خيط من حرير
الفصل الحادي عشر
بقلم سميحه رجب ♥️
يقولون فاتك القطار لكن في الحقيقة لا يفوت القطار احدا فربما القطار المار من المحطة عند الخامسة لم يكن وجهتي او لأننى اريد مقعدا في الدرجة الاولى بدلا من الثانية او لان العربات كانت مزدحمة مكتظة وانا لا أحب الزحام وربما لانني لا اريد ان يجاورني في المقعد شخص ليس من اختياري او لان الرحلة طويلة والتذاكر ذهاب بلا عودة. القطار لا يفوت احدا لكنه يدهس الكثيرين حين يتدافعون للحاق بهم. ثم يدركون وهم في جنازاتهم ان قطارهم الحقيقي ف الاتجاه المعاكس…
يجلس في غرفته بقلق شديد، ينتظر بفارغ الصبر ذاك الخبر الذى يحمل نتيجة مخططه، يسير في الغرفة باستمرار كل حين متحسسًا جوًا من القلق والتوتر، رغم ان الجو فى العموم يبدو هادئًا لكن جو كرم ملغم بالتوتر والقلق، ينظر إلى الهاتف باستمرار، يأمل في تلقي مكالمة أو رسالة تحمل الخبر اليقين بوفاة ابن الموت وانتهاء حكايته، يستهدف الهاتف باهتمام شديد حتى كاد ينكسر من قوة قبضته المتوترة،يومئ برأسه من حين لآخر في انتظار أنباء تؤكد إيجابية مخططاته، ولكن الدقائق تمر ببطء والثوانى تنقضي على مهل شديد فيبدو الزمن طويلاً جدًا بالنسبة له، يطوق لتلك الجملة التى سيسمعها فتعزله عن العالم مع لحظات الفرح والانتصار، وبنفس ظروف التوتر تجلس نورسين على طرف الكرسي الشمالي، تتحرك بشكل ميكانيكي تضرب كفيها ببعضهما كل حين حتى كادت تفقد الشعور بيدها بسبب التوتر، لقد ارتفعت نبضات قلبها منذ سماع الخبر بتحرك الهجوم المسلح ناحية البيت، تحاول التفكير في أي شيء آخر لتهدئة نفسها، لكن كل ما في فكرها الآن هو خالد وما سيحصل إذا نجا، ينتابها القلق والخوف من عدم الاستيعاب لما قد يحل بها إذا ما نجا خالد وادرك أن لهم يدًا بما أصابه، لا تستطيع الاستمرار في الجلوس ولا تستطيع الاسترخاء، فهى على شفا حفرة أن تنقلب حياتها رأسا على عقب، تحاول التركيز على النقاط المشرقة المتاحة لها للحفاظ على سلامتها العقلية، ولكن أيضًا لا تستطيع التوقف عن التفكير فيما سيحدث لو كانت النتيجة مغايرة لهدفهم.
ومع سماع صوت رنين الهاتف بيده انتفضت كل جوارحه ليجيب على الفور متمنيًا شيئًا ولكن فوجئ بنقيضه ليبلغه من بالطرف الآخر أنه:
لم يتضرر أحد سواه، وهو الآن بغرفة العمليات وعلى الأرجح سينجو منها.
نهرره موبخًا إياه ثم اتبع:
لن تنل منى بقية مالك الا إذا أنهيت امره، خالد مهران ان نجا منها سيقضي عليك قبل أن يلتفت إلىَّ.
أجابه الآخر قائلا:
باقى ما اتفقنا عليه سأناله وإلا أقضي عليك برصاصة واحدة بليلة مظلمة ولا يعلم مكان جثتك أحد، سأتركك تتعفن بالعراء، لقد أديت مهمتى وانتهى الأمر ينجو او يمت ليست وظيفتى، لن اجازف وادلف لداخل المشفى فرجاله يحيطون بكل جوانبها…
أنهى حديثه ليغلق بوجه كرم الذى ألقى هاتفه ليسقط متحطمًا من فرط غضبه، لينظر إلى نورسين التى تنتظر حديثه بترقب لتسأله:
نجا منها، صحيح؟
تملكها اليأس للظفر من جديد، واحتقنت ملامحها جاذبة خصلات شعرها بغضب مردفة:
لا بأس نصبر قليلا ثم نفكر بخطة جديدة وهذه المرة ستكون القاضية.
رغم ضيقه وغضبه وسخطه على حظه فى هذه اللحظة ولكن لفت انتباهه تلك التى تقف أمامه متجردة من أبسط معانى الإنسانية، تحولت نظرات غضبه لنظرات حيرة حتى أنه تناسي فشل مخططهم والخطر الذى يهددهم من ناحية خالد، فاقترب منها متسائلا:
حين خططنا للأمر تعجبت من عدم اعتراضك على الهجوم المسلح على بيته فى الصباح الباكر، قلت لنفسي ربما فى هذا الوقت يكون الصغار بمدارسهم ولكن الآن تذكرت أن هناك رضيع موجود بالبيت وساعة الهجوم كانت قبل بداية اليوم الدراسي، فكيف لأم تعلم بمخطط كهذا ولا تقلق على صغارهم.
قابلت سؤاله بنظرات ساخرة خالية من أية شعور انسانى، حتى أنه شك للحظة أنهم أبنائها ولكن جوابها صعقه:
هؤلاء أبناء خالد وحده، هو من أراد وانا صحيح أنجبتهم ولكن دون رغبة منى، كانوا وسيلتى للسيطرة على أسطورة ابن الموت وتأسيس أسطورتى الخاصة بى، لا داعى لأن تتسائل بهذه الطريقة الفائضة بالمشاعر والحنان فأنا وانت مثل بعضنا لا نختلف عن بعض بقدر ذرة.
اومأ بالنفى وألقى نفسه على المقعد أمام النافذة قائلا:
صحيح رغبتنا واحدة، وطريقنا واحد ولا أحد يليق بى سواك…
ارتسمت على وجهها ابتسامة بلهاء حين نطق بهذه الجملة ولكن سرعان ما تحولت لزهول حين أكمل حديثه مردفًا:
ولكن هذا ليس مدحًا بل لأنك تحملين نفس الجحود الذى أحمله تجاه العالم، لا تعتقدين أنى راضٍ عن نفسي وعن حياتى، أحمل حقدا على نفسى يفوق بمئات المرات ما أحمله تجاه خالد، أتوق شوقًا وتلمع عيناى كلما تذكرت حياتى الأولى كطبيب ناجح متزوج إنسانة تقية عفيفة تطيعه وتعظم كيانه…
تنهد بضيق وصمت برهة مطلقًا نظره خارج إطار النافذة ناظرا للفراغ ثم اكمل:
لقد طمعت وانزرع الجحود بقلبى حتى وأده، وكبر الغيظ داخلى تجاه زهرة التى كان ذنبها الوحيد أنها رضيت بحياة بسيطة لا مال يغمرها ولا جاه، تعذيبى لها كان كرهًا لنفسي ووسيلة أخرج بها ضيقى بسبب إجرامى وضياعى…
أدار رأسه تجاهها ليناظرها مكملا حديثه:
نحن متشابهان، هذا صحيح، ولكن ليست تلك الحياة التى تسعدني لقد انغمسنا معا فى الوحل ولن نخرج مهما حاولنا فلقد انقطعت الأسباب ولا أبصر قشة واحدة أتعلق بها لأنجو، لقد كتب علينا السعى معًا والمحاربة ضد سراب العتمة، ولكنك لم تتركى بابًا واحدًا مفتوحًا ليعزز إنسانيتك يا نورسين، صحيح انفصلتى عن خالد كما فعلت وانفصلت عن زهرة ولكننى لم أترك ابنى، لقد أبعدته عن والدته هذا لأننى لا أتحمل بقائه بعيد عنى ويربيه رجل آخر غيرى، أما أنت ف…
أكرههم…
كانت تلك كلمتها التى أنهت بها هذا الحديث السخيف من وجهه نظرها، لتتحرك تاركة الغرفة والبيت بأكمله هاربة من هيئته وحاله الغير محببة إليها، فمن رؤيتها ان كل ما قال عبارة عن تراهات ولا ضمان للسعادة بالنسبة لها سوى … الظفر بأموال خالد فحسب!!
_______
خارج تلك الغرفة التي يرقد بها مهزوما مجبورا على الصمت تقبع زهرة وصديقه مراد، خارج تلك الغرفة يتجرعان مرارة الإنتظار، خارح تلك الغرفة يكاد يفتك بهما العجز، كشراع صغير تسيء الرياح معاملته يذهب ويجيء بصرها عن ذلك الباب الموصد وتلك الكلمات المكتوبة عليه بالخط العريض "غرفة الإنعاش" تحس دونه أن كل الأمان والطمأنينة قد تخلت عنها، عكف عنها الهدوء فثارت كل مشاعرها حزنا وخوفا من أن يفارقها هي وصغاره لكن سريعا ما عادت لذكر ربها ودموعها تنزل على وجنتيها ببطئ أبت إلا أن تشاركها ذلك الإنتظار فرددت هامسة بغصة:
يارب لا تحرمنا منه يارب، يارب كن معه يارب
أما مراد فحتى الجلوس لم يجرب بل واقف يطالع ساعته التي يضربها كل حين يترجاها أن تتحرك وتمرر الزمن لكنها عانتدته وتباطئت، تحرك نحو باب تلك الغرفة ووقف ثم شد قبضته بغضب وضرب ذلك الباب لكن برفق، يتآكل خوفا على خالد وغضبا من الذي ألم به، يرحل قلبه لؤنس صديقه وما إن يتذكر تربيت يده على كتفه حتى يخنقه الإنتظار أكثر فذاك خالد رفيقه الذي منح حياته عاطفة وطعما.
ومع صوت انفراج جانبى الباب الكبير المؤدى لغرفة الإنعاش خرج الطبيب وعلى وجهه ابتسامة بسيطة ليقف أمامهم قائلا:
حمدا لله على سلامته.
اندفعت زهرة تسأله بعد أن ازدردت ريقها مبتلعة غصتها المريرة:
الحمد لله… متى سيستفيق؟ وهل حالته مستقرة؟
اومأ بالإيجاب مردفًا:
الإصابة جاءت بذراعه والجرح سطحى فلا داعى للقلق، سيتم نقله لغرفة وحين يستفيق ستكون الشرطة فى انتظاره لاستجاوبه عن سبب الحادث وكذلك حضرتك فلتكونى مستعدة يا دكتورة زهرة!
أنهى حديثه وتحرك مبتعدا عنهم ليتجه لمكتبه بينما نظرات مراد الصامتة أصابتها بروع وفزع غريب، فسألته بقلق:
هل لديه أعداء لدرجة أن يريدون القضاء عليه بهجوم مسلح ضخم كهذا؟ أم أنهم أرسلوا القوة هذه كلها خوفا منه؟ يبدو اننى لا أعلم شيئا عن الرجل الذى تزوجته..
ابتسم بسخرية ليتحدث بضيق:
خالد بحوره عميقة صعب أن تفهميه بهذه المدة القصيرة، انا صديقه منذ نعومة أظافرنا ومازلت لا أفهمه مهما حاولت.
تنهدت بضيق وبرزت من عينيها نارًا كالشرر:
هل يشتغل بأعمال مشبوهة؟
ابتسم ولكن هذه المرة حاول أن تكون ابتسامة مطمئنة ليستطرد مطمئنًا إياها:
ليست لهذه الدرجة يا دكتورة، من فعلها شخص من ثلاثة لا غيرهم فإما يكون كرم او نورسين او عباس الأدهم والمرجح أن يكون عباس فبعد أن سرق الملف من ياسمين فطبعًا سيريد القضاء على خالد.
اغمضت عينيها بقوة لتفتحها مستفهمة:
لا أفهم شيئًا أى ملف وما علاقة ياسمين بالأمر ومن هو عباس؟
صمتت برهة ثم تابعت بهمس:
أدهم عباس الأدهم، والده ؟
اومأ بالإيجاب ثم قال:
لا علاقة لياسمين بأى شئ، مجرد ملف مهم احتفظت به عندها خوفًا من أن يقع تحت يد أحد جواسيسهم، ولكن اتضح أن جواسيس عباس وصلت عندكم بالعائلة…
لا تقلقي هذا كله لن يأتى خالد بسيرته وأنت كذلك،
حين يسألونك بالتحقيق ستكون إجابتك ب "لا أعلم"
وخالد سيجيب عن جميع أسألتك لاحقًا.
لم يكد ينهى حديثه حتى قدم نحوهم رجلا يبدو عليه الوقار، يسير بخطى ثابتة ونظرات حادة ليقف أمامهما قائلا:
مدام زهرة.. معك النقيب زين النصر، نريد أن نسألك عدة أسئلة بخصوص الحادث لحين أن يأذن الطبيب باستجواب السيد خالد.
تحركت معه بعد أن أسكن مراد قلقها بنظرات مطمئنة، وتحرك بعدها للغرفة التى انتقل خالد بها، وبعد مرور وقت ليس بالطويل كان يجلس أمامه حين بدأ يفرق عن جفونه مستفيقًا مع زوال أثر المخدر واحتداد الألم بذراعه، بدأ يهمهم بأسماء أولاده تباعا مع اسم زهرة، فانتفض مراد مقتربًا منه ليطمئنه هامسًا:
جميعهم بخير، زهرة هنا والأطفال ثلاثتهم عند والدتها بأمانة ياسمين.
نظر لصديقه بنظرات تحمل جُلَّ معانى الخوف، لأول مرة يبصر مثل هذا الخوف بأعين صديقه الذى همس بلسان متثاقل:
هل هم بخير؟
حرك رأسه يمنة ويسرة متمتمًا ب:
لا حول ولا قوة إلا بالله، أخبرتك مرارًا أن هذا الطريق لا أمان به ولكن من يسمع؟ ومن يعقل؟
فى هذه الاثناء حضر النقيب زين ليأخذ أقواله لإستكمال التحقيق، ولكن كانت إجابات خالد محدودة، أغلبها " لا أعلم فليس لدى عداوة مع أحد"
فلقد عقد النية أن يثأر لنفسه بنفسه…
وأمام الغرفة تقف زهرة بمحاذاة مراد تناظر بابها المغلق تفكر فيما يدور بالداخل، على عكس مراد الذى يفكر بأمر جلل فهو بين نارين كلتاهما أشد حرقة من الأخرى فعلى فبجوف شعلة يوجد صديقه وبجوف الأخرى تكمن مبادئه، كلاهما بعالم آخر يتشاكيان أفكارهما وهواجسهما لسراب معتم يجيب عليهما بعدم فيتقنان أن هذا الباب الموصد لن يسمع وأسرار خالد لن تنجلى.
بعد مرور الوقت حل الليل بظلمته لترافق ظلمة المصير المجهول الذى قادها قطارها إلى محطته، وصلت أخيرا إلى بيت والدتها وقبل أن تدلف خلعت عباءة القلق والخوف لترسم على ملامحها ابتسامتها الحانية ونظرت للأكياس بيدها لتبتسم من قلبها ودلفت البيت لتلتقى بهم ينتظرونها خلفه بترقب، اقتربت منها ملك على حذر ولم تنطق سوى:
أبى!
أجابتها ابتسامة زهرة فأدركت الصغيرة أن والدها بخير، انحنت لتضع الأكياس جانبًا فاتحة ذراعيها لها ولأحمد الذى أسرع يشارك اخته بعناقها، ويبدو أن هذا العناق كان إشارة البدء لبكائهما المذعور متعلقين بحضنها، تركتهما يخرجان كل دموعهما المحبوسة طوال اليوم حتى يزول الاختناق عن قلبيهما الرقيقين، ولكنها تألمت أضعاف تألمهم مع كل دمعة وكل صرخة من جوف الصغيرة وكل شهقة من صدر احمد كانت ترشقها بسهام حارقة هى أضعف من تحملها، فتحركت لتمسح دموعهما برفق مقبلة وجنتيهما كل على حدا، وهتفت بخفوت وهى تطالع والدتها ومنال اللاتى تتابعان الموقف ببالغ الأسى على حال هؤلاء الصغار المساكين:
لم يأكلا، أليس كذلك؟
اومأت والدتها مجيبة:
طوال اليوم نحاول معهم ولكن دون فائدة وحتى الرضيع حضرنا له حليبه كما اخبرتِنا ولكنه لم يستجب لنا ولم يتوقف عن البكاء على وتيرة واحدة.
هزت رأسها بتفهم ونهضت لتحمل الأكياس وأعطتهما لمنال قائلة:
لقد أحضرت البيتزا المفضلة لهم، من فضلك خالتى جهزى السفرة لحين أن اطمئن على نوح.
وتحركت نحو أمها لتميل نحو الصغير النائم بين يديها لتحمله برفق قائلة:
نام من فرط البكاء؟
لتجيب والدتها:
أجل لقد أرهقه البكاء والجوع طوال اليوم.
تحركت نحو المطبخ لتحضر رضعته محكمة عليه بحضنها وتتحرك برفق حتى لا تزعجه، وبعد أن انتهت توجهت لغرفتها وبدأت توقظه برفق موزعة قبلاتها بين وجنتيه وعينيه الواسعتين ليفتحهما حين أحس بها وكأن بين جفونه اكسير حياتها، نبضة تائهة بقلبها لا تستقر سوى بالنظر والغرق في بحور عيني هذا الصغير الذى انتفض هاتفًا بصوته الطفولى المتقطع:
أمى..
ضمته برفق لتجلس على سريرها وبدأت تطعمه، سبحان من جعل مستقر هذا الصغير بين يديها وحدها، يجذبه حنانها وتلاطفها ابتسامتها وقبلاتها كل حين، وتنجذب هى لبراءته وحنان كفيه الصغيرين المحيطين بزراعها.
عم السكون عليهم حتى غفى بحضنها بعد أن شبع، فوضعته بمنتصف الفراش ثم التفتت لاخوته الجالسين جوارها لتجدهما ساكنان وعيونهم غارقة بدموع صامتة،
فتساءلت بحزن:
ما الذي يبكيكما يا أطفالى؟
مالت ملك لتنم بحجرها قائلة بصوت طفولى حزين: نحن حزينان بسبب مرض أبي، نخاف عليه ونود أن يتحسن حاله، ويعود سريعًا.
ابتسمت لتنحنى مقبلة شعرها المجعد اللامع ومالت لتجذب احمد لحضنها هاتفة:
أتفهم كيف تشعران، وأنا أيضًا متأثرة بما حدث وحزينه مثلكما ولكن دعونا نحاول أن نفكر في الإيجابيات.
تسائل احمد بتعجب:
ما الإيجابيات التى قد تكون خلف إصابة أبى؟
اومأت برأسها مردفة:
الإيجابيات هى أن أبينا يتلقى العلاج اللازم ويتمركز حوله العديد من الأطباء والممرضين الممتازين الذين يعملون بجد لتحسين حالته ومعالجته.. وبالإضافة إلى ذلك، فإننا كعائلة ندعم بعضنا البعض ونحن جميعًا هنا بجانب أبينا حتى يعود كما أن بجواره صديق صدوق لن يتركه وحده.
ناظرتها ملك وقالت مباشرة:
أنت طبيبة وأنا اثق بك، الأمور ستتحسن وسنعود لبيتنا ، أليس كذلك؟
أشارت لها بنعم لتجيب:
بالطبع يا طبيبتى الصغيرة، أنا متفائلة بشأن حالته ولا شك أن المعالجات التي يتلقاها تسير بشكل جيد. ومهمتنا الآن هي الصبر والصمود والصلاة، والدعاء لأجل أبينا اتفقنا؟
ليجيب الصغيران بصوت واحد:
نعم، ونحن نثق بك مادمت قلت انه بخير فهو كذلك.
نهضت ملك لتحيط عنقها بذراعيها الصغيرتين قائلة:
شكرًا جزيلاً، أمي.
وما أعنفه من شعور ضرب اعماق قلبها فى تلك اللحظة، شعور غريب مختلط لا تفهمه، تذكرت وليدهاا الذى أبعدته الحياة قصرًا عن قطارها فاعتصرت ألمًا وحسرةً على فراقه، وبنفس الوقت خرج النداء من الصغيرة كجبرٍ لخواطرها المهشمة..
ومضت الليلة متبوعة بأخريات مضنيات كانت زهرة هى الشعلة المضيئة لهؤلاء الصغار، حاولت جهدها أن تنسيهم ذاك المشهد البشع وعملت بشكل خاص على ثباتهم النفسي وحرصت طوال الوقت أن تسليهم بكل ما يفضلانه، ورغم كآبة تلك الأيام ولكنها كانت فرصة كافية لتتعرف أكثر عليهم ويتعرفان عليها حتى أصبح الرائى يكاد يجزم أن هؤلاء أبناء رحمها لعمق تجانسهم وتفاهمهم.
وفى احدى الصباحات استيقظت فزعة على صوت صراخ صغيرتها، احتضنتها بلطف وهدأت روعها بلطف الحديث وكعادة كل يوم اخذت تتلو عليها بعض الآيات لتتبعها بتأكيد أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنها هنا من أجلها وستحميها، حتى عادت الطفلة إلى النوم بعد أن شعرت بالأمان والراحة وطمأنتها زهرة بكلامها الدافئ وتعليقاتها اللطيفة، ثم نهضت لتخرج فتقابلت مع اختها على طاولة الإفطار، تحدثت ياسمين تطالع اختها بحيرة قائلة:
هل نفس الكابوس؟
اومأت زهرة بنعم ثم أردفت:
مسكينة لا تستطيع التجاوز،
صمتت برهة ثم تابعت:
أفكر أن آخذهم بعد زيارة خالد ونخرج لنزهة بسيطة، لربما تساعدهم وتعدل مزاجهم.
ردت عليها ياسمين بأسف:
أن تنتظرى لحين خروج خالد سيكون أفضل، ومع الأسف اليوم لدى شجار أحضر له منذ أيام ويجب أن استعد.
ناظرتها أختها مستفهمة:
لا تقولى مع مراد!
أجابتها الأخرى بضيق:
ولكنه هذه المرة سيكون محقًا فلقد أضعت ملفًا مهمًا وقررت أن اخبره اليوم حتى يتصرف، ربما يتم رفدى ولكن ماذا افعل؟ لا أعلم أين ذهب وكأن الأرض انشقت لتبتلعه.
قالت زهرة تلقائيًا دون تفكير:
ولكنه يعلم بإختفائه!
دارت ياسمين بعينيها وتساءلت صارخة:
كيف؟
لتجيبها الأخرى مبتسمة باطمئنان:
لقد أخبرني أن من وراء الحادث ربما يكون عباس الأدهم بسبب ملف كان مع مراد واعطاه لك واستطاعوا أن يسرقوه منك.
مالت ياسمين بشفتيها قائلة بإحباط:
مادام لم يخبرنى فمعناه يعتقد أننى من أعطيته لهم.
قكرت زهرة برهة ثم ردت قائلة:
لا أعتقد فلم يظهر أنه يشك بك.
طالعتها ياسمين بأسى ثم نظرت للأسفل قائلة بحزن:
طبيعى لن يخبرك أنه يشك بأن اختك خائنة.
ضحكت زهرة محاولة تهدئة أختها ثم تحدثت تداعب شعرها بمرح: لو فعل لكنت نيمته جوار صديقه طريحًا بسرير مقابلاً له.
نظرت إليها ياسمين برهة مذبهلة ثم انفجرت ضاحكة بشدة ولم تستطع السيطرة على نفسها قائلة:
أعطيناك لخالد زهرة لطيفة مابال أنيابك قد برزت فجأة؟ ييي أخفتني
رمقتها الأخرى بطرف عينها ثم تحدثت بجدية مصطنعة قائلة:
لا تبالغي، أنا هكذا منذ البداية صحيح زهرة لكن زهرة لها أشواك وكل من يحاول اقتطافها ينزف.
ردت ياسمين ضاحكة:
وما هذا الآن؟ كلامك من منشورات المراهقات على الفايسبوك.
ضحكت زهرة وردت:
والله لقد انقلبت حياتى رأسًا على عقب ولا أفهم ما أنا عليه، كل شئ تغير فجأة والغريب أننى تكيفك دون معاناة، أنا التى كنت أقضى شهورًا حتى اعتاد على المكان وبالأخير اهرب إلى هنا تاركة كل شئ خلفى، لقد كان التغيير يرهبنى ويهز كيانى، فترك المألوف اصعب بالنسبة لى من ضرب السيوف، ولكن وسطهم استقريت بلحظات ما ان نظرت لأعين نوح وكأن ظمأى قد ارتوى.
حكت ياسمين طرف حاجبها ثم أخرجت سؤالها من بين شفتيها دون مقدمات:
هل تحبينه؟
ردت زهرة دون تفكير:
نعم طبعا إنه قطعة من روحي صغيري نوح، لحظة أنت من تقصدين؟ نوح صحيح؟
تأففت ياسمين بضيق مضيفة:
لا تتغابى عليَّ زهرة، لم سأسألك عن نوح، اقصد خالد.
ابتسمت زهرة ببلاهة ثم هربت ببصرها يمنة ويسرة ثم عادت لثباتها وردت وهي تنظر في عيون أختها:
والله انت الغبية، أيعقل انك لا تشعرين بهذا؟ ( مشيرة لقلبها)
انه فارغ من كافة المشاعر الإنسانية عدا شعور واحد فقط ينهش به وكأنه ذئبًا ضاريًا، إن أمومتى جائعة ولم يهدأ فزعها سوى الصغار ومع ذلك بكل يوم يزداد جوعها فمازال الاشتياق لأنس ينهش قلبى ويتوغل بين خلجاته، لقد عصى قلبى عن كافة مشاعر الدنيا واستكفى بالامومة فحسب، وأصبحت حياتى الآن رهن أطفالى الأربعة، مشاعرى كلها فداءًا لهم، أما خالد فهو زوجى أحترمه وأقدم له كافة واجباته ويعطينى كافة حقوقى حياتنا ليست مبنية على الحب ولا العشق ولا الغرام بل على ما هو أسمى، حياتنا عمادها المودة والرحمة.
لامست شقيقتها يدها تحتضنها بحنان ثم قالت بصوتها الخفيض:
ستجدين أنس وسيطرق الحب بابك مجددًا وستنعمين بمشاعرك من جديد.
مسحت زهرة دمعتها الهاربة من خلف عويناتها قائلة:
هيا حتى لا تتأخري على عملك، ولا تفتحي مع مراد حديثًا بخصوص الملف حتى يخرج خالد، مؤكدًا أن الملف ذهب إليهم عن طريق رباب، لا تنسى أن عباس يكون حماها المصون.
نهضت ياسمين تنوى الذهاب ولكن استوقفتها زهرة متسائلة:
أين أمى والخالة منال؟
أجابتها أثناء خروجها:
الخالة منال خرجت للسوق وأمك أصرت ان تذهب معها لتغير جو.
ابتسمت لتومئ برأسها ثم تحركت لتطمئن على الصغار، ما ان دلفت الغرفة حتى توقفت أمام المرآة تطالع نفسها، تتأمل ملامحها لاتذكر ذاك الرجل، تتذكر كل شئ بشكل جيد، تمرر كفها على وجنتها فتتذكر رائحته الكريهة الممتزجة بكثير الكحول وكثير من العطور المزعجة، تذكر مزيجُ رائحته هذا يصيبها بالدوار، كان بكل شجار ينهال عليها ضربًا متجردًا من أدميته، صارخًا
بلسانٍ ثقيل وعقلٍ مزعج، يستخدم ذكائه في فنون ازعاجها، باردٌ بشكلٍ مزعج، غضبت عليه أمه وكرهته أخته وأحبته امرأة تشبهه، حمدت ربها أنها نجت منه ودعته أن يعيد إليها وليدها، ليقاطعها صوت جرس الباب فأسرعت لتضع خمارها واتجهت نحوه قبل أن يوقظ صوته الصغار النائمين.
لتجد والدتها ومنال قد رجعتا من السوق، ساعدتهما ثم تركت الأطفال بأمانتها وذهبت لتطمئن علي خالد…
بعد مرور ما يقارب الساعة كانت تجلس أمامه تناظره بحيرة، تساعده لتناول طعامه فيمانع كما الأطفال قائلاً:
لا أحب طعام المستشفيات انه مناسب أكثر للمرضى.
وضعت المعلقة بفمه مردفة:
وانت مريض لذا فلتأكل دون دلع، أنت رجل كبير عيب فلتترك هذه التصرفات لملك او لأحمد.
ابتسم بمجرد ذكرها لأسمائهم فتحفز متسائلاً:
كيف حالهم؟ لماذا لم تحضرينهم كما طلبت منك؟
أخذت معلقة شوربة أخرى لتطعمه إياها هاتفة بحدة:
وانا أخبرتك لن أحضرهم إلى هنا يكفيهم ذعرًا لقد تجاوزوا الامر بصعوبة، ستخرج اليوم وتعانقهم وتقضي الوقت معهم بالبيت، تحدثت مع الطبيب المسؤول عنك وسيسمح بخروج وأكمل مداواتك بالبيت.
تنهد براحة ثم طالعها مبتسمًا:
حسنًا يا زوجتى العزيزة فلننفذ ما ترغبين، ولكن لعلمك فإلى اليوم لم يتجرأ أحد لمعارضتى او تنفيذ كلامه علي…
قاطعته قائلا بتعالٍ:
وأنا لست أي أحد…
صمتت برهة تاركة إياه غارق فى ضحكته التى ملأت قسمات وجهه بينما غرقت هى فى تساؤلها المعتاد، ولكن هذه المرة فاجئته قائلة:
مراد أخبرني أن الفاعل اما عباس او كرم، أنهى حساباتك وابعد أعدائك عن البيت، وان كان كرم ففكر بهدوء حتى لا يتأذى إبنى، وبكل الأحوال لا أريد أن يتعرض الصغار لمثل ذاك الأمر مجددًا، ان تعرضت حياتهم للخطر فصدقنى سأذهب بهم لمكان يستحيل لإنس أن يصل إليه.
تعجب مما قالته ورغم أن خوفها على صغاره حُبِبَ إلى نفسه ولكنه اظهر العكس قائلا بغضب مصطنع:
لا يستطيع أحد أن يبعد اولادى عنى.
لترد عليه بغضب حقيقي:
لو كنت ابتعدت بأنس لكان الآن بحضنى، ولن أكرر الخطأ مرتين، أولادى لن يبتعدوا عن حضنى أبدًا، وأى سبب لأذيتهم لن اسمح بإقترابه منهم وان كان أنت…
وتحركت لتحمل حقيبتها وتعدل خمارها مردفة:
سأذهب قبل أن يستيقظ نوح ويبدأ فى البكاء، وسأتى بعد ثلاث ساعات لأخرجك، كل الاجراءات انتهت وتبقى توقيع الطبيب وهو الآن بعملية ستستمر لثلاث ساعات وربما أكثر.
اومأ بالإيجاب دون أن يردف بكلمة، وتابع رحيلها بنظرات إعجاب ليتنهد هاتفًا بخفوت:
زهرة حبيبة الورد، رقيقة القلب والنيّة…
فى نفس الوقت ولكن بالشركة كان الموقف قائمًا على أشده بين مراد وياسمين بسبب ضياع الملف، صرخ بها بقوة غضبه: ماذا فعلتِ بالملف، ألم أخبرك أنه مهم جدًا؟ لقد كنتِ مسؤولة عنه والآن اختفى!
لترد بهدوء: أنا آسفة، لقد بحثت عنه بكل مكان ولكنني لم أجده، لا أدرى أين اختفى!
ضرب المكتب أمامه ثم ناظرها غاضبًا متبعًا:
هذا الاعتذار ليس مقبولاً! كيف سأخبر خالد عن ضياع الملف، ملف كهذا به تعويضات تصل لملايين وانت لست على قدر المسؤولية لذا فالخطأ خطأى أنا، ولكن اعتذارك ليس كافيًا، يجب أن تتحملي مسؤوليتك وتعوضي عن الخسارة التي تسببتي بها
ياسمين بنفس الهدوء الذى زاد من دهشته:
أنا مستعدة لذلك، سأعمل بجد لتعويض الخسارة وأعدك بأنني لن أتكرر هذا الخطأ مرة أخرى.
فهم أنها ربما أدركت بحقيقة إختفاءه ففكر لينهى النقاش قبل أن تتحدث بشئ، فاقترب محذرًا إياها:
هذه أخر فرصة فلتحضرى الملف وإلا تنسي العمل هنا، امامك ثمانية وأربعون ساعة لإحضاره وان فشلت اعتبرى نفسك مرفودة.
اومأت بالإيجاب ولم تردف سوى ب:
حسنًا يا أستاذ مراد.
وتحركت لتخرج من المكتب ثم من الشركة بأكملها، وهو مكانه يتابع تحرك سكرتيرته سالى بتخفى فتحرك ليتبعها حتى وصلت إلى السلم واتصلت بأحدهم لتخبره بما حدث قائلة بهمس:
لقد علموا بإختفاء الملف والسيد مراد أعطى ياسمين مهلة لإحضاره وإلا سيتم رفدها نهائيًا.
أسرع ليخرج من الشركة متوجهًا لصديقه ليخبره بما حدث ويساعده للخروج وبعدها سيحسم أموره بينه وبين خالد…
____________
بابتسامة النصر دلف باب المشفى وكأنه وسط ساحة انتهت معركتها وكان هو الفائز بها وهاهو يتجه نحو خصمه كي يجمع الغنائم، دخل غرفة خالد بعد أن طرق على الباب برفق وسلم فتحرك الآخر من مكانه يهم بالإعتدال لكن الآخر استوقفه مشيرا له بيده أن يبقى مكانه، اقترب أكثر ووقف بمحاذاة سريره يطالع خالد بريبة.
تحدث خالد قائلا:
اجلس لم تنظر هكذا؟
ابتسم عباس وقال:
أطالع صديقي أو شريكي إن صح التعبير.
ابتسم خالد بثقته المعهودة ثم تحدث بنبرة الجدية خاصته:
صديقي، لا أريد أن أكسر بخاطرك لكن أصدقائي حتى أنهم لا يعدون عباس لأنهم واحد فقط وأما عن شريكي فقد انتهت منذ مدة ورغم ذلك لك خاطر عندي لا تقلق قد ألجأ إليك في عمل مستعجل، ربما.
ضحك الآخر ساخرا فاستنكر خالد على غير عادته تصرفه، حركاته لا توحي بأنه قد أتى للزيارة فقط بل يحمل في جعبته شيء يريد أن يستفزه به، نطق بتقرير:
عباس، هات ما في جعبتك تعرفني لا أحب اللف والدوران.
جلس الآخر أخيرا على كرسي وتنهد براحة وأسند ظهره للخلف فطالعه خالد بتذمر لكنه لم يتحدث بشيء.
استرسل عباس الحديث مرة أخرى بنفس تلك الابتسامة المستفزة قائلا:
آه يا خالد هذا أنت لا تتغير أبدا.
رد خالد بجدية:
ولم أتغير؟
هنا اعتدل عباس وتحدث بجدية أكبر:
لأنك ضعفت وأصبح من السهل مباغتتك خالد، الملف ذاك أصبح معي، حقي عاد إلي وبكل سهولة دون مواجهة ودون إراقة دماء كما تفعل أنت بالعادة، بل بهذا( مشيرا لعقله).
ضحك خالد مقهقها لدرجة أنه قد هز كيان عباس واستفزه حتى آخر رمق منه، برهة ثم تغيرت ملامحه فجأة وعبس ثم تحدث مهددا:
عملت معي دهرا وخالطتني بكل حالتي، ألم تتعلم درسك بعد؟ ألم تعرف مع من تتعامل؟
وبحركة سريعة منه اعتدل واقترب من عباس أكثر وشده من ياقة قميصه بقوة وكز على أسنانه مضيفا:
ألا تعرف بأنني يمكن أن أدفنك هنا تحت موضع قدمك ولن يعرف لك الجن طريقا؟ ثم تركه ودفعه بقوة على ذلك الكرسي حتى انتفض وكاد يقع.
قاطعهما دخول مراد دون تنبيه فالتفت إليه عباس مبتسمًا بغل هاتفًا:
مرحبًا بمن خان وقطع وصالنا.
أمسك طرف الباب تاركًا إياه مفتوحًا ليشير لعباس قائلا:
هيا يا عباس لسنا بحاجة لتراهاتك، إذهب واجلس بمكتبك وتفحص الملف بتدقيق ولا تأخذ خطوات غير محسوبة مجددًا.
مرر نظره بينهما ليسأل خالد بنبرة قلق:
بماذا يهذى صديقك؟
حاول أن يستوعب ليصرخ به:
ما بالك صامتًا هكذا، أخبرنى ما يجول بخاطرك يا ابن مهران؟
ابتسم خالد وطالع الباب مردفًا:
إلى مكتبك يا عباس، هناك الكثير من الأعمال بإنتظارك.
التفت نحو مراد الذى يناظره بنظرات ساخرة شامتة ليومئ له برأسه، ففهم الآخر أنه وقع بفخهم وخطته بائت بالفشل، فتحرك يجر أذيال الخيبة مجددا فقد انهزم للمرة التى لا يستطيع عدها أمام خالد، تثقله الحسرة على حاله الذى قد يصبح بلحظة رهنًا لإشارة خالد، وبنفس الوقت يتوعد له بأشد الانتقام حتى وان كلفه الأمر حياته.
بينما مر الوقت والصديقان يجلسان في تلك الغرفة ويتدحرجان بين الأفكار والذكريات القديمة، يسيطر الهدوء الشديد على الغرفة وتسودها أجواء من الحزن والاكتئاب، ينظر مراد إلى خالد بنظرات عتاب مبهمة، لا يعرف الثاني سببها بالضبط، ولكن يشعر بأن هناك شيئًا خاطئًا، تتفاوت نظرات العتاب بين الصديقين، ولكن الصمت الذي يسود الغرفة يجعلها تبدو أكثر صعوبة في التفسير، يحاول مراد التحدث، ولكن الكلمات تعجز عن الخروج، ويبقى الصمت هو المسيطر على الموقف، يبدو الأمر وكأن لديه شيء يريد قوله، ولكنه يتردد في القول، اما خالد فيشعر بالقلق والتوتر، ويحاول فهم ما يجري في نفس صديقه، الأجواء تزداد سوادًا، ولكن يبقى خالد يحاول فهم ما يحدث وينتظر صديقه ليتحدث أخيرا قائلا:
متى ستتوقف؟
تسائل خالد مبتسمًا:
اتوقف عن ماذا؟
تنهد الآخر بضيق وتحدث بجدية:
هذا الطريق الذى تسير به كالقطار دون توقف، أخشي ان تقف عند محطة مظلمة تشبه طريقك.
ابتسم خالد ورد برفق:
طريقى ليس مظلمًا مادمت انت بجوارى؟
هرب بعينيه من نظرات صديقه حتى لا يتأثر قراره ويضعف ثم قال:
أنت لست صديقى وحسب بل انت خلى الوفى ولكن ان عاونتك سأكون قد أجنيت عليك وعلى أبنائك، ابتعد يا خالد وانجو بعائلتك من هذه الحروب، حروب ضارية نتيجتها معروفة ومحسومة اما الهلاك او الهلاك…
هم خالد ليتحدث فقاطعه مكملاً:
لو رصاصة غادرة أصابت أحد أبنائك وهذا وارد حدوثه، ماذا كنت ستفعل؟
تحفز لينطق غضبًا:
لكنت أفنيتهم جميعًا وأطبقت عليهم الطوابق بجحورهم.
أشار بيديه أن:
أهدأ ويكفيك تحفزًا ضد الدنيا، أعلم أنك عانيت الأمرين ولكن لست وحدك، لو كل إنسان تعرض لظروف قاسية فولج طريقك هذا لإستحال البشر وحوشًا.
ابتسم الاخر وأردف بسخرية:
ومن هو السبب فيما وصلت إليه يا ترى؟ أليسوا هؤلاء الوحوش؟
نهض مراد وطالعه بنظرات حادة كما الشرر، ورغم قسوة ما قرره وصعوبته علي نفسه، فهو أشد حاجة لخالد من نفسه ولكنه لطالما كان الصديق المحب لصديقه، يهتم برفقته ويحبه بصدق ويسعى لراحته وسعادته، يتحلى بالصدق والوفاء والإخلاص، ويحاول دائمًا أن يمنع صديقه من الوقوع في الخطأ أو الحرام، فالتفت مقررًا الرحيل ليستوقفه خالد:
هل أفهم من ذلك أنك تتخلى عنى؟
أجابه دون أن يلتفت إليه:
تموت الصداقة على عتبة الحرام يا خالد، حرام يعنى فراق يا خلى الوفى.
لم يصدق خالد ما يحدث فكيف لمراد ان يتركه بمنتصف الطريق ويذهب دون مقدمات، كيف سيستوعب تخلى صديقه المحب عنه، الشخص الذي يقف بجانبه في الأوقات الصعبة، ويشجعه على اتخاذ القرارات الصحيحة والمناسبة، ويحذره من الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها.
ولكن مراد تعامل بمبدأ الصديق المحب مع صديقه بحنان ورعاية، ويساعده على تجاوز المشاكل والتحديات التي يواجهها في الحياة، وفي حالة وقوع صديقه في الحرام، يعرض عليه سبل التوبة والانقلاب عن هذه الأفعال، ويحاول أن يوجهه نحو الطريق الصحيح والسليم.
بشكل عام، هذا هو مفهوم الصداقة الصحية فما الصديق سوى شخص محب يهتم برفاهيتك وسعادتك وصحتك النفسية الصديق وبنفس الوقت ويسعى لحمايتك ومنعك من الوقوع في الأخطاء والمحرمات.
وبهذه اللحظات القاسية على خالد والتى بمثابة القشة التى قسمت ظهره، اجتمعت عليه أوجاع الماضي، وبعد أن كان هادئًا آمنًا لوجود صديقه أصبح بعد الفراق مضطربًا مشوشًا وكأنما أحدهم طعن*ه بنصل بارد بقلبه دون رحمة.
الي هنا انتهي فصل اليوم آمل أن ينل إعجابكم.
