recent
جديدنا

خيط من حرير الفصل الثاني والعشرون

 خيط من حرير 
الفصل الثاني والعشرون 
بقلم سميحه رجب 

كم البعيد بعيد؟ 

كم البعيدُ بعيدٌ)) ؟

كم هي السُبُلُ؟

نمشي

ونمشي إلى المعنى

ولا نَصِلُ ...

#محمود_درويش



جلستها المعتادة بالشرفة تستمع لأشعار محمود درويش التى دوما تجد فيها ما يصف احوالها وكأنه يشاركها حزنها على الدوام مهما اختلف شكله وسببه، تجلس تتأمل المارة في الشارع حينًا وتكتب حينًا آخر، تبث للأوراق بعض خوالجها وترتجى من الكلمات بعض الأنس وتعانق بكفها قلمها لتفضي بعض ما تريد الفضفضة به ولا نجد بشرًا أحق بسماعه… 


"لم يكن الأمر عابرًا…

لقد مر ما يزيد عن العقد والنصف عقد من الزمان، كان رحلة مزدانة بالسقوط تارة والتمكن من المواجهة تارة اخرى، كبرت أعمارا فوق عمرى، شهد شعرى الأبيض الذى ظهر قبل أوانه على كل ليلة بكيت فيها واستسلمت لأقدارى مجبرة، اجتزت الاربعين ربيعًا منذ خمسة أعوام وها أنا في طريقى للخمسين من عمرى، لم أعد شابة وبنفس الوقت لست عجوزا، انه منتصف العمر الذى زاد ثقلى بأزمته، فيبدو اننى لم أعد أشعر بشعور محدد، والغريب أن هذا هو حالى منذ أن ابتعدت عنى، ولكنى كنت اقنع ذاتى بأن السبب هو أن القطار فاتنى عدة مرات…

ولكن مهلا… 

هل فاتنى القطار حقًا؟ 

كيف يفوت القطار تلك الأم التى باعت العمر واشترت تربية ثلاثة أطفال كبروا الآن وأصبحوا ونعم الونس والسند؟

اجل فلقد كبر احمد لم يعد ذاك الطفل الذكى ذا السبع سنوات بل اصبح شابًا مزدانًا ورجلاً بحق ذا الاثنى وعشرون ربيعًا، أما ملك فأصبحت شابة جميلة حازت من الحسن جله، ومن الاحترام والادب حسنه ومن العلم قمته والتحقت بكلية الطب ارادت ان تحقق حلمى الذى نسيته في احدى المحطات، أما نوح فلقد حاز من اسمه نصيب وكأن كل أيامنا معه كسفينة نوح ينتشلنا من كل حزن وبؤس وشقاء إلى سعادة غامرة وابتهاج، وأنس… أصبح الآن في الثالث والعشرين من عمره، سبعة عشر خريفا مروا في البعد دون أن احظى بلمسة من كفه الصغير الحانى، لا أعلم ما هى الصورة التى صدرها له كرم عنى ولكن يقينى بالله يقينى من كل فكر يشوب أملى في لقاء صغيرى وضمه إلى صدرى ولو لمرة قبل أن أمت. 


أما انت يا خالد فمازلت على العهد فى اى وقت تأتينى ستجدنى انتظرك واحتملك مخطئا مريضا حزينا كسيرا كاذبا، فالعهد بيننا:

لو فاتتنا قطارات الدنيا كلها ستزال محطتى في استقبالك بأى حال تأتى فلتأتى..

فلتقل للبعد كفى وتأتى فزهرتك هنا بحاجتك أشد الاحتياج، فالرحلة طويلة ومهلكة والألم خاص جدا لايمكننى شكايته لأحد غيرك لذا فأخفيته عن العالم اجمع، لقد قطعت الطريق وحيدة وصاح صوتى بكل الأسئلة لاستجواب أقدارى ولكن دون رد فمضيت ثم سقطت ثم نهضت واستجمعت نفسي ثم تبعه سقوط وتبع السقوط سقوط حتى كدت أن اهلك ولكن لا تخف فأبنائك بخير وابنى سيكون… "


تنهدت بضيق لتضع قلمها والتقطت بدلا منه علبة دوائها لتأخذ حبة منه وأغمضت عينها ببطء وأرجعت رأسها للوراء قليلا قبل أن تعاود الكتابة: 

"يقولون أن طاهى السم لا محالة ذائقه ولم أكن أتخيل ان يحدث، فلقد اصبحت مريضة بهذا المرض الذى قضيت سنوات شبابي الأولى أداويه، هاهو ثنائي القطب يحيطنى من كل جانب مقيضًا كافة حواسي."


قاطعها مجئ اختها التى ذعرت حين لمحت علبة الدواء جانبها، فتحدثت بضيق قائلة: 

ماذا بك يا زهرة؟ امرأة قوية مثلك ما حاجتها لمثل هذه الادوية؟ 


اقتضبت ملامحها بحزن مجيبة:

لقد قتلنى فراق كل من احببتهم. 


تنهدت ياسمين بأسي لتسألها:

بماذا تشعرين؟ 


اعتدلت زهرة بمكانها وأغلقت دفترها ثم التفتت نحو شقيقتها مبتسمة:

لا تقلقي أنا بخير، منذ مدة كنت اعتقد ان الموت وكل البؤس وشيكين أما الآن مع الانتظام بالمداواة أصبحت افضل، منذ سنوات وانا اعانى انا وثنائى القطب ونعاند بعضنا البعض ولكننى مرودته لا محالة. 


همست الأخرى بقلق:

طريقتك ليست طريقة تحدث مريض نفسي، لا أستطيع أن اطمئن عليك هكذا، يجب أن نذهب لطبيبة تساعدك. 


ابتسمت ابتسامة هادئة في محاولة منها لطمئنة أختها قائلة:

لو رأيتنى منذ عامين لتيقنت اننى بخير الآن على الأقل لم تعد الهلاوس السمعية والبصرية ولا الوساوس تزورنى، وبدأ الصداع المستمر يتراجع رويدا رويدا، وأصبحت قادرة على وصف شعورى في لحظة بعد أن كنت حائرة في امرى لا أدرك ماهية أى شئ يخصنى حتى وصف ما اشعر به، لم أعد اتجول بين الحزن المعلوم والفرح اللا معلوم بنفس اللحظة، ولم أعد اتنقل بين الحماس والفتور في اقل من الدقيقة. 


ثم نهضت لتقبل وجنتى أختها قائلة: 

هيا الى بيتك فلقد اقترب موعد قدوم أحبابي ويجب أن أعد لهم الغداء. 


وتحركت لتهرب منها لكى تندس في المطبخ وتنهك نفسها في التحضيرات، بينما تحركت ياسمين خلفها قائلة: 

أعلم أن وفاة أمى وسفرى لعدة سنوات وتركك مع الثلاثة وحدك قد أنهكك ولكن كما تعلمين فمراد وليلى كانو مجبرين على السفر لأجل عملها الجديد في الخارج فلم يكن بمقدرتى أن اترك زوجى يسافر وابقي بعيدة عنه. 


ابتسمت زهرة وناظرتها بحب قائلة:

لو كنت رفضت الذهاب معه لأجبرتك حينها، مكانك حيث يكون زوجك ولست مجبرة على تعطيل حياتك من اجلى فكل منا لها مسؤوليات وواجبات تختلف عن الاخرى، لسنا مطالبين سوى بأن نهون على بعضنا الطريق. 


فى المساء كانت ياسمين فى بيتها تتفحص بعض الصور لعدة أماكن أثرية فوقفت عند صورة أحد السائحين أمام قمة 


ليأتى مراد في هذه اللحظة قائلا: 

قبة السلطان الغوري لها علاقة بقبر آخر سلاطين المماليك طومان باي، فحين خرج السلطان قنصوة الغوري، السلطان المملوكي الذى حكم مصر ما يزيد عن ستة عشر سنة، ليدافع عن حدود سلطنته من هجوم العثمانيين، سنة الف وخمسمائة وستة عشر ميلاديا، حيث ذهب إلى أقصى شمالها مرج دابق وشمال حلب ترك على القاهرة نائبا عنه طومان باي، ليدير شئون القاهرة حتى يعود من المعركة.

لكن ما لم يكن أحد يعرفه أن هذا الخروج الذى كان مليئا بالزينة والفخر، على رأس جيش المماليك، سيكون الخروج الأخير للسلطان من القاهرة، لأنه وفي مرج دابق سيهزم الجيش المملوكي هزيمة بشعة، والسلطان نفسه سيلقى حتفه تحت أقدام الخيول، ولن يعرف أبدا مكان جثمانه ليترك المكان الذي بناه كقبة لدفنه فارغا للأبد، في هذا الوقت، تولى طومان باي السلطنة في ظروف غير اعتيادية بعد امتناع، وحاول إيقاف المد العثماني بما بقى من جيش المماليك، فقابل

العثمانيين الذين استولوا على كامل الشام في غزة لكن الجيش المملوكي هزم فتراجع مرة ثانية إلى صحراء الريدانية التي هي حاليا منطقة العباسية شمال القاهرة، وهزم مرة أخرى ، ليدخل العثمانيين القاهرة في يوم الثالث والعشرين من يناير عام الف وخمسمائة وسبعة عشر، ويختفي طومان باي ويحاول تنظيم المقاومة الشعبية في القاهرة، وبعد أسبوع، تندلع أول حركات المقاومة الشعبية، حين يقاتل طومان باي من شارع الصليبة في وسط القاهرة العثمانيين ليتحول الشارع الواقع في قلب القاهرة إلى ساحة معركة ، وفى هذه اللحظة كاد العثمانيين أن ينهزموا لكن استباحتهم البيوت وإحراقهم إياها، اضطر طومان باي للتراجع وساعتها أقام مذبحة في القاهرة قتلوا فيها عشر آلاف شخص في أربعة أيام فقط انتقاما لكمين الصليبة.


ابتسمت وخلف تلك الابتسامة حزن باد ثم قالت:

دائما ما تقوم الامبراطوريات على دماء الأبرياء.

ضم كتفيها قائلا:

إنها سياسة البقاء للأقوى، دعك من هذا وأخبريني كيف زهرة سمعتك تتحدثين إليها.

ابتسمت وردت:

بخير في فوضى دائمة مع أولادها.

داعب شعرها قائلا:

دون أن تحزني وأنت ايضا سيأتي يوم ويمتلئ يومك بالفوضى مثل زهرة وأكثر أصلا يومنا مليئ بك، مراد لا ترم المنشفة فوق السرير، مراد لا تضع الاكل بقدره في الثلاجة ضعه في علبة، مراد ارم كيس القمامة، حتى لو كنت صاحب شركة سترمه، الفائز بجائزة نوبل ويرميه إذا انت سوف تفعل.

ضحكت بفرح فأضاف:

هكذا لا أريدك أن تحزني أبدا، أنا سأحبك كما أنت سواء إن كنا لنا أولادا أم لا، أنت هي الهدية بالنسبة لي وحياتي مليئة بالفرح بفضلك.

تنفست بعمق وأضافت:

أنا لن أقنط من رحمة ربي فتلك حكمة هو أعلم بها.

ضم يدها وتحرك نحو الغرفة قائلا:

هكذا سنكون دائما. 


عاد الاخوة الثلاث إلى البيت مساء كالعادة بعد تعب يوم دراسي طويل، عادوا إلى الكتف الذي يتكئون عليه في كل تحب والحضن الذي يلجؤون إليه في كل فرح وحزن، دلفت ملك هي الاولى ووضعت مفاتيحها جانبا وهي تنادي زهرة فردت الأخرى من المطبخ قائلة:

تعالي ملك انا هنا.

دخلت المطبخ وقبلتها قائلة:

أشعر بجوع شديد كان اليوم متعبا وحارا جدا ماذا طبخت؟ مممم أتمنى أن يكون طبق محاشي اوووه.


ردت زهرة وهي تفتح الفرن قائلة:

معكرونة بالبشاميل التي تحبين.


ردت ملك بابتسامة مصطنعة:

أحمد من يحبها أمي ولست أنا.


رمقتها زهرة قائلة:

كله نعمة من رب العالمين فلا تتذمري على طعام غيرك لا يجده.


ردت ملك بضيق:

اهدئي دكتورة لم نقل شيء، حسنا هل أساعدك بشيء؟ ما رأيك لو أقلى لك الدجاج بتتبيلة شهية؟ 


قبل ان ترد زهرة رن جرس الباب فتحركت ملك نحوه قائلة:

أنا أفتح يا أمي، ربما خالتي ياسمين.


ردت زهرة:

خالتك لديها عمل لا أعتقد ربما أحد الجيران الجدد احتاج شيء افتحي هيا، اقتربت ملك وفتحت الباب بعد ان وضعت حجابا على رأسها لتجده أحمد فطالعته باستغراب ثم وقفت أمام الباب تمنعه من الدخول قائلة:

أنت؟ أين مفتاحك؟ لم ترن الجرس بهذه الطريقة؟ أليس في بيتكم جرس.


تأفف ورد بضيق:

اضعت المفتاح


صرخت به قائلة:

أضعته؟ وتقولها هكذا؟ ليتك نسيته وما قلت اضعته؟ ياربي ماذا لو وجده أحد؟ ماذا لو اقتحم أحد منزلنا ليلا؟ ماذا؟ يا ربي ماذا لو س_رقنا أو خطف_وني وطلبوا فدية؟


تحدث قائلا بضيق:

أنت الأوسط لا تنسي لذا لو طلبوا فدية فلن ندفع أصلا الاوسط لا فائدة منه.


رفعت أصبعها قائلة بحزن:

انتبه لكلامك فأنت تجرح مشاعري وها أنا أسمع وقع قلبي في فؤادي.


دفعها ودخل ليقول:

ابتعدي بشعرك المشعث هذا ما كل هذه الدراما؟


تحرك نحو المطبخ ومشت خوفه ليتوجه مباشرة لزهرة مقبلة يدها قائلا:

كيف حالك اليوم أمي؟


ابتسمت ومسحت على رأسه قائلة:

بخير بني برؤيتكم أنا بخير


اقتربت ملك وأبعدته جانبا قائلة:

ها أمي هل أقلى الدجاج؟


بحلق بها أحمد فقالت بتفاخر:

أنت لا تنظر هكذا أصلا أنا خبرة في تحضيرها سأقلى لكم دجاجا يذكره المجالس في بالبيان


ضحك أحمد ساخرا وقال:

لا يذكرها الأطباء في المشافي فقط فبثقتك المفرطة هذه يبدو أنها تشبه أي شيء إلا الدجاج المقلب.


ردت بكل ثقة وقالت:

لم نأخذ رأيك سيد أحمد.


ضرب وجهها ببعض خصلات شعرها قال ساخرا:

من أنت؟ 


أعادت شعرها للخلف مضيفة:

 تجمع كل السكر الذي بمصر وتشكل في هيئة ملك


ضحك وقال:

لذلك ارتفع سعره؟ ستتسببين بأزمة سكر في البلد ملك مغرورة


ابتسمت وسألته قائلة بثقة:

حقيقة أحمد ألا تلاحظ أني أشبه كيت بطلة فيلم تايتانيك؟


ضحك مقهقها ورد قائلا:

نعم أنت تشبهين كيت لكن كيت كات وليس كيت الممثلة.


عبست وبدى عليها الامتعاض فعاد وضرب وجهها بخصلات شعرها المتناثرة وقال:

لا تجزعي حتى أنني شبهتك بكيت كات الشوكولاتة اللذيذة، لو قلت الحقيقة ماذا ستفعلين؟


صرخت في وجهه قائلة:

أحمد أنت أحمق.


وضعت زهرة الملعقة جانبا وخاطبتهم بجدية قائلة:

ألا تكفون عن الشجار أنت وهو؟ الجيران ستأكل 


قاطعهم دخول نوح قائلا:

ماذا سيأكل الجيران؟ لم لم يدعني أحد؟


قاطعته زهرة قائلة:

ستأكلنا بأفواهها بافواهها بني.


طالعتها ملك باستغراب ثم قالت:

أمي، ماذا تقولين؟ لم سيأكلنا الجيران؟


تحدث نوح قائلا بهلع:

أمي، هل جيراننا الجدد سفاح_ين من آكلي لح_وم الب_شر؟ كيف اكتشفت هذا؟ أنت تخيفينني، لقد أخذت رقم ابنهم صباحا، هل سي....


وضعت يدها على جبينها تحاول كتم ضحكها ثم تأففت قائلة:

انت وأنت إلى غرفكم هيا وأنت احمد ابق معي وساعدني.


ابتسم قائلا:

بأمرك أمي.


تحركت ملك وأخذت تدفع نوح أمامها متذمرة لتقول:

طبعا ابنك الاكبر أما نحن فأبناء البطة السوداء هيا أخي ليس لنا غير بعصنا البعض.


تحرك نوح نحو غرفته قائلا:

ليس لك إلا نفسك أنا سأذهب واتواصل مع ابن الجيران يجب أن أكشف حقيقتهم التي قالت أمي.


وفى ساعات الليل المتأخرة توجهت نحو غرفة صغيرها، وقفت على باب غرفة نوح، وهي بالاطمئنان بعد أن وجدته يدرس بجد، دخلت بصمت لتجلس بجانبه كما اعتادت طوال فترة مراجعته واستعداده لامتحانات الثانوية العامة، تنظر إلى وجه نوح المرهق وتبدأ في التحدث بلطف: 

يا حبيبي، أعلم أنك تبذل قصارى جهدك طوال هذه السنة، أعلم أننى فخورة جدًا بك وبمثابرتك، واعلم أن الله سيساعدك وسيكن معك في هذا الامتحان. 


لتقوم بتقديم كوب من النعناع الدافئ مكملة:

خذ هذا النعناع لتسترخي قليلاً وبعده تنم لتنعم ببعض الراحة وتستيقظ قبل الفجر. 


اخذ الكوب وبدأ يشرب منه قائلا:

لا… لا أريد أن انام، بعد الامتحان سأنام ان شاء الله.  


منعته بشدة مردفة:

لا يجوز ان تذهب لامتحان مهم دون نوم، ستنام وقبل الفجر سأوقظك تصلى وتراجع حتى الصباح فمن زان نومه زان يومه.


رفع رأسه ونظر إليها بابتسامة امتنان، ثم قال: 

شكرًا لك يا أمي على كلماتك الجميلة ودعمك الدائم، أعدك أنني سأبذل قصارى جهدي حتى اصل وتفتخرين بى. 


لتتسلل دمعة فرحة من عينها واردفت بفخر:

أنت طفلي العزيز، أعلم أنك ستفعل ذلك، لا تنسى أن النجاح ليس فقط في الحصول على درجات عالية، بل في الجهود التي تبذلها والتحديات التي تتغلب عليها، أنا معك وأدعمك وفخورة بك في كل خطوة تخطوها


ثم اخذت يده برفق واكملت بثقة: 

تذكر دائمًا أن الله معك، وأنا أيضًا، ابذل قصارى جهدك وثق بأنك قادر على تحقيق أي شيء ترغب فيه، فأنا معك في كل خطوة من هذا الطريق.. 


لتقوم بتقبيل جبينه وتضمه بحنان لتستطرد:

أتمنى لك كل التوفيق في الامتحان، متأكدة أن الله سيسهل لك كل امتحان وسيجعلك من الناجحين، هيا أنهى مشروبك وإلى السرير فمع آذان الفجر ستجدنى فوق رأسك. 


في تلك الليلة، تذهب زهرة إلى غرفتها وتبدأ في الدعاء من أجل نوح، تطلب من الله أن يمنحه القوة والثقة وأن يوفقه في اجتياز الامتحان بنجاح، ولا تنسي إخوته وزوجها لتشملهم جميعا في دعواتها ثم تختم بالدعاء لغائبها، ذلك الغائب الحاضر في يقضتها الذي ما نسته لحظة طوال تلك السنين تؤنس فقدها له بطيفه الذي يحاوطها ويركض فرحا مرحا في كل اتجاه بضحكته المتعالية فيعاودها الشوق وحرقته وتتمنى فقط لو كانت لها صورة الآن تحارب بها خيباتها في الظفر به


في اليوم التالى… 

فى احدى سجون محافظة القاهرة، دخل أحمد وملك إلى غرفة الزيارة المكتظة بالزوار، وعلى امتداد الطاولات الصفية، شاهدوا خالد المنتظر بفارغ الصبر طوال الأسبوع، كان يرتدي الزي الازرق المميز للسجناء، لكن السجن لم يستطيع أن يكبح عزيمته عندما رآهما واقفين على بُعد خطوات قليلة منه، أسرع خالد ليعانقهما مرتبكا بعض الشيء، بين أحضان الشوق والحرمان من اللقاء إلتقت نظراتهما بنظراته بطريقة تنم عن العمق والشوق المتبادل بينهما ليختفي ضجيج الحديث، ويعم الصمت المكان عندما تلمس أياديهما بعضهما البعض.. 


قال أحمد بصوت مهتز بالعواطف:

 كم اشتقنا إليك!


أضافت ملك ببتسامة مؤلمة وطريقة تعكس مدى اشتياقها لوالدها: 

لقد مر الاسبوع بصعوبة وانا انتظر مروره لكى آتى إليك. 


ضمها لصدره مقبلا جبينها مردفًا:

حبيبة قلبي ومهجتى كيف حالك وكيف تسير امورك ودراستك؟ 


تحدث أحمد بسخرية:

سنقضى الزيارة كلها في السؤال عن حال الآنسة ملك. 


لتنظر له بطرف عينيها مردفة باستهزاء:

وما المهم الذى تفعله بحياتك سوى الركض خلف كرة من أقصي الملعب لأدناه!


غمزها بذراعها خفية ليغيظها ثم رد عليها:

ليس ذنبى انك جاهلة ولا تفهمين أهمية الرياضة.


ليضربه مراد بخفة قائلا:

هل من كل عقلك تنعت طبيبتنا بالجاهلة؟ حسابك سيكون عند خالتك ياسمين. 


ابتسم خالد مربتًا على كتف صديقه قائلا:

خمسة عشر عاما ولم تقصر فى احضارهم لى حتى حين سافرت تصرفت ولم تحرمنى منهم ولم تفت زيارة دون لقياهم، والآن كبروا ومازلت على العهد يا صديقي. 


ليقاطعه أحمد:

الصراحة يا أبى كل اقاربنا لم يلتفتوا لنا حتى عمتي عالية وزوجها يحيى التفتوا لحياتهم وأعتقد انهما نسوا أمرنا، والبقية إلى نفق النسيان انحدروا اذا كان ما بينكم سم فئران لما تبرأتم من بعضكم هكذا، ليكن بمعلومك حين تخرج سأبدأ بالبحث عن شريكة حياتى وسأبتعد عن كل أقاربنا. 


لتعقب ملك ساخرة:

بذمتك هل حياتك هذه يصح لها شريك؟ 


لم يتمكن خالد الا واخذ يضحك من قلبه على مناقرات أبنائه، فبكل مرة يكون لقائهم بهذه الكيفية يأتون ليهونوا عليه الايام الصعبة وسنين السجن الشاقة، ولكن لم يغفل عن حبيبته فسألهم بلهفة:

اين زهرة ونوح؟ 


ليجيبه مراد:

هما بخير لا تقلق ولكن كما تعلم فمازالت امتحانات نوح مستمرة وزهرة لا تقدر على تركه، تظل تنتظره بعد كل امتحان بالقرب من مدرسته حتى يخرج وتأخذه للبيت كى يرتاح، لا تريد ان تتركه بعد الامتحان حتى لايبدأ في مراجعة ما أداه وينغص على نفسه. 


اومأ متفهما ثم اردف: 

الحمل عليها ثقيل ولكن فات الكثير ولم يبقي سوى القليل واخرج من هنا واعوضكم عن كل شقاء تسببت لكم به. 


ابتسم أحمد متحدثا بجدية: 

بسببك رزقنا بأم كما أمى زهرة وسند كما عمى مراد، لم نشقي ولم نهلك كل ما ينقصنا وجودك وسطنا. 


وفي هذه اللحظة، قام مراد بالتحدث:

لا تقلق عليهم فهؤلاء ابنائي اللذين لم انجبهم، أخرج انت فقط لكى تهدأ نفوسنا ونستقر فأنت الحصن لنا جميعا… 


  

سنوات طويلة مرت عليهما سالت خلالها قصة صداقتهما المتينة كالتيارات الهائلة، صداقتهما قوية لدرجة أنها ألهمت هؤلاء الابناء واعانتهم على الكثير من الاوقات الصعبة حين اتخذوا والدهما وصديقه قدوة في التعاون والاخاء.


عندما حان وقت الوداع، احتضنهم الأب بقوة، كي لا تنتزعهما عصابات الوقت من عناقه، وكأنه يحاول نقل روحه وقوته لهما للاستمرار حتى يخرج من هذا السجن.


همس أحمد بعبث، محاولاً أن يخفف بعض الألم من قلب والده:

سنفتقدك يا والدي


رد بغصة:

بقي القليل يا رجلي الصغير، بقي القليل وسأخفف عنك حمل العائلة.

ابتسم أحمد ورد:

خفف عني حمل الكيت كات فقط الباقي على قلبي مثل العسل.

نظر إليه خالد مستفهما لتتحدث ملك قائلة:

هل تتكرم أيها الأكبر وتخرج دون إضافة لمستك القبيحة فالأوسط قد وصلت معه حد الأنف.

تحدث خالد وقال:

عما تتحدثان.

همس أحمد ضاحكا:

ستعرف لاحقا أبي، هيا كيت أمامي ولا تكثري من الحديث.

خرجا وتركاه يراقبهما بسعادة، خرجا فأخذ لسانه يردد حامدا ربه أنه رزقه هؤلاء الأولاد، ويمنى نفسه بالخروج قريبا للقاء زوجته وحبيبته والتى هى الزمزم الذى يتلهف إليه ليروى به فؤاده


ومرت عدة ايام، حتى أتى هذا اليوم المهم جدا بالنسبة لاحمد ولاسيما بالنسبة لهم جميها، في مشهد مثير ومليء بالحماس والتشويق، نجده أحمد الشاب الواعد في عالم كرة القدم، يشارك في مباراة مهمة وحاسمة، يمتلك مهارات استثنائية وموهبة فذة، مما يجعله محور الفريق وجندياً مهماً في خطة اللعب.


ومع تقدم الوقت في المباراة المحمومة، يظهر أحمد بأداء استثنائيًا، يجتاز اللاعبين الخصوم بلمح البصر ويمتع الجماهير بتمريراته الدقيقة وتسديداته القوية، فيصبح اللاعب المحوري في الهجوم والمفتاح الذي يفتح أبواب الانتصار لفريقه.


عند نهاية المباراة، يتم الإعلان عن تأهل فريق أحمد للمباريات المقبلة في كأس العالم، فيسمع تصفيق الجماهير وهم يصفقون بشدة لإظهار دعمهم له، وفي هذه اللحظة يلقي أحمد نظرة سريعة لوالدته وأخوته وهم يقفون في المدرجات ويصفقون له ممتلئين بالفخر والسعادة الغامرة.


بعد المباراة، يتلقى دعوة رسمية للانضمام إلى منتخب مصر لكرة القدم للمشاركة في كأس العالم، فيشعر بالتحفيز والحماس وهو يتلقى التهاني من الجميع ويشعر بالفخر الكبير بتمثيل بلاده على المستوى العالمي.


منذ ان بدأ مشواره وهو يواصل تألقه ويؤكد للجميع أنه لاعب قوي وموهوب، تشجعه أمه وأخوته في كل مباراة وتحيطه جماهير صاخبة ومشجعة، تتوقع منه أن يحقق إنجازات رائعة ويحقق الانتصارات المهمة، ومع كل انتصار يحققه منتخب مصر بدعم أحمد وإسهامه الكبير، يرتفع الحماس والسعادة في المدرجات، تحتفل الجماهير ببطولات منتخب بلادها وتعبر عن فخرها بلاعبها البارز أحمد خالد مهران. 


بعد ان انقضت المباراة بيومين بدأ احمد يجهز نفسه للسفر من اجل البدأ في الاستعداد لمباريات كأس العالم، يحاول بكل جهده إقناع أمه لتلحق به في السفر لمشاهدة مباراته المهمة، يعلم أهمية وجودها خلفه في المدرجات لدعمه وذلك يمنحه دافعًا إضافيًا لتأدية أفضل ما لديه. 


في غرفة جلوس العائلة بدأ يحاول أن يوجه حججًا قوية لوالدته ويرسم لها صورة جميلة عن أهمية تواجدها في الملعب قائلا:

بدونك لن اشعر بالراحة ولن اتمكن من اللعب في افضل حالاتى. 


لترد عليه:

لا اتخلى عنك ولكنك تعلم أن أخيك في فترة امتحانات ويصعب على أن اتركه في مرحلة مهمة كهذه واسافر، كما كنت بجانبك وبجانب ملك في تلك المرحلة يجب أن ابقي معه، لا اريد ان اترك اخوك وحيدا أثناء هذه المرحلة الحاسمة في حياته الدراسية.


لكن يصمم أحمد على إقناع والدته بأي طريقة، يجلس إلى جانبها ويحاول إقناعها بأهمية دعمها وتواجدها في هذه المباراة المهمة، وحين رأت ملك اصرار اخيها تحدثت قائلة: 

اذهبى معه امى، ولا تكسرى بخاطره واعدك اننى سأجلس بجانب نوح واساعده خلال فترة غيابك ولن اقصر سواء في دراسته او تجهيز الطعام له. 


خرج نوح من غرفته بعد ان سمع الحديث من اوله ليجلس جوارهم قائلا:

منذ بداية العام وانت بجانبى ولم تتركينى ولو للحظة، وبفضلك تجهزت للاختبارات على اتم وجه، واخى الان بحاجتك فالمباريات القادمة مهمة لاجل مستقبله الكروى، اذهبى معه وانا سأظل مع ملك واعدك اننى لن اهمل امتحاناتى وستعودين لتحتفلى بنجاحى ونجاح اخى في مجاله. 


يبتسم أحمد من الفرحة ويشعر بالامتنان الكبير لدعم اخوته ليعانقهما الاثنين بقوة صارخا بفرحة عارمة فلم تستطع زهرة الا أن توافق وتذهب معه مشترطة:

حسنا سآتى والحق بك قبل يومين من اول مباراة حتى لا اعطلك وحتى لا أكون قد تركت اخوتك مدة طويلة. 


ناظرها بتذمر لترد بجدية:

هذا وعد وانت خير من يعلم ان وعودى لا رجوع فيها. 


جلس جوارها ليقبل يدها ورأسها بإمتنان قائلا:

دون الوفاء بوعودك ما كنا عشنا أياما رغدة كأيامنا هذه، شكرا على كل شئ… 


وبعد ايام تجهزت زهرة واستعدت للحاق بابنها كما وعدته، ذهبت بعد أن ودعت ابنائها وجعلتهم امانة اختها، وبعد أن استقرت بموضعها على متن الطائرة وبدأت تسلك طريقها في الطيران، شعر قلبها بشعور غريب، في لحظة معينة دق قلبها ليس خوفا بل اطمئنانا شعرت باشتياق بالغ يضر-ب اعماقها فهمست بلهفة:

أنس…  


ليتبع همسها اعلان الطيار انذارًا بسقوط الطائرة بسبب عطل مفاجئ، فتنقلب رحلة العودة اللحاق لتشهد حلم ابنها الى كابوسٍ حقيقي، حيث ينتشر الخوف والذعر في الارجاء، وبعد انطلاق الإنذار بسقوط الطائرة، يندلع الذعر والفزع بين الركاب، يهب الجميع في كل اتجاه، يصيحون ويبحثون عن طرق للنجاة، ولكن زهرة تحاول تهدئة نفسها وأن تظل هادئة، تلتقط نفسًا عميقًا وتبحث بسرعة عن وسيلة للنجاة، تلقي نظرة على من حولها، ترى الركاب يتشبثون بمقاعدهم بقوة، والبعض يبحث عن مظلات النجاة، تغمض عينيها للحظة حين يسيطر عليها الضعف والعجز والوهن وتقف مكانها مستسلمة لسقوط الطائرة. 


إلى هنا انتهى فصل اليوم آمل أن ينل إعجابكم… 

إلى اللقاء في الفصل الأخير من روايتنا غدا. 


google-playkhamsatmostaqltradent