recent
جديدنا

فجر جديد على درب الآباء الفصل الثاني عشر

فجر جديد على درب الآباء 
الليالي المظلمة الجزء الثالث 
بقلم أمل محمد الكاشف



 تغيرت ملامح وجه تولاي قائلا بصوت منخفض حزين:

" كيف هان عليكِ …

صمت دون أن يكمل.


سحب يوسف الورقة ليقرأها من بعد ابنه منصدمًا بما قراه ، حزن هو أيضا ليس لأنهما انفصلا وحسب بل ولأنه شعر بالذنب حيال ذلك، فمن يقرأ رسالتها يستنبط منها تأثر زبيدة بأحاديث يوسف وكثرة خوفه ونصائحه لهما .



حزنت العائلة على تولاي وانقلاب حالته من الفرح الشديد للحزن وخيبة الأمل الكبيرة.


صعد الغرفة ممتنعا عن الحديث طالبا تركه بمفرده لبعض الوقت حتى يستوعب ما حدث.


تحدث يوسف فور ذهاب ابنه قائلا:

" اعلم ستقولين انت السبب وانت من فرقهما ، ولكني محق الفتاة لا زالت صغيرة، تسعة عشر سنة ليس بسن جيد للارتباط وخاصة ان كان الارتباط في ظروف مثل التي مروا بها والتي عايشتها الفتاة في منزل عمها، وايضا هي مختلفة تماما عنا حتى أنت ِ قولت لي ذلك"


مدت لي لي يدها نحو أمها لتعطيها الخواتم قائلة بحزن:

" لا اعرف ماذا افعل بهم، ليبقوا معك حتى نرى ما سيحدث بينهم"


تنهدت سيلين وهي تأخذهم من ابنتها مجيبه عليها:

 " ساخبئهم بخزنة المكتب لا داعي أن يبقوا أمامه ".


تحدثت لي لي قائلة:

 " هل اذهب للتحدث معه لعلنا نجد … 


قاطعها يوسف رافضا ما تقول:

  " لا تضغطوا عليه ولا يحدثه أحد بهذا الموضوع لعدة أيام، دعوه يفكر على راحته ليكن قراره نابع من عقله وقلبه فقط".


تحركت لي لي قائلة:

 " حسنا إذا سأصعد لغرفتي واغرق بنومي "


نظرت سيلين نحو زوجها قائلة بحزن: 

" حزنت لأجله ، كنت أعلم أن قراراتهم المتسرعة ليست في محلها ولكني حزينة عليهم تمنيت لو نجحا بحياتهما الجديدة، تمنيت لو غيرت من نفسها وواكبت حياتها الجديدة".


نظر يوسف نحو باب غرفة الضيافة قائلا:

" دعينا لا نستبق الأحداث أخشى أن يكون هناك حمل دون معرفتنا ".


سألته سيلين بسرعه:

 " هل ذهبا للفندق من جديد ".


هز رأسه نافيا ما تقوله زوجته:

" لا لم يذهبا لأي مكان عائد لنا ولكنه لن يعجز بإيجاد أماكن أخرى، رغم اني اثق بوعدهما لي".


شردت سيلين بحزنها مهمهه بكلماتها قائلة:

 " هل ظلمناهما بفصلهما عن بعضهما البعض"


ولأنه كان يشعر بالذنب حيال هذا الأمر، لم يستطع نفي ما يقال ضمها بحضنه مجيبا عليها:

 " لا تحزني نفسك ان كان لهما نصيب سيجتمعان من جديد ، ولكن ان تركها بسهولة اعلمي حينها أنه الخير لكلاهما".


وصلت زبيدة لمادرين بحالة سيئة لعدم كفها عن البكاء طوال الطريق، تذكرت حين خرجت تبحث عنه بعد انتهاء الخطبة لأجل تحدثهم كما وعدها منصدمة بحديث والديه عنها، بكت أكثر حين شعرت بعدم تناسبها معهم وعدم استطاعتها تلبية أحلامهم بها، عادت وقتها للغرفة وهي تعزم على ترك مكانها والانسحاب دون أن تضغط أحدا منهم بوجودها، خرج هذا القرار من محض حبها الكبير لعائلة تولاي والمعروف الكبير الذي قدموه لها بجانب شعورها بالذنب حيال ربط مستقبل شاب طموح ناجح به كل المميزات النادرة مع فتاة بسيطة كل ما يميزها حبها الكبير لهم وارتباطها بهم عاطفيا، استقبلها عمها الأكبر بين ذراعيه وهو يحنو عليها مما زاد من بكائها وقولها " انتهى كل شيء ".



رد عمها بحزن كبير:

 "لا يا ابنتي بل ابتدأ، بل ابتدأ، حان الوقت بأن نعوض ابيكِ عن تقصيرنا بحقك".


وافقت على البقاء بجانب عمها شرط عدم تزويجها من أي شخص معلنة عدم خوضها هذه التجربة من جديد، وعلى غير المنتظر احترم عمها رأيها ووعدها ان لا يضغط عليها حتى أنه يأمل أن تكمل تعليمها.


مر يومين على الافتراق كانوا أشبه بنار جهنم وهي تأكل وتحرق ضلوع صدورهم.


خرج تولاي من صومعته باليوم الثالث مرتديا طقمه الرسمي معلنا عودته للعمل ورفضه الذهاب لزبيدة كي يعيدها عن قرارها فإن استطاعت تركه والتخلي عن حبهم بالبعد من أجل اسباب غير مقنعة فلا داعي لمراجعتها فالحياة ليست بهذه البساطة والقادم دائما أصعب وغير متوقع، فمن يترك بالبراح يمكنه أن يترك في الشدة بسهولة.

سأله ابيه:

 " هل أنت متأكد من قرارك؟" 


اجابه تولاي بقوه:

 " نعم فلننهي الأمر ".


رد يوسف قائلا:

 " حسنا كما تشاء ولكن علينا ان نصبر لمدة شهر حتى نتأكد من عدم وجود حمل بالوسط".


تحدث تولاي بحزن قائلا :

" لا يوجد شيء كهذا لقد اعطيتك وعد ولم أخل به إن كان هناك حمل ..


تحدثت سيلين لتحذره:

 " إياك أن تخطئ بحقها لم نرى من الفتاة غير كل خير".


قاطع يوسف حديثهم قائلا:

 " اتركوا الأمر لي، سأتحدث اليوم مع المحامي كي يحدث الطلاق غيابيا، وساعطيها حقها وما يجعلها تعيش عمرها دون الحاجة لأحد، كما ستتواصل مع عمها طالبا منهم السماح بحقهم كي لا يكون عيبا علينا ".


اعترض تولاي على ما قاله والده الذي لم يستمع له قائلا بقوة:

 " الحق حق يا بني، لن ينقصنا هذا شيئا ولكن ان لم نفيها حقها من المؤكد أننا سنخفق ونعاقب أمام الله عليها ".


وصلت أوراق الطلاق لمنزل عمها

بعد عدة أيام، ازداد حزن زبيدة التي تمنت لو تمسك بها وأصر على بقائها بجواره، وقعت على اوراق انتهاء حياتها ورحلتها بهذه الدنيا التي تشعر أنها لم تأخذ منها سوا الظلم والهوان.


بالبداية رفضت زبيدة أن تأخذ مستحقاتها كطليقة لحفيدة الفولاذ، ولكن كان لعمها رأي آخر حين أصر على أخذها حقها.


تحدثت زبيدة :

" لا ليس من حقي ، هو من له حق لدينا لقد حافظ علي واسترجع حقي أمام عشيرتنا".


أصر عمها على رفضه وطالبها بأخذ كل هذه الأموال التي ستجعلها في غنى عن الحاجة إلى الناس طوال حياتها 


كان هناك أوراق من المفترض امضائها عليها تحتوي على قبولها الطلاق واستلامها مقابل ذلك بشرط عدم خروج أي سر من أسرار القصر والعائلة وعدم إلحاق الأذى بهم ولو بخبر أو كلمة .


 حرق تولاي بسهولة تركها له وأخذها مقابل هذا ايضا .


ورغم صغر سنه اثنان وعشرون عاما إلا أنه تأثر كثيرا بهذه الحادثة، اصبح شخصا مختلفا كبيرا ناضجا جادا قويا لا يحب الضحك الكثير ولا التهاون بالعمل.


 مرت الأيام الأولى و ما تلاها من اسابيع وشهور حتى أتى موعد زواج حفيدة مملكة الفولاذ، لم يكن أسطوريا كما رغب والديها فهي تحلم بزفاف بسيط في وسط عائلي خالي من الصخب والأضواء والصحافه.


هذا ما تمناه العروسين وهذا ايضا ما تم تلبيته لهم ، خرجت الدكتورة لي لي من القصر بفستانها الكبير الذي أشبه بفستان الأميرة ديانه، استقبلها نادر بباقة الورود مقبلا يدها فاتحا بعدها باب السيارة البيضاء الكبيرة لتدخل بها بمساعدة امها واخت نادر، وقبل تخطي السيارة البوابة الكبيرة اسرع تولاي ووقف أمامهم ليبدأ رقصة الدبكة أمامهم، انضم إليه أبيه بسرعة وفرح كي يرقص معه.


اسرع نعمان هو أيضا متخطيا السيارة الكبيرة ليقف أمامها وهو يشارك والده وأخيه الرقصه ليصبح هذا السبق الأول للكاميرات الاعلامية حين تم نقل الحدث مباشرةً على وسائل الإعلام. 

دمعت عين سيلين من الفرحه الكبيره، كما دمعت عين زبيدة وهي تنظر لوجهه البشوش وضحكه برقصته مع عائلته، غص قلبها وتألمت من معدتها التي انهاها التهابها و نفسيتها المدمرة.


كانت تتخيله وسط البنات يضحك ويتحدث او انه ارتبط ممن كان يتحدث معها يوم خطبة اخته، ولكنها لا تعلم أثر الجرح الذي تركته بقلبه مما جعله يحد عن نساء العالمين خشية تركه والسقوط بحزن جديد.


أصبح لا يؤمن بالحب من النظرة الأولى ولا يؤمن بالبدايات التي تملك القلب والعقل، هو أيضا توقع ارتباطها وزواجها من ذلك الرجل عريض المنكبين وسيم الوجه أشقر الشعر.


راوده كثيرا كابوس رؤيته لهما وهما بباحة منزل العم الكبير يضحكان ويتسامران بسعادة وحب.


بل وفي ليلة من الليالي زاد شوقه لها ليصطحبها بحلمه شاردا بجمال حضنه لها مستيقظا على رؤيتها مع ذلك الرجل يتبادلان القبل ليستيقظ منه بضيق صدره وغيرته عليها وكأنها لا زالت زوجته ، ظلت قبلتهما عالقه بخياله تضغط عليه لأيام حتى راوده الفضول بالتقصي عن أخبارها.


تراجع بسرعة هروبا من أن يثبت حقيقة أحلامه، ليته لم يهرب من شوقه وحبه لها فهي في أشد الحاجة لحضنه حين توفى عمها وتركها وحيدة من جديد.


سافر العروسين لأمريكا حيث مكان استقرارهم وعملهم الجديد، بجانب إكمال نادر دراسته وابحاثه.


اضطر يوسف الموافقة على طلب زوجته بالانتقال لألمانيا مع ابنه نعمان كي يكمل تعليمه التابع للبعثة العلمية لمدة أربع سنوات.


بعد أن رفضت سيلين سفر نعمان كي لا يبتعد عنها مجددا قائلة:

  " اغرقته بالتعليم الداخلي منذ صغره وحرمتني منه كثيرا وجاء الوقت ليبقى بجانبي "


تنازل يوسف واضطر الى السفر فهو يعلم جيدا كم هي محقة، تحملوا الكثير كي يستمر بهذه المدارس لجعله مميز بكل شيء حتى أصبحت البعث تتهافت على التحاقه بهم مما لديه من ذكاء زائد وقدرات ذهنية سابقة لعمره.


سافر والديه للعيش بالمانيا كي يبقيا بجانبهم أثناء تعليمه بالجامعة.


ترك يوسف حمل إدارة الشركات لابنه بعد ان تحقق حلمه برؤيته له وهو يقود الشركات باهتمام كبير.


لم يتركه وحده يتابع الأعمال عبر الإنترنت، يقوم بالاجتماعات كما كان يعود إلى تركيا عدة مرات في الشهر لمتابعة بعض الأعمال والتوقيع على بعض الأوراق الهامة ومن ثم يعود لألمانيا.


ظلوا على هذا المنوال لمدة ثلاث سنوات كاملين رفض تولاي خلالهم البقاء بالقصر الكبير وحده، ذهب لمنزل والديه الذي رغم قدم ذكراه الا انه له محبه خاصه بقلبه.


 لم يؤثر قدم بنائه على شكل البناء والتعديلات والاهتمام الكبير به، ليصبح هو منزله خلال الثلاث سنوات التي مروا عليه وهو لا يعرف كيف مروا وسرقوا من عمره بهذه السهولة.



وفي يوم جديد ذهب لاجتماع مهم مع الدولة من أجل الانخراط بالمجتمع وتقديم الدعم للشعب، نجح تولاي باثبات نفسه وملئ مكان أبيه في غيابه فداك الشبل من ذاك الاسد الذي رعاه وكبره على حلم أن يضعه على عرش مملكته الفولاذية، وها هو تولاي ينفذ وصية جده ويفاجئ الجميع بأخذ عمال بقدر ثلاث أضعاف من المقرر أخذهم وتعينهم لديهم للتقليل من البطالة ومساعدة الشباب .


خرج من الشركة بدون أفراد أمن كعادتهم المختلفة عن المسؤولين وهذا أكثر ما كان يميزهم.


ولكى يخرج من نفق الدعايا والوقوف أمام الكاميرات لاستعراض نفسه وشركاته كباقي المسؤولين، استأذن تولاي من الجميع ليدخل الحمام كي يغسل يديه ومن ثم يلحق بهم.


 ذهب إلى الاتجاه الآخر رافعا هاتفه ليجري اتصالا بوالده كي يبشره بنجاح الاجتماع وأخذه جميع العلامات كاملة.


نظر خلفه ليتأكد أنه وحده دون سماع أو رؤية أحد له دون أن ينتبه

للشخص الذي خرج من الجهة اليسرى مصطدما بها.


انزل هاتفه وأمسك الفتاة قبل سقوطها أرضا، علقت عينيهم ببعضهم دون أن يتعرف عليها بشكل مؤكد فمن الواضح أن العمر وهبها

نضوج ونضاره وجمال زائد عن

طبيعتها، وقفت متحررة من يديه

مخفضة نظرها قائلة بسرعة تحركها من أمامه :

 " أعتذر منك لم انتبه ".


سألها: " زبيدة موارس ؟".


اكملت سيرها دون ان ترفع عينها بعينه أو تجيب على سؤاله ليزيد هذا من شكه ، اكمل طريقه للحمام وهو لا يصدق تصادف الشبهه الكبير بين هذه الفتاة وزوجته السابقة.


شرد بالاحلام ليتحرر وجهه بابتسامة صغيرة قائلا لنفسه:

 " من المؤكد أنها من نفس مدينتها فهذا الجمال الطبيعي ….


صمت ليلملم ادراج قلبه الذي نبض بألمه مجددا محرما عليه التفكير فيما حارب لأجل نسيانه ، اسرع بخروجه و توجهه للمخرج الرئيسي كي يذهب إلى شركته منصدما بالمؤتمر الرسمي الذي ألتحق به بعد أن خرج هاربا من ماضيه.


اخذ نفسا طويلا محاولا من جديد استجماع نفسه وهو يرد على أحد الصحفيين، رأها تسير أسفل الدرج مقتربة من سيارة حمراء ذكرته بوعده القديم الذي قطعه على نفسه بشرائه لها نفس نوع السيارة عندما تتعلم القيادة .


شرد من جديد ولكن هذه المرة كان

يقطع شكه باليقين قائلا لنفسه :

" من الذي أتى بها إلى هنا، هل هي من إحدى العاملين …


غرق في الإجابة على الأسئلة بذهن مشتت فلقد فتح جرحه من جديد

ليكون أول دخوله لمنزله ذهابه إلى 

خزانة غرفته كي يخرج صورتها

المدفونة بها ليؤكد لنفسه أن من

رأها تختلف عنها، بل ليؤكد لنفسه أنها هي من رآها 


تنهد بضيق هاربا من الصور نادما

على ذهابه للاجتماع و الصدفة التي

جمعته بذكرى لم ينساها ابدا.


مرت عدة أيام ذهب تولاي بعدها إلى نفس المكان بعد أن قاده قلبه للتأكد من شخصها وتقصي اخبارها ولو من بعيد، كان يخدع نفسه فقلبه وعقله تمنيا لو يراها ويصطدم بها من جديد.


رأى سيارتها الحمراء في نفس المكان نظر للوحة الرقمية الذي حفظه بذاكرته قائلا:

" لماذا لم اجري بحثا عن اسم مالكها".


قاطع تفكيره استقبال وفد من العاملين له، فتح باب سيارته ونزل مرحبا بهم، دخل وسطهم متبادلين السلام.


وجدها وسط العاملين تتحرك وهي تحمل ملفات بيدها، اقترب من المكان ملقي السلام على الجميع


 

وقفت زبيدة بجانب الموظفين مخفضة رأسها دون النظر له، نظر نحوها بين الحين والأخر وهو يتحدث لهم متسائلا عن مستوى رضاهم عن الشركة والعمل وما يتمنوه مستقبلا.


كلما ابعد عينه عنها خاطبه قلبه

صارخا بفرحة رؤيته لها ، أخذ

مديرها منها الأوراق قائلا لتولاي:

 " الحمدالله الجميع متعاونين هم يقومون بعملهم على أكمل وجه ونحن لا نقصر في الاهتمام وتقديم الدعم النفسي والمادي لهم، انظر للأوراق لترى مهارة العاملين بشركتنا، سأعطيه لك كي تنظر لما داخله دون أن أعلم محتواه".


ابتسم وهو ينظر لها قائلا:

" هذا يعني أن المدير يثق بكِ أكثر من ثقته في عمله"


ضحك المسؤول قائلا:

" ليس لهذه الدرجة".


اقترب منه واخذ الملفات التي بيده

لينظر داخلها وهو يوجه الحديث لمن

أشار عليها دون النظر لها قائلا :

" هل أنتِ من قام بهذا العمل " 


لم ترد اومأت رأسها فقط، تحدث المسؤول قائلا:

" السيدة زبيدة موارس موظفة جديدة في الشركة نشيطة ومجتهدة كما أنها تحب التعلم و تستمع للنصائح".


اخفض المسؤول رأسه مقتربا من تولاي قائلا بصوت منخفض: 

" لديها مشكلة في النطق غير دائمة ولا تؤثر على كفاءة عملها لذلك دعونا أن لا نضغط عليها"


قالها رافعا صوته وهو يشكر العاملين مصطحب الضيف ليكملوا طريقهم جهة مكتب مدير الإدارة.


انصدم تولاي مما سمع كان يفكر بوضعها، رفع عينه من عليها ليتحرك معه نحو مكتب الإدارة، أسرعت هي بسيرها واتجاهها نحو الحمامات هاربة من الجميع ، أغلقت الباب خلفها وهي تضع يدها على قلبها محاولة تهدئة نفسها قائلة:

 " اهدئي لم يحدث شيء ، بهذا القدر فقط، سيذهب لشركاته وحياته ، بهذا القدر فقط ".


جلست مكانها أرضا وهي تضع يدها

على فمها لتبكي قائلة :

" ماذا تظنين نفسك ، لم يتعرف عليك حتى سمع اسمك ، لقد نساكِ، لقد اصبحتي ذكرى عابرة بحياته ".


توقفت وهي تمسح دموعها قائلة:

" لا يمكنني البقاء على احتمالية رؤيتي له مجددا، سأقطع اي طريق يقربني منه ".


تحركت بسرعة نحو مكتبها لتأخذ 

حقيبتها كي تخرج منه دون الحديث أو

الاستئذان من أحد ، صادفها بخروجه

اسرع من سيره ليلحق بها ولكنها

كانت أسرع منه حين صعدت سيارتها

وانطلقت بها بسرعة مخيفة .



تحدث لنفسه متسائلا :

" ماذا تفعل هذه هل فقدت عقلها؟ ".


قاد سيارته خلفها منصدم بتوقفها

المفاجئ قبل اصطدامها بالسيارة التي

كانت تخرج من شارع جانبي، أوقف

سيارته وأسرع نحوها ليرى ما أصابها ولكنها لم تنتظره حين قادت سيارتها هاربه منه قبل اقترابه منها.


حدث نفسه قائلا " هل نعلب مع

بعضنا ما بها وما قلة الاحترام هذه

الإنسان يقف ويلقي السلام احتراما

للذكرى الكبيرة التي كانت تجمعنا ".


سمع صوت اصطدام كبير هلع قلبه و

انتزع من مكانه اسرع ليصعد سيارته

مقتربا بها من مكان الحادث ليجدها

تحدث الناس وتخبرهم انها بخير،

اقترب منها متسائلا بعصبية:

 " كيف صعدت أعلى الرصيف بهذا الشكل؟ ".


لم ترد عليه اتصلت بشخص يدعى

سليمان لتخبره بثقل لسانها عن الحادث والموقع طالبة منه سرعة المجيء إليها.


تحدث تولاي من جديد ليسألها قائلا:

 " لا داعي لمجيء اي احد انا سأساعدك "


لم ترد عليه تحججت بانشغالها بالرد

على المارة وجلوسها جانبا ملتقطة

نفسها، غضب من إهمالها

له وعدم اهتمامها لحديثه معها، تحرك وصعد سيارته مبتعدا عن مكان الحادث .


لم تتحمل ابتعاده نزلت دموعها وهي

تحدث روحها :

:انتهى كل شيء صدقي هذا ، استسلمي، لقد انتهى وذهب منذ أن غادرتي قصرهم ".


عاد تولاي وبيده زجاجة ماء ليجدها غادرت المكان تاركة خلفها شاب يدعى سليمان كان يتحدث مع الشرطة ويخبرهم أن السيارة بإسمه،

اعتقد انه زوجها لذلك ظل ينظر إلى ملابسه الكاجول ومظهره بغيره كبيرة.


تحرك بحزن صاعدا السيارة من جديد، نادما على سماعه لصوت قلبه و عودته إليها، لم يقود سيارته بعيدا حتى صفها بجانب الطريق ثم نزل منها ليدخل حديقة عامة كي يجلس بها محاولا بهذا السيطرة على نفسه.


كان غاضبا ساخطا على نفسه بشكل كبير حتى رأها أمامه تدخل الحديقة من الجهة الخلفية وهي تسير بصعوبة من شدة بكائها.


 تسمر مكانه يراقبها وهي تجلس واضعة يديها على الطاوله الخشبيه التي أمامها دافنه رأسها بوسط ذراعها لتكمل بكائها الذي أصبح مسموعا لمن حولها.


لم يتحمل قلبه من جديد ظل يصارع نفسه ويمنعها من الاقتراب منها حتى لا يحترق وكعادة قلبه الذي لا يستطيع الوقوف صامدا أمامها ذهب مقتربا منها قائلا:

"ولماذا البكاء؟ هل تتألمين على إثر الحادث؟ أم قلبك من يؤلمك؟ ولماذا يؤلمك ما السخف الذي أتحدث عنه ألم تبتعدي برغبتك؟"


اوقفت دموعها ولكنها لم تستطع إيقاف اهتزاز رأسها الغير إرادي، حزن لأجلها وعاد ليتحدث دون ان ينتظر الرد منها قائلا:

 " اعتذر منكِ ضغطت بشكل زائد، بصراحه لم اتوقع ان لقائنا الأول سيكون بهذا الشكل" 


لاحظ حركة رأسها التي كانت تتغير مع حديثه وكأنها مرة تؤيده ومرة تنفي ما يقوله، ليسألها دون تردد قائلا:

 " هل أنتِ مريضة؟، ما هي مشكلتك مع النطق؟" 


بكت وهي تقف مبتعدة عنه هاربة من شفقته عليها فكيف ستخبره أنها أصيبت بمرض نفسي يلجم لسانها ويمنعها عن التحدث وقت تعرضها للحزن أو الضغط ممن حولها.


من سرعتها التوى كاحل قدمها أسفلها، ليسرع بإمساك يدها كي لا تسقط ، عادت لبكائها الذي افقده عقله خوفا عليها، وبدون ان ينتظر موافقتها ارغمها على صعود سيارته ليوصلها إلى منزلها ويطمئن عليها بداخله قبل تركه لها.


 صعدت سيارته دون النظر له مكتفيه بالنظر جهة الزجاج بحزن كبير.


وصلا لمنزلها الصغير في بناية تقع بمجمع سكني مؤمن بحراسة خارجية وداخلية مع خدمة تنظيف وطبخ ورعاية لجميع السكان أيا كانوا من الملاك أو المستأجرين .


جلست زبيدة بالصالون ليجلس هو بجانبها قائلا بصوته الحنون :

" اهو عضوي؟ هل تشتكي من مرض عضوي؟"


نفت ما يقوله محاولة التحدث بلسان ثقيل يتحرك ويخرج حروفه بصعوبة قائلة:

 " لا انا بخير ، انام فقط بعدها يتحسن كل شيء" 


رد مترجم ما فهمه قائلا:

 " تعني ان نمتي ستتحسني؟، أخشى أن يكون ضغطك مرتفع؟ " 


ومن تخوفها هي ايضا وتنبيه الأطباء من خطورة ارتفاع ضغطها أشارت له نحو جهاز قياس الضغط.


 اخذه واقترب منها ليقيس لها ضغطها متفاجئ بارتفاعه ، تحركت زبيدة بصعوبة ممسكة حقيبتها لتخرج منها دواءها ، اخذت حبة ووضعتها أسفل لسانها وهي تقول بصعوبه:

 " علي ان انام " 


بحث بعينه عن مكان غرفتها ليتجه نحوها وهو يفتح لها الإضاءة رافعا الغطاء قائلا:

 " هيا ادخلي ونامي أنتِ وانا سانتظرك حتى تستيقظي كي اطمأن عليكي " 


رفضت بحركة رأسها ، ليجيبها مستنكرا لرفضها:

" هل تخافين مني؟ هل هو أمر لم نفعله سابقا ؟"


 دمعت عينيه حين رغب باحتضانها ولكنه منع نفسه بشدة مكتفيا بتسنيدها ومساعدتها بالاستلقاء على الفراش، مال عليها ليحسن من الوسادة الخلفيه ناظرا لعينيها و وجهها القريب منه للحظه تخيل نفسه وهو يغمض عينه ويقبلها بشوق قلبه المحب كسابق عهدهم.


 ابتعد بسرعه عنها مجاهد هذا الشعور وهو يقول لها :

" سأبقى بالصالون سأنهي اتصالاتي وبعض أعمالي على الهاتف كوني على راحتك" .


وصل لباب الغرفه ثم استدار وهو يتساءل :

" هل يمكنني استخدام اللاب توب الخاص بك؟ رأيته بالصالون طبعا لن تستطيعي منعي فلا حل أمامي غيره" 


وخرج من الغرفه تاركها خلفه تضع يدها على جبهتها خجلا مما سيراه، فها هو يفتح اللاب توب الخاص بها ليجد صورته تملأ الشاشة أمامه، سعد وجهه لما رآه أراد أن يذهب ليسألها عن الشفرة ولكنه تأنى وجرب اسمه الذي كانت تضعه بالسابق شفرة لهاتفها.


 لم يصدق عقله أنه نجح بالفعل وفتح الجهاز أمامه، طار من فرحته رغم حزنه على حالتها فما الذي مرت به لتصبح بهذه الحالة .


رن هاتفها ليجد اسم سليمان غار قلبه مما جعله يخفض صوته دون رد عليه، استمر بعمله ومراسلة أبيه و إرسال الملفات المهمة له حتى نام على الاريكه من شدة ارهاقه.


استيقظت بالمساء لتجده نائم اخذت مفرش و وضعته عليه ذاهبة للمطبخ لتبدأ بتحضير الطعام، فكرت ماذا تعد له لتتذكر شوربة الخضروات المحببه لديه وخاصة إن كانت من يدها.


تحركت بجسدها المتعب لتحضرها له دون أن تتوقع استيقاظه بهذه السرعة على رائحتها، عاتبها على اجهادها لنفسها ولكنها تحدثت بصوت افضل كثيرا بسبب راحتها و وجوده بجانبها قائلة: " أنا بخير لا تقلق " 


جاء على خاطره سؤاله عن حالة لسانها وما الذي اوصلها لهذه الحالة، تحدث على استحياء مشيرا نحو فمها طارحا سؤاله بصوت منخفض كاد أن لا يسمع.


حزنت حتى دمعت عينيها دون اذرافها قائلة:

" اتركنا من هذا لقد اعتدت على الصعوبات وتعايشت معها، لا تحزن نفسك انا بخير " 


اقتربت من الموقد وأغلقت اسفل الشوربة قائلة:

 " سأسكب لك طعامك حتى تتمكن من العودة للقصر دون تأخير".


 استدارت للحظة ناظره له وهي تقول:

  " اعتذر منك لم أسألك ان كنت ستتناول منها أم عليك أن تعود للقصر لتنضم مع عائلتك على مائدة العشاء".


جاء ليرد عليها ولكن قاطعه رنين هاتفها من جديد، أخذته من جانب الاطباق وهي تجيب عليه:

 " لا عليك أنا مستيقظة تفضل استمع إليك ".


تحدث سليمان واخبرها عن إرساله السيارة الي التوكيل الخاص بها، وإنهاء الوضع مع الشرطة..


شكرته على اهتمامه معتذرة له عن تعبه .


أجابها بطيب خاطر وحسن خلق :

" لا عليكِ أن احتجتي شيء آخر اتصلي بي، وايضا أن كنتي بحاجه لسيارة أخرى حتى تخرج خاصتك من التوكيل أخبريني وانا اتفق مع معرض السيارات واستئجر لك واحدة على الفور"


 نظرت زبيده إلى وجه تولاي وهي تجيب سليمان:

" شكرا لك من جديد ،سافكر بهذا كما تعلم غدا عطلة ولا أعتقد أنني سأحتاج للسيارة بشكل ضروري ".


أغلقت هاتفها وهي تنظر له قائلة:

 " ما بك هل تأخرت على عودتك ".


لم يجيبها على سؤالها مضيفا له سؤلا جديد قائلا:

 " ما قدر صلتك به هل انتما؟، يعني هل انتما مقربين؟" 


ونظر حوله مكملا بشكل صادم:

 " هل كان من المفترض أن يكون هو مكاني الان " 


حزنت كثيرا من كلماته صمتت طويلا دون النظر له ليعتذر هو قائلا:

 " ما كان علي ان اتعدى حدودي وأخذ مكان غيري اعتذر منكِ ومنه " 


شعرت بالإهانة تحركت لجهة الباب فتحته وهي تقول بصعوبة:

 " انا من عليه الاعتذار ما كان علي ان ادخلك لمنزلي وانام وانا استأمنك على نفسي، اعتذر كان علي ان اتذكر اننا اصبحنا اغراب، اعترف بلحظه نسيت كل هذا وادخلتك منزل لم يدخله احد من قبلك، معك حق عليك أن تفكر بي بهذا الشكل فتركي لك ونومي ونحن بالمنزل وحدنا جعلك تعتقد أنني….


قاطعها وهو يقترب منها قائلا :

" لا تكملي..  


ذرفت دمعه من عينيها عند شعورها باقترابه منها قائلة له:

 " من فضلك تأخر الوقت اسمح لي ان ارتاح "


حزن على نفسه وهو يغلق الباب بطرف يده قائلا :

" لن اذهب لأي مكان ولن يأخذ احد مكاني الليلة" 


ردت عليه بصوتها الثقيل الملغم بالبكاء قائلة :

" لا يوجد أحد لا تقلق اذهب لا اريد احد معي من فضلك اذهب الان " 


لم يستطع تملك نفسه وهو بجانبها بهذا القرب مال عليها ليقبلها من شفتيها دون ان ينتظر صدمته حين تلقى صفعة قوية على وجهه قائلة:

 " هل انا رخيصه وسيئه بنظرك لهذا الحد؟، اخرج من منزلي ولا تعد الى هنا مرة أخرى ".

يتبع....

google-playkhamsatmostaqltradent