لم أكن انتويه حبا فأصبح بالحلال عشقا
بقلم أمل محمد الكاشف
حاولت ألينا تحرير نفسها من قبضة يده التي شددت على ذراعيها دون فائدة، فلقد اعمى غضبه بصيرته واغشى على عقله تماما.
بهذه اللحظات كانت جيهان تراقبهم بتخفي من جانب باب النافذة ، فرحت بصراخ ابنها الغاضب على زوجته:
" لا يمكنك فعل هذا بأمي، ولا يمكنك التحدث معها بهذا الشكل ".
لم يطل استمتاعها كثيرا، تحركت سريعاً لتدخل من نافذة غرفة الضيوف المجاورة لغرفتهم مختبئه من السيدة مليكة التي كادت ان تمسك بها حين خرجت من دون سابق موعد.
وبالطبع كان وجود جيهان بجانب غرفتهم بهذا الشكل وهما يتشاجران ليس له تفسير اخر سوى التصنت وتتبع الازمة بينهما عكس ما تتظاهر به.
حزنت مليكة عند سماعها صوت أدهم وصراخه على زوجته همت بالذهاب إليهم والتدخل للفصل بينهما و لكنها تراجعت حفاظاً على خصوصيتهم،
و بعد تهديده لها خرج وتركها بالغرفة وحدها تتنفس بصوت مسموع وعينان متسعتان لا تصدق ما حدث و لما حدث .
اقترب ادهم من باب القصر كي يخرج منه، أسرعت أمه نحوه متحدثه بصوت حنون:
" بني الى أين أنت ذاهب بهذا الوقت؟، وايضا ما الذي أوصلك لهذه الحالة ".
اغمض عينيه محاولا تمالك اعصابه و أخذ نفسه عميقا قبل أن يستدير لينظر لها قائلا:
" لا شيء ، سأذهب لرؤية ظافر".
قالها ليخرج بعدها من القصر دون انتظار رد من امه مغلقاً الباب خلفه صوت داخله يردد:
" لن اسمح لكِ ، من أنتِ ، ماذا ظننتي نفسك ".
صعد سيارته بنفس غضبه وبدأ قيادته الجنونية للخارج ، ظلت تنظر من النافذة المطلة على مدخل القصر حتى تأكدت من خروجه وابتعاد سيارته عن المنطقة، لتبدأ بعدها برسم ابتسامة يشع منها الشر مرددة بثقة:
" تحمل يابني، لأجلك، افعلها لأجل أن تعيش حياة كريمة مع من يستحقك".
صغرت عيونها وهي تنظر بقوة وشر نحو باب غرفتهم، تحركت بنفس النظرات المخيفة لتفتح الباب بقوة، دخلت بعدها حامله بعينيها غضبها وشرها باحثة عن زوجة أبنها تلك الفتاة المسكينة التي كانت مستلقية على فراشها.
تحركت ألينا ووقفت بمجرد رؤيتها لجيهان أمامها بهذه القوة والنظرات المخيفة والشر الذي بدأت حديثها به :
" ما بكِ هل استثقلتي صراخه عليكِ، أم تشعرين بالظلم حيال وقوفه بصف أمه دون الانصات لكِ"
بضعفها وقلة حيلتها نزلت دمعة من عينيها الحزينة قابلتها جيهان بقوة أكبر وصوت يكاد أن يكون اشبه بصوت الشيطان المنتصر قائلة:
" انا جيهان كورهان لم اقل شيء لم ينفذ حتى يومنا هذا، وها انا اقولها لكِ من جديد ساسحقك وانهي أمرك وبالاخير اطردك من هذا القصر ليس بيد زوجك فقط بل وخالك أيضا، ساسحقك لدرجة تتمنى خدمة ابني وزوجته المستقبلية دون أن احقق لكِ ذلك، فما فعلتيه بالمطبخ من رفع سكين وتهديد وما شابه لا يجعلك مؤهلة أن تصبحي خادمة بهذا القصر " .
ردت ألينا وهي تمسح دموعها:
" ماذا فعلت لكِ؟ ، لما كل هذا الكره؟ " .
ابتسمت جيهان بنصر قائلة:
" لستِ عبدة ذليلة فقط وايضا لا تفهمين وتريدين مني أن أشرح لكِ ، هل صغر عقلكِ لتنتظري مني تبرير، انظري إلي جيداً وتذكري هذه اليوم فلقد بدأت الحرب من الآن وصاعدا لا تلومي إلا نفسك".
تركتها وخرجت من الغرفة منتصرة سعيدة تنادي على الخادمة كي تصنع لها فنجان قهوة برغوة زائدة مكافأة صغيرة بأول انتصار لها.
ذهبت للصالون بتعالي وشموخ جالسه في مكانها المفضل قائلة لنفسها:
" حان وقت البدء في استخدام البديل ".
فتحت هاتفها قائلة بصوت حزين:
" عزيزتي لجين كيف حالك يا صغيرتي، اشتقت إليكِ يا ليتك بجواري الان فانا بحاجة كبيرة لكِ".
ردت الاخرى عليها:
" ما بكِ؟ ، ما حال صوتكِ هذا؟ ، هل أنتِ مريضة؟ ".
ردت جيهان و هي تمثل الضعف:
" أنتِ لا تعرفين ما فعلته بي؟، و كأنها اقسمت على نهايتي كي تنفرد بالقصر ".
تحركت لجين لأخذ مفاتيح سيارتها ملبية طلب المساعدة وهي تعدها بالمجيئ إليها بعد دقائق مسافة الطريق فقط.
أغلقت هاتفها بفرحة اكبر قائلة لنفسها:
" وهذا ايضا تم، لا أحد منهم يعلم مع من يلعب، انا جيهان كورهان لا يبدأ ولا ينتهي أمر حتى ااذن انا به ".
زادت نظراتها المخيفة وهي تتوعد لزوجها أحمد قائلة:
" سيأتي دورك أنت ايضا انتظر ، أنت السبب بوجودها كما كنت السبب بوجود أمها وأمثالهم في حياتنا"
في منزل كمال كورهان كان الوضع أكثر تعقيداً بعد أن جاء جد ابنته كي يأخذها لتعيش معه كعوض عن أمها التي توفيت من مدة قريبة.
لم يحزن كمال على وفاة أم ابنته التي تركتهم بعد ولادتها لطفلته بأسبوع واحد دون رحمة أو شفقة على صغيرتها، رفض ما طلبه جدها قائلا بقوة المتعاهدة عليه:
" هل الان تذكرت حفيدتك، كيف ستأخذ طفلة تربيها عندك وانت لا تعرف حتى ملامح وجهها"
رد السيد فتحي:
" نعم أنت محق انشغلنا عنها بشكل كبير ولكن أنت تعلم أعمالنا لا حصر لها"
تحدث كمال بحدة ملامحه القوية:
" و هل برأيك كثرة الأعمال سبب كافي لعدم رؤيتك حفيدك الوحيد ، و ماذا عن والدتها التي تركتها بعد اسبوع من الولادة هل كانت ايضا لديها أعمال كثيرة ".
رد فتحي بقوة :
" لم ترغب بالإنجاب، الفتاة شعرت فجأة أنها وضعت تحت ضغط وتقيد حمل وطفل وسجن كبير وضعتها أنت به"
غضب كمال برده:
" ليس لدي ما أعطيه لكم ، انا من حافظ عليها واعتنى بها حتى كبرت وسأفعل أي شيء لأجل سلامتها، لن اسمح لك ولإعمالك وقلوبكم الصلبة الاقتراب من ابنتي وليس أخذها كما تحلمون"
وقف السيد فتحي صادما عصاه أرضا بقوة قائلا:
" إذا سآخذها منك قريباً في ساحة المحكمة، شئت أم أبيت فهي حفيدتي، أنا وجدتها أحق بها منك انت وحياتك المعقدة"
بهذه اللحظات خرجت ألينا من غرفتها كي تطلب من نيجار مسكن يخفف عنها ألم رأسها، لم تتوقع وجود لجين بالصالون أكملت سيرها للمطبخ دون أن تلتفت نحوهم.
وقفت لجين مناديه عليها:
" ألينا ، ما بكِ ألا يوجد اهلا وسهلا للضيوف".
استدارت بوقوفها لتنظر نحوها هي وجيهان التي لا زالت بنفس قوتها ونظرات الازدراء التي تملأ عينها لها.
تحدثت لجين مرة أخرى أمام صمتها قائلة بوجه لم يخجل بإظهار سعادته:
" أأ ما بها عيونك هل أنتِ مريضة أم كنتي تبكين ".
اجابتها جيهان:
" عزيزتي لجين لا تتعبي نفسك عبثاً، ألينا لا تحب التحدث وهي بهذه الحالة "
نظرت لجين نحو ألينا متحدثه بوجهها المبتسم:
" هذا يعني إنكِ مريضة، حزنت لأجلكِ "
تركتهم ألينا ذاهبه للمطبخ دون رد، أشارت جيهان لضيفتها التي استخدمتها أداه لتحقيق مرادها كي تعود لتجلس بجانبها قائلة بصوت منخفض:
" أرأيت بعينك، ألم اقل لكِ الوضع يغلي بينهما، بالأصل كيف لابني ان يعيش ويتأقلم مع هذه الأشكال الرخيصة".
حركت لجين شعرها للوراء بتعالي وفرحة كبيرة، مع الاسف تلقت ألينا من نيجار معاملة سيئة حين ردت عليها بدون اهتمام قائلة:
" لا يوجد مسكن أخبرت سنان أن يحضره من الصيدلية ولكنه لم يحضره حتى الان ".
قررت تحضير قهوة بنفسها لتسكن ألم رأسها عوضاً عن المسكن ولكنها لم تتحمل وجه نيجار و لم تستطع تخطي ما حدث من استهزاء بها .
تحركت لتخرج من باب المطبخ الذي يؤدي للحديقة الجانبية للقصر بصدر اختنق مما يحدث حولها، فهي مجبره على المرور من أمام الصالون في الذهاب والعودة من المطبخ.
لا زالت تبكي دون صوت تبحث عن مكان تختبئ به عن الأنظار كي لا يراها أحد بحالتها الضعيفة والمكسورة ، جلست على حجر شبيه بصخرة مرتفعة قليلا عن الأرض خلف شجرتين متلاصقتين ببعضهم باكية بصوت مسموع خرج منها رغماً عنها قائلة:
" لأجل وعدي لخالي، علي أن أتحمل لأجله".
اتصل كمال باخته آيات طالبا منها العودة من أمريكا لتستقر معهم بالمنزل كي يطمئن أكثر على ابنته فلا احد يستطيع توقع ما يفعله السيد فتحي لكسب حضانة حفيدته.
وافقت اخته على الفور حتى تمر هذه الفترة وطمأنته أنهم لا يستطيعون الوصول لغرضهم فهو أحق بوصية ابنته من أي أحد آخر.
شكرها كمال وانهى المكالمة على امل اللقاء القريب، اقتربت منه ليلى مربية ابنته قائلة:
" كمال بيه هل تسمح لي ان اذهب لرؤية أبي و اعود بالصباح ، انهيت عملي ولم يتبقى لي سوى تنويمها فقط وايضا السيدة شهرية موجودة لأي طارئ كما نعلم ".
رفض كمال ذهابها وشدد عليها ان تركز بأدق التفاصيل حتى حذرها من الخروج بابنته للحدائق دون إذن.
سألته ليلى:
" هل حدث شيء ، أم أنها قضية الحضانة وما سمعناه من السيد فتحي "
رد كمال بقوة :
" ما سمعتموه ليس بشيء يستهان به ، التزمي بما اقوله ، ستأتي اختي لتقيم معنا حينها تستطيعين الذهاب لوالدكِ ولكن سنكون حريصين أيضا "
عاد أدهم من الخارج وهو لا يزال يحمل حديث امه مع صديقتها بقلبه، لم ينسى غضبه وصراخه على زوجته قبل خروجه وهذا ما جعله بحالة سيئة، تصادف دخوله للقصر مع خروج ألينا من غرفتها مرة أخرى للبحث عن مسكن للألم الذي زاد بقوة ليقرع رأسها كالطبول بليلة العرس.
وقف ينظر لها بنفس نظراته الغاضبة ، تحركت هي لتكمل طريقها وكأنها لم تراه، تضايق من تجاهلها له لذلك أسرع خلفها ممسك بيدها قبل ان تعبر مدخل الصالون ليكمل ما تركه ناقصاً ولكنه تفاجأ بوجود لجين وأمه بالصالون.
نظر ليدقق بعيونها الحمراء الشبه منتفخة وليده التي على ذراعها محاول استجماع نفسه، انزل يده ناظرا لأمه وصديقته راسماً على وجهه ابتسامة خفيفة أبت أن ترتسم بهذه الاجواء، تحركت ألينا من جانبه لتكمل طريقها للمطبخ بصمتها وحزنها.
علا صوته من الخلف :
" حضري لي قهوتي الخاصة ".
وقفت ملتفته له برأسها دون أن تستدير لتراه يبتسم للجين مكمل حديثه قائلا:
" بل حضريها لنا جميعاً "
فرحت لجين طالبه العصير عوضا عن القهوة ناظرة لالينا قائلة :
" وليكن بدون سكر ".
تحدثت جيهان لتضغط عليها قائلة:
" وأنا لا مزاج لدي للقهوة ، ان بدلناها بشاي الزهورات سيكون أفضل بكثير لي "
كادت الدمعة أن تفر من عينها المنتفخة وهي تنظر لزوجها بعتاب وحسرة، تأثر ادهم بحالتها ونظراتها حتى كاد أن يتراجع بغضبه ولكن عناده اعمى عيونه التي ابتعدت عنها لتهتم بغيرها.
جلس بعد ذهابها للمطبخ بجانب أمه مستمعا لحديثها معهم دون تركيز، صدمته بعودتها بعد وقت قصير حاملة بنفسها صينية المشروبات مقتربة منهم لتقدم لهم كلاً على حدا.
رفعت جيهان رأسها بانتصار بينما وضعت لجين رجل على رجل وهي تتحضر لأخذ عصيرها بتعالي ، تحدث ادهم متسائلا:
" اين ينجار لماذا لم تحضر هي الضيافة "
نظرت ألينا له بقوة مجيبة بها :
" ذهبت مع السيدة مليكة تنهي بعض الأعمال في الخارج"
اقتربت من جيهان قائلة:
" الكبير اولاً"
ابتسمت لجين بتخفي على حالة وجه جيهان الذي صُدم مما قالته زوجة ابنها.
اقتربت بعدها من زوجها و قدمت له قهوته مبتسمه بوجهه، ومن ثم تحركت لتعطي لجين عصيرها ومن بعده طبق به مكسرات قائلة:
" لم اضع لكِ الحلوى كي لا يزيد وزنك أكثر من هذا، اخترت لكِ بعض المكسرات ستفيدك كثيرا وايضا كي لا يقال عنا أننا لا نكرم ضيوفنا"
انزلت لجين ارجلها وهي تنظر لجسمها والمكسرات من بعده، لم تعطي ألينا احد الفرصة بالحديث معها فتعابير وجهها الحادة وقوتها وهي تأخذ فنجانها الخاص معتذرة على عدم استطاعتها مشاركتهم بشربه لحاجتها واستنشاق الهواء الطلق كانت كافية بصمتهم.
خرجت بهذه القوة من النافذة لتجلس بأقرب طاولة ظهرت أمامها، تظاهرت جيهان بالطيبة قائلة لضيفتها:
" لا تؤخذيها فهي تحب الجلوس بالهواء الطلق كما اعتادت، و نحن نراعي هذا ولا نحب ان نضغط عليها بشيء غير معتادة عليه ".
نظرت لجين نحو أدهم قائلة:
" نعم اعلم انها مختلفة وغير معتادة على حياتنا و هواء اسطنبول كان الله بعونكم " .
لم يرد ادهم على حديثهم حين تحرك ليضع فنجان القهوة الذي انهاه بوقت قياسي رغم حرارته العالية على الطاولة الامامية مستأذنا منهم ليجري اتصالاً مهماً .
و بفضول سألته لجين:
" بمن ستتصل؟ "
نظر لها باستغراب جعلها تبرر سؤالها:
" اعتقدت أنه صديق مشترك لهذا سألت "
نفى ادهم ما قالته مكمل سيره نحو غرفته وهو يتحدث مع صديق له اتفق معه على ان يتقابلا بعد وقت قصير للسهر سوياً بمغامرة جديدة بسباق الدراجات النارية .
قررت ألينا التحدث معه لتشرح موقفها وعدم اساءتها لامه موضحه سوء التفاهم ان وجد ، بل و تستفسر منه عن اي ذنب اقترفت لكل ما فعله.
دخلت الغرفة لتجده بها، اقتربت منه ولكنه تجاهلها كما فعلت هي به، تحدثت بثبات:
" علينا ان نتحدث، اريد فهم سبب غضبك عليّ إلى هذا الحد، وايضا ماذا حدث جعلك تصرخ بتلك الكلمات".
نظر لها بنفس نظراته القوية قائلا:
" بأي عين تتحدثين، ما هذه الجرأة التي أنتي بها، بأي شيء تثقين، هل تعتقدين أنني من هؤلاء الرجال الذين تعمى عيونهم بعد زواجهم حتى يصبحوا لا يدركون ما يفعل خلف ظهورهم".
ردت بصوت اعتلاه نبرة البكاء و الظلم قائلة:
" انت تظلمني انا لم افعل شيء لكل هذا".
هز رأسه بغضب:
" و تكذبين ايضا، مع الاسف للحظه توقعت أن هذا الوجه بريء وطبيعي ولكن لم اتوقع انه مختلط وساذج لدرجة ان يثق بنفسه لهذا الحد ".
شاركتها الدموع دفاعها عن نفسها بصوتها المختنق:
" انا لا اكذب" .
ابتسم بسخرية و هو يرمقها من الاعلى للأسفل قائلا بعيون غمزت لها:
" هل تعتقدين جمالك سلاح قوي؟، هل لأنني أشفقت عليكِ واعطيتكِ أكثر من حقكِ به ".
قالها ناظرا الفراش فلم يتوقع تلك الصفعة التي سقطت على وجهه بقوة.
اتسعت عينه بغضب حتى كاد ان يرد لها الصفعة بشكل أسوأ، لولا تمالك نفسه بأخر لحظه وضمه لكف يده بقوة يهزه بالهواء أمام عينها
قائلا بقوة :
" اقسم انني لن اقترب منك مرة أخرى، لن اجعلك تحظي بهدفك وتنجحين فيما تخططين له ولو طال زواجنا العمر كله"
خرج من الغرفة وهو أشد غضبا كأنه نار متأججة تتناثر بالمكان من شدة توهجه،
لم تكن عودته للسهر للصباح خاص بهذه الليلة العصيبة فقط، بل اصبح يهرب كل ليلة للسهر والمرح مع اصدقائه تاركها خلفه بالقصر تواجه امه الظالمة وحدها دون رحمة.
يعود لقصره قرب شروق الشمس دون مراعاة لشعورها وضيقها الذي كان يزداد يوماً بعد يوم فهو لا يتحدث معها إلا بصفة الامر ولا يقترب منها و لا ينظر لها إلا بغضب.
امتنعت ألينا عن تناول الطعام من شدة ضيقها وتألمها، حاولت مليكة أن تضغط عليها أكثر من مرة ولكنها كانت تتحجج بألم معدتها.
وبليلة من هذه الليالي عاد أدهم من سهرته بوقت مبكر بعد أن زاد تعبه واجهاده دخل غرفته يترنح من ألم رأسه الشديد وعدم استطاعته فتح عينيه، نام على أريكته بعد ان أصبحت فراشه الدائم في اخر أيامهم.
شعرت ألينا بعودته خلعت عنها ملابس الصلاة لاجئه لفراشها لتمثل عليه نومها هربا من مواجهة عيونه القوية و أوامره الحاده وهو يطلب منها ملابسه وقهوته وما شابه .
لم يأتيها نومها ظلت تتقلب وتتقلب تحاول ان تنام، توجهت إلى فراشه لتترقب حالة الصمت الذي خيم على الغرفة.
نظرت من بعيد نحو اريكته متعجبه من امر نومه دون تبديل ملابسه ولا وضع الغطاء عليه، غضبت على عدم اهتمامه عائده لفراشها كي تنام، مع الاسف لم يتركها ضميرها دون عتاب، كيف ستتركه هكذا دون غطاء والطقس بارد.
تحججت بوعدها لخالها أحمد في الحفاظ على ابنه وتحمل غضبه، أخرجت من الخزانة غطاء باللون الاحمر وذهبت لتغطية به.
انتبهت بهذه اللحظة تغير لون وجهه المتعرق بشكل ملحوظ، انحنت عليه لتضع يدها على جبهته لتكتشف ارتفاع شديد بدرجة حرارته.
خاف قلبها عليه ارادت اخبار جيهان هانم ولكن كرامتها لم تسمح لها ، حضرت الكمادات وعادت لتضعها على رأسه .
لم ينجح الأمر جاءت برأسها فكرة قامت مسرعة لتنفذها، مرت دقائق عادت بعدهم للغرفة ومعها الخل والليمون تضع منهم على ماء الكمادات واضعه منهم خلف اذنه ورقبته ومفاصل يديه.
نجح الأمر مع التكرار تنخفض حرارته وتعود بعدها لترتفع، حتى قررت بالأخير ان تذهب لتوقظ السيدة مليكة كي تساعدها. .
لم تتمالك جيهان اعصابها غاضبه على ألينا امام الطبيب :
" هل انا اخر من يعلم ، تخبرين مليكة وتتصلون بالطبيب وانا اخر من يعلم"
مسح ادهم وجهه بيده ناظرا لأمه بتعب قائلا:
" ليس وقته يا أمي "
صمتت جيهان بضيق ليكمل الطبيب فحصه قائلا : " لا داعي لكل ذلك أصيب السيد ادهم بدور برد رفع حرارته بسبب الطقس شديد البرودة، كل ما عليكم فعله الاهتمام بمواعيد الدواء ومراقبة الحرارة حتى يتعافى قريبا ان شاء الله ''
رغم ضيقها من معاملته السيئة معها إلا أنها اهتمت به وبدوائه لأجل وعدها لخالها، فكلما غضب واعترض رافضا تناول الطعام من يدها كانت تغمض اعينها محدثه نفسها :
" لأجل خالي، لأجل وعدي له "
توالت المشاكل والمخططات واحدة تلوى الاخرى، كلما نسي ادهم وبدأ يتحسن بالمعاملة مع زوجته عائدا لطبيعته، تأتي أمه وتفتعل مشكلة أكبر لتبعده عنها كي تنفذ وعدها وتوعدها لها.
وهذا ما جعل ادهم يبتعد أكثر وأكثر حتى اصبحوا كالأغراب بغرفة واحدة ينام هو على الاريكة وحدهُ كي لا يكون تابع لها و تغتر بنفسها وتشعر انها تملكته ..
كما استسلمت ألينا دون مراجعة له او مطالبته بالعودة لفراشه ، كانت تواجه تغيراته الغير مفهومه بهذا الصمت القاتل متقبلة اي ظلم و اي اتهام من جهة جيهان دون دفاع عن نفسها متأمله بعودة خالها ليبشرها بشفائه التام، وحينها ستطلب التحرر والعودة لقريتها ولكن حتى هذه الأحلام كانت تقابلها دون تصديق فهي تعرف حقيقة تلك الأمراض التي لا يمكن للإنسان التخلص منها بسهولة وبوقت قصير.
تعتقد انها بصمتها وتحملها تفي لخالها بوعدها ليأتي كل يوم عليها أسوء من الذي سبقه.
و برغم ضيقه منها وغضبه وحدته بالتعامل معها إلا أنها لا زالت تسحره بإطلالتها كل صباح، تتعلق عينه عليها منقطع عن العالم المحيط به ككل مرة، من يراه يعتقد انه سيحتضنها ويزدهر وجهه بحديثهم الجميل.
ولكنها لحظات وقتية قصيرة الأجل يعود بعدها لطبيعته الحادة من جديد.
فهو لديه قناعة كاملة من لا يحترم أمه لا يحترمه وأن الجمال مهما فاق لا يمكنه أن يمتلك العقل فهو ليس ممن يركعون لزوجاتهم على حساب والديه.
لم تتكاسل جيهان عن الفوز بأي فرصة لتجعل هذه المعتقدات محفورة بقلبه لدرجة انها اتفقت مع لجين بلعبة خبيثة وقع بها أدهم من جديد.
جعلتها تتحدث مع صديقتها يونجا عن ما تتحمله أمه من زوجته القوية، ممثلة لجين تخفيض صوتها كي لا يسمع أدهم، استرسلت بحديثها حين شعرت بقربه ونجاح خطتهم قائلة:
" مع الأسف إن لم ارى بعيني لم اكن اصدق ابدا، فكيف لجيهان هانم أن تتحمل كل هذا وحدها دون ان تشكي او تدافع عن نفسها، ستذوب المرأة حزنا لأجل ألا تشعر ابنها بشيء من أفعال زوجته " .
ردت يونجا باندهاش:
" من يرى وجهها الطيب لا يصدق ابدا انها بهذا السوء"
غير ادهم طريقه فاتحا هاتفه متظاهر بانشغاله به وكأنه لم ينتبه لهم مبتعدا عنهم كي لا يلاحظوا أنه سمع حديثهم، اقترب ظافر ليسأله
" إلى أين يا صديق، لا زال الوقت مبكرا "
لم يرد عليه خرج من منزل ظافر مغلق الباب خلفه بضيق، ضحكت لجين قائلة:
" تم الامر ، من المؤكد انه سمع "
تفاجأت يونجا و نظرت خلفها ثم نظرت للجين قائلة:
" هل سمع حديثنا عن زوجته وأمه "
اسندت لجين ظهرها على المقعد وهي فرحة سعيدة ، حزنت يونجا منها وحذرتها أن ما تفعله لا يجدي نفعاً :
" لما تفعلين كل هذا ، ما الفائدة التي ستعود عليكِ"
لم تستمع لجين لعتاب صديقتها بل كانت نظراتها المنتصرة دليل قوي على اقتناعها بهدفهم و المصابرة لأجله.
عاد ادهم للقصر وهو منشغل بالحديث مع عمه على الهاتف، انتبهت جيهان على حديثه وطلبه من عمه ان تأتي ابنته الصغيرة لتستقر لديهم يومين حتى يعود من سفره و ايضا حتى تحصل عمته آيات بحجز موعد قدومها إليهم.
وافق كمال ان يترك ابنته لديهم ، بعد اصرار و ضغط من قبل أدم على عمه، ارتفع ضغط جيهان وغضبت على ابنها وهي تقول:
" انت تعلم انني لا اتحمل مدللتهم هذه، كيف تطلب وتتفانى بطلبك هذا قبل أن تستأذن مني"
استغرب ادهم من ردة فعل امه بل استغرب اكثر ممن ظهرت بإطلالتها الساحرة وبيدها قهوته المحببة التي حضرت له دون طلب منه، ابتسم لها بعيونهُ المعلقة عليها ليأخذها منها دون اعتراض وكأنه لم يستمع لحديث لجين ويونجا.
وهذا ما زاد تألم جيهان من رأسها فبعد أن زفت لجين لها خبر سماع ابنها لحديثهم وتركه المكان غاضبا، كانت تتوقع أن يأتي يصرخ ككل مرة، ولكن ككل مرة ايضا رأت حب ابنها وتعلق قلبه وعقله بزوجته منصدمة من هذه الحقيقة.
تحدثت جيهان بصوت عالي كي ينتبه أبنها لها ويحد من نظراته لتلك التي يبغضها قلبها.
لم يزد حديثها الا غضب ادهم وإصراره على مجيء ابنة عمه قائلا:
" عليكِ ان تتقبليها هي وعمي هم أفراد من عائلة كورهان يكفي هذا الكره الذي ليس له مبرر" .
وقفت جيهان قائلة :
" سترى يا بني ، غدا سترى إن أمك على حق، اصمت واتحمل واتغاضى عن حقوقي ليس ضعف مني كما تعتقدون ولكني لا ارغب سوى بحياة هادئة جميلة دون حقد او مشاكل ".
تركت لهم الصالون كي لا تظهر حقيقة كرهها لكمال وعائلته، لم تهتم ألينا امسكت طبق البقلاوة واعطته لزوجها وهي تقول بصوتها المنخفض: " السيدة مليكة حضرتها لأجلك ".
نظر أدهم لها ثم نظر للطبق بيده اخده منها وهو يرد بعيونه التي لم تستطع التحرر من سحر جمالها قائلا :
" نعم هذا صحيح ، انا من طلبها منها ".
هزت رأسها وهي تتأمل فرحته بالبقلاوة باستغراب فلا فرق بين فرحته و فرحة طفل لحظة شرائه للحلوى.
نظر لصمتها ووقوفها أمامه مشيرًا لها بالجلوس، تحركت واضعه شعرها خلف اذنها متحركة ببطء لتجلس بجانبه كما أشار لها.
اندهش من حالتها فكيف لكل هذه البراءة ان تتحول فجأة لشخص سيء يعادي امه و من حوله بمجرد اعطائه ظهرك.
وصلت سيدرا بكرسيها المتحرك توقفت لتبتسم قائلة:
" سامحك الله يا ألينا هل اعطيتي لأخي البقلاوة قبلي، ألم تعديني أنكِ ستجلبي لي نصيبي فور خروجها من الفرن أم ان أخي له حق الأولوية لديكِ "
وقفت ألينا بخجل قائلة:
" سأجلب لكِ نصيبك".
لم تنهي حديثها حتى أتت مليكة بها واعطته لها ومن ثم مدت يدها لتعطي ألينا هي أيضا قائلة:
" ولكن هذه المرة لا يوجد مهرب، لا يمكنكِ الاستمرار بدون طعام"
نظر أدهم لزوجته متسائلا:
" هل تقومين بحمية غذائية؟ ".
ردت مليكة:
" لا يا بني أي حمية هذه ، ولكنها اعتادت على عدم تناول الطعام بانتظام " .
استغرب متسائلا :
" ولماذا؟، هل أنتِ مريضة؟ أعني هل تشعرين بألم في معدتك بعد تناول الطعام او ما شابه؟".
من جديد استغربت ألينا من حالته المتغيرة وكأنه رجل اخر يتحدث معها، فهذا ما كان يحدث حين يتملكه قلبه وفطرته وتعلقه بها.
هزت ألينا رأسها بالنفي ، ابتسم بجوابه:
" اهذه لغة جديدة علينا دراستها و تعلمها ؟"
جاء صوت نيجار من الخلف وهي تنادي على مليكة أن تأتي لترى شيء مهم بالمطبخ.
استأذنت منهم و تحركت لتعود للمطبخ مؤكده على ألينا والباقية أن ينهوا اطباقهم، أخبر أدهم اخته بقدوم ميسال إليهم الليلة حتى انها ستبقى يومين كاملين معهم.
ابتهج وجه سيدرا قائلة:
" فرحت كثيراً ستكون من اجمل الايام أنتِ لا تعرفين كم احبها وخاصة ادهم ولا يستطيع كسرها مهما طلبت هي الوحيدة التي يضعف أمام عيونها الخضراء" .
غارت ألينا من حديثهم واسترسال سيدرا بوصفها وحبهم لها ، اكلت البقلاوة بضيق ظهر على وجهها وكأنها تتعارك مع الطبق وليس فقط تأكل منه.
تحدثت سيدرا بخبث
" ألينا ما بكِ؟ "
نظرت ألينا للطبق بيدها ثم نظرت لها وهي تتحرك قائلة: " سأشرب الماء ".
توجهت للمطبخ وهي تحدث نفسها بغيظ قائلة:
" لا يستطيع كسرها، نعم رأينا كيف لم يستطيع كسر احد "
اقتربت مليكة منها لتسألها:
" ابنتي مابكِ، هل تتحدثين مع نفسك"
ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها
: " لا ، كنت اشرب الماء فقط "
اقتربت سيدرا بنفس ابتسامتها وخبثها الجميل من أخيها لتقول غامزة:
" هل غارت زوجتك من ’اسم بنت كمال ’ "
من دهشته تساءل: " هل من ميسال ؟"
هزت رأسها وهي تراقب جهة المطبخ قائلة:
" نعم رأيتها بعينيها ".
ضحكت أكثر لتكمل:
" أعتقد أنها لا تعرف سن ميسال "
رفع ادهم حاجبيه وهو يضحك على ما تقوله اخته التي أكملت:
" اتعلم سيحزن قلبي قليلا عليها وهي تتآكل من غيرتها ولكني سأصبر حتى أرى نظراتها وهي تتفاجى بصغيرتنا "
رد ادهم بحب :
" افعلي ما تريدين لا اريد رؤية وجهك إلا بهذه السعادة " .
تحركت بكرسيها قائلة بفرح:
" سأذهب لغرفتي لاستعد لاستقبال صاحبة العيون الخضراء".
راقب ادهم تحركات ألينا وضيقها بفرح وسعادة فشعوره انها تغار عليه جعله ينسى غضبه ويركز فقط بإثارة هذه الغيرة اكثر و اكثر .
تحركت لتخرج من غرفتها، ليلحق بها طالباً منها أن تبحث معه عن قميصه الازرق.
نظرت له باستغراب فهذه المرة الاولى التي يطلب منها ان تجلب او تبحث له عن ملابسه بهذه النبرة الهادئة، تحركت مقتربة من الباب الذي ينتصف الجناحين بالغرفة وهي تنتظر منه ان يفتح لها الطريق ولكنه لم يتحرك ظل بمكانه ينظر لها بوجهه الباسم.
خجلت بشدة وهي تمر من جانبه بهذا القرب و هذا التلامس الذي أرجف قلوبهم بمجرد تقاربهم.
ارتبكت كثيرا حتى اصبحت الرؤية غير كاملة أمامها بعيونها الغير ثابتة تريد ان تجد القميص كي تهرب بسرعة من الغرفة.
أعجب بحالتها وارتباكها بجانب خجلها الذي ظهر على خدودها الحمراء، ليقترب منها واقفا خلفها وهو يمد يده للامام ليبحث معها عن القميص، ابتلعت ريقها ورجعت شعرها خلف أذنها قائلة بصوت كاد أن لا يسمع :
" انه بالمغسلة من المؤكد انه لم يعد حتى الان "
هز رأسه وتحرك من خلفها ليأتي بجانبها قائلا:
" توجب علينا الان أختيار غيره، ولكنه مميز لدي و كنت اريد ان ارتديه الليلة لاستقبال ضيفتنا به".
ظهرت غيرتها بتحريكها لحذائها وهي تهز مشط ارجلها على الارض وتكز على شفتيها السفلى قائلة:
" لنرى السيدة مليكة كي تتصل بالمغسلة وتستعجلهم، لا يمكن أن تأتي الضيفه لتراك دون قميصك المفضل"
أسرع بالرد قائلا:
" ليس لهذه الدرجة ولكن علينا الان اختيار واحد اخر بنفس قدره"
نظرت ألينا للخزانة ، اقترب هو من قميص ابيض و أخرجه قائلا: " هذا مناسب؟ "
تدخلت سريعاً :
" لا، ليس مناسب " .
ثم أخرجت قميص غيره باللون القرمزي تنظر له و هي تفكر.
أخذه من يدها قائلا :
" نعم هذا هو ، أين كان نسيت أمره ".
ندمت ألينا كثيراً على اختيارها وخاصة حين تفاجأت بتألقه به أكثر من الأزرق، زاد ضيقها وغيظها حتى كاد ان يخبرها بسن ابنة عمه ليهدئ منها لولا رغبة أخته بمفاجئتها .
خرجت من باب النافذة واقفه امام المسبح تتأكل غيظا لا تستطيع تحمله وهو يتجهز ويتعطر لأجل ابنة عمه قائلة لنفسها:
" عيب كيف يفعل هذا أمامي دون حياء، ما دخلي أنا يفعل ما يريد"
عادت لتتحرك وهي تصدم يديها ببعضهما قائلة:
" من الجيد ارتدائك له ، ستعجب ام عيون خضراء به كثيراً"
راقبها من خلف الستار بسعادة شعوره بغيرتها عليه، فكر ان يتحدث معها بأمر أمه ليتعرف على المشكلة التي أوصلتهم لهذه الحالة فمن الممكن ان يكون سوء فهم من الطرفين يستطيع هو حله.
ضحك وجهه قائلا بصوت مسموع:
" نعم هذا هو "
جاءه صوت من خلفه يسأله " ماذا تقول؟".
استدار ليجد أمه أمامه فكر ان يتحدث معها قبل ان يتحدث مع زوجته ليفهم منها ما يضايقها.
جاء ليخرج ما بقلبه لها ولكنه سمع صوت رنين جرس باب القصر ليفرح قائلا:
" لقد جاءوا"
تحرك مسرعا للخارج كي يستقبل عمه و ابنته صاحبة العيون الخضراء
رحب الجميع بوجود كمال الا جيهان التي كانت تنظر بعيون حادة وقوية ، وهذا ما أغضب ادهم محاولا غض نظر عمه جهتها.
دخلت ألينا لتتفاجأ بوجود كمال كورهان، تقدمت لتسلم عليه بعيون تبحث عن الفتاة صاحبة العيون الخضراء.
ضحكت سيدرا متحدثه بصوت مسموع للكل:
" ألينا اعرفكِ على ابنة عمي" وأشارت للطفلة التي بحضن أدهم.
خجلت ألينا من نفسها كما ظهر على ملامحها الفرح وهي تجلس بجانب زوجها كي ترحب بالصغيرة الجميلة التي لم تنهي عامها الرابع، فرح أدهم من قربها وفرحتها التي رسمت على وجهها وهي تلاعب الطفلة بحضنه.
تحدث كمال ليضع ابنته بأمانة ألينا بغيابه وتحرك بجانب ادهم ليخرج من القصر كي يلحق بعمله.
سُعدت سيدرا التي رغبت بنوم صاحبة العيون الخضراء معها بالغرفة، ابتسمت ألينا قائلة:
" برغم اني اردت هذا و بشدة لكني سأتنازل ان يكون يومها الاول لكِ على أن تعديني بنومها بجواري غدا"
اتاها ردها من الصغيرة :
" اعدك انا بهذا" .
فرحوا بكلامها و اندماجها معهم.
عادت جيهان وهي مستاءة من ضحكهم وانسجامهم تقول لابنتها بوجه غير مفسر ملامحه من شدة اغلاقه على نفسه:
" هيا اذهبي لغرفتك كي تنامي تأخر الوقت "
ردت الاخرى بفرح:
" لا ليس الآن علينا القيام بترتيب قطع البازل الناقصة وبعدها نخلد للنوم بجانب بعضنا البعض" و وضعت يدها على رأس الصغيرة مداعبة شعرها الأشقر.
غضبت أمها مما قالته لتصر :
" ستذهبين الان يكفي هذا السخف تأخر الوقت وايضا كيف تنام بجوارك؟، كيف يمكنك مساعدتها ان استيقظت بمنتصف الليل وانتِ بالكاد تستطيعين مساعدة نفسك"
خفضت سيدرا عينها بحزن، دون أن تهتم امها التي أكملت:
" بأي فوضى وقعت انا، هيا اذهبوا لأماكنكم لتأتي نيجار و تجمع هذه الفوضى و تكبها بالقمامة ".
وضعت الصغيرة يدها بخوف وحزن على لعبتها التي بحضنها، تحركت ألينا وجمعت لعب الصغيرة بعلبة صغيرة خاصة بها قائلة:
" لا تحزني لا يمكننا التفريط بها بهذه السهولة وأيضا علينا ان نفوز بترتيبها من جديد ولكن ليس الان سنقوم بهذا غدا صباحاً"
تحركت سيدرا بحزن " ليلة سعيدة لكم"
جاءت ألينا لتوقفها ولكن وجه جيهان وعيونها الحادة ارجعتها عن هذا.
عاد أدهم بعد ساعة تقريبا اوصل عمه وأخذ منه بعض الملفات المهمة المتوجب مراجعتها بدقة قبل اجتماع الغد.
توجه لغرفته ليبدل ملابسه اولا و من ثم يذهب لغرفة اخته قائلا لنفسه:
" من المؤكد انها بجانبها الآن "
دخل واغلق الباب كالعادة ليجدها امامه تحذره بعينها وذلك الصوت الذي خرج منها:
" اشششش، ستستيقظ "
استغرب فهو لم يفهم بأول الامر حتى رأى الصغيرة نائمة على الأريكة أمام شاشة التلفاز.
ابتسم لجمالها وهي نائمة سألها عن سبب نومها بغرفتهم وكيف تركتها أخته لها بعد كل هذا الحماس.
تذكرت كلمات جيهان الجارحة دون أن تحكي له كي لا تثير المشاكل بينه وبين امه، و تحركت دون رد لتحمل الطفلة ووضعتها على الفراش.
اقترب بسرعة وحملها عنها، وهنا تقاربت الأوجه وعلقت الأعين ببعضها و وجدت الأيدي حجة لتتلامس أما عن القلب فقد زاد من قرع طبول التوتر و الدهشة من هذا الاقتراب الذي كاد أن يُغرقهُ بها وينسيه أمر الطفلة التي بين يديهم.
فتحت الصغيرة عينيها قائلة:
" أخي " .
تركتها ألينا له متراجعة بخطواتها للخلف، ابتسم للصغيرة قائلا :
" هل ازعجنا صاحبة العيون الخضراء"
نظر ادهم مرة أخرى جهة زوجته متسائلا :
" لماذا لم تنام بجانب سيدرا كما رغبت"
جاءه الرد من الصغيرة:
" أمها لم ترضى"
غضب ادهم واضعا الصغيرة على الفراش وهو يحنو على شعرها منتظر نومها، ثم تحرك بعدها كي يذهب لامه، اسرعت ألينا وامسكت ذراعه قائلة بصوت لا يسمعه سواه :
" دعنا لا نضغط عليها بهذا الوقت، وايضا هي محقة ماذا ان استيقظت الصغيرة بمنتصف الليل من سيقوم لها "
نظر أدهم لنوم الصغيرة بالفراش دون رد ، استغربت ألينا من صمته لتجده بعدها يقترب و يحمل الصغيرة قائلا :
" لا يمكن تركها تغوص بحزنها ووحدتها مجددا، هيا لا اريد اعتراض سنذهب لننام جميعنا بجوارها".
خرج من الغرفة وهو يحمل الصغيرة بحضنه، لتخرج ألينا خلفهم بترقب فكيف سينامون بشكل جماعي.
وبوجه ينشر السعادة دخل ادهم غرفة اخته الحزينة قائلا: " نحن اتينا"
ابتسم وجه سيدرا بمجرد رؤيتها لهم، اقترب من فراش اخته و وضع الطفلة بجانبها قائلا:
" اشتقت لأريكتي المريحة، هل تأذن لي اختي ان اشاركها النوم بغرفتها كسابق عهدنا".
وبعيون كادت ان تبكي هزت سيدرا رأسها فرحا، نظرت لزوجة اخيها التي كانت واقفة بجانب الباب تشاهد حبهم وصلتهم القوية ببعضهم قائلة:
" هيا يا ألينا ، تعالي أنتِ ايضا نامي بجوارنا الفراش كبير"
نظر ادهم لزوجته بفرح حين رآها تستجيب لأخته مغلقة الباب والاضاءة لتدخل وتشاركهم الفراش بسعادة كبيرة، ظل يتأملها حتى بعد نومها.
غرق هو أيضا بالنوم دون راحه فما ينعتها بأريكته المريحة لم تسمح له بالنوم الهنيء لقصر طولها وضيق سعتها له.
إلى هنا وحسب سنتركهم نائمين بهدوء حتى نعود لنيقظهم من جديد نكمل باقي الفصول بالطبع أن أردتم أنتم أيضا هذا..
أن أعجبكم الفصل اكتبوا لي " كملي " في التعليقات …
بحبكم كلكم في الله
رواية لم أكن انتويه حبا بقلم أختكم أمل محمد الكاشف
