recent
جديدنا

تشخيص إنسان | 03 التعلق المؤذي

 أحيانًا لا يكون أصعب قرار هو الرحيل... بل مقاومة الرغبة في العودة.



الساعة الثانية بعد منتصف الليل… تضئ شاشة 

هاتفها كل بضع دقائق بإشعارات عشوائية. 

تستغل الفرصة لتفتح تطبيق المحادثات وتتوقف عند اسمه.

تقرأ آخر رسالة بينهما للمرة التي لا تعرف عددها.

تكتب:

"أفتقدك."

ثم تمسحها.


تغلق الهاتف.

وبعد دقائق...

تفتحه من جديد.

كانت تعرف، يقينًا، أنه أوجعها.

تعرف أنه كسر وعودًا كثيرة.

وتتذكر جيدًا الليالي التي نامت فيها وهي تبكي بسببه وتتحسر على نفسها.


ومع ذلك...

تشتاق إليه.


---


قالت لصديقتها ذات مرة:

"أنا لا أفهم نفسي، كيف أشتاق إلى شخص كان سببًا في كل هذا الألم؟"


لم تجد صديقتها إجابة.

فاكتفت بالجملة التي يسمعها كل من مرّ بتجربة مشابهة:

"انسِه... هو لا يستحق."

لكن المشكلة لم تكن أنها لا تعرف أنه لا يستحق.

المشكلة أنها لم تكن تشتاق إليه وحده...


كانت تشتاق إلى الفتاة التي كانت تظن أن كل شيء سيتغير، تشتاق إلى الوعد الذي لم يتحقق، إلى الرسائل الأولى، إلى الأيام التي شعرت فيها أنها مُختارة.

كانت تشتاق إلى الأمل… لا إلى الألم.


---


في العلاقات غير الصحية، لا يأتي الأذى دائمًا في صورة واحدة.

أحيانًا يمنحك الطرف الآخر قدرًا كبيرًا من الاهتمام، ثم يختفي فجأة.

يقربك منه...

ثم يدفعك بعيدًا.

يجعلك تشعر أنك أهم شخص في حياته...

ثم يعاملك وكأنك لا تعني له شيئًا.

ومع كل عودة، تتعلق أكثر.

ليس لأن الألم جميل...

بل لأنك تنتظر أن تعود تلك اللحظات الجميلة الأولى.

وهنا تبدأ الحيرة.

لماذا لا أستطيع الرحيل؟

ولماذا أشتاق كلما ابتعدت؟


---


في علم النفس، قد يحدث لدى بعض الأشخاص ما يُعرف بالتعلق المؤذي، أو ما يُشار إليه أحيانًا باسم Trauma Bond.

وهو نمط قد يتكون في بعض العلاقات التي يتكرر فيها التذبذب بين القرب والأذى، أو بين الاحتواء والرفض. هذا التناوب قد يجعل الانفصال معقدًا نفسيًا، لأن الدماغ لا يتعامل مع العلاقة على أنها ألم فقط، بل يظل متعلقًا بالأمل في عودة اللحظات الجيدة.

لكن من المهم أن ننتبه إلى أن هذا المفهوم لا ينطبق على كل علاقة مؤذية، ولا يفسر كل شعور بالاشتياق بعد الانفصال. فالحزن والحنين قد يكونان جزءًا طبيعيًا من فقدان علاقة، حتى لو كان قرار الانفصال صحيحًا.

---

ولهذا...

قد يلوم الإنسان نفسه.

ويقول:

"لو كنت قويا، لما اشتقت."

بينما الحقيقة...

أن الاشتياق لا يعني دائمًا أن قرار الرحيل كان خطأ.

أحيانًا يعني فقط...

أن القلب يحتاج وقتًا أطول من العقل لينحي عاطفته جانبا ويستوعب. 


---


الشفاء لا يبدأ يوم تتوقف عن الاشتياق.

الشفاء يبدأ يوم تتوقف عن تفسير الاشتياق على أنه دعوة للعودة.

فليس كل باب تشتاق إليه… هزباب بيتك. 

فالاشتياق ليس دليلًا على أن المكان كان آمنًا.

أحيانًا...

هو مجرد أثرٍ تركه الجرح بعد أن التأم.

والقلب لا يبرأ حين يعود إلى من كسره، بل حين يتوقف عن البحث في اليد نفسها عمّا سُرق منها.

وليس كل من أحببته…يعرف كيف يحبك.

وفي النهاية...

ربما لم تكن تحاول أن تعود إلى شخصٍ آذاك.

بل كنت تحاول أن تعود إلى تلك النسخة من نفسك… التي كانت تؤمن أن الحب لا يؤذي.

وربما… لن يكون أصعب قرار تتخذه هو أن ترحل.

بل أن تصدق، لأول مرة، أن الحب الذي كان يرهقك… لم يكن وطنًا يستحق العودة.

فبعض الأشخاص لا نحتاج إلى أن ننساهم...

نحتاج فقط أن نتوقف عن انتظار النسخة التي تمنينا أن يكونوا عليها.


google-playkhamsatmostaqltradent