو البيت ليستنتج أن آخرين انضمو لهم، إستطاع أن يمرر احمد عندها ليشهر سلاحه وبدأ ينظر للخارج محاولا أن يبادلهم الضربات عله يقضى عليهم، ولكن كان عددهم غفيرا مقارنة بقوته ومسدسه الوحيد، لتلاحقه رصاصة غادرة على غفلة منه وكأن قناصا من بعيد وجهها له، لتصدر بعدها صرخة زهرة التى كادت تصم الآذان من فرط رعبها، لينخفض صوت الرصاص ويبدأوا فى الانسحاب وحل السكون تاركا خالد غارقا بدمائه يناظر زهرة وأولاده بعيونه التى تجاهد ألا تنغلق، اسرعت زهرة نحوه لترفعه قليلا محاولة كتم جرحه تترجاه أن يصمد ولا يتركهم:

خالد رجاءا لا تستسلم، سأنقذك ولكن اصمد معى قليلا. 


 لتأتها إجابته التي أخرسها:

أولادى بأمانتك يا زهرة، هم أبنائك لا تتركيهم فلا أحد لهم بعدى غيرك، سينهشهم الجميع ويتمنون موتهم ويفرحون لضعفهم فلا تدعيهم دونك… 


ليصمت مغمضا عينيه مستسلما لإصابته وضعف أنفاسه بعد أن ترك أولاده في أمانتها، جحظت عيني زهرة التى كاد قلبها أن يقف من الصدمة، لم تستوعب ما حدث فجأة فأين كانا منذ قليل وأين أصبحا الآن، تناظره بخوف ولقد نسيت طبها وعلمها وإسعافاتها الأولية أمام اصابته، تناظر بكاء الصغار فهوى ثباتها فى حفرة عميقة مظلمة، ترتعد خوفًا وترتجف أوصالها خشية فقدانه، وحين استوعبت ما جرى أطلقت صرخة مرتجفة شقت صدرها نصفين: 

خاااااااااااالد. 


وأين خالد الآن من قطار الحياة، تناديه وتترجاه أن يصمد ولكن أين السبيل للصمود وجرحه غائر أمام عينيها، وكأن الحياة قد أقسمت ألا تقضى يومًا بهناء، دون فقد او خسارة من تحبهم، بالأمس شعرت بالأمان بحضنه ليفاجئها القدر اليوم بسحبه منها 

وكأن الأمان كثيرًا على زهرة! 

وكأن العائلة ليست من حق خالد! 

وكأن الخسارة دونت على جبين الأطفال! 


يا ترى ما مصير زهرة وأبنائها الأربعة بعد ما جرى لخالد؟ وهل ستنفذ وصيته أم أن حياتها ستخيرها بين طريقين مرة أخرى؟ أم أن الاختيار هذه المرة سيقع عبئًا على الصغار دون مراعاة ضعفهم أمام قسوة الأقدار؟ 


سنجيب على هذه الاسئلة بالفصول القادمة

google-playkhamsatmostaqltradent