recent
جديدنا

تشخيص إنسان | 04 نسيت أنها كانت طفلة

ليس كل من نضج مبكرًا كان محظوظًا... فبعض النضج جاء على حساب طفولة لم تُعش.



كان عمرها اثني عشر عامًا...

لكنها كانت تحفظ مواعيد أدوية والدها أكثر مما تحفظ جدول حصصها.


توقظ إخوتها كل صباح.

تساعد والدتها في تجهيز ملابس المدرسة.

تتأكد أن كل واحد منهم تناول إفطاره.


ثم تخرج مسرعة إلى مدرستها… وكأنها أنهت نوبة عمل قبل أن تبدأ يومها.


---


لم يقل لها أحد يومًا:

"أنتِ مسؤولة."


لكنها فهمت ذلك وحدها.

كانت الأخت الكبرى، والأخت الكبرى في نظر الجميع، تستطيع دائمًا أن تتحمل، تستطيع دائمًا أن تتنازل. 


إذا بكى أحد إخوتها… نادوا عليها.


إذا تشاجروا… طلبوا منها أن تصلح بينهم.


إذا مرضت الأم… كانت هي الأم المؤقتة.


وإذا عاد الأب متعبًا… حرصت أن يكون البيت هادئًا.


أما هي… فلم يكن هناك أحد يسألها إن كانت بخير. 


---


وحين كانت تبكي...

كانوا يقولون:

"أنتِ الكبيرة... مينفعش  تضعفي."


لم تكن جملة عابرة، كانت درسًا.


تعلمت منه أن دموعها يمكن أن تنتظر، وأن احتياجاتها تأتي دائمًا في آخر القائمة.


---


مرت السنوات، وكبرت الطفلة...


لكنها لم تتخلص من الدور الذي منحته لها الحياة مبكرًا، أصبحت المرأة التي يعتمد عليها الجميع.


هي أول من يتصلون بها عند وقوع مشكلة، وأول من تُطلب منها المساعدة.


وآخر من يسألها أحد:

"هل تحتاجين شيئًا؟"


تعرف كيف تحتوي الجميع، لكنها لا تعرف كيف تطلب الاحتواء.

تعرف كيف تهدئ الآخرين لكنها لا تعرف ماذا تفعل عندما تبكي وحدها.

---


بعد سنوات… كانت تجلس مع صديقاتها في أحد المقاهي.


رن هاتفها، نظرت إلى الشاشة: "بابا".


ابتسمت وأجابت.

لم يسألها كيف حالها.


قال مباشرة:

"أخوك زعلان من أمك... كلميه."


أغلقت المكالمة، وبعد دقائق اتصلت بأخيها، استمعت إليه.


هدأته قليلًا، ثم اتصلت بوالدتها، استمعت إليها هي الأخرى، حاولت أن تصلح ما انكسر بينهما.

وفي أقل من نصف ساعة، كانت قد أصلحت خلافًا لم تكن طرفًا فيه، عادت إلى الطاولة.


كان فنجان القهوة قد برد.


نظرت صديقتها إليها وسألتها:


"هو إنتِ بنتهم ولا مسؤولة عنهم؟"


ابتسمت لكن السؤال ظل يرن في رأسها طوال الطريق إلى المنزل.


لأنها، لأول مرة لم تعرف الإجابة.


سألتها مرة اخري بهدوء:


"هو في حد بيطمن عليكِ... زي ما أنتِ بتطمني عليهم؟"


توقفت للحظة، ابتسمت ابتسامة صغيرة.


ثم قالت:

"مش عارفة."


كانت أول مرة تكتشف أنها لا تعرف الإجابة.


---


في كل مرة كانت تشعر بالإرهاق كانت تؤنب نفسها، وكأن الراحة رفاهية لا تستحقها.

وكأن قيمتها في الحياة مرتبطة فقط بقدرتها على حمل ما يعجز الآخرون عن حمله.

حتى نسيت سؤالًا بسيطًا:

"ومن يحملني أنا؟"

_______________


في علم النفس، قد يتحمل بعض الأطفال أدوارًا تفوق أعمارهم، فيعتادون منذ الصغر أن يكونوا مقدمي الرعاية بدلًا من أن يتلقوها. ويُشار إلى هذا النمط أحيانًا باسم Parentification.


ولا يعني ذلك أن كل أخت كبرى تعيش هذه التجربة، أو أن مساعدة الأسرة أمر خاطئ. فالكثير من الأخوات يشاركن في مسؤوليات المنزل بصورة صحية وطبيعية.


لكن عندما تصبح الطفلة مسؤولة عن استقرار البيت، أو عن مشاعر والديها، أو عن تربية إخوتها، وتفقد حقها في أن تخطئ أو تتعب أو تعيش طفولتها فإنها قد تكبر وهي تؤمن أن الحب يُستحق بالخدمة، وأن قيمتها تُقاس بما تقدمه للآخرين.


---


ولهذا قد تراها امرأة قوية.

هادئة.

قادرة على احتواء الجميع.

لكنك لا ترى الطفلة التي بداخلها...

التي كانت تتمنى، ولو لمرة واحدة، أن يدخل أحد غرفتها ويقول:

"سيبي كل حاجة أنا ههتم بكل ده النهارده."


لم تكن تريد الكثير، كانت تريد فقط...


أن يسمح لها أحد بأن تكون طفلة.


---


هناك أطفال يكبرون وهم يحلمون بالمستقبل.


وهناك أطفال ينشغلون فقط بأن يمر اليوم دون مشكلة، وحين يصبحون بالغين يكتشفون أنهم تعلموا كيف يعتنون بالجميع… إلا بأنفسهم.


---


ربما لهذا...

حين تسألها اليوم:

"إزيك؟"


ستبتسم تلقائيًا وتقول:

"الحمد لله... كويسة."


ثم تسألك أنت عن أحوالك.

ليس لأنها لا تحتاج إلى من يسمعها...

بل لأنها قضت عمرها كله تتعلم أن دورها هو أن تستمع، لا أن تُسمع.

وأن تحتوي، لا أن تُحتوى.


---


فالطفل الذي يكبر قبل أوانه لا يفقد طفولته فقط.


بل قد يكبر وهو يظن أن التعب ضعف، وأن طلب المساعدة عبء، وأن الحب يُنال بما يقدمه لا بما هو عليه.


وربما...


يكون أعظم ما يحتاجه اليوم ليس أن يصبح أقوى.

بل أن يصدق، لأول مرة، أن من حقه أن يستريح.




تشخيص  إنسان | 04 نسيت أنها كانت طفلة
اوتار الحياة

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  • غير معرف3 أغسطس 2026 في 10:31 م

    إذ كانت كل تركيز على المذكرة وبس حتى تصبح من الاوائل
    فهل ده تقصير منى فى تربيتها

    حذف التعليق
    • غير معرف4 أغسطس 2026 في 12:52 ص

      جميل جدا

      حذف التعليق
      • غير معرف4 أغسطس 2026 في 12:53 ص

        تحفه بجد

        حذف التعليق
        google-playkhamsatmostaqltradent