recent
جديدنا

وهم النجاة

 الخوف من التعلق ووهم النجاة

بقلم سميحة رجب 




لم أكن أعرف اسمها الحقيقي…

وربما لم أرد أن أعرفه.


بعض الأشخاص إذا امتلكت أسماءهم صاروا عاديين،

وأنا كنت أخاف أن تتحول إلى عادية.

كانت تدخل الأماكن وكأنها لا تدخلها،

تجلس على الحافة لا في المنتصف،

تضحك بنصف فم كأنها تسمح للفرح بالمرور دون أن تقيم له إقامة كاملة.

لم تكن جميلة بالمعنى الذي يريح الناس،

بل بالمعنى الذي يربكهم.

أول مرة رأيتها ظننتها متكبرة،

وثاني مرة ظننتها خجولة،

وثالث مرة أدركت أن المشكلة ليست فيها… بل فيمن يحاول تعريفها بسرعة.

هي لا تُفهم من اللقاء الأول.

ولا من الثاني.

ولا حتى بعد الغياب.

كانت تملك قدرة غريبة على أن تكون قريبة جدًا…

ثم بعيدة في اللحظة نفسها.

تجيبك بدقة، لكنك تشعر أنها أخفت الإجابة الأهم.

تسألها:

"انتي كويسة؟"


فتقول:

"آه"


فتدرك أن الكلمة ناقصة عشرين جملة،

لكنها قررت أن تمنحك حرفين فقط…

لأنك لم تطلب أكثر.

لم تكن تحب الشكوى،

لكنها أيضًا لم تتظاهر بالقوة.

كانت فقط… تؤجل الانهيار.


أذكر مرة سألتها:

"إنتي ليه دايمًا حاطة مسافة بينك وبين كل حاجة؟"


ضحكت، نفس الضحكة التي لا تفتح فمها كاملًا، وقالت:

"علشان لما الحاجة تمشي… متاخدنيش معاها."


وقتها لم أفهم.

الآن أفهم جدًا.


هي لا تخاف من الفقد، هي فقط اعتادت عليه لدرجة أنها بدأت تستعد له قبل حدوثه.

كانت تتعلق بالأشياء بهدوء، وتنسحب بهدوء أكبر، كأنها تدرب العالم كيف يعيش بدونها.

الغريب أن الجميع كان يشعر أنه مميز لديها،

بينما هي لم تسمح لأحد أن يرى الجزء الذي يثبت ذلك.

كنت أظن أنني مختلف…

حتى اكتشفت أنني الوحيد الذي صدق هذا.

لم تكن قاسية،

لكنها لم تكن سهلة أيضًا.


ولو سألتني الآن:

هل كانت تحبك؟


سأجيب:

نعم…

لكن بطريقتها التي لا تشبه الحب في الروايات،

بل الحب الذي يجعلك تشك أنك مهم… ثم تتأكد أنك كذلك بعد فوات الوقت.


لهذا أكتب عنها دون اسم.

لأن من يعرفها…

لن يحتاج الاسم.


---


لم أقرر الكتابة عنها لأنني تجاوزتها…

بل لأنني لم أفعل.

الناس تكتب عن النهايات، أما أنا فأكتب عن شيء لم ينتهِ أصلاً… فقط توقف عن الحدوث.

اختفاؤها لم يكن فجأة.

هي لم تغب، هي فقط بدأت تقلّل وجودها بالتدريج،

كأنها تطفئ نور الغرفة قبل أن تغلق الباب…

حتى لا يلاحظ أحد لحظة الرحيل.

في البداية أصبحت ترد متأخرًا.

ثم ترد باختصار، ثم ترد على سؤال وتترك آخر،

ثم صارت الإجابة نفسها بلا حرارة…

كأن الكلمات تمر عبرها لا تخرج منها.


سألتها مرة:

"مالك؟"


قالت:

"مفيش"


لم أصدقها،

لكنني تظاهرت أنني صدقتها…

لأنني شعرت أن الحقيقة ليست شيئًا تريد قوله، بل شيئًا تريد أن ألاحظه وحدي.


لم تقل إنها ابتعدت، لكنها لم تعد قريبة.

لم تغضب، ولم تتشاجر، ولم تضع نهاية واضحة يمكن الاعتراض عليها.


هي فقط… أعادتني تدريجيًا إلى خانة "المعرفة".


أخطر ما فعلته أنها لم تؤذِني بما يكفي لأكرهها،

ولا أحبّتني بما يكفي لأرتاح.

تركتني في المنطقة التي لا يستطيع القلب فيها التقدم ولا يستطيع الرجوع.


مرة سألتها — بعد صمت طويل:

"هو أنا ضايقتك؟"


تأخرت في الرد كعادتها،

ثم كتبت:

"لا… بس أنا مش بعرف أكمّل كل حاجة للآخر"


جملة قصيرة، لكنها كانت أطول اعتذار لم تعتذر به.

وقتها فهمت أنها لا تترك الأشخاص لأنهم سيئون،

بل لأن قربهم يجعلها مسؤولة عن مشاعر لا تريد أن تخيبها.


هي لا تهرب من الناس…

تهرب من النسخة التي تصبحها معهم.

ولهذا لم أحاول إيقافها.

بعض الأبواب لو أغلقتها بيدك ستكسرها،

ولو تركتها مفتوحة ستظل واقفًا أمامها للأبد.


فاخترت الحل الثالث:

أن أكتب.


لأن الكتابة الطريقة الوحيدة التي أستطيع فيها الاحتفاظ بها…

دون أن أطلب منها البقاء.


_____________


لم أكن أبتعد لأنه أخطأ…

كنت أبتعد لأنني أعرف نفسي.

هو كان يظن أن الصمت عقاب،

لكن الصمت عندي وسيلة نجاة.

حين أشعر أنني بدأت أُصبح مهمة لشخص ما… أتوتر.

ليس خوفًا منه، بل خوفًا من النسخة التي يراها مني.


الناس تحب النسخ الواضحة:

التي ترد بسرعة، تشتاق علنًا، تغضب ثم تعود،

وتطلب البقاء.


وأنا لا أفعل شيئًا من ذلك.

أشعر… ثم أهدأ.

أقترب… ثم أراجع نفسي.

أطمئن… ثم أتذكر أن الاطمئنان مؤقت.

كان يظن أنني لا أتمسك، والحقيقة أنني أتمسك أكثر مما ينبغي، لكن داخلي فقط.

أنا لا أُظهر التعلق، لأنني لا أضمن الاستمرار.

ولا أعد بما قد لا أستطيع الحفاظ عليه.


كل مرة كنت أكتب له رسالة طويلة…

أمسحها.

ليس لأن الكلام غير حقيقي، بل لأنه حقيقي لدرجة أنه سيصبح التزامًا، وأنا أخاف أن أكون التزامًا في حياة أحد.


سألني مرة:

"إنتي ليه مش واضحة؟"


ولم أقل له:

لأن الوضوح يجعل الرحيل خيانة، وأنا أفضّل أن أبدو باردة…على أن أكون مؤلمة.

هو يظن أنني لم أقاتل لأجل بقائه، ولا يعرف أنني قاتلت بصمتي.

كنت أراقب تعلقه يكبر، وأدرك أنني لو بقيت أكثر… سأتحول من ذكرى جميلة إلى خسارة حقيقية.

وأنا لا أحتمل أن أكون خسارة في حياة أحد،

حتى لو كان ثمن ذلك أن أكون لغزًا.


لم أتركه لأنه لا يكفي، تركت لأنني لا أضمن أنني سأبقى كما أنا الآن.

بعض الأشخاص لا يُحافظ عليهم بالاقتراب،

بل بالانسحاب قبل أن تتغير صورتهم.


ولهذا غبت بهدوء…

لا لأنني لم أشعر،

بل لأنني شعرت أكثر مما يجب.


_____________


مرّت سنوات.


ليس ذلك النوع من السنوات الذي يُقاس بالتقويم…

بل الذي يُقاس بعدد المرات التي كدتُ أكتب لها ثم لم أفعل.


تغيّرت أشياء كثيرة:

أماكن، وجوه، عادات… حتى أنا لم أعد الشخص نفسه.


الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو أنني كلما قابلت شخصًا يشبهها قليلًا… أدرك فورًا أنه لا يشبهها.

لم أعد أتساءل لماذا رحلت.

مع الوقت فهمت أن بعض الناس لا يتركونك لأنك غير مناسب، بل لأنك مناسب أكثر مما يحتملونه.


كنت أظن أن النهايات تحتاج تفسيرًا،

الآن أعرف أنها أحيانًا تحتاج قبولًا فقط.


منذ أيام… رأيتها بالصدفة.


لا موسيقى في الخلفية، لا تباطؤ في الزمن،

ولا تلك الدهشة التي تصنعها الروايات.


فقط لحظة عادية جدًا أطول من كل ما قبلها.


لم نتكلم كثيرًا.

سؤالان عن الحياة، وجملة مجاملة،

وصمت يعرف الطريق جيدًا بين شخصين تعارفا مرة بعمق.


كانت هادئة… أكثر اطمئنانًا.

ليست مختلفة، بل أقل حذرًا.


ولأول مرة لم أحاول فهمها.


اكتشفت أنني لم أكن أحتاج إجابة،

كنت أحتاج وقتًا كافيًا لأتوقف عن السؤال.


قبل أن نمشي قالت:

"أظننا كبرنا"


ضحكت وقلت:

"أخيرًا"


لم نقل اشتقنا، ولم نقل ندمنا، ولم نحاول استعادة شيء.

بعض العلاقات لا تعود… لكنها أيضًا لا تضيع.

هي فقط تنتقل من الحياة إلى الذاكرة.

وعندما افترقنا لم أشعر أنني فقدتها، ولا أنني استعدتها.


شعرت بشيء واحد فقط:

أنني أخيرًا لا أحتاج أن أكتب عنها بعد الآن.


ولهذا…

هذه آخر صفحة.

وهم النجاة
اوتار الحياة

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  • غير معرف30 يوليو 2026 في 12:43 م

    جميلة تسلم ايدك حبيبتي

    حذف التعليق
    • Hoda abdelrahim30 يوليو 2026 في 12:52 م

      كتابات لا تصلح للنقد ،، كل جملة بها صافيه كنسيم الصباح .

      حذف التعليق
      google-playkhamsatmostaqltradent