recent
جديدنا

تشخيص إنسان |05 الحب المشروط.


ليس كل من يسعي الي الكمال مغرورا ولكن ربما يكون ذاك الطفل الذي شعر أن حب والده نقص نقطتين حين خسر درجتين في الامتحان. 



في الصف الخامس الابتدائي عادت إلى المنزل وهي تركض سعيدة متحمسة تحمل ورقة الامتحان بكلتا يديها.


98 من 100.


تتخيل ملامح والدها حين يراها وكيف سيفرح بنجاحها وتتخيل الهدية التي سيكافئها بها، تحادث نفسها: 

يا تري هنروح الملاهي، ولا هيشتري لي لعبة، ولا هنسافر. 


دخلت البيت بابتسامة لم تستطع إخفاءها، بحثت عنه بقلبها قبل عينيها، وجدته يجلس في غرفة المعيشة.


مدت الورقة نحوه بفخر، وظلت تترقب كيف ستتحول ملامحه من الجمود للسعادة، لكنه نظر إليها لثوانٍ بنفس الجمود ثم سألها:


"فين الاتنين الباقيين؟"


ساد الصمت، لم يقل إنها فاشلة، ولم يرفع صوته، لكنه، دون أن يدري، علّمها درسًا ظل عقدتها لسنوات.


أن الحب لا يأتي كاملًا… إلا إذا كانت كاملة.


---


كبرت...


لكن السؤال لم يتغير، تغيرت فقط أشكاله، إذا نجحت شعرت أنها تستحق الحب.

إذا أخطأت، اعتذرت أكثر من اللازم.

إذا رفضها أحد ظنت أن المشكلة فيها.

وإذا أحبها أحد ظلت تبذل جهدًا مرهقًا حتى لا يتوقف عن حبها.


كانت تخاف من الفشل ليس لأنه فشل، بل لأنها كانت تخاف أن تصبح أقل استحقاقًا للحب. 



وفي أول علاقة عاطفية دخلتها كانت تعتذر عن أشياء لم تفعلها، وتوافق على أشياء لا تريدها، وتخفي حزنها حتى لا يمل منها، كانت تراقب كلماته بعناية، وتقرأ ملامح وجهه أكثر مما تسمع صوته، لأن جزءًا صغيرًا بداخلها كان لا يزال ذلك الطفل الذي يسأل في صمت:

"هل أستحق أن يحبني؟"


---


ليس الحب المشروط أن يقول لك أحدهم:

"لن أحبك."


بل أن تشعر، مع الوقت، أن حب الآخرين لك مرتبط دائمًا بما تقدمه، بدرجاتك، بطاعتك، بإنجازاتك، بهدوئك، بقدرتك على إرضاء الجميع.

فتكبر وأنت تؤمن أن قيمتك ليست فيما أنت عليه بل فيما تستطيع تحقيقه من إنجازات.


---


في علم النفس، يحتاج الطفل إلى أن يشعر بأن قيمته الإنسانية ثابتة، حتى عندما يخطئ أو يفشل. وهذا لا يعني غياب الحدود أو المحاسبة، بل يعني أن التصحيح لا يتحول إلى سحب للمحبة أو القبول.


فحين يرتبط شعور الطفل بالقبول دائمًا بالأداء أو الإنجاز، قد يكبر وهو يربط استحقاقه للحب بما يقدمه للآخرين، لا بما هو عليه.


وليس كل من نشأ في أسرة صارمة مرّ بهذه التجربة، كما أن الآباء والأمهات قد يقعون في هذا النمط بحسن نية، بدافع الرغبة في تربية أبنائهم على التفوق، دون أن يدركوا الأثر الذي قد يتركوه في نفس أبنائهم ليتفاجئوا حين يكبروا بمدي الشرخ والمسافة الموجودة بينهم، وكم الاضطراب الذي يعانون منه. 


---


ولهذا...


قد يبدو لك هذا الشخص واثقًا.

ناجحًا.

لا يهدأ.

يعمل أكثر من الجميع.

ويعتذر أكثر من الجميع.

ويخاف من الفشل أكثر من الجميع.

ليس لأنه يحب النجاح إلى هذا الحد...

بل لأنه يخشى أن يخسر الشيء الذي تعلّم منذ طفولته أنه لا يُمنح مجانًا.


---


الحب الحقيقي...


لا يمنعك من أن تخطئ.

ولا يجعلك تخاف من أن تكون نفسك.

ولا يجبرك كل يوم على أن تثبت أنك تستحقه.

لأن الحب الذي يحتاج منك، في كل مرة، إلى دليل ليس حبًا بل امتحانًا سترسب به لا محالة. 


---


وربما...

أعظم ما يحتاجه بعضنا، بعد سنوات طويلة...

ليس أن يجد من يحبه أكثر.

بل أن يصدق، لأول مرة أن قيمته لا تنقص بخطأ، ولا تزيد بإنجاز.


وأن الإنسان يستحق الحب لأنه إنسان.

قبل أن يكون الأول.

وقبل أن يكون المثالي.

وقبل أن ينجح في إرضاء الجميع.




google-playkhamsatmostaqltradent