recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل التاسع عشر

 خيط من حرير 

الفصل التاسع عشر 

بقلم سميحه رجب ♥️  



مرهق للقلب أن ينغمس المرء في أيام تستدعى الكثير من الصمت والكثير من البوح، يجتمع عليه المتضادان فيتضاربان ويهلك الجمع. 


أوليس ابن صفية هو ابن أبيك؟ كيف تسمح بحبسه وتقف تشاهد من بعيد وتستمتع أيضا؟ بل وتكون السبب في سجنه وتضييع شبابه؟


 صمت برهة ليزفر بحنق محاولاً رسم الثبات على ملامحه التي شتتها الغضب وأهلكها الاضطراب ثم قال: 

لقد كنت شخصًا مسالمًا يكفى غيره شره وكنت طفلاً بريئًا لا أعلم ماهية الشر، كنت أظنه مجرد وحش بعيد يستحيل أن يقربنى مادمت بحضن امى، وبعدما اصطدمت بالواقع المؤلم ورضيت لم يتركوني بحالى، جعلوا منى شخصًا يكره اللحظات السعيدة ويتلذذ بإضفاء البؤس على حياة الآخرين، 

لم أختر العيش بهذه الطريقة، لم أختر شيئًا في حياتى من الأساس وحين اتفق قلبى وعقلى على شئ لأول مرة صرت مهددًا من كل جانب، استكثروا علىَّ العيش الهنيئ ولو للحظات....

 إذا فأنا لست السبب، لست السبب... 


اقتربت منه لتحاوط ذراعه بكفيها وتحدثت وعينيها تناظر عينيه في محاولة منها لجعله يهدأ: 

مهما حدث فالذنب ذنب صفية وحدها، اخوتك لا ذنب لهم، لماذا لا تعامل عامر نفس معاملتك لعالية؟ 


ليجيبها بصرامة: 

لست طفلا يعجز عن التفرقة بين شخصيات الناس المحيطين به، عالية ليست كعامر ولا صفية، انها فتاة بريئة احتفظت بفطرتها في وسط متخبط مشتت كهذا، أما عامر فتشرب من والدته شرها وحقدها وساعدها على أذيتي، كل ما أفعله ليس تخبط مريض نفسي ولكن رد فعل طبيعي لإنسان لم ير من عائلته سوى المكر والألاعيب وحرصهم على الوقوع به في أفخاخ يعجز الشيطان عن تدبيرها، لقد تعاونا مع الشيطان ودبرا الأسحار لتدمير حياتى وبكل مرة كانوا ينجحون ليقتلوا شعلة جديدة بى، لم يخفقو سوى هذه المرة بفضلك وبفضل إيمانك القوى، وهذا ما أكسبنى القوة لإعطاء ردة فعل توقفهم عند حدهم، رغم ان حد السحر يعادل حد الق.ت.ل، أليس كذلك؟ 


أومأت بالإيجاب متفهمة كل ما يقول وأردفت:

كل ذلك مفهوم ولكن أبنائك هنا بنفس البيت معهم، لم أقل أن تتركهم يسلبون الضوء من حياتك وتقف مستسلمًا، ولكن فلتتصرف بحكمة حتى لا يصيبك أذى من قبل صفية او يقف أبنائى يشاهدون الحرب بين أبيهم وعمهم، هذا ليس بالشئ الصحيح. 


تنهد بضيق مردفًا:

خدشٌ واحد في الطفولة قد يكلف المرء عمرًا من الخوف، ولكن لا نُدرك ذلك إلا بعد أن يُصبح الخدش صدعًا،ماذا علي أن أفعل؟ 


لترد بحزم: 

تخبرنى بكل ما لا أعلمه، فقلبى غير مطمئن وأشعر جديا بأن صدوع قلبك تخطط لأمور جلل تخفها عنى. 


حرك رأسه يمنة ويسرة متمتمًا: 

لا تستسلمين، وأنا لا قدرة لى على الجدال، أخبرتك قبلا انك ستعلمين كل شئ في الوقت المناسب، وهذا الوقت لن يأتى قبل أن أنتقم منهم أجمعين! 


انتقام!! 


بهذه الكلمة زعزع أمانها الذى لم يثبت بعد، أعطى الانذار لقطار حياتها للاستعداد من جديد فيبدو أنها لن تستقر بموضع ولا على حال.. 

وبنظرات تملؤها الحسرة طالعته بيأس قائلة:

أريد ولو لمرة واحدة أن أشعر بأنني في المكان الصحيح ولن أضطر لشد رحالى على غفلة مرات ومرات، وأنني لن أهون وأن أشعر بأنني أسير باتجاه الصواب نحو الأشياء التي تودني أن لا أُهدر طاقتي فداء سراب.  


لم يرد عليها بل لم يجد من الكلمات ما يسكنها ويهدئ روعها به فقرر أن يولى بالفرار مسرعا قبل أن تطور الأمور إلى مواجهة حتمية غير مستعد لها. 


تحركت لتجلس على كرسي بالشرفة تناظر السماء الملبدة بالغيوم الرمادية المظلمة والتى تشابه حياتها إلى حد كبير وبدأ لسانها يتمتم: 

ياالله ليس إعتراضًا ولكننى إنسانة ضعيفة، لست سوى أم مكلومة بحاجة لحضن صغيرها، ربما لو كان معى لكانت الأمور أخف واهون..  

صمتت برهة ثم اكملت: 

ولكن هؤلاء الصغار لربما كان مصيرهم الفناء! 

أعلم حكمتك وان حرمانى منه كان لأجل رحمتك بهؤلاء الصغار المساكين، لا اعترض ولكن روحى تعبت، يارب اهدِ لى زوجى واصرف عن طريقه كل ما يغضبك، ان كان منغمسا في ضلال اصرفه عنه وان كان هدفه انتقام فلتكن انت المنتقم الجبار لحق عبدك الضعيف. 


اخفضت نظرها ليقع على ضوء بارز من مكان بعيد، ضوء منبعث من مبنى عال وسط ظلام الليل جعلها تتذكر ياسمينتها فتنهدت بشوق مردفة بخفوت:

وكأنه ضوء خافت في آخر النفق يشبه قنديل الياسمين خاصتى، يا ترى كيف حالها الآن؟ 


لم تكن الياسمين أفضل منها حالا، لا تزال تبكي ماضيها الذي حرمها العيش بسعادة في حاضرها، لا تزال تشبث بالنسيان علها تستمر لكن في المرة الوحيدة التي خفق فيها قلبها لرجل حقيقي ظهرت براثن ذكرياتها التي لا تموت وشمرت على ساعديها والتهمتها، هاهي تنظر من شرفة غرفتها إلى الحي لكن عيونها لا ترى شيء، أعتمت من كثرة ما بكت، في نهاية الشارع ذلك الضوء الخافت الذي يأتي من مسجد حيهم ثم نظرت لتلك الطاولة التي بالشرفة وعليها كأس واحد من الشاي، نفس الطاولة التي جلست حولها هي وزهرة، نفس الطاولة التي حوت دائما كأسي شاي مع قطعتين من كعك الزبدة الحلوى التي تجيد زهرة صنعها، وأمام تلك الطاولة رويت أحاديث وكشفت أسرار كثيرة، الآن هناك كرسي واحد وكأس من الشاي وحيد لا مرافق معه وشخص واحد يكتم أحاديثه داخل جوفه.

زفرت زهرة بضيق ووضعت يدها على صدرها تتحسس نبضها ثم بحزن تحدثت وعيونها لا تزال على ذلك الضوء قالت:

أدري أنك تتألمين، لم يخني حدسي نحوك يوما، أنا بحاجتك بقدر ما أنت بحاجتي أختي.

خاطبت الأخرى نفسها وبنفس الإحساس المتعب قالت:

آه يا زهرة، لم تعد لدي قدرة على التحمل، اكتفيت، أريد أن أركض إليك وأرتمي في حضنك لكن، لكن هناك من يحتاجك أكثر مني.

ابتسمت زهرة بحزن وأضافت:

لكن الياسمين وجد ليسعدنا ويهون علينا حتى أنه أبيض وفي بياضه راحة.

ردت ياسمين وكأنها الآن أمامها تخاطبها وقالت:

ألا تلاحظين أن أكثر من تأذى في هذا العالم هو الياسمين؟

زفرت وردت برضا:

لا بأس يا ياسمينتي لنتألم قليلا فالألم أحيانا هو من يعيدنا إلى الطريق الصحيح.

تحركت ياسمين من مكانها ودلفت الغرفة ممسكة بوسادة أختها ثم ضمتها تمسح بها دمعها الصامت وأضافت بحسرة قائلة:

لم تكن سعادتنا في ذلك الماضي سوى احتمال ضئيل، والآن؟ هل العيب فينا أم في الظروف التي حولنا؟ او لربما هي نفسها تلك الأيام التي اكتشفت أنها مرت من خلالنا.


تحركت زهرة من مكانها وجلست على ذلك الكرسي في الزاوية، تلك الزاوية التي أخذت من عتمة المكان جله، فبعض الظلام راحة، ثم تنهدت وأردفت:

ما رأيك لو افتخرنا بتلك الأيام التي لم تكن قابلة للتخطي لكن أنا وأنت تجاوزناها.


مسحت ياسمين دمعها وبصوتها الأجهش أضافت:

أعرف أننا تجاوزنا لكنها تركت بداخلي وداخلك ندوبا خفية لا يعلمها أحد.


ضمت زهرة ذراعيها ونظرت نحو ذلك الضوء وحاولت ان لا تبكي لكن ما استطاعت، هاهي تلك الدموع تنهمر من عينيها وهي تخال نفسها بنفس الشرفة حول تلك الطاولة وأمامها ياسمين ثم أردفت بألم:

دائما ما كنت للدكتورة النفسية زهرة العلاج، لو أتيتك الآن وأخبرتك أن بيتي وعائلتي تتشتت أمام عيني وأنا عاجزة عن فعل شيء كنت ستجدين الحل و سآخذ بنصيحتك وستحل فعلا.

تمددت ياسمين على وسادة أختها قائلة:

دائما ما كنت سكني بعد كل ذلك الإرهاق الذي يصيبني بعد يوم مليء بثبات زائف، ومتأكدة لو أتيتك الآن وأخبرتك أن مراد اعترف بحبه لي وأنني أكن له نفس المشاعر لكني خائفة من أن أستسلم لمشاعري وتحرق_ني كما فعلت في الماضي كنت ستجدين بي الحل وستشجعينني على المواجهة.

مسحت زهرة دمعها وقالت ضاحكة بهمس:

كنت أزعجك بفلسفتي فتضجرين وتعقدين حواجبك وتهربين ببصرك لكن كنت تصغين.


ضحكت ياسمين وقالت:


 بقدرك ما كانت نصائحك النفسية وصوتك الخفيض والهادئ واللطيف يزعجني بقدر ما كنت أنصت لك بعمق كأنك صوت الداخلي.

ردت زهرة:

أنا لم أكن بهذا الضعف إلا حين ابتعدت.

ضمت ياسمن الوسادة أكثر وأضافت:

أنا لم أشعر بهذه الوحدة إلا حين فارقتك


_________________


مر يومان ومازال كل شخص بموضعه ساكن لا جديد يذكر سوى الغل الذى كبر بقلب صفية تجاه خالد بعد أن ترك فلذة كبدها مسجونا وسط المجرمين، تدرك أنها لعبة منه ليخطط لشئ أكبر يودى بها وبابنها، خرج عمار رفقة المحامى، لتقابله والدته معانقة إياه مردفة: 

حمدا لله على سلامتك يا حبيبي، انتهى الأمر ولن يقدر أحد على لمس شعرة منك مرة أخرى ولو فكروا سيجدونى أمامهم. 


ابتعد عنها قائلا بصوت يحمل كل الغضب:

أين خالد؟ 


لتجيبه بضيق: 

فى البيت. 


ليتحركا متجهين نحو البيت، وفى هذه الاثناء بغرفة أم نوح.. يجلس يحيى أمامها على ركبتيه يلتمس غفرانها:

لم أغب عنك ولا لحظة يا أم نوح، كنت دوما هنا بالقرب منك اعمل شريكا لخالد وأدير عنه كل شئ ونخطط لكل تفصيلة لكي نوقع بهم، ثأر ابنك مازال دينا في رقبتى وحان الوقت لننفذ ولكن باحترافية، لست مستعدًا لقضاء عمرى بالسجن بعيدًا عنك ولا أن يحكمو على بالإعدام او اهرب من القضاء واقضي عمري شريدًا بين الجبال، ستقفين معززة تبصرين بقلبك لا بعينيك حق ابنك وهو يأتى ليكن بيد يديك. 


لا مست شعره بحنان وبصوت مكتوم بالدمع تحدثت:

لا أريد الثأر ولا اى حق سواك، لا تبتعد عنى مرة أخرى، ابق جوارى لأعش الباقي من عمرى دون خوف وفزع، لا أريد سوى أن أزوجك ويعوضني ربي عن نوح بأبناء من صلبك. 


ابتسم مقبلا يدها مردفا:

زوجتى المستقبلية موجودة وأمور مستقبلى كلها مرتبة، ما عليك سوى الصبر قليلا فحسب. 


أمال رأسه ليضعها بحجرها وكفها يعرف طريقه لرأسه فتلامسها بحنان وشوق بالغ، رغم فقدانها لبصرها ولكن قلبها يشعر أنه يبصر ولدها، وأهداب عيونها ترتعش لهفة وراحة لوجوده، ليسكن قلبه وتهدأ روحه جوارها وهتف بإصرار وعزيمة:

قبل حق أخي سيأتي حق عينيك، حان الوقت لتتجرع صفية الندم على كل مكر أحاقته.


وعلى ذكرها كانت تدلف البيت بصوتها الرنان مرحبة بإبنها: 

أنرت بيتك يا حبيبي. 


خرج الجميع على صوتها العالى، زهرة وسط صغارها الثلاثة وخرج خالد من مكتبه ليقف بجوار اخته وخرج يحيى مسندا أمه، ليعلو صوت ضحكاتها باستهزاء صارخة: 

اها هنا اتضحت الرؤية، والسيد خالد قرر أن يضحي بى وبإبنى ولكن حسبتك أخفقت هذه المرة فصفية يستحيل أن تستسلم أبدا. 


لم يعطها أحد أى قدر من الأهمية وعاد كل لموضعه تاركينها مع ابنها الذي لم ينبث بكلمة واحدة، كل ما عليه يناظر خالد بغل وحقد مكبل بضعفه وجبنه لا يقدر على مواجهته. 


تحركت صفية للأعلى نحو غرفتها لتصدم بأصوات القرآن منبعثة من كل الغرف حولها، وباب غرفتها موصد بالجنازير الحديدية، فتحركت نحو خالد صارخة به:

من أعطاك الإذن لتغلق غرفتى وتمنعنى من دخولها. 


ليرد دون النظر اليها:

لقد جاء الشيخ وتمت رقية البيت بأكمله وأمرنا بغلق هذه الغرفة بعد التخلص من كل ما فيها. 


بغضب قامت بإزاحة كل ما أمامه فوق المكتب صارخة:

اقسم لك انني سأندمك على فعلتك الخبيثة هذه وسأخبر زوجتك بكل شئ. 


ليبتسم ساخرا:

زوجتى على علم بكل شئ، كل صغيرة وكبيرة في حياتي تتم بعلمها فلا تتعبى نفسك بأمور لا صحة لها. 


نظرت لابنتها الجالسة بالقرب منه قائلة:

وانت؟ لم أتعجب من تصرفاتك الغبية، تركتى امك واخيك لأجله فمن اليوم لم تعودى ابنتى ولا صلة لى بك. 


لم ترد عليها وظلت جوار أخيها لا تهتم لأمر البقية فلقد ضاقت نفسها وارهقتها هذه العائلة التى مصيرها المحتوم هو الهلاك. 


___________ 


في بيت أدهم… 

في مشهد مليء بالغضب والتوتر، تجلس رباب في غرفة المعيشة، وهي تنتظر عودة زوجها الذي كان قد خرج في الليل وعاد في الصباح واضح السكر عليه، تنتابها مشاعر مختلطة من القلق والغضب، فهي تعرف جيدًا كيف يكون سلوكه عندما يكون في حالة سكر.


دخل المنزل ويبدو عليه السكر حيث يتعثر في الأثاث ويرتعش قليلاً، تنظر إليه بغضب وتقول بصوت مرتفع: أدهم! لقد عدت سكرانًا مرة أخرى؟ هل لا تهتم لأمرنا لهذه الدرجة؟


لم يشعر لا بالحرج ولا الغضب فحاول التقليل من أهمية الموضوع قائلاً: لا تبالغي، ربما شربت قليلًا فقط، لا تجعلي الأمر يكبر ككل مرة. 


لترفع رباب صوتها قليلاً وتقول:

لماذا تكرر هذا السلوك البشع مرارًا وتكرارًا، لقد تعبت منك، لماذا لا تتوقف عن شرب الكحول؟


ليشعر بالغضب ويرد صارخًا بها: 

أنا أفعل ما أريد، أنت لست أمي ولا يحق لك أن توجهينى فيما أفعله.


لتسأله بنبرة ساخرة: 

هل تشرب لكي تنساها؟ مادام لم تستطع تجاوزها فلماذا تزوجتنى؟ 


ليبتسم ببرود مجيبًا:

أجل لم ولن أنساها، وتزوجتك لأكون قريبًا منها، والآن بعد أن اكتشفت أنها تعيش علاقة حب وغرام وتجاوزتنى فليس أمامى سوى السكر لكى أنسى خيبتى، لقد كنت غبيًا تركت ابنة الأصول واستدرجتها للهلاك وتزوجتك انت… ضيعتها هي وعززتك انت! 


امتلأت عيناها بالدموع واستحوذت عليها الرغبة في الدفاع عن نفسها قائلة: 

هى أختى نشأنا من نفس الأصل أما أنت فالشوك الذي ذرع بيننا. 


دفعها من أمامه لتسقط أرضا وتحرك ليجلس على الأريكة ممد رجليه على الطاولة أمامه ليقول بسخرية:

اختك؟ 

انت ابعد ما يكون عن هذا اللقب، لا يليق بك أن تكونى اخت او صديقة او اى شئ فضيل، لا يليق بك سوى علاقة زوجية مسمومة مثل علاقتنا، لا تنسي نفسك يا رباب! لا تنسي انك من عرضت على نفسك لأتزوجك، وأغريتينى بأنني سأكون قرب ياسمين، اعتقدتى برأسك السميك هذا أنها ستنهار وتتدمر وتكسرين كبريائها وفى النهاية لم ينكسر شئ سوى شوكتك، ولكن هذا هو العدل… أن تموت أمك ويصبح أخاك مدمنا وانا تبرأ منى والداى، وياسمين وزهرة كلا منهما تنعمت بعلاقات ومشاعر نظيفة لا تليق بنا… هذا هو العدل! 


وقفت أمامه تناظره بغضب ملؤه الحقد والكره قائلة بإصرار: 

العدل هو ما سأنفذه، لن أدعها تهنأ وانا هنا ذليلة. 


نهض من موضعه فلم يستطع تجاوز ما قالته ليتقدم نحوها بخطوات ثقيلة، ليصاحب حركاته المفاجئة والعنيفة ابتسامة شريرة على وجهه ليقترب من رباب ببطء مرعب، يعيث فسادًا في المكان، لتجد نفسها 

محاصرة، تراقبه تحاول تقبل الواقع المرير، تشعر برعب ممزوج بالغضب، تنادي بينما يصرخ أدهم: 

أن دفعك تفكيرك وغبائك لارتكاب حماقة بحقها سأجعلك تتمنين الموت ولن تناليه. 


ليتلاحم الصراخ والضرب القوي والكآبة في الجو، حيث يستدرج أدهم رباب إلى ساحة الصراع من جديد، قوة الشجار تتصاعد بينما يبدو أن نهاية المشهد غير مؤكدة، والسؤال المطروح هو ما إذا كانت رباب ستتمكن من الدفاع عن نفسها وحماية نفسها من عنف زوجها السكير المهووس بأختها.


____________


فى حديقة البيت يجلس الصغار يتدارسان ويكملان واجباتهما بينما نوح يلعب بسياراته جوارهم، وزهرة تقف مع عالية بالمطبخ تناظرهم وتتابعهم بعينها من بعيد كل حين، تفكر بمصيرها الذي أصبح مقرونًا بمصائرهم، لا تعلم أين ستكون محطتها القادمة ولكنها أجزمت أنها لن تتركهم وان اضطرتها الحياة لتغيير وجهتها فلن يكون بدونهم. 


لاحظت عالية شرودها فسألتها: 

بماذا تفكرين؟ 


تنهدت بحزن مردفة:

بالأولاد، لا يعجبني تغيير مدارسهم كل فترة، يجب أن يستقروا بمكان خالى من المشاكل والصراعات. 


زفرت عالية بضيق وقالت:

مكان خالى من الصراعات يعنى مكان خالى من البشر، كل شيء سيتحسن لا تخافي. 


أومأت برأسها موافقة إياها ثم عاودت لتناظر الصغار من جديد وبعدها اكملت عملها... 


مر الوقت على هذا الحال حتى أنهى احمد واجبه والتفت ليلاعب أخاه، ولكنه اصطدم بالتى تقف خلفه تناظرهم والواضح أنها تقف منذ مدة، أسرع ليحمل أخاه بعيدًا عنها مناديًا بأعلى صوته:

أمى أمى.. 


واسرعت ملك لتقف خلف أخيها وكأنها تحتمي به لتصيح هي الأخرى:

أمى أمى.. 


ظنت بسذاجتها أنهما يقصدانها لم تتخيل انهما يناديان على زهرة التي أتت مسرعة لتدفعها بعيدًا عنهم صارخة بها:

ماذا تفعلين هنا؟ ماذا تريدين منهم؟ 


ضحكت مقهقهة وقالت بنبرة ساخرة:

اولا انا هنا لأن خالد هو من طلب منى الرجوع، وثانيا فهؤلاء أبنائى الثلاثة لا علاقة لك بهم. 


وقبل أن تتحدث زهرة تحرك احمد من خلفها ليعطها نوح ونظر لوالدته قائلا بنبرة جادة وكأن شابًا يافعًا يواجهها:

نحن لسنا أبنائك، لا تنسي انك بعتنا وقبضتى الثمن، كنت شاهدًا على إستلامك للأموال في يوم طلاقكم، فلا تأتى اليوم وتقولى أبنائك لأن صلتنا بك مجرد اسم على ورق، نحن أبناء خالد مهران وأمنا اسمها زهرة أما أنت فلا نعرفك. 


لم تفرح زهرة بكلامه بل حزنت عليه، فكيف لصغير بعمره يتفهم أمورا صعبة وحقائق صادمة كحقيقة أن والدته تركته مقابل المال، فمالت عليه لتحتضنه وتقبل جبينه قائلة:

خذ اخوتك واصعدوا لغرفتكم وبعد قليل سآتى. 


اومأ بالإيجاب ثم أشار لنورسين نحو نوح قائلا:

كان سيموت بسببك ولكن زهرتنا هى من ساعدته ليعود للحياة، كنا قد هلكنا وهى من انتشلتنا من الضياع، لسنا صغار رضع لتأتى ونركض لأحضانك، انظرى إلى أصغرنا لا يعرفك وأنا لا أريدك وملك لا ترغب حتى في النظر إليك..  


التفت ليمسك بيد أخته وباليد الأخرى أمسك بكف نوح الصغير وساروا نحو الداخل، بخطوات بطيئة بعض الشئ يستند الثلاثة على بعضهم هاربين منها متشبثين بآمانهم وطمأنينتهم. 


أتت عالية بعد أن لاحظت وجودها لتناديها بصوت غاضب:

ماذا تفعلين هنا؟ كيف تجرأين؟ حكايتك ذيع صيتها بكل البلدة ولو لمحك رجل لقضي عليك. 


لم تلتفت نحوها ولم تجبها بل نظرت بأعين زهرة قائلة:

أين خالد؟ هو من طلب عودتى. 


لترد زهرة بثقة:

هذه الحركات لا أخالها وهذه اللعبة القذرة يمكنك لعبها على الجميع الا انا، واضح أن كرم زهدك ورماك بعد أن أصبحت لا شئ بعينيه. 


وتحركت نحو الداخل تريد أن تطمئن على الصغار وتتفهم من خالد سبب عودتها، ولكن الأخرى لم تسكن مكانها واسرعت خلفها لتسبقها منادية على خالد بأعلى صوتها، ليخرج من غرفة مكتبه فى الأعلى ليناظرها باستحقار قائلا: 

ماذا تفعلين هنا؟ 


لتجيبه بلسان يرتجف من الخوف:

ألم تطلب منى العودة وأعطيتنى الأمان؟ 


ليرد بنبرة حادة وأعين يتقاذف منها الشرر:

لا مكان لك هنا ولا أمان لخائنة فاجرة عندى، هيا اذهبى لموضع ما أتيتى. 


لتذدرد ريقها بخوف وأعينها على الباب وترجته:

لو خرجت سيق_تلونني


رد باستحقار قائلا:

وكأن امرك يهمني، أنت ميتتة بالنسبة لنا أصلا، هيا اخرجي ولا تجبريني على استعمال القوة معك.

التفتت في تلك اللحظة زهرة للاطفال فوجدتهم واقفين مكانهم وأحمد يراقب كل الذي يجري أمامه فلم يكن منها إلا الركض نحوهم فأمسكت بيد ملك وأحمد وحملت نوح قائلة:

نحن لا يعنينا هذا الحوار بشيء هيا والدكم سيحل الأمر لاتقلقوا ثقوا به، تحركت نحو الغرفة رغم فضولها فس معرفة ما أرجع تلك المرأة لكنها دلفت الغرفة واقفلت الباب ايضا.

أما تلك التي باعت كرامتها منذ زمن فلا تزال تترجاه وهو وقف فوق يناظرها باستحقار، نزلت دموعها على وجنتيها وشهقت مرددة برجاء:

خالد، لأجل خاطر اطفالنا، أنا أنجبت لك سبب سعادتك وتمسكك بالحياة، رجاء احمني رجاء لا تخرجني من هنا الكل يسعى للنيل مني.

زفر بضيق وأضاف:

موشح الشحادين، اف اف انصرفي هيا.

مسحت دمعها وركضت نحوه حتى كانت امامه في لحظة فأمسكت بيده وتشبثت بها بقوة وقالت:

اقبل يدك بل أقبل رجلك خالد، اسمع سأكون ما تريد وسأفعل ما تريد فقط احمني لا تيتم اولادك بالنهاية أنا أمهم وتلك النكرة التي غيرتهم وجعلتهم يكرهونني لن تكون أبدا أمهم ولن تحبهم بقدر حبي لهم.

لم يتحمل أكثر وشاط غضبا فسحب يده بقوة وتحدث واكزا على أسنانه:

يبدو أنك لن تتغيري، ثم أمسكها من ذراعها بكل قوة حتى صرخت متألمة فاقتربت عالية منه قائلة برجاء: 

أخي رجاء

طالع أخته قائلا:

لا تتدخلي، ثم سحبها يهزها بشدة ويردد بغضب:

أنت لست أمهم بعتهم وقبضت الثمن، لا مكان لك بيننا ولن أسمح لك بإهانة زوجتي هي أمهم، هل سمعت أمهم، هيا انصرفي إلى القذارة التي أتيت منها فرائحة الحرام تفوح منك هيا.

قالها وفتح الباب ثم دفعهابكل قوة حتى سقطت أرضا متألمة ليخاطب رجاله مهددا:

اطردوها خارجا وإن رأيتها ثانية هنا أو تحوم حول البيت أو حو أحد من العائلة أنهيكم انتم قبلها.


لملمت خيبتها وحصادها الذي جنت من الحرام وقامت تعرج وتحركت نحو الخارج تبكي بحرقة، ندمت حين لم يعد ينفع الندم.


مرت ساعات قليلة… 

وفي عتمة الليل تتحرك صفية وحيدة في مقبرة هادئة ، وقد حملت بين ذراعيها صندوقًا صغيرًا يحوي عملاً نفذته بيدها بغية دمار خالد وهلاكه، تتخفي من الاعين في ستار الليل كى تدفنه قبل أنيتسبب في أي شبهة أو اشتباه، تزحف إلى نفق ضيق، وتلتفت بحذر في كل اتجاه خوفًا من أن يكتشفها أحد، صوت الرياح يتحول إلى صراخ مخيف يتسلل إلى أذنيها، مما يجعل قلبها ينبض بشدة.


تصل إلى مقبرة صغيرة مختفية في زاوية منعزلة، وتضع الصندوق على الأرض برفق، تتراجع قليلاً لتبحث عن شئ تكسر به قفل المقبرة… 


وفجأة… 

ازدادت نبضات قلبها بقوة وشعرت بشيء غامض يمر خلفها، التفتت نحو الصوت لتكتشف جماجم ومقابر مشوهة تحيط بها، وسرعان ما تتذكر أن هذا الطبيعي فهى تجلس بين الأموات، ورغم أن الجو مليئًا بالخوف والرعب، حيث تتحرك الأشجار وكأنها تتحرك بالتناغم مع تنفسها المتسارع، وفجأة تشعر بضيق وكأن أحد ما يخنقها محاوطًا عنقها بسلاسل حديدية، فركضت وهى في حالة من الذعر والهلع، وكأن شيئًا مظلمًا يطاردها في هذا المكان المشؤوم، تبدو محاصرة وعاجزة عن الهروب، تتماثل الشجار في الخلفية مع ضربات قلبها، وتشعر بالضياع والفزع حينما تسقط على الأرض.


وفجأة، ينقطع الصوت وتهدأ الأشجار. تغمرها سلامة نسبية، لكنها لا تزال تصارع مشتبهًا في سلامتها تتخللها ثقة قليلة، وتهمس لنفسها بينما تستلقي في الظلام: 

لا يا صفية اثبتى لا يجب أن تكون النهاية هنا، ابق قوية! 


يتكئ الجمود والموت في المشهد المظلم والبارد، والسؤال المطروح هو كيف تريد أن تقوى ولا تكون نهايتها هنا، فإن لم تكن نهاية كل البشر هنا فأين ستكون! 

مسكينة هى! ام متجبرة حتى تناست مصيرها المحتوم، ففي غفلةٍ عميقة تعيش الأرواح، تنسى الأوقات وتتناسي الخاتمة والمصير، فإذا بالموت يباغت المرء وهو يلتقط الذنب. 


_________ 


في صباح اليوم التالى في شركة مهران للسياحة والسفر… 


دلفت رباب بخطى ثابتة ونظرات حادة وأعين يتقاذف منها الغيظ، مقررة على إنهاء أمر ياسمين واقسمت أن تجعلها تعيش بتعاسة مثلها، كبر الحقد بقلبها حتى أعماها وجعل محركها الاساسي هو تدمير حياة أختها وحسب. 


صعدت نحو مكتبه لتسمح لها ليلى بالدخول بعد فترة من الانتظار.. 


دخلت لتلتقي مع مراد ليصطدم بوجودها فهو على دراية بالخلافات التى بينها وبين أختها، فنهض ليستقبلها قائلا:

مرحبا يا سيدة رباب، هل تنوين السفر؟ 


لتتحدث مباشرة: 

لا لا أنوى السفر، ولكن أدركت انك وياسمين علاقتكما يبدو أنها متطورة قليلا فقلت لأخبرك ببعض الأشياء المهمة. 


قاطعها بحدة قائلا:

لا يوجد شئ بيننا سوى كل الاحترام، وقريبا سأخطبها من والدتها فلا داعى لهذا الكلام. 


وقفت من موضعها قائلة بكل الغل والحقد فى العالم لتلقى عليه الكلمات كأنها قنابل موقوتة:

ياسمين ليست آنسة، لقد تزوجت من أدهم بعقد عرفى، وحملت منه وبعد أن تخلى عنها وسافر من صدمتها أجهض الجنين. 


لم يستوعب ما قالته جملة واحدة بكل سهولة كأنها تقول صباح الخير، فضحك بسخرية قائلا:

لم أتخيل أن الحقد قد يصل بالمرء ان يشيع الفضائح على أخته، هذه اختك ان كنت قد تناسيتى انها ياسمين العراقي يا سيدة رباب العراقي. 


ابتسمت باستهزاء من حديثه وأردفت:

ان كنت قد نسيت ان أدهم صديقك هرب منذ سنوات بعد أن خدع احدى الفتيات فسجلات هذه الشركة ستذكرك فأنت بنفسك ساعدته للهرب من مصيبته وبعدها تبرأت منه، ربما تبدو شخصًا مثاليا يا سيد مراد ولكن مشكلتك أن السوء الوحيد الذى ارتكبته كانت صداقتك لزوجى في الماضى. 


وتحركت لتخرج تاركة إياه غارقًا في صدمته لا يصدق ما سمعه، رفع يده ليمسح وجهه بقوة ذافرًا بضيق هاتفًا بخفوت:

هل تلك الفتاة كانت ياسمين؟ 

كيف لياسمين أن تخطئ خطأ كهذا؟ أم أننى لا أعرفها وخدعت بها؟ 


خبر كهذا هبط على أسماعه ليحرق قلبه ويودى بسمعه بيأس كالجمر مستعرا…. 




google-playkhamsatmostaqltradent