حكايات من القلب... تلامس الروح
بقلم أمل محمد الكاشف
كيف تعيد ترتيب قلبك؟
تمر علينا لحظات في الحياة نشعر بها أن كل شيء مبعثر داخلك، يقف القلب عاجزًا عن استيعاب ما يحدث داخله لا يعرف سبب ضيق صدره، ولا سرعة غضبه، ولا يملك حتى تفسيرًا لثقل الأيام، وإن كانت حياته تبدو هادئة في نظر الجميع.
نبحث في تلك اللحظات عن أي شيء يطفئ ذلك الشعور، نحلم بالسفر بعيدا مكان هادئ وبسيط نافذته تفتح على مياة البحر مباشرة ظنا منا أننا سنجد الراحة في السفر، أو لربما نحلم بامتلاك الكثير من الأموال لنخطط ونفعل كل ما نريده، تصطحبنا الاحلام في تحقيق أمنية طال انتظارها، وفي أضعف الأوقات يكون الحلم في الابتعاد عن الناس ظنا منا أننا سنجد السكون والراحة النفسية بعد هذا.
ولكنه بعد تجربتنا لكل ما سبق نكتشف أن ما بداخلنا لم يتغير، كلها سويعات أو ايام ونعود لحالة الضياع اللامرئية تشعر بها دون أن يراها احد، الجميع يراك في افضل حال سعيد، بكامل صحتك، دون أن يروا اضطراب القلب الذي أبى أن يصلحه متعه من متاع الدنيا وحدها.
انظر لحياة المشهورين وأصحاب الأموال والشركات والقصور، راقب مدة استمرار أكثر متعة يعيشونها ، احسب زمن استمرار سعادتهم بكل ما يملكون، دون عدد خيبات الأمل والخذلان والضيق والغضب الذي يعيشونه في اليوم الواحد، عندها ستعلم جيدا أن هناك حقيقة عظيمة غفل عنها الكثير من الناس.
وهي أن القلب رافض اي حلول دينياوية وحدها، فبينما خُلق ليحيا بالقرب من الله، نأتي نحن ونبعده عن اكسير الحياة الحقيقي بالنسبة له، حتى يصاب بشيء يشبه الذبول والفتوى، يرى الحياة أحادية اللون حتى وإن امتلك كل أسباب وألوان السعادة.
القرآن… رحلة إلى السعادة الحقيقية.
القرآن حياة و ليس فقط كتابًا يُقرأ في المناسبات، ولا صفحات تُتلى طلبًا للثواب، بل هو رسالة حياة كل آية فيه تخاطب جزءًا من قلبك، تداوي خوفًا، تطفئ قلقًا، تزرع يقينًا واملًا كان على وشك أن يضيع.
كم منا فتح كتاب الله وبدأ يقرأ القرآن وهو مثقل بالهم، ظل يقرأ ويقرأ حتى خرج منه أكثر طمأنينة وراحة، لا مشاكل انتهت، ولا احلام حققت بل قلب أصبح أقوى وأصلب في مواجهة الحياة.
وهذا لقول الله تعالى:
{ألا بذكر الله تطمئن القلوب}
وطبعا أعظم الذكر القرآن الكريم
ركز معي لم يقل الله أن الذكر ينهي المشاكل أو يزيل الابتلاءات، بل قال تطمئن القلوب.
وهنا علينا أن نقف عند درس مهم وهو أن الطمأنينة والراحة الحقيقية ليست غياب المصاعب، وإنما حضور السكينة وسطها.
القرآن….
رفيق القلوب التائه وطمأنينة للارواح المثقلة.
القرآن ليس كلمات ترددها الشفاه بلا شعور، بل هو حبل يصل القلب بربه في كل وقت، وأنت تقرأ لا تمر على الآيات وحسب، بل تمر الآيات على قلبك فتداوي تلك الآيات جرحًا دفينا لم يره أحد، تطفئ قلقًا لم تستطع المصطلحات وصفه، بالقرآن تعيد ترتيب روحك بعد أن بعثرتها الدنيا.
القرآن... حديث السماء إلى أهل الأرض.
كل آية من القرآن تحمل رسالة لقارئها، وكل سورة تزرع يقينًا واملًا بروحك، وكل جبر يعلق قلبك بالفوز به، تعيش معه تلاوة تتلو تلاوة حتى يصبح القرآن رفيقًا يقودك من ضيق النفس إلى سعة الطمأنينة، ومن الحيرة إلى نور الهداية.
القرآن... حين تتغير الحياة بآيات قرآنية
تقرئه كل يوم بشكل منتظم لي بعدها أمر عجيب لا يشعر به الإنسان في بدايته، وكأن القلب بدأ إعادة ترتيب أولوياته، تصغير في عينه الأشياء التي كانت تستنزف أعصابه، لم يتأثر بالكلمات التي كانت تكسره وتفقد صوابه، بل أصبح يتخلص من المخاوف التي كانت تسرق نومه حين بدأت تتحول إلى دعاء يرفعه إلى الله كل ليلة.
ليس لأن الدنيا تغيرت بل لأن القلب تغير.
القرآن... يصلح في القلوب ما لا تُصلحه الدنيا.
لعل أجمل ما يصلحه القرآن أن يعيد تعريف المفاهيم بعينك، لتعلم أن الرزق ليس مالًا فقط، فمن الممكن أن يكون أكبر رزقك في الصحة والشعور بالأمان، ان يكون رزقك في أهل صالحين، وراحة بال تساوي كنوز الدنيا، يصحح مفهوم النجاحات كونه ليس دائمًا منصبًا أو شهرة بل يكون قلبًا راضيًا لا يحسد أحدًا ولا يحمل في داخله ضغينة.
القرآن... بداية كل نجاة
بالقرآن يهدأ صخب الأفكار تتعلم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة فقط بل تحتاج إلى يقين، وأن بعض الأقدار لا تحتاج إلى مقاومة، بل إلى رضا وتسليم.
وليس معنى ذلك أن المؤمن لا يحزن، فالأنبياء أنفسهم بكوا وتألموا لكنهم كانوا يعرفون إلى أين يذهبون بحزنهم حين تجدهم يرفعونه إلى الله، لا إلى الناس.
ولهذا، كلما شعرت أن قلبك تشتت، وكل شي من حولك مبعثر، فلا تبحث عن تغيير العالم أو إصلاح الدنيا، بل ابدأ بإصلاح علاقتك مع الله افتح القرآن وخصص وقت يومي ولو قليل، اقرأ وتدبر بهدوء وقلب حاضر لا بسرعة تمر على الآيات وكأنك لم تقرأها، اجعل لسانك رطبًا بالاستغفار، والتسبيح، والصلاة على النبي ﷺ، واترك نفسك للسكينة حتى تجد طريقها إلى قلبك، فقد تتأخر حلول بعض المشكلات، لكن القلب الذي امتلأ بالله لن يبقى تائهًا مهما اشتدت به الأيام.
قد لا تشعر بالأثر من أول يوم كما قلت لك، تحتاج لكثرة القراءة وكثرة الذكر وتعلق قلبك بالله، فكما الأرض لا تخضر بعد أول قطرة مطر قلبك أيضا يريد أن ترويه لاستمرارية القراءة، وحينها ستجد أن القلب الذي كان مثقلًا أصبح أكثر خفة، وأن الروح التي أنهكها التعب استعادت شيئًا من نورها.
وفي النهاية، لا يحتاج القلب إلى حياة جديدة بقدر ما يحتاج إلى العودة إلى مصدر حياته الحقيقي. فالقرآن لا يغير الظروف دائمًا، لكنه يغير الإنسان الذي يواجه تلك الظروف، والإنسان إذا صلح قلبه، استطاع أن يرى الحياة بعين مختلفة.
إلى هنا وحسب...
يتبع
انتظروني في المزيد من المشاركات التي تخرج من القلب ساءله الله أن تلامس قلوبكم باذن الله
بقلم أمل محمد الكاشف
