recent
جديدنا

تشخيص إنسان | 02 نوبات الهلع

تشخيص إنسان: نوبات الهلع 

بقلم: د. سميحة رجب 


بين "دي نوبة هلع" و"ده دلع"...
 يعيش بعض الناس معركة لا يراها أحد


يجلس مع صديقه الوحيد الذى ظل معه جبر خاطر من الحياة التى سرقت منه كل رفيق. 
كعادة كل مساء بعد الخروج من العمل، يشربان الشاى ويتسامران. 
يتحدثان حول مستقبلهما وظروف المعيشة. 

ليخبره صديقه بما ينوي عليه: 
قررت أسافر، ظروف البلد صعبة ومش هقدر أبني مستقبلي هنا. 

وكأن انذارا نشب في عقله حين شعر بفراق جديد يطرق بابه 

قال له صديقه وهي يراقب وجهه الشاحب:

"أنت كويس"

ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:
"كويس."

كانت تلك الكلمة أسهل من شرح ما يحدث.

فمن أين يبدأ؟
هل يخبره أن قلبه يركض داخل صدره كأنه يحاول الهرب؟
أم يحدثه عن يديه اللتين أصبحتا باردتين فجأة؟
أم عن الهواء الذي يملأ المكان كله، لكنه لا يجد منه ما يكفي لرئتيه؟

نظر حوله.
المقهى كما هو.
الناس يضحكون.
النادل يحمل الأكواب.
الأغنية نفسها ما زالت تُعزف.
لا شيء تغير...

إلا داخله.

شعر أن المكان يبتعد عنه، أن الأصوات تأتي من آخر الدنيا، أن جسده لم يعد جسده.

ثم جاءت الفكرة التي يخشاها في كل مرة:
"سأموت."

نهض مسرعًا، ترك كوب الشاى كما هو، خرج إلى الشارع، أخذ نفسًا طويلًا...

ثم آخر...
شهيق زفير.. 
شهيق زفير.. 

لكن الخوف لم يخرج مع الزفير.

بعد عشر دقائق...

عاد كل شيء طبيعيًا.
قلبه هدأ.
أنفاسه انتظمت.
والعالم عاد إلى مكانه.

لكن التعب ظل متشبسا بروحه ونفسه.
تعب لا يشبه تعب الجسد...
بل يشبه إنسانًا نجا من حادث لم يره أحد.

---

قال له صديقه:

"كل ده من شوية توتر؟ أنت مكبر الموضوع."

ابتسم.
ليس اقتناعًا...
بل لأنه تعب من الشرح.

______________

نوبة الهلع ليست ضعفًا في الشخصية، وليست دلعًا، وليست رغبة في جذب الانتباه.

هي موجة مفاجئة من الخوف الشديد، يرافقها غالبًا تسارع في ضربات القلب، وضيق في التنفس، ورعشة، أو تعرق، أو دوخة، وقد يشعر الشخص أنه سيفقد السيطرة أو أنه سيموت، رغم عدم وجود خطر حقيقي في تلك اللحظة.

وهذا لا يعني أن كل خفقان أو ضيق نفس هو نوبة هلع؛ فقد تتشابه هذه الأعراض مع مشكلات صحية في القلب أو الرئتين أو الغدة الدرقية وغيرها، لذلك يحتاج ظهورها لأول مرة أو بشكل غير معتاد إلى تقييم طبي لاستبعاد الأسباب العضوية قبل إرجاعها إلى القلق.

أما من يعيش نوبات الهلع المتكررة، فهو لا يخاف النوبة نفسها فقط...

بل يخاف أن تأتي مرة أخرى.

فيتجنب الأماكن والمواقف التي تذكره بسبب أول نوبة. 

ويرفض السفر وحده.

ويتردد في الخروج كثيرا.

ليس لأنه لا يريد عيش الحياة والاستمتاع بها...

بل لأنه يخشى أن تداهمه وهو يحاول أن يعيشها.

ولهذا، فإن أكثر ما يحتاجه أحيانًا ليس عبارة: "اهدأ."

بل شخصًا يقول له:
"أصدق ما تشعر به... ولن أتركك تواجهه وحدك."

فبعض المعارك لا تحتاج إلى أبطال...
بل إلى شهود لا يسخرون من الألم الذي لا يُرى.

google-playkhamsatmostaqltradent