recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل الثامن عشر

 خيط من حرير 

الفصل الثامن عشر. 

بقلم سميحه رجب ♥️ 


" سنقاوم..

رُبّما وَصَلَ الأمر

لشاطئِ الجهاد

سنلاعب الدنيا 

مادامت تهوى اللعب معنا

إلى أنْ تنتهي

منّا

سنقاوم..

ونسلك الدرب لنهايته 

حَسْبُنا أنّنا

سلكناه."


مضت ساعات الليل بين أنين ودمع دافئ سلك طريقه على عينيها، عانقتها رجفاات باردة تصيبها كل حين، فتنتفض من نومها القلق وترتجف اوصالها كلما لامست يده رأسها رافعا صوته ليتلو عليها بعض الآيات تارة والرقية الشرعية تارة أخرى، ليشاركها الدمع وتحاوط الرجفة كفوفه ورغم ثقل لسانه وقرائته الثقيلة وارتعادة يديه الأخرى الحاملة لكتاب الله ولكنه أصر على الاستمرار حتى النهاية، لتمر ساعات طوال حتى أنهى سورة البقرة بأكملها وقلبه بين نارين "نار هجرته للقرآن ونار الخوف على أنيسته"، تلومه نفسه ويجلده خاطره وتصيح نفسه بالى أين المفر يا خالد، ها أنت تلجأ إليه بعدما خطفتك الحياة وغرقت بين أمواجها السوداء، ها أنت ذا متجرد من قوتك الواهية لاجئًا لقوته الخالدة، تجردت نفسه الضعيفة وضميره المغيب أمام " ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او أخطئنا"، 

لتنتفض من جديد ويتصبب العرق على جبينها أسفل كفه فانحنى ليمسح وجهها ثم نهض ليرفع من صوت الرقية الشرعية، وتحرك يجر نفسه للوضوء ومن ثم ليصلى ركعتى قيام ليل قبل أن يرفع آذان الفجر، ليصلى بنفس الثقل وكأنه صغير أجبر على الصلاة دون أن يعلم كيفيتها… نسى؟ 

بل تجمعت الذنوب والخطايا على شغاف قلبه فأعتمت خلجاته. 

يعانى مع كل حركة وكل همسة ينعقد بها لسانه حتى وصل إلى السجود الأخير وهنا انفكت كل العقد واجتمعت دعواته المتأملة بالكريم الرحيم ليبدأ بصوت خفيض لم يلبث إلا وارتفع تدريجيا وهو يردد:


"وليسَ لأنّه حقّي..ولكنْ إنّني طمّاعْ بجودٍ منك يا ربّي

ذنوبي ما تزالُ هُنا ركامًا بل مزيجَ ضياعْ وعتمُ الليلِ في دربي ولكنْ إنّني طمّاعْ بجودٍ منك يا ربّي بعافيةٍ تقوّيني

تهدّئ نفسيَ الحَيرى تصبُّ الخيرَ في الأسماعْ والأبصارِ والأبدانْ تسكبُ الإيمانْ والاطمئنانَ في قلبي بجهدي لن أنالَ هناً ولو يتعلَّقُ الإغداقْ بشخصي لن أنالَ مُنىً..

أنا الخَطّاءُ والمنصاعْ للدّنيا..

وللّذاتِ والذَهبِ

فلستُ معوِّلًا أبدًا على ذاتي، على السببِ..

ولكنْ أنت يا ربّاهْ

كريمٌ تجبرُ المهمومْ وترحمه من الطوفان في الأصقاعْ

يحارُ بأيّها يبدأ وأيّ دوربِه أنسبْ قريبٌ أنت يا ربي

فساعدني وقوّمني وجنّبني..

أن أغترَّ أو ألتاعْ على دنيا تخادعُني

وارزقني.. أن آتيكَ توّابًا فأبلغ أعظم القربِ، يارب تقبل توبتى واشف زوجتى واعد السكينة لعائلتى مرة أخرى، يارب انت الاعلم بمكانتها بقلبى واهمية وجودها بيننا فلا تحرمنى مودتها ورحمتها"  


انتهى من صلاته ورفع رأسه نحوها ليجدها استيقظت ولكنها هادئة هدوء غريب، تعلقت عينها بعينيه المحتقنتين لمدة يحسبها طالت واقتحمت قدر الساعة، نظرات مجهولة المعنى والقصد. 


بلسانها المتثاقل تحاول أن تردد أذكار الصباح التى تحفظها عن ظهر قلب ولا تبدأ صباحها بشئ قبل الصلاة والاذكار، ولكن هذه المرة لسانها ثقيل وجسدها منهك وكأنها خرجت للتو من حرب ضروس، 

هو اثقله الذنب وهى أثقلها السحر…

دائان مستعصيان تعجز أمامهما بعض الانفس وتخر انهزاما، خلاف زهرة ذات الإيمان القوى والنفس القويمة والضمير الحى، اتكالها الدائم على ربها واتزان صباحها ومساءها بالاذكار كانا الدرع والحصن ضد هذا السحر فلم يصيبها منه إلا رتوش بدأت آثارها في الزوال سريعا. 


ومع بزوغ نور الصباح كانت تجلس بسريرها وقد استفاقت بعض الشئ تتوسط صغارها ملك وأحمد كلا منهما متشبثا باحدى ذراعيها بينما نوح على قدميها، وكأنهم يشعرون بتعبها فبمجرد أن أبصروا حالتها صباحا بث الرعب بأوصالهم.. 

لتتحدث ملك بأسى: 

هل أنت بخير؟ 

اومأت لها بالايجاب وابعدت ذراعها عنها قليلا ثم ضمتها لحضنها لتشعرها بببعض الأمان.


ليتسائل احمد: 

هل ذهب أبى ليحضر الطبيب؟ 


لتضمه هو الآخر وأخذت تقبل كلاهما على حدى مردفة:

لا تخافا أنا بخير ولا احتاج الطبيب، فلنترك القرآن طوال اليوم بغرفتنا وكل شئ سيكون على ما يرام. 


اعتدل الصغير ليحمل أخاه عنها وبيده الاخرى امسك 

 بيدها وكأنه يخبرها انه جوارها ولن يتركها، رغم صغره ولكنه في تلك اللحظة كان مصدرا للأمان والسند بالنسبة لها. 

اشار لاخته ولكنها رفضت ان تأتى بجانبه وتبتعد عن زهرة، ليتبادل الأخوان الصغيران نظرات مليئة بالقلق. 


لتتعلق ملك بذراع زهرة بينما احمد جلس أرضا جوار الفراش وأخذ يلاعب أخاه ويلهيه بعيدا عنها، وكل حين يناظرها بنظرته الحزينة التى تعكس وجهه البريء، يحاول هو الاخر ان يلتهى مع اخيه مجبرًا على إبعاد الصور المأساوية التي تخطر على خياله ولكنه عجز عن كبح دموعه ومن عظم حزنه دون أن يشعر حطم 

لعبة صغيرة في يده بقوة، ولكن سرعان ما تدارك الأمر واخذ يعاتب نوح وكأنه هو من حطمها واخذ يمسح دموعه خلسة قائلا: 

اه منك يانوح كيف حطمتها وجعلتها بهذا السوء. 


واسرع يلملم الحطام ليأخذه خارج الغرفة منتهزا الفرصة ليبعد عن نظر زهرة، ليقف بعيدا مستندا على الحائط وكفيه الصغيرين يحاول بهما اخفاء صوت شهقاته ليشعر بيد حانية تلامس شعره وصوت ام نوح قائلة: 

احمد؟ هل هذا انت؟ لماذا تبكى يا صغير؟ 


مسح دموعه بسرعة ليجيبها:

اجل هذا انا يا جدة ولكن لست ابكى لقد حطم اخى اللعبة وخرجت ارميها حتى لا يتأذى. 


لتبتسم بحزن مردفة:

ربما لا ارى ولكن صوتى يميز جيدا صوت البكاء فلا تتذاكى علي. 


ليبتعد قائلا بحزم: 

لست ابكى فأنا رجل والرجال لا يبكون. 


اومأت برأسها قائلة:

ابن خالد مهران ماذا سأنتظر منه؟ طبعا يا سيد احمد انت كأبيك يستحيل ان تبكيا…. هيا تخلص من تلك اللعبة وتعال لتلحق بي نحو غرفة زهرة. 


رويدًا رويدًا تستند على الحائط وكل حين تنادي زهرة حتى وصل الصوت لأسماعها فأجابتها: 

نحن هنا يا خالة. 


استدلت على مدخل الغرفة من صوتها فدلفت لتطمئن عليها، بينما من بعيد تقف عالية تراقب ما يحدث، منذ ان خرج اخاها متوترا في الصباح وهى تخشي ان تكون والدتها قد افتعلت لهم مشكلة جديدة. 


تقف بمقدمة الممر عينها على غرفة زهرة تارة وعلى غرفة والدتها تارة أخرى، لتحدث نفسها:

قلبى يحدثنى بأنك تدبرين مصيبة منذ الأمس، يارب اكذب ظنى. 


قادتها قدماها خطوات حتى تقابلت مع باب غرفتها المحرم عليها دخولها، رغم أنها أمها ولكنها منعتها من دخول تلك الغرفة ومنعت الخدم من تنظيفها، تقوم بترتيبها كل يوم ولا تسمح لأحد بأن يخطوها، ولكن هذه المرة قررت عالية أن تخالف امر والدتها وقبل أن تدلف تراجعت عدة مرات محدثة نفسها: 

المشكله اننى لا أخاف عقابك اذا دلفت ولكننى اخشي ما سأجده، يقولون انك سلكتى طرق السحر منذ سنوات ولكننى كذبتهم جميعا، اخشي أن اصطدم بالحقيقة المخفية بالداخل. 


ثوانى وكانت داخل الغرفة بعد ان افتتحت الباب بحذر شديد، وبمجرد أن وضعت قدمها الأولى داخل الغرفة، تعرضت لإحساس غريب من القشعريرة، كانت الغرفة مظلمة قليلًا، لكن التجهيم الخافت الذي سمعته جعلها تتوقف قليلاً قبل المضي قدمًا، حينما قررت إضاءة الغرفة، رأت أشياء غريبة ومرعبة تنتشر عبرها، الحائط مغطى برسومات غريبة وغامضة لأرواح وكائنات غير مألوفة، فتحت عينيها بعدم تصديق لما تراه، كما وجدت تماثيل مذهلة لكائنات خرافية في كل زاوية، وقلادة ماسية ضخمة معلقة في الوسط، كأنها تستقطب بأنوارها الأشرار. رأت صوراً لأرواح ظلامية وكذلك مجموعة من الكتب القديمة مغطا ببعض اللفائف الغريبة وحين اقتربت منها أدركت أنها أعمال يبدو أنها مجهزة لإلحاق الأذى ببعض الأبرياء، التفتت خلفها نحو الشرفة لتدرك أن ما وجدته ليس بخيال لأرواح ظلامية بل هى صفية الواقفة بالشرفة خلف الستار تتحرك يمينا ويسارا يبدو أنها تتحدث في هاتفها بغضب، اقتربت لتسمع بأذنها إدانة أمها وهى تصرخ قائلة: 

كل شئ اصنعه بنفسي وبكل مرة انجح، الشئ الوحيد الذى لم أتمكن منه بعد ولجأت إليك فشلتِ به، عقلى لا يستوعب كيف نصنع السحر بالمساء وبعد ساعات تخبرينى انه انفك. 


لترد الأخرى بصوت غاضب ومن شدته وصل لأسماع عالية:

السحر فعلناه ولكن المرأة محصنة وانفك من عند الله. 


لتصرخ بها صفية:

محصنة؟ هل تخدعيننى؟ أنت بنفسك دمرتِ عائلات وأحرقت قلوب وشتتى أسر وتسببتى فى موت الكثيرين، هل عجزت أمامها. 


لترد الاخرى:

اجل اعترف بذلك، فالاخرين غالبيتهم قليلى الإيمان وضعاف النفوس فكان ضعفهم يساعدنى أما هذه فيبدو أن يقينها قوى وايمانها أقوى، محصنة بالاذكار والقرآن. 


هزت رأسها بالرفض واصرت أن تكمل ما بدأته قائلة:

هذا كله لا يهمنى سأعيده بنفسي مرة أخرى. 


ابتسمت الأخرى وردت بتحذير:

احذرى يا صفية فهذه المرة مرت على خير، لربما ينقلب عليك ان كررتى الكرة من جديد، لا تلعبى مع شخص إيمانه قوى ولا تغترى بقوتك لأنه أقوى منك. 


زفرت بحنق واردفت بإصرار: 

لن أستسلم حتى أنهى امر خالد وزوجته للأبد وهذه المرة سأختار فردا غير زهرة… 


قاطعها صوت سقوط شئ على الأرض فأسرعت لتغلق الهاتف لتدخل، ولكنها لم تجد شئ بخلاف كتاب على الأرض وقطتها السوداء على الكرسي المقابل للباب، فتحركت لتجلس ووضعتها بحجرها وعينيها على الباب بابتسامة شريرة تعبر عما يدور بخاطرها. 


خرجت عالية من البيت وأخذت تركض باكية وكل من بالشارع ينظرون لها بأسى، الجميع يشفق على هذه المسكينة التى ولدت بهذا الوسط ابنة لأم قلبها لا يعرف الرحمة، تملكتها علامات الحزن واليأس، تجري تارة وتمسك بقوة بأطراف ثيابها، محاولة للحفاظ على توازنها، تبدو عيناها ممتلئتين بالدموع وتتساقط على خديها بشكل مستمر، تمرّ بالشوارع الضيّقة والبيوتٌ الصغيرة المتجاورة والحدائق المليئة بالأزهار ولا تبصر من هذا الجمال شيئا فلقد عمت عينيها بأفعال امها،  

وقد غمرها الحزن القهر والصدمة، تعرفت على معنى السحر لأول مرة في حياتها، ولكنها لم تكن تعتقد أن والدتها ستكون جزءًا منه.


وصلت إلى حديقة صغيرة في أقصى الحي، توقفت عالية لتستريح قليلًا وتكتم آهاتها، تضع يديها على وجهها وتبدأ في البكاء بصوت مكتوم، يعكس حزنها العميق، وجلست تراقب ما حولها من الأزهار الجميلة وطيور النحل وهي تحاول أن تفهم ما حدث. بقلبٍ يؤلمها، لم تكن قادرة على تصور كيف يمكن لوالدتها القيام بشيء مثل هذا، كانت تعلم أن والدتها كانت تعمل في السحر، ولكنها لم تكن تدرك المدى الحقيقي لما كانت تفعله، الآن تيقنت أن الأعمال التي تقوم بها والدتها تؤثر على حياة الآخرين بطرق غير قانونية ومظلمة.


لم تهتدى لما يجب عليها أن تفعله، فنهضت لتتحرك دون دليل وهى تحمل قلبًا متحطمًا وروحًا محطمة، وقد غاب الضوء من عينيها واخذت تفكر في وسيلة للخروج من هذه الحالة الصعبة فلقد اجتاحتها مشاعر الخيبة فتملكها الاحساس بالضياع والخيبة. 


طال مسيرها لساعات دون أن تشعر فلقد غرقت بأفكارها حتى وصلت لمكان غريب عليها، لم ينبهها سوى صوت نباح ذاك الكلب الضخم المتوجه نحوها، عندما رأته يركض نحوها شعرت بالرعب والفزع لتزداد سرعتها في المشي وحاولت الابتعاد عن الكلب، لكن يبدو أنه يتبعها بلا هوادة فصعب عليها التنفس بانتظام واخذ قلبها ينبض بسرعة فائقة، واثناء ركضها انفلت حذائها من سرعة الركض.


حاولت التفكير في حلول للهروب ولكن الخوف شل دماغها فشعرت بالعجز والضعف وسيطر عليها الخوف فبدأت تصرخ وتطلب المساعدة على أمل أن يسمعها أحد ويأتي لإنقاذها.


فجأة ظهر شاب فشعرت ببعض الطمأنينة حين اخذ يبعده عنها، وبالفعل ركض الكلب بعيدا فأخذت تتنفس براحة واقتربت من هذا الشاب لتأخذ حذائها منه، وقفت على مقربة منه وقبل ان تشكره مد يده ليجذبها نحوه بعن*ف، لم يستوعب عقلها ما يحدث فكيف لكل هذه المصائب أن تقع على رأسها متتابعة بهذه السرعة، فلتت من الكلب ليلتقفها ذئب بشرى أكثر رعبا من هذا الكلب، حاولت أن تفلت نفسها من قبضته لتفلت ولكن سقطت أرضا وقبل أن تنهض أمسك بقدمها واخذ يجرها بطول الشارع كلما أفلتت نفسها عاود لجرها وكلما ارتفع صوت صراخها ركلها بقدمه كى تصمت، خرج بعض الأناس على الصوت وأخذت بعض النساء يصرخن لكى ينقذها أحد الذكور الواقفين ولكنهم اخذو يصورون الواقعة ولم يهزهم استنجاد الفتاة، وصل بها الشاب نحو بوابة أحد البيوت يبدو أنه بيته وهم ليدخلها ولكن رصاصة أصابت ذراعه الممسك بها جعلت يتوقف، ورصاصة أخرى بيد من أخذ يصور دون نخوة، اقترب يحيى نحو الحقير الذى ابتعد عنها بمجرد أن رآه وانهال عليه ضربا حتى اجتمع رجاله فأمرهم بأخذه ومعه الذكور الواقفين حولهم، وانحنى نحو عالية ليخلع جاكته لتستر جسدها بعد أن تمزقت ثيابها، وحين حاولت النهوض صرخت من الالم فحملها واسرع ليخفيها من أعين الناظرين بالسيارة واسرع نحو المستشفى. 


على الجانب الآخر بالشركة… 

تجلس الياسمين منذ الصباح على وضعها تقلب في هاتفها الذى لم تتركه ولا للحظة حتى، رغم أنه لم يرد عليها أي منهما لكنها لم تتوفف، وكلما اتصلت أكثر توترت أكثر.

دلف مراد إلى مكتبها فرفعت رأسها ثم عادت تطالع الهاتف دون حديث، اقترب وجلس وانتظرها لكنها لم تصدر همسا، نظر للهاتف وتأفف قائلا:

أتعملين أم تطالعين هاتفك، الهاتف ممنوع أثناء العمل إلا للضرورة ياسمين.

نظرت إليه وتأففت بضيق فلمح ذاك الحزن الذي يأتي من مقلتيها لتتحدث بنبرة توتر قائلة:

رجاء ما أنا فيه الآن يكفيني.

سكت برهة و أضاف بتوجس:

مابك ياسمين ماذا هناك؟

وضعت الهاتف من يدها وأعادت شعرها للخلف قائلة بضيق:

أتصل بزهرة وخالد من الصباح لكن لا أحد يرد، لا أعرف لكن حدسي يخبرني أنهما ليسا بخير، رأسي يكاد ينفجر من التفكير، ماذا لو اختطفا؟ او لربما هاجموا البيت مرة أخرى.

ابتسم يحاول طمأنتها ثم قال بصوت خفيض:

اهدئي، لا شيء يدعو للقلق، لربما خرجا ونسبا هاتفيهما بالبيت، كل متوقع آت فتوقعي الخير فقط، ظننت أن مصيبة حلت حين رأيت وهج الحزن هذا في عينيك، لكن رغم ذاك فإنهما تبدوان كمجرة مليئة بالنجوم، حتى في هذه تبدين مختلفة.

طالعته مذبهلة ولم تنطق ببنت شفة وقبل أن تفعل سارع للنهوض من مكانه قائلا:

هيا دعينا نخرج.

ردت قائلة:

نخرج أين والعمل؟

ابتسم وتحرك من مكانه قائلا:

أنا مديرك سأعطيك اجازة ساعية، هيا تجهزي والحقي بي سأنتظرك بالسيارة.

وقفت من مكانها ونادته قائلة:

لحظة مراد، لحظة إلى أين والعمل المتراكم، لكنه خرج ولم يجب. 


عند أحد أهرامات الجيرة أين تجد ياسمين هدوءها وكذلك هو يجلسان على أحد الصخور الكبيرة، صخرة عمرها ضعف عمرهما آلاف المرات، انتظرها كثيرا لكنها لم تتحدث بعد، صمتها أبلغ من الف حديث ورغم أنه متوتر أيضا فحتى هو لم يتوقف عن الإتصال بخالد لكن الآخر لا يرد كالعادة.

زفر بحنق وقال:

حين تحزنين تحبين العزلة فتهربين إلا مكانين، إما هنا أو حديقة حيكم وتجلسين بجانب الشجرة ذات الفروع المتدلية حتى تخفيك عن أنظار المارة، فتنزوين هناك وتمارسين طقوس حزنك لوحدك.

نظرت إليه دهشة وقالت:

ماذا؟ هل كنت تراقبني؟


صمت برهة ثم سألها:

هل ترغبين في سماع ام كلثوم؟


ياسمين بتعجب:

لماذا !


ليجيبها مبتسما:

رأيت اخر منشور لك بالامس، كتبتى انك تتمنين أن تجلسي أمام الأهرامات في جو ربيعي مع شخص لطيف تستمعين 

لأم كلثوم، لذا سأعتبر نفسي هذا الشخص اللطيف، ها… هل أشغل سيرة الحب؟ 


تسائلت بفضول وتعجب:

ومن أين علمت أنها مفضلتى؟ 


ابتسم بخبث مردفا: 

لم يتوقف الامر على هذه الاغنية فحسب! 

اسألينى من اين علمت انك تحبين البطيخ اكثر من اي فاكهة اخرى، وتكرهين الصيف بسبب بشرتك الدهنية، وانك بكل مرة تعجبين وتشترين نفس لون احمر الشفاه ، وانك هذه الفترة مندفعة نحو الالوان الزاهية وتحاولين تغير نمط حياتك بخصوص الكثير من الامور. 


اتسعت ابتسامتها مردفة:

الله الله هل أنت مدير شركة سياحة ام تعمل بالمخابرات؟ 


تنهد براحة مجيبا:

- مهتم ، مهتم لأعلم كل تفصيلة تخصك، أصبحت اعشق الجلوس مع اختى ليلى حتى تتحدث عنك وتخبرني عن أمور تفعلانها سويا، دون أن تقصد اتصيد منها الحديث عنك بكل مرة لأعلم عنك أكثر.


 وبتردد سألته: لماذا تفعل كل ذاك؟ 


ليجيبها: لانك وبدون قصد ابهرتينى وجعلتينى اقع بك، قربت منك دون مجهود منك، هل تعلمين انى لا اعلم ما هو الحب؟ ولكنى على استعداد ان اقضي كل ايامى استمع اليك وأناظرك ولا أمل أبدا. 


بأعين جاحظة وبقلب يخفق بشدة تسمتع اليه تتمنى ان يصمت ولا يكمل ولكنه لا يصدق ان لسانه تحرر أخيرا فرد بصوته الخفيض قائلا:

سألتينى هل أراقبك؟ كل البشر يراقبون النجوم، ليس عيبا إن راقبت نجمي أنا أيضا.

عادت وردت دهشة بلسان يرتجف وقالت:

ماذا؟


أضاف هو:

أنت هكذا، فرحك تشاركينه مع الجميع أما حزنك فلا، لا تحبين أن يتأذى أي شخص لذلك تبكين لوحدك، تتوترين لوحدك، تتأذين ولا تظهرين، يبدو كل شيء فيه ثابت ومنظم بشكل مبالغ بينما داخلك حطام، كل ذلك يزيدك مكانة في قلبي فكيف لرقيقة مثلك أن تتحمل ما لا يتحمله الرجال، أبتسم وأقول في نفسي، تأكد يا مراد لو حدث سقطت مرة لن تجد من سيحميك ويكون عضدك مثلها هي فقط. 


ابتسم هو بينما عبست هى ونهضت من موضعها وعجزت أن تلتقي عيناها بعينيه فتحدثت وهى تناظر الفراغ حوله:

وان سألتني عن معنى الحب اقول لك انه العبودية للحزن والاسي بعد التحرر، الحب قرار قد يكلف الشخص قضاء حياته يعانى عواقب أفعاله وقراراته. 


القت هذه الكلمات كمن ألقي قن*بلة بوجه أحدهم واسرعت تغادر المكان تاركة اياه غارقا بحيرته يراجع كل ما قاله عله تحدث بشئ أغضبها، ولكنه لم يفعل..

لقد اعترف بمكنون مشاعره وحسب! 


_____________


حل المساء وعاد خالد بأخته إلى المنزل ليجده مظلما والسكون يعم أرجائه فصعد بها نحو غرفتها ليضعها بفراشها بعد أن اوصي الخادمة لتجهز لها وجبة خفيفة، وجلس يطمعها رغم رفضها ولكنه لم يهدأ حتى اكلت واعطاها دوائها الذى وصفه الطبيب… 

ناظرته بأسي قائلة: 

كيف تعاملنى بهذا العطف بعد أن علمت ما فعلته أمى؟ 


أحاط يدها بكفيه واردف مبتسما:

انت لست أختى وحسب بل ابنتى الكبرى، أنت عالية الغالية لا يهمنى ما تفعلانه امك او اخاك، كل إنسان يحمل عاقبة أفعاله ولا ذنب لغيره. 


ابتلعت ريقها بقلق مردفة:

ماذا ستفعل بهم؟ 


ليرد مباشرة: 

لن أقت*لهم لا تخافي. 


ليصمت برهة يراقب ملامحها المتعبة القلقة فضحك وضمها بحنان قائلا:

مجرد قرصة أذن لتتعلم الدرس، لأجل خاطرك سأصبر وقريبا سنعود للجيزة ونبدأ حياتنا من جديد ولن أتركك هذه المرة، ان لزم الأمر سأخط*تفك واخذك رغما عنك. 


ظل قابضا عليها بحضنه وحاول ان يطمئنها قائلا: اشعر بوجعك، واعلم بأنك تعبت ونفسيتك تدمرت، اشعر بإرهاق بدنك ، وتعب عقلك وروحك، واعلم بأنك تحاولين التوازن على أيامٍ تترنّح وكم هي ثِقالً عليكِ جداً، ولكن كل هذا سينتهى ويزول قريبا، كل الألم والجروح التى تؤرقك ستندمل ولكن يجب أن نصبر قليلا، وخلال هذا الوقت انا هنا سندك الدائم لن اتركك لحظة، وماحدث اليوم لن يعلم أحد به هذا الحيوان سأجعله عبرة لمن لا يعتبر، وكل الناظرين دون تدخل سأجعل يحيى يعلقهم على الأعمدة عراة ولن يتدخل أحد والجميع سيقف يصورهم دون تدخل، ارفعي رأسك ولا تخجلى من شئ لا من أفعال امك ولا مما أصابك اليوم. 


بعد قليل من الوقت عاد لغرفته حيث الراحة والسكينة بعد ما لاقاه طوال اليوم، وجد زوجته وصغاره نائمون والسكون يعم المكان وكأن هنا الجنة وفي الخارج نيران متقدة، دلف الغرفة وكأنه خرج من غابات الشوك ودخل حديقة مليئة بالزهور، اقترب منها ليتحسس وجهها يتمنى أن تفتح عينها ليطمئن عليها، ولكن آتاه اتصال فخرج إلى الشرفة ليجيب على يحيى:

هل فعلت ما اتفقنا عليه؟ 


ليجيبه:

اجل لقد تم الأمر.


ليرد خالد:

لا أريد أن يطلبونى ولا أن يستدعينى احد، رتب كل شئ مع المحامى كما اتفقنا فلنبقي على ابن صفية يومين بالحبس علها تتأدب. 


ليصله صوتها مقاطعا اياه بغضب:

أ وليس ابن صفية بأخيك؟ 


بنفس الوقت كانت تركض مسرعة نحو مركز الشرطة لتلحق بابنها بعد أن جائها اتصال يخبرها انه تم القبض عليه متلبسا ومعه كمية كبيرة من مخدر الهيروين. 

الجزاء من جنس العمل ولم تنل جزاءها بعد، ذاك ذرة من ألف ألف ألم أذاقته للكثيرين، تركض تخفي وجهها عن الناس فهي تعي أنها لن تنال شفقتهم، تاهت في غياهب ظلمها ولا يوجد وجع أشد من أن يدرك المرء أن فساد فلذات كبده بسبب أفعاله الخاطئة




google-playkhamsatmostaqltradent