خيط من حرير
الفصل الحادي والعشرون
بقلم سميحه رجب
كيف انتهينا
وعدنا بلا نجمة
أو سند… ؟!
مع اولى ساعات الفجر وصلتا زهرة وياسمين إلى المستشفى بخطى متثاقلة، وقد كانت الأمطار تتساقط بغزارة مما أضفى جوًا كئيبًا على المكان، دخلتا المبنى الضخم وتوجهتا نحو قسم الطوارئ، حيث كان أخيهما يتلقى العلاج.
عندما وصلتا إلى الطابق الثاني، لاحظتا أن الممرات مكتظة بالناس الذين ينتظرون مرضاهم بصبر معلقين بين الأمل والخوف، كانت الأصوات المكتومة للمرضى وأصوات الأجهزة الطبية تملأ الهواء، مما أضفى جوًا من التوتر والقلق.
توجهتا إلى غرفة الانتظار المخصصة لعائلة المرضى، ووجدتا رباب تجلس هناك بوجه مكسورة وقلب مثقل بالأسى، كان هناك صمت ثقيل يعم المكان، مع بعض الشهقات الكامنة والدموع التي تنهمر بصمت، تقف بعيدا في انتظار النبأ الحزين.
تأملت زهرة وجهها المتعب المتأثر بقلب يعتصره الحزن والألم بينما توجهت ياسمين نحوها وربتت على كتفها قائلة بصوت مرتعش:
رباب، ماذا حدث؟ هل هو بخير؟
فأجابتها بصوت مكسور:
حسن... أخانا فارق الحياة.
سيطرت المشاعر المتضاربة على زهرة وياسمين، حيث شعرتا بالصدمة والحزن العميق، تذكرتا كل اللحظات الطفولية الجميلة التي قضينها مع أخيهما والأوقات التي ضاعت بسبب قسوته وحقده ومع ذلك، كانت هناك أيضًا مشاعر متضاربة من الحسرة على السنين التي ضاعت وهم متفرقين، وعلى فرصة فواتها لإصلاح العلاقة قبل رحيله.
في صمت مؤلم، احتضنتا زهرة وياسمين أختهما رباب ودموعهم تنهمر بحرية، قالت ياسمين بصوت مكسور: لقد فاتنا الكثير….
وقبل أن تكمل جملتها اقترب الشرطى منهم قائلا:
يجب أن نأخذها حتى تبدأ التحقيقات بخصوص الواقعة.
استفاقت زهرة لتدرك الأمر فهى مازالت لا تستوعب أى شئ فسألته:
أى تحقيقات وأى واقعة؟
ليجيبها وهو يقيد يد رباب:
واقعة السرقة، فالمرحوم كان يحاول سرقة شقتها وهى دافعت عن نفسها وكانت النتيجة ما ترونه الآن…
هم ليتحرك بها ولكنها استوقفته قائلة برجاء:
لحظة واحدة..
ثم اقتربت من رباب لتعانقها قائلا لكى تطمئنها:
لا تقلقي لن نتركك سنوكل محاميًا كبيرا وبأسرع وقت ستكونين في بيتك قريرة.
نظرت لها بنظرة فارغة من كافة المشاعر ثم اردفت بيأس:
بيت؟
ولم تضف أى شئ أكثر وتحركت مع الشرطى باستسلام.
حضر خالد بمجرد أن أخبرته ياسمين ما حدث، وصل إلى المستشفى ليسرع نحوهما ليجد كلا منهما تجلس على كرسي بضعف بالغ مسيطر على ملامحهما وخصوصا زهرة، اقترب منها وجلس جوارها ممسكًا يدها قائلا:
البقية بحياتك..
اومأت برأسها دون أن ترد فسألها بنبرة قلقة:
هل أنت بخير؟
صمتت برهة ثم بدأت تتحدث:
لا أعلم، غالبا لقد استنزفت مشاعرى كلها حتى أصبحت بلا شعور، منذ ثمانى سنوات تخرجت من الجامعه وقد كانت اخر لحظة اسعد بها وافهم معنى ما اشعر به، وبعدها تزوجت كرم لأقابل واقعًا لم أحلم به يومًا، قضيت سنينى معه احارب لأجل عملى ووظيفتى وكنت اتلقي منه كل ضربة وسبة وإهانة وتجبرنى أمى على التحمل والصبر حتى لا اتطلق، ظنًا منها أن الطلاق ابشع من العيش معه، ولكننى كنت تعيسة ماذا قد يكون ابشع من شعور التعاسة وتمنى الموت، جعلني اكره نفسي ودمر كيانى وانوثتى وبكل قوته همش كرامتى وداس عليها بحذائه، وكان حسن دومًا لى بالمرصاد كلما اشتكيت أو فضفضت لأمى أو لأبى بكلمة فكنت أهان كل وقت وكلما التقيت أهلى أسرق القوة والابتسامة حتى لا يشعروا بشئ، دفنت حزنى وضعفى وغامرت بنفسي للعيش معه حتى جاء أنس وعندما ضربنى أمامه وقتها قررت الطلاق ولكن حسن منعنى قائلا:
لن نستقبل ابنك فإن أردت الطلاق تأتين وحدك.
حينها لم أكن اتلقي مرتبًا كافيًا لإحتياجات صغيرى، كنت بأول الطريق كطبيبة حديثة التخرج فبسبب جحود أخى حسن وقسوته استمريت وتحملت الذل والمهانة، حتى توفى أبى الذى كان بإبتسامته ينسينى كل وجع كلما ضمنى الى صدره وداعب شعرى كما اعتاد دومًا، بعدها فقدت الشغف بكل شئ وأصريت على الطلاق وحينها ذهبت إلي أخى وترجيته ان يساندنى ولكنه لم يفعل، حاربت وجاهدت حتى تمكنت من تثبيت اسمى وحصلت على رسالة الماجستير وكنت اذاكر وسط ضغط وتسلط كرم حتى تمكنت من الحصول عليها ومع الوقت ازداد راتبى وتمكنت من تهيئة عيش هنيئ لصغيرى وعزمت على الطلاق دون رجعة، وبالفعل حدث وتحررت من أثر كرم ومعى ابنى ولولا حسن لكان صغيرى بحضنى الآن…
تحفزت ياسمين تسألها:
هل هو من ساعد كرم لخطف أنس؟
اومأت بالإيجاب ثم اكملت:
والآن مات حسن بعد أن ضاع أنس ورحل أبى وتملك الندم من أمى التى أجبرتنى على تحمل مالا يتحمله بشر لأجل ألا أتطلق، أحاول أن أحزن على وفاته ولكن لا أستطيع نسيان ما تسبب لى بعيشه.
ضمها لصدره وحاول ان يجد من الكلمات ما يسكنها بها ولكن عجزت الكلمات عن تضميد وجعها وتسكين ألمها، فاكتفي بضمها والتربيت على كتفها.
استندت عليه وبدأت تتنهد وتزفر بحنق مردفة:
منذ صغرنا كانت عينه على اى شئ أملكه بداية من لعبة صغيرة احضرها لى ابى حتى كبرنا والتحقت بكلية الطب، كان يتمنى أن يسلبنى كل ما ارغب وان يذهب حلمى لشخص اخر بلا احلام، حارب وتشاجر مع ابى حتى يمنعنى من دراسة ما احب لانه لم ينل ما نلته، كان يريد ان يصبح ناجحًا وهو جالسُ على الأريكة في المنزل، علاقتى به لم تكن علاقة أخوة أبدًا بل كانت عبارة عن فوضى، كان مصممًا على دف-نى حية.
ربت على كتفها قائلا:
اذكروا محاسن موتاكم، لقد مات ويحتاج الدعاء بالرحمة فبالأخير انه اخيكِ.
مسح دموعها ونهض قائلا:
هيا فتصريح الدفن سيخرج بعد مدة ويجب أن نستعد لأجل دف-نه.
نهضت تلملم حزنها متمتة:
انا لله وانا اليه راجعون.
بعد ساعات…
تم دفن حسن وعاد الجميع الى بيت العائلة بحى المعز في القاهرة، جلست الأختان ووالدتها في الصالة يتلقيان التعازى، ولم يحضر الا قلة قليلة جائوا لأجل خاطر والدهما المرحوم عثمان العراقى وحسب، كان هناك طاولة صغيرة بأحد الجوانب موضوع عليها صور الجميع ويتوسطهم صورة والدهما، أبصرتها ياسمين بحزن وقالت بعين دامعة:
اين كنا واين أصبحنا؟
هتفت زهرة بأسي:
كل منا نال ما يستحقه، فكل نفس بما كسبت رهينة.
لترد الاخرى بحزن:
معك حق ولكننى لم أتخيل ان تكون هذه النهاية ابدا، لطالما كان لدى الامل ان كل شئ بيننا سيتصلح.
لتقاطعهما فردوس:
الحقد ذرع بقلوبهما منذ الصغر فتأملك ان كل شئ سيتغير لم يكن سوى امل زائف…
صمتت برهة ثم اكملت بضيق:
رحمة الله عليها منال، خطأ واحد بتربيتهم أدى لموتها بالحسرة عليهما وتدمر الشاب بعدها حتى وصل الأمر لان يسرق بيت أخته الشقيقة.
في هذه اللحظة دخلت أفنان وشقيقها يظهر على وجوههما الندم والحزن، تحدثت بعد أن سلمت علي الجميع:
ياسمين، زهرة... أنا آسفة لكل ما حدث.
لقد اتهمنا ياسمين ظلمًا بالسرقة وطردناها من المنطقة قبل أن نتأكد أن الفاعل هو أدهم.
ياسمين بتعجب:
ماذا؟ هل أدهم هو من سرق؟
ليرد شقيقها:
اجل فبعد أن حدث ما حدث بين رباب وحسن وتم تفتيش البيت فوجدوا به تسجيلات من ضمنها التسجيل المقتطع الذى تمت سرقته بعد سرقة المخزن.
لتكمل اخته:
وعندما علم بأن حالة أبى مستقرة ذهب وقت*له بالمستشفى.
ياسمين بتأثر:
حسنًا، إذاً ما هو مصير أدهم الآن؟
أفنان:
تم اعتقاله وسيواجه العدالة وسوف نتعاون مع التحقيقات ونقدم كل المعلومات التي يحتاجونها.
هز الموقف ثبات ياسمين ونظرت بأختها وهى تفكر بالظلم الذي تعرضت له وتتخيل كم ستكون حياتها مختلفة إذا لم تتعرف على ادهم ولم يدخل حياتها من الاساس.
وهتفت بينها وبين نفسها وهى تناظر صورة والدها: أتمنى أن تكون هنا لتشاهد كيف أخذ الله ثأرى وانتقم لى منه.
ثم نظرت اليهما قائلة:
أشكركما لقدومكما واعتذاركما، لكن هذا لن يصلح ما انكسر ففى النهاية كل ما يربطنا بهذا المكان انتهى وجميعهم رحلوا، وطردى أمام الناس يصعب علي نسيانه كما اننى اقسمت على عدم العيش هنا مرة أخرى فلا شئ سيمحو العذاب والتشرد الذي عانيته
أفنان بندم:
نعلم أن الاعتذار لن يكن كافياً، ولكن نحن نأمل في أن تقبلي مصالحتنا فنحن أيضاً نشعر بالندم والأسف لما حدث.
اقتربت منها ومدت يدها تعبيراً عن استعدادها للمصالحة واردفت:
صفحة وانطوت وهذا المكان لم يعد مكانى ولكن صدقانى فلا مكان للكره بقلبى.
أفنان وأخيها بتأثر واضح:
شكراً لك ياسمين، نحن نقدر رحابة قلبك وسماحك.
انتهى العزاء وانتهى أمر حسن الذى ذهب دون أن يترك بصمة حسنة بحياة أهله، ترك الأسى والحسرة لتتعايش بهم زهرة، واستكثر أن يكن سندا لأخواته ولأمه، رحل بعد أمه وأبيه وصوت خفى يتردد بأذهان الشقيقتين:
ستصبح الأمور على ما يرام يوما وستبتسم الحياة لنا، سيتغير الزمن وسنتغير معه لكن يلزمنا خوض تلك الحروب القصيرة من أجل ذلك، من أجل أن نمضي، من أجل أن نقف بعد كل سقوط، من أجل أن ننضج حتى نصل.
فى المساء…
عادت زهرة مع زوجها إلى البيت وتركت ياسمين مع أمها تخطف بعض الحنين من البيت الذى قضت فيه عمرها وشبابها، عادت لتجد ليلى مع الصغار بعد أن تركهم خالد في رعايتها، دخلت لتجدهم في انتظارها رافضين النوم قبل عودتها، ركض نوح نحوها فحملته وضمته بحنان قائلة:
لماذا لم تنم يا شقى؟
قبلها من وجنتها ثم وضع رأسه على كتفها فتحرك خالد ليحمله قائلا:
لن تنيمك اليوم فهى مرهقة، تعال لننم سويا واقص عليك قصة قبل النوم.
تحرك نحو الغرفة ومعه الصغار الثلاثة فلقد أخبرتهم ليلى ما حدث ففهم كلا من ملك وأحمد فلم يضغطوا عليها وتحركا مع والدهما بهدوء، بينما استأذنت ليلى لتذهب قائلة:
البقاء لله يا زهرة، اصبري واحتسبي وكل شئ سيمر.
اومأت برأسها مجيبة:
ونعم بالله.
تحركت لتحمل حقيبتها قائلة:
مراد ينتظرنى لذا يجب أن أذهب وسأعود لاحقا لأعزى ياسمين.
توسط خالد صغاره وبدأ يداعب شعر ملك وقبلهم جميعًا كل على حدى وانتظرهم ليناموا ولكن ملك نكذته بخفة قائلة:
قصة قبل النوم.
ابتسم وبدأ يفكر محاولا استجماع أى شئ ليقوله فخبرته في إلقاء القصص تكاد تكون معدومة، تنحنح وبدأ يتحدث:
في بستان الحياة، زهرة صغيرة تفتحت
بين الأزهار ذوات الألوان المختلفة، هي تألقت
برقتها واصبح جمالها لا يضاهى، كانت تبهر العيون
كل من يمر بها ينبهر ويشعر بالسعادة والأمان
كانت تحمل في قلبها حكاية صغيرة، قصة حب
حب جميل انطلق من أعماق الروح والوجدان
كان يشع في عينيها وينبض في قلبها
كانت تعشق كل لحظة تقضيها مع من تحب
ولكن الزمن لم يكن لطيفًا مع هذه الزهرة
فجأة، هبت رياح عاتية وأخذت تُزيل أوراقها
سقطت على الأرض بلا حول ولا قوة
وسط صخور قاسية وظروف صعبة
ولكن رغم ذلك، استمرت هذه الزهرة في التألق
ابتسامتها لم تغادر وجهها البرئ
صبرت على المصائب التي أُلقِيَت عليها
واستمرت في النمو والازدهار
في يوم من الأيام، اكتشفها شخصٌ جديد
أحب جمالها وقوة إرادتها
أعطاها ماء الحب والعناية
وبدأت تستعيد قوتها وحيويتها
أصبحت تزدهر أكثر فأكثر كل يوم
ورغم أنها لم تعود زهرة صغيرة، بل زهرة كبيرة
إلا أن رقتها وجمالها لم يضعف بل ازداد قوة
كانت تشع بالسعادة والحب في كل زخة مطر
فلا تستسلم لظروف الحياة القاسية
لذا فنصيحتى لكم ان تبقوا أقوياء صامدين كزهرة في بستان الحياة، فإن الصبر والإصرار سيلقيان بك نحو التألق ولن يُغْشَى جمالك أبدًا
أنهى حديثه ثم تنهد ليناظرهم فوجد نوح واحمد يغطان فى نوم عميق بينما ملك تناظره بابتسامة بلهاء فسألها بخفوت:
ماذا؟ ألم تعجبك؟
لترد بهمس:
أدرك أن الزهرة هى أمى وانت الشخص الجديد الذى اكتشفها ولكن على كل شكرا على النصيحة في النهاية.
ابتسم مقبلا جبينها مردفًا:
هذا اخر ما عندى لا أستطيع تأليف القصص ولا سردها، هيا نامي يا شقية.
فى هذا الوقت كانت زهرة جالسة في شرفة غرفتها غير مهتمة ببرودة الجو ولا بالمطر، تضع قلماً في يدها ومذكراتها امامها تحاول جاهدة أن تكتب رسالة لابنها الذي خطفه طليقها وأخذه بعيداً عنها كما اعتادت كلما اشتاقت له، بدأت تكتب محاولة أن تستمر على ثباتها:
وتستمر المعاناة..
وما النسيان سوى قلب صفحة من كتاب العمر، لكن...
لكنك بالنسبة لى فأنت المقدمة والخاتمة والعنوان، أما عن محتوى الكتاب فيحكى قصة انتظارى لك
الى حبيبي الغائب، إلى أنس...
لا أكتب إليك ولكن اترجى قطار العمر أن يهدأ ويمر ببطء، لقد كثر الموت حولى وبدأ الخوف يتلبثنى، وبكل لحظة أصبحت اتسائل بهاجس مرعب:
ماذا لو حان وقت رحيلى قبل أن أراك؟
لكنها لم تستطع أن تكتم دموعها، ومنعتها ذكريات الماضي التى أتت إلى ذهنها بقوة من إكمال ما تكتب، تتذكر كيف كانت تعتني بابنها وتحميه من كل أذى، تفكر في كم هي وحيدة رغم انها بوسط عائلتها ولكنها لا تشعر سوى بالغربة وانها، بدونه وحدها في هذا العالم القاسي، تحاول أن تمسح دموعها بكف اليد، ولكن المزيد منها تنزل بلا رحمة، بدأ الشعور بحنين الأمومة يسيطر عليها، تتذكر كيف كانت تلمس وجه ابنها وتعانقه بكل حنان وحب، تشعر بأن قلبها ينزف وهي تفكر فيه الآن، ما الذي يمكن أن يفعله الآن أو كيف يمكنها أن تعود به إلى حضنها.
تستمر في البكاء، تغمرها المشاعر القوية للحنين والألم، لا تشعر بالبرد أو سقوط المطر على وجهها، إنما تشعر فقط بالحزن العميق داخل قلبها كلما ازداد بكاءها، زادت سرعة تساقط المطر متزامنة مع سرعة نبضات قلبها.
تفقد السيطرة على نفسها ببطء، يبدأ الانهيار يغلبها وتشعر بأن جسدها يغرق في الحزن والتعب، تتحول دموعها إلى نشوة من الألم ويأخذها النوم تدريجياً، وهي لا تزال محتضنة ما كتبته الى صدرها.
تستلقي مكانها لا تشعر بالبرد القارص للشتاء ولا بقطرات المطر البارزة على وجهها، تغمرها الأحلام السوداء والأمل المعلق في قلبها، وتنام بسلام وهي متأملة أن طفلها سيعود لها قريباً.
وفي صباح يشبه في حزنه صباح تلك الأيام التي فقدت فيها أحبتها استفاقت زهرة، تعبة شاحبة فما أخذت من اسمها إلا القليل القليل، فتحت عيونها واعتدلت في جلوسها ونظرت إليه فوجدته بجانبها يتكئ على الوسادة نائم على جانبه، ابتسمت وانبعث شيء من الرضا في فؤادها إذ أحست أنها مسنودة على كتفه القوي، وأدركت انه أدخلها للفراش بعد أن غلبها النوم بالشرفة، تحركت بهدوء كي لا توقظه وتحركت نحو باب الغرفة لكن قبل أن تخرج اهتز هاتفها الذي كان بجانبه فأسرعت نحوه وحملته قبل أن يستفيق وخرجت، توقف الإتصال قبل أن ترد لكن سرعان ما رن الهاتف ثانية وقد كان رقما غريبا، فكرت في الرد لكن قلبها اعتصر فجأة وأوجست في نفسها خيفة فهي تدري أن المصائب لا تأتي فرادى بل تجر أخواتها على التوالي، أخذت نفسا عميقا قائلة:
لربما هناك خبر عن ابني.
تشجعت وردت لكن الذي أتاها صوت امرأة فتحدثت قائلة:
من معي؟
ردت الأخرى:
نورسين هل نسيتي صوتي بهذه السرعة يا ابنة العراقي؟
ردت زهرة وهي تنظر خلفها بتوتر:
ماذا تريدين بعد؟ العفو وأخذته، اتركينا وشأننا، ثم حاولت اقفال الخط لكنها توقفت عن فعلها وأعادت الهاتف على أذنها.
ضحكت نورسين ساخرة وكأنها ليست تلك التي قبل يومين تنوج وتترجى خالد بذل أن يغيثها، ثم بصوتها الذي لا يفرق عن حثيث الأفعى شيء تحدثت:
شأنكم؟ أنتم؟ مازلت تتحدثين بصيغة الجمع؟ تذكري أن الذين تتحدثين عنهم أولادي أنا، يكفيكي أوهاما.
تأففت زهرة وأضافت:
ماذا تريدين؟ لخصي فقد مللت حديثك هذا، لا أظن أنك خاطرت واتصلت بي لأجل أن تسمعيني نفس الحديث؟
ابتسمت الأخرى وردت بكل ثقة:
ذكية، اسمعيني جيدا إذا فقد وددت أن أصنع بك خيرا على رعايتك لأطفالي قبل أن أستردهم، أما خالد فيكفيك المقلب الذي أخذته منه.
لم تتحمل زهرة بعد فرددت قائلة:
أستغفرك ربي وأتوب إليك، اسمعي لا تتصلي ثانية وإلا أخبرت خالد وتعرفين ما يمكن أن يفعل بك شبحك خالد.
تحدثت نورسين على عجل قائلة:
لحظة لا تتغابي وتقفلي الخط يجب أن تسمعي ما سأقول.
ردت زهرة بضيق:
أسرعي.
ردت نورسين:
خالد زوجك وسندك يعمل بتجارة الآثار وقد عمل مع كرم مسبقا ويعرفه حق المعرفة بل كان ذراعه اليمين قبل أن يغدر به، أعرف ملامح الصدمة التي اعتلت وجهك لكن هذه هي الحقيقة يا أم هههه أنس، امبراطورية زوجك تلك كلها شيدت من الحرام، يعني ماذا أقول، تجارة آثار، قتل، جبروت... والشركة ما هي إلا واجهة نظيفة للتغطية عن باطنه القذر، أتمنى أن أكون محضر خير فقط، ونصيحة من مجربة لا تمشي دائما بجانب الحائط أيتها الساذجة لأنك أول من سيقع عليها ذلك الحائط.
قالتها وأقفلت الخط مباشرة ورمت ذلك الهاتف فس النيل ثم مضت واثقة الخطى فرحة بانتصارها، أما زهرة فلوهلة ظنت أنها لا تزال نائمة تحلم، نظرت لباب الغرفة ثم للهاتف ثم عادت وللتفتت لباب الغرفة فأخذت الذكريات والشكوك والآلام تتجمع حولها تأتيها من كل جانب، ما عاشته معه وما رأته من تصرفات وما سمعت من أحديث كذبتها في الأخير وصدقت أقواله وقلبها كلها ضربت عرض الحائط باتصال دام لدقائق، نظرت للهاتف فاغرورقت عيونها دمعا، تريد أن تكذب لكن في خلجات قلبها تدرك أن هناك شيء من الحقيقة في حديث نورسين، تسمرت مكانها تفكر، أيعقل؟ أهذا خالد الذي أحبت؟ أهذا والد نوح وملك وأحمد؟ أهذا الذي بكل قوته أمام من حوله وحين يأتي إليها يضعف؟
فى هذه اللحظة خرج خالد من الغرفة يزيل أثر النعاس من وجهه متثائبًا، اقترب منها مقبلاً جبينها قائلا:
صباح الخير يا زهرتى.
لم تنطق ببنت كلمة فنظر للهاتف بيدها مردفًا:
هل كانت ياسمين؟ هل سيعودون اليوم ام سيبقون هناك عدة ايام؟
نظرت له بنظرات حادة وأعين تتقاذف منها التساؤلات ثم قالت:
أريد أن أعلم كل شئ عن عملك وحياتك، لن تتحرك من امامى قبل أن تخبرنى كافة الأشياء التى أخفيتها عنى، ولن أصبر مجددا.
شعر أنها علمت شئ فسألها بقلق:
مع من كنت تتحدثين في الهاتف؟
القت الهاتف بعيدا فسقط على الأرض بقوة غضبها ثم عادت لتسأله:
ما هو عملك الحقيقي يا خالد؟ لأختصر الطريق عليك جاوبنى هل تعمل بتجارة الآثار؟
أسرع لينفى قائلا:
لا لا اكيد لا اعمل بهذه التجارة وما شابه، كل الأمر اننى أهوى جمع القطع الأثرية ولكننى لا ابيعها او اتاجر بها.
نظرت بعمق عينيه فسقطت دمعة حارقة من عينيها واردفت:
المشكله اننى صرت اعرفك أكثر من نفسك، وبنظرة لعينيك أتمكن من التيقن ان كنت كاذبًا ام لا، لماذا يا خالد لماذا؟
هم ليقترب منها ولكنها أسرعت بالرجوع للخلف لتوقفه بيدها محذرة إياه ان يقترب قائلة:
احكى لى كل شئ بالتفصيل، هذه آخر فرصة لاستمرارنا معًا واعدك ان اخبرتنى الحقيقة وسعيت لإصلاح كل شئ ارتكبته سأساعدك على الاصلاح ونفتح صفحة جديدة ولكن لا تكذب مجددا حتى لا تشوه صورتك التى رسمتها وقدستها لك.
حين وعدته أنها ستعطيه فرصة تشجع وتعلق بحبل الأمل فتنهد بضيق وبدأ يتحدث وهو يفرك يديه ببعضهما من التوتر:
يجب أن تعلمى اننى اخفيت عنك بسبب خوفى من أن تفارقينى، والا لكنت أخبرتك بالحقيقة من البداية، والحقيقة هى اننى جرجرت لهذا الطريق عنوة، كنت بالطريق وحدى لا أحد يوجهنى ولا يرشدنى للصواب، والدى ببيته مع صفية وابنائه منها وخصوصا عامر الذى لاذ بحنانه وعطفه وأبوته وكنت انا المنعوت دوما بابن الموت كون اننى انقذت حين حاولت والدتى قت-لنا، خسرت أمى واختى ولم يكن امامى الا العيش بالشارع، حاولت أن أعمل ولكن لم أجد سوى تلك الطريقة متوفرة أمامى ولأننى نشأت بمنطقة أثرية فبدأت أعمل مع احد التجار وبمرور الوقت أصبحت أنا أحد أكبر هؤلاء التجار، حاولت الرجوع وحاول مراد معى كثيرا لأتراجع واكتفي من هذا الطريق وبالفعل نويت حتى غرر بى من قبل كرم وبعدها نورسين وما فعلته في حياتنا وتدميرى وتدمير نفسية الأطفال فقادنى شيطانى لأستمر حتى انتقم منهم وانهى كرم واعيد لك أنس، فتلك الطريقة الوحيدة التى تجعلنى أصل إليه.
قاطعته باختناق:
وهل وصلت اليه؟
منذ أن رأيتك تصلى بتثاقل وكأنك تحارب أدركت انك تخفى شئ مما يجلب غضب رب العالمين، ثقلت عليك الصلاة واهتز عرش امانك وأماننا معك، يستحيل أن تصل لهدف بطريق حرام، لو أخبرتنى من البداية لكنت تيقنت أن ابنى لن يعود أبدًا.
صمتت لفترة وجيزة تناظره بعتاب تفكر فيما ستقرره بخصوص حياتهم معًا، يحاول أن ينظر إليها ولكن عيناه تهرب من مواجهة صمتها فهو اصعب من كل حديث وعتاب، مسحت دمعها وتنفست بعمق تستجمع شتاتها ثم تحركت لتحضر مصحفًا وعادت لتجلس فجلس أمامها وقبل أن تنطق بحرف أمسك المصحف واقسم عليه:
اقسم بالله اننى لم اقت-ل نفسًا ولم اتسبب في الأذى لأى شخص، أقصي ما فعلته اننى ضربت نورسين وكرم كلا منهما رصاصة بقدمه وامتنعت عن قتلهما لأجل أنس، اقسم بالله ان ذنبى الأوحد هو تجارة الآثار ومن اليوم لن أعمل بها ولا بأى شئ حرام.
اومأت برأسها وأخذت المصحف قائلة:
لن يكفي بجب أن تتوب وتسأل أحد الشيوخ عما يجب عليك فعله.
هز رأسه بالايجاب ثم قال:
هل ستسامحيننى؟
ابعدت نظرها عنه قائلة:
هذا ليس زرًا تضغط عليه فأسامح، ولكن مع مرور الوقت لربما أنسي واغفر.
في لحظة من الهدوء والصمت يسترجع ذكرياته ويحاول أن يجد طريقة يلتمس بها مسامحتها، يعلم ان غضبها كبير، لم يتمنى أن ينكشف سوءه امامها لطالما تمنى أن تراه كبير الشأن لا يصغر بنظرها..
فجأة، سمعا صوت الأجراس يرنون بقوة خارج المنزل، شعرت بقلبها يتسارع وتصاعدت أفكار الخوف في ذهنها
تحرك ليفتح الباب ليجد الشرطة أمامه أعلن أحد رجال الشرطة بصوت متجمد:
خالد مهران، أنت معتقل بتهمة تجارة الآثار بشكل غير قانوني
تملكه الفزع يعجز عن التفكير بوضوح، في لحظة من الجمود، نظر نحوها يشعر بالشفقة والأسف لنفسه، أدرك أنه وقع في شبكة من الجشع والطمع، وأنه عاجز عن الهروب من العواقب المحتومة بعد فوات الأوان.
حاول أن يعبر عن براءته او يدافع عن نفسه بكلمة، لكن الشرطة لم تكن مستعدة للاستماع، اخترق صوت رجال الشرطة أذنه مرة أخرى، يسمع أوامر حازمة تطالبه بالنزول معهم
يعلم أنه لا مفر من الواقع المر، ليخرج معهم ببطء، يواجه الحقيقة بكل جرأة، لتنكسر روح زهرة وتتدفق الدموع على وجنتيها، قدر لها ان تشهد على هذا الكابوس فشعرت بالصدمة والحزن، لم تكن تعرف ماذا يجب عليها أن تفعل، ولكنها كانت تعرف أنها ستظل إلى جانبه في أصعب الأوقات.
وبينما كان خالد يتم اقتياده إلى سيارة الشرطة، نظر إلى زهرة وقال بصوت محطم:
لا يوجد داعى لأسأل الشئ فالعقاب الإلهي قد أذن، اهتمي بنفسك وبأطفالنا في غيابي يا زهرتي ولو أنني أعلم أنه لن تصيبهم شائبة وأنت أمهم.
ظلت مكانها تراقب رحيل سيارة الشرطة بضعف وقلة حيلة يعجز عقلها عن التفكير في شئ، يفترض أن تركض لتتصل بمراد أو يحيى او بالمحامى ثم تلحق به إلى قسم الشرطة ولكن قدماها مثبتتان ونفسها يكاد ينقطع لا تصدق ان الحياة سرقت منها عزيز آخر واصبح عليها السعى لاستعادة زوجها وابنها وهذه المرة ستسعى وحدها دون معين او سند…
ولا يتردد حولها سوى صوت شاعرها:
واليوم أخطُو برفقٍ أكثر، بعد أن ركضتُ لوقتٍ طويل
خوفًا من أن يفوتني شيء
وفاتني كل شيء."!
-محمود درويش
إلى هنا انتهى فصل اليوم آمل أن ينل إعجابكم
مش باقي كتير بالرواية أما فصلين ونختم رحلتنا مع خالد وزهرة
