رواية خيط من حرير
الفصل التاسع
بقلم سميحه رجب ♥️
ألف غيمة وغيمة تقتحم حدود إبتسامتك الضعيفة تجبرك على كتم أهاتك وأوجاعك في سبيل الاستمرارية، فتخلق منك شخصًا آخر ميتًا من أعماقه وحيدًا في نفق معتم تلاصقك الأوجاع كظلك ومع مرور الوقت يتملكك شعور اللاشعور حين تقف عاجزًا أمام إحياء ألف غيمة عابرة وألف خيبة.
انسكب دلو الماء البارد عليهما للمرة التى لا يعرفا عددها، مربطين بكرسيين متجاورين تسيل الدماء من أقدامهما موضع إصابتهما برصاصتيه، حالهما يرثى له فمن ينظر لهما من بعيد سيتمزق قلبه ويبكى متأثرا بما يفعله بهما، ولكنهما في نظره يستحقان فاللعب مع خالد مهران ثمنه ثقيل لا يقدر على سداده أحد.
وأمامهما يجلس خالد على كرسى يضع ساق على أخرى، رمقه كرم بنظرات تقذف شررًا ليقابلها الآخر بإبتسامة ساخرة، ثم رفع يديه مفرقًا اصبعيه السبابة والوسطى مشيرًا لرجاله بالتوقف، ثم نهض ليقترب منهما ليتبعانه بنظرات مترقبة لما سيقدم عليه، وعلى حين غرة جذب خصلاتها ليلفهم حول يديه فصرخت بقوة من فرط ألمها حتى كادت الجدران ان تهتز على أثر تلك الصرخة، ولكنه كتمها حين أخرج ذاك السكين مقربًا إياه لعنقها، فجحظت عيناها رعبًا وثبتت في مكانها دون حركة خوفًا مما بيده فهتف من بين أسنانه:
هذا السكين يخصكما اعتبراه هدية زواجكما.
ولكن وقع نظره على أصابعهما فأكمل بنظرات مشمئزة:
أم أنكما تعيشان معا دون زواج؟ ولكن ذلك يليق بكما أكثر.
ليفلت رأسها واستقام وظل يدور حولهما ويلعب بالسكين بين أصابعه وبدأ يتحدث قائلا:
كنت متأكد أنك قررتى أن تبيعينى له مقابل المال، ولكن يبدو أننى ظلمت عبدة المال حين شبهتك بهم، أخبرينى يا نورسين مما خلقت أنت؟
على حد علمي فالأم تنهش بأسنانها من يفكر بالمساس بشعرة من صغارها، ولكنك تنازلتى عن أولادك بكامل إرادتك.
وأكمل حديثه وبدأ صوته يرتفع بعد أن سقط كفه على وجه كرم، من قوة الضربة نزفت شفتاه وتقرح خده:
هل هذا يستحق أن تبيعى أولادى لأجله؟
لقد عيشتك ملكة متوجة وانتشلتك من الفقر واصطفيتك دون الآخرين، كلما ارتفع شأنى رفعتك معى وكنت مستعدا لجعلك سيدة النساء، هل ذاك الحقير يستحق أن تبيعى زوجك وأولادك وجاهك ومالك والأهم شرفك يا ابنة العم، هل يستحق؟
أجابته صارخة بحنق:
أجل يستحق فهو ليس مجنونًا ولا معتوهًا مثلك، أنت من لا يستحق أن أضيع زهرة شبابى في انتظار تعافيه من جنونه، وأولادك سيكونون مثلك ومثل أمك ولن يدفع الضريبة سواى، عن أى جاه ومال تتحدث أيها المجنون.
إلى هنا وقد فاض به ولو ترك القرار لعقله لأصابها بمنتصف رأسها وأنهى أمرها في الحال، ولكنها لا تستحق أن يلوث يده بدمائها وهدفه الأول والأهم هو أن يعيد أنس لحضن أمه تلك المرأة التي يقسم أنها أول أم حقيقية يعهدها، تلك المرأة التى تنتمى لزمن آخر مغاير تماما لزمانه الملئ بالغدر والخيانة.
أشار لرجاله ليحضرا دلوين آخرين ويسكبان عليهما الماء مرة أخرى لتشهق نورسين ويرتجف جسدها من برودة الماء بينما كرم لم يهتز حتى، لا يريد أن يظهر ضعفه امامه ولكنه من داخله يتآكل خوفًا.
اقترب منها قائلا:
يقال أن الجنة تحت أقدام الأمهات أما أنت فتحت أقدامك العذاب وجوارك عتمة ودمار، من حسن حظي وأولادى أننا تخلصنا منك، وبما اننى مجنون فالمجنون لا يُحاسب على أفعاله..
وبحركة سريعة خطف السكين ليثبته على عنق كرم هاتفًا من بين أسنانه:
أين أنس؟ وقبل ان تكذب تذكر أنه مقابل روحك.
أدرك كرم أنه وان اخبره فستنتهى مهمته بالنسبة لإبن الموت ولن يرحمه بعدها، ففكر أن يكمل خطته ويجعل من أنس ورقة رابحة لنجاته، بينما نورسين تملكها الخوف والألم فساقها تتمزق من رصاصته الكامنة بها، وأهلكها النزف وجمدتها المياه الباردة حتى كادت أن تفقد وعيها، فتحدثت باكية برجاء ليتركه:
لا تؤذيه فهو لم يرسل شيئا لزهرة، هذا الصندوق أنا أرسلته لها والدماء ليست لأنس بل لشاه تم ذبحها بالقرب من بيتكم، يستحيل أن يقت.ل ابنه.
ابتسم بسخرية وزاد من ضغطه على عنقه حتى نزف بجرح بسيط، ثم ناظرها قائلا باستخفاف:
هذا طبيعى فالأب لا يقت.ل ابنه والأم لا تبيع أولادها أم انك تعترفين الآن بجرمك؟
رغم سوء حالتها وضعفها ولكنها أبت أن تصمت عن إهانته:
قلتها لك سابقًا وها أنا أقولها مجددًا حتى تحل عنى، انا أكرهك يا خالد وأكره أولادك لأنهم منك، هل إقتنعت الآن؟
من جديد تجرح كبرياؤه وتضغط على جروح الماضى دون شفقة فأبى أن يشفق عليها او أن يكف عن عذابها، يريد أن يثأر لنفسه ولكن يخشى ان يضيع أنس، يشعر بمشاعر غريبة متداخلة فلم يكن يومًا بالشخص الذى يضحى بنفسه ولا كرامته لأجل احد ولكن الشعور الذى استحوز عليه وغلب كافة الاعتبارات هو أن زهرة تستحق التضحية، لن يعتبر لكرامته الآن سيؤجل عقابها حتى يصير أنس ببيته بحضن والدته، وإلى هذا الوقت سيجعلهما يتمنيان الموت ولا ينالوه.
أشار لكرم قائلا:
أين الصغير؟
ابتسم بسخف مردفًا:
وهل انا معتوه لأخبرك بمكانه؟ انظر يا خالد يا مهران واستمع جيدا، والأفضل أن ترسل هذه الرسالة لإبنة العراقى، أنس حي يرزق هو ابنى أضعه بكفة وكل العالم بكفة، لأجله أقت.لك وأقت.لها دون أن يرف لى جفن، ألم تتقمص شخصية المرأة الشجاعة المكافحة وتجرأت ووقفت أمامى بالمحكمة إذا كان عليها أن تدرس النتائج جيدا، بنفسي اخبرتها أن تنتظر حكمى ولكنها لم تسمعنى كعادتها، ولكن اليوم ستسمعنى رغما عنها وستنتظرنى وان اضطرت لركوب الصعب، فلتنسى كبرياؤها وابنها الذى سيتربى معى، فانطباق السماء على الأرض سيكون أسهل من إيجاد أنس، إذا أردت اقتلنا لا مشكلة وإذا أردت أكمل تعذيبنا لا مشكلة بهذا أيضا، أو لأخبرك بطريقة تعذيب زهرة هى أكثر من يعرفها، اتصل بها الآن لتخبرك كيف كان كرم يرود لسانها المتمرد وكيف كنت أجبرها على السمع والطاعة، ألم تخبرك ربة الصون والعفاف أنها لن تنجب مجددًا أم انك لم تكتشف حتى الآن؟
جز أسنانه وقبض كفيه بغضب ليلكمه على غفلة ليصمته ولكن الآخر أبى إلا ان يستفذه أكثر فأكمل:
هل سماعك لحقيقتها تغضبك لهذه الدرجة؟ أم انك انبهرت بقوة شخصية وحنكة الطبيبة النفسية العظيمة، لا تغرنك فهذه كانت بالأمس ذليلتى حتى استمع! مازالت أصوات توسلاتها لأرحمها تتردد بأذنى… صمت برهة ثم اكمل بخبث:
وليكن بعلمك فهى كانت تحبني وربما مازالت، مسكين انت يا ابن مهران امتلكت المال والجاه والقوة ولكن لا يوجد من يحبك على وجه البسيطة.
فاض به عند هذه النقطة فانقض عليه يبرحه ضربًا، يخرج جم غضبه ومقته بوجهه الذى استحال مسخًا من تشوهه، كان يذمجر بحنق مع كل ضربة والاخرى جواره تصرخ باسم عشيقها الذى يسعل تحت يديه يكاد يختنق، تسب خالد كل حين وتنعته بالمجنون، لولا أنه لا يريد أن يوسخ يديه بهما أكثر لأنهى أمرهما، ولولا أنس لكتب بيده شهادتى وفاتهما.
وقعت عينه على هواتفهما ليحملهما ثم تحرك للخارج يحمل غضبه بين جناحيه، يطوى الأرض تحت قدميه حتى وصل أسفل البناء حيث ينتظره احد رجاله، فهمس يأمره:
أعينكم لا تغيب عنهما، ترصد بنفسك كل حركة يتحركانها خارج البناء وتعين أحدا يراقبهما من الداخل، بمجرد خروج أحدهما من باب الشقة تكن خطواته عندى قبل أن يخطوها حتى، وبعد أن اتحرك تتصل بالاسعاف فالاكيد أن هذا الحقير سيحتال حتى لا يصل الأمر للشرطة ولكن فلنرهقهما قليلا.
اومأ الآخر بالإيجاب:
أمرك سيدى.
استقل سيارته ليأمر سائقه بالتوجه للمطار وفى الطريق بدأ يتفحص هواتفهما عله يجد شيئا بخصوص مكان أنس ولكن كل محاولاته بائت بالفشل، لم ييأس وظل محتفظًا بالهواتف معه.
وفى غياهب آخر الليل عاد لبيته حاملا ثقل الجبال على كتفيه، حائرا لا يعلم كيف يخبرها أنه عاد دونه، كيف يخبرها أنه لم يفى بوعده لها، كيف سيصبرها على بلائها؟
دلف بحيرته مطأطأ الرأس يتمنى أن تكون نائمة، ليأخذ فرصته بالتفكير قبل مواجهتها، ولكن كيف لأم مكلومة أن تنام دون أن تطمئن على صغيرها، لقد صبرت شهورا دونه ولكنها أبت أن تصبر أكثر، يستحيل أن تصبر بإرادتها مرة أخرى، تفاجأ بها أمامه تقطع المكان ذهابا وإيابا تنتظره، وبمجرد أن أحست به أسرعت تستقبله وعينيها على الباب خلفه، اغتم داخلها وأصابها الاحباط حين أدركت أنه عاد دونه، فتسائلت بلسان متثاقل:
على الاقل أخبرني أنه بخير.
اومأ مجيبًا:
بخير، حتى أننى سجلت لك اعترافهما، وسأكمل البحث عنه ولن أستسلم حتى أعيده.
ضيقت عينيها تحاول أن تفهم ما يقصده فسألته بقلق:
كيف تقول بخير وستكمل البحث؟ ألم تراه بعينيك؟
تنهد بضيق وتحرك ليلقى بثقله على الأريكة لتتحرك لتجلس بالقرب منه، ليعطها هاتفه ليسمعها ما يريد أن تسمع، وقد اقتصر أن يسمعها اعتراف نورسين وأتبعه بإعتراف كرم….
كادت أن تجن فلا تستوعب كيف لهما أن يجتمعا وما دخل نورسين بإبنها فهتفت بعدم فهم:
هل تزوجا؟
اومأ بالنفى مردفًا بضيق:
يبدو أنهما تقابلا بعد الانفصال وقد قامت بإرسال الصندوق لأنها غارت من وجودك مع أبنائها.
من نبرته شعرت بعكس ما يقول ولكنها لم تهتم، ضغطت على الهاتف بين يديها بقوة لتتحدث باكية:
حسنًا ابنى على قيد الحياة ولكن أين هو؟ على الاقل أراه وأسمع صوته، سأرضى بأقل القليل ولكن ليطمئن قلبي، منذ أن دلفت هذا البيت وانا أعانى وألوم نفسى كيف أبدأ حياة جديدة وانا لا أعلم ان كان بخير أم لا، أطعم أولادك وأتسائل هل هو جائع أم شبعان؟ أدفئهم وتأكلنى الحيرة هل يدفئه أم تركه وذهب لأهوائه؟ أداويهم وأترجى ربى أن يهيئ له من يعينه على قسوة الأيام، حالى دونه لا يهم بل لأذهب للعدم فلا مشكلة ولكن ليطمئن قلبي على الأقل.
مد يده ليبعد الهاتف ممسكًا بكفها بين كفيه قائلا:
فى أقرب وقت ستطمئنين ويهدأ بالك، لا أعتقد أن تضحيتك بلحظات حزنك لأجل هؤلاء المساكين سيذهب هباءًا، لولاك لكنت الآن قد شيعت جثمان نوح، لولا وجودك فى هذا البيت لذهبت ابنتي ضحية المرض ولم تجد من يشفيها، ولظل احمد صامتا باهتا، لقد أرسلك الله عونًا لهم وفى المقابل مؤكدًا أرسل لأنس ملاكًا يعينه.
تستمع وعينيها تائهة فى فراغ بعيد، فوجد أن لا كلامه ولا أى محاولة منه ستهون عليها، فأى مواساة فى مثل هذا البلاء تعتبر كإجابةٍ لم يصل احد لسؤالها بعد، وكلوحةٍ لم يولد رسّامُها، يؤلمه سكونها وتحيره شخصيتها التى تستأثر شموخ الخيل فلا تزيد الشكوى رغم أن جرحها يئن.
ليلة طويلة ثقيلة الحزن، مرت وخدها أسيل غارق في دمعها الذى يسيل بصمت، تبكي ابنها ونفسها بحسرة، فأين كانت وأين أصبحت، بالأمس كانت عزيزة أبيها وطبيبته التى يرفع رأسه فخرًا بأخلاقها وعلمها، والآن بدلاً من القرار مع الذى تمنته بالماضى رفيقًا تجلس بهذا البيت مع رجل كان منذ فترة وجيزة مريضها لا أكثر، تهتم بأطفال الغرباء وابنها لا تعلم عن حاله شئ.
حل الصباح ولكن بمكان آخر، حيث تتحرك ياسمين أمام مراد وتتحدث مع الفوج بثقة وكأنها متمرسة بهذا العمل
منذ سنوات، ترشد هذا وتشرح لذاك وتصور هذه وتلك، تتحرك كما الفراشة تسير بين أحلامها التى ظنت أنها ستحرم منها من جديد، ولكن لطف الله أعاد إليها عملها الذى تحب، اقترب منها حاملا كوبين من القهوة قائلا:
أعيرينى آلة التصوير دقيقة.
تعجبت ولكن لم تمانع لتأخذ القهوة ترتشفها بتلذذ قائلة:
خرجت اليوم دونها لأننى تأخرت، كاد رأسى أن ينفجر.
رد عليها وهو يرفع الكاميرا يلتقط صورًا متفرقة لبعض المناظر أمامه:
لا أعرف بدونى ماذا كنت ستفعلين!
علا صوت ضحكتها الساخرة لتتبعها:
على رسلك يا سيد مراد، مجرد قهوة لا تستحق هذا الغرور.
التفت بالآلة نحوها ليلتقط صورة مفاجئة معلقًا:
حتى الآلة لا ترضى عنك، اعتدلى بوقفتك لحظة.. ليلتقط غيرها ولكن لم تعجبه، فتنهدت بنفاذ صبر ورفعت القهوة وقبل أن ترتشف منها استوقفها:
اثبتى هكذا هكذا… تمت.
ناظرته بنظرات حملت فى باطنها تساؤلات كثيرة ورغم أنه فهمها ولكن بادر بالتحدث فقاطعته مقلدة نبرة صوته:
ألا يعجبك أن مراد رسلان بنفسه يصورك.
تراجع للخلف خطوة وسألها ضاحكا:
كيف علمت أننى سأقولها؟
مالت برأسها للأمام قليلا وأجابته بسؤال فضولي:
ما حكايتك؟ هل درست التصوير أم أنها هواية؟ أم درست السياحة؟ الصراحة تصرفاتك تحرك فضولي لأعرف عنك أكثر.
التفت ليتابع الفوج بعينيه هاربًا منها قائلا:
حان الوقت لنعود، ونصيحة منى لا تشغلي بالك بما لا يعنيك، ما بيننا عمل وليبقى كل شئ فى حدود العمل فقط، أصبحت أثق بمهارتك فى العمل لذا فلا تجعلينى أكسر حاجز الثقة بيننا.
اومأت بالإيجاب وسارت وهى متعجبة من طريقة صده لها لمجرد سؤال طرحته، لم يكن الأمر يستحق كل هذا، ولكنها لم تجادل أكثر فلا طاقة لها على جدال او شجار جديد معه.
وفى منتصف النهار وصلا إلى الشركة، يسير بخطى متسارعة بينما هى تسير خلفه ببطء فلقد أرهقتها الشمس الحارقة طوال النهار، جلس مترأسا مكتبه وجلست بإرهاق على كرسى أمامه قائلة بتذمر:
مازلنا بمنتصف الشتاء ويأبى الصيف أن يرحمنا قليلا، لا أهلا به ولا سهلا فلما يطل مبكرًا؟
بدأ يطالع احد الملفات أمامه باهتمام قائلا:
اليوم يوم سعدى لان الجو مشمس وبشارات الربيع تهل، ما أدراك انت بمتعة العمل دون المطر والماء بكل مكان.
ناظرته بطرف عينها مردفة:
لم أتعجب!
بادلها بنظرة مشابهة وأومأ برأسه يمينا ويسارا متمتما:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
فى هذه اللحظة دلفت سكرتيرة مكتبه "سارة" تسير بخطاها المتهادية المفعمة بالانوثة، تتمايل بغنج مما جعل ياسمين تصاب بالقشعريرة ساخرة من هيئتها ومكياجها المبالغ فيه، فأبصرتها الأخرى بنظرات حاقدة، فمنذ أن أتت ياسمين وهى لا تفارق مراد وكأنه واصى عليها كما تشيع سارة بين الموظفين، اقتربت منه لتميل قليلا قائلة بنبرتها الخفيضة:
هذا ملف التعويضات الذى طلبته، هل انتهيت من الاخر؟
رجع بكرسيه للخلف مبتعدا عنها قائلا بحدة:
وما دخلك؟ أقول أحضرى ملف تحضريه، أعيدى الملف تعيديه وقتما أشاء.
تحركت نحو مكتبها ساخطة عليه، فلا شئ يجدى معه نفعا، لا تسهل فتنته ولا إغرائه وبكل مرة تفشل بتحقيق هدفها، بينما ياسمين تطالعه بدهشة دون حديث وهتفت في قرارة نفسها:
يبدو أنه يتعامل هكذا مع الجميع، يجب أن اتجنبه واكتفى بالتعلم لمصلحتى فقط.
قاطع حديثها مع نفسها قائلا:
هذا الملف مهم جدا ولدى شك تجاه سارة أنها تعمل جاسوسة هنا لمصلحة الطرف المعادى والذى يهمه هذا الملف، لا يخصنى او بمعنى أصح لا يخص شركتنا بل يخص الفرع الأكبر لشركات مهران للإستيراد والتصدير، وضعه عندى أمانة ولكن يسهل عليهم الوصول إلى بيتى، وصراحة رغم طريقتك في التعامل ولكن هذا لا ينفى انك جديرة بالثقة فضعى هذا الملف بأمانتك ليومين حتى اتفرغ للبحث وراء سارة.
لم تمانع ولم يقودها الفضول لفتح الملف حتى، أخذته لتضعه فى حقيبتها مباشرة ثم قالت:
بالحفظ والصون لن يمسه مخلوق حتى تطلبه.
اومأ بالإيجاب مردفًا بتحذير:
هذا ملف تعويضات بما يزيد عن ثلاثين مليونًا، إياك أن تغفلى عنه بأى مكان.
ابتسمت قائلة بثقة:
لا تقلق، الملف بأمان لن يتمكن الذباب الأزرق من الوصول إليه.
رفع حاجبيه قائلا بنبرة ضاحكة:
واضح من فينا اللزم!
تحركت لتحمل الحقيبة وخرجت بعد أن حذرته بإصبعها:
تلاشانى.
خرجت تاركة إياه يفكر هل ما فعله صائب ام أنه جازف بملف مهم كهذا في سبيل إختبارها، هل يبالغ في التعامل معها أم انه تصرف بحكمة ليرى ان كانت سارة جاسوسة بالفعل ام أنه يظلمها بشكه.
نفض كافة التساؤلات عن ذهنه وعاد لعمله مقررا ان ينهيه قبل أن يحل المساء، ليذهب لبيته مبكرًا ليطمئن علي صديقه الذى لم يحادثه منذ أن عاد للاقصر آخر مرة.
صديقه الذى أجل مهاتفته طوال اليومين الفارطين لانه يعرف ما سيقوله ويعلم انه محقًا ولكنه غير مستعد للوم، ولكن يبدو أن شعورا ما حادث مراد أن صديق عمره ليس بخير، فأرسل له رسالة تضم سؤالا واحدا:
هل أنت بخير؟
____________
التفت نحو زهرة التى تعجز عن الجلوس بشكل مستقيم، كلما جلست تحني رأسها على ركبتيها وتضم عليها كلتا يديها و تبكي! كتلميذة تم تعنيفها من مدرسها للتو و قررت الهرب من عيون زملائها بدفن رأسها بين يديها المضمومة و البكاء!، أما هو فكان يتهرب من مواجهة عيونها الباكية لم يستطع حتى مواجهة حوائط منزله وأثاثه.
لقد مر اليوم وهو يتابعها بإهتمام ليبصر تعاملها تحت ظلال مصيبتها، تتجاوز هشاشتها بالبكاء و إستقبال طبطبة الأولاد وأحضانهم ورجائهم لها بالصمود والضحك والأكل معهم.
مرت الليلة متبوعة بأيام متتالية حتى تمكنت زهرة من الجلوس مستقيمة و التوقف عن البكاء، لتهاتف أختها أخيراً، كما تشجع خالد لمهاتفة مراد واخباره بكل ما حدث ليأتيه صوته معاتبًا:
أخبرتك مرارًا أن نهاية هذا الطريق معتمة، ومليئة بالمصائب التى ستدمر حياتك وحياة من حولك، هل يعجبك حرمانها من صغيرها؟ ما ذنبها فى مشاكلك مع كرم؟ لماذا اخترتها من بين كافة النساء وانت تعلم أنها طليقة عدوك اللدود؟ كيف قبلت الزواج بها وطليقها هو السبب فى تدمير بيتك وأولادك، هل لهذه الدرجة وصلت يا خالد؟
ليصله تبريرات صديقه التى أصبحت دون معنى بالنسبة له:
أنا تزوجتها لشخصها وليس لأنها طليقة كرم، أصلا لم أضع هذا بالاعتبار، وجدتها الأنسب لبيتى وحياتى فتزوجتها.
ليقاطعه الاخر:
وانت تعلم أن كرم يستحيل أن يعيد لها ابنها اذا علم أنك أنت من تزوجها، أغرتك قوتك وقلت لنفسك سأعيده فلا قوة تفوق قوتى ونسيت انك انسان ضعيف يا خالد، ليس لدى أدنى شك في رغبتك لمساعدتها فى استعادة الصغير ولكن الظروف لن تحالفك فإن كنت قوى فبنطاق عملك يوجد من هم اقوى منك، لا يعرفون الله ولا يخشوه، بلحظة يقت.لون ولا يرأفون بطفل او امرأة وانت تعلم قصدى جيدًا.
ساعة كاملة يواجهه بما يدركه والذي كان بحاجة إلى سماعه بصوت آخر، و لكن أيجب أن يكون بهذه الطريقة القاسية!
فى نفس الوقت أتى كلام ياسمين لأختها كما توقعت، مباشرًا محفزًة لها على الصمود وعدم الاستسلام:
لا أحد يستحق أن تفنى نفسك سوى أنس، ولكن احذرى فلديك ثلاثة أطفال بحاجتك، لا أحد لهم غيرك، فلتركنى مشاعرك وتفكرى بعقلك كيف ستتصرفين؟
فكرى مع خالد وابحثا معًا عن طريقة لإيجاد ابنك دون خسارة الثلاثة الباقيين، كونى أمًا للأربعة وحاربى لأجلهم وتيقنى من شئ واحد وهو أن أبنائك الأربعة بحاجتك، وانا معك إذا أردتى اتخاذ طريق القانون والمحاكم فأنا معك ولكن للأسف فحقك لن يأتى إلا بذراعك، لذا فيجب ان تتحركى مع خالد لإيجاد حل، أنت ساعدتيه ليستعيد أطفاله وهو مجبر أن يعيد ابنك.
ساعة كاملة تسمعها، وتبكي بصوت مكتوم حتى لا تصلها نهنهتا، لتختم حديثها ب:
انهضى لتنهى امور بيتك وتختمى ليلة الاطفال بقبلة أم علها تصل لأنس، نظفى عقلك من الهموم وفكرى بحكمة حتى لا تخسرى صغيرك، لا تنخدعى بالصندوق ولا السكين فأى طفل صغير يمكنه إدراك هذه اللعبة من الوهلة الأولى، إذا مات أنس لمات قلبك وشعرت أمومتك برحيل أليفها.
هنا فقط توقفت زهرة، فكيف لياسمين أن تعرف! بدأت في استرجاع كل كلمة قالتها من قبل، وما مرت به أختها فى الماضى، لقد كانت هنا قبلها، لقد غدر بها شبيه من غدر بها، لقد كانت هنا، نعم لقد ذاقت من نفس كأس الغدر.
ساعة أخرى أكمل خالد حديثه مع صديقه، وانهت زهرة حديثها مع اختها الحديث الذى أوضح لكلتاهما شئ خاص للغاية، ولكنه قاسيا فى نفس الوقت، فيا حسرة على النساء فى عالمنا، لا سبيل لتعلميهن سوى بالقسوة والغدر ولا سبيل للتعلم بأى طريقة أخرى، تتداولن النصائح لاجتناب المهانة، تمررن تجاربهن وعبراتهن ممزوجتين بثقل النجاة الجاثم حاملات أسفل أجنحتهن صعوبة الوصول، فتصبح المواساة والتشجيع في غاية القسوة.
امتثلت زهرة لأمومتها واتخذت قرارها النهائى ألا تجزع ولا تيأس حتى تحين اللحظة ويجتمع أبنائها الاربعة أسفل جناحيها، فقضيت أيامها تنفض التراب عن كل ركن في بيتها وتكتسب من الصغار القوة التى تعينها على إكمال الطريق الذى قررت أن تسلكه فى سبيل استعادة أنس، تحركت نحو غرفة نوح حيث وجدت إخوته حوله فأسرعت ملك نحوها قائلة: لقد أنهيت واجباتى مبكرًا حتى أنام معك الليلة.
انحنت نحوها قائلة بتساؤل:
ومن قال انك ستنامين معى؟
اقتربت منها هامسة:
لأنك مريضة، تذكرى عندما مرضت ونمتى جوارى شفيت تمامًا، وأنا سأفعل مثلك لأشفيك.
ابتسمت رغم حزنها الجاثم أمام عينيها، رغم كل هذه الخدوش الداخلية فيها مازلت تضحك وتُضحِك الصغار، تُواسيهم وتدرس لهم وتهتم بهم مراعية مشاعرهم، تأبى أن توصل إليهم شيئا مما ينهش داخلها، تحركت معها نحو اخوتها قائلة:
الشافى هو الله يا صغيرتى، كما أننى لست مريضة ولكن لننم سويا الليلة.
اقترب احمد منها ليقول:
وانا أنهيت واجباتى، فهل لى مكان وسطكم.
لامست شعره بحنان مردفة:
سآخذكم بحضنى ثلاثتكم وندفء بعضنا.
زحف نوح نحوها رافعا يده متحفزا لكى تحمله، لتقترب لتحمله تضمه بحضنها دافنة وجهها بين ذراعيه الصغيرتين، جاهدت نفسيها كى لا تبكى ولكن لم تستطع السيطرة على دموعها الهاربة من عينيها، فلقد تمنت فى تلك اللحظة أن يكون أنس هو الذى يعانقها، جائها صوت الصغير مناديا عليها بصوته المتقطع، فأخذت تقبل خديه وكفيه ثم توسطت الفراش بينهم لتسرق من الزمن ساعات وجيزة من الاطمئنان وسط براءة الأطفال، ولكن تأبى الراحة أن تستقر ولو لدقائق داخلها مما جعلها تعقد العزم لتنفيذ قرارها.
حل صباح يوم جديد حاملاً بطياته الكثير مثل الأيام التى سابقته، استفاقت زهرة التى لم تنم سوى لحظات معدودة فتستيقظ كل حين على صورة إبنها، فخيل لها عقلها الباطن أنه يحتاجها، تحركت من الفراش لتطبع قبلة مطولة لكل طفل على التوالى، وقلبها لا يطاوعها على ما ستفعله ولكن لا حل أمامها سواه، بحثت عن خالد بأرجاء البيت ومن حظها أنها لم تجده فأسرعت لتبدل ثيابها متمسكة بزمام خمارها لتخرج من هذا البيت كما دلفته، لتترك لخالد رسالة مضمونها:
" تجربتى دون أنس هى أبغضُ تجرُبة مررتُ بها على الإطلاق، أصابني فراقه بانعدام الشعور مرة أخرى، وأيضا أصابنى غياب الأمل كُليا فلا أتمكن من الانتظار اكثر، لا تفكر أننى تخليت عنكم، ولكن إبنى يحتاجنى ما كان علي القبول بالزواج وبدأ حياة جديدة قبل عودته، لذا فيجب ان اضع كل شئ بنصابه، سأعيد صغيرى وأعود إليكم وبعدها لن نفترق للأبد"
وسلكت زهرة طريقها هاربة من قطارها بحثًا عن قطار آخر يقلها حيث حبيبها الغائب، لتتبع رحيلها بتنهيدتان وخيبتان وفتح طريق لا نهاية له من حزن لا يطيقه بشر، وسؤال معتاد ولكنه مهم:
إلى أين سيذهب بها قطار الحياة؟
