recent
جديدنا

تشخيص إنسان |06 كبرت في ميعادى…ربما.

كبرتُ في ميعادي... ربما،
فقط لم يكن ميعادي يشبه مواعيدهم.



في كل مرة كانت تفتح فيها هاتفها، كانت تشعر أنها تأخرت قليلًا.

صديقتها تزوجت.

أخرى بدأت عملها الذي كانت تحلم به.

واحدة سافرت.

أخرى أنجبت طفلها الأول.

حتى تلك التي كانت تقول دائمًا إنها لا تعرف ماذا تريد من حياتها، أصبحت الآن تعرف.


إلا هي.


كانت تقف أمام المرآة أحيانًا، لا لتتأمل وجهها، بل لتسأل نفسها سؤالًا لا تعرف لماذا أصبح يؤلمها إلى هذا الحد:

"أنا متأخرة عن إيه بالضبط؟"


لم تكن تعرف.

لكنها كانت تشعر بذلك.

كأن هناك قطارًا مرّ بالجميع، ولم يصل إليها.

في إحدى الأمسيات، جلست مع والدتها، كانت الأم تقلب صورًا قديمة على هاتفها.

قالت:

"فاكرة البنت دي؟"


نظرت إلى الصورة، كانت هي في العشرين من عمرها، تضحك بطريقة مختلفة، وجهها ممتلئ بالأحلام، ولا تعرف بعد كم مرة ستضطر إلى إعادة ترتيبها.


ضحكت أمها:

"كنتِ بتقولي ساعتها إنك عايزة تبقي كذا وكذا."


سكتت قليلًا، ثم قالت:

"أنا ضيعت وقت كتير."


رفعت أمها عينيها إليها:

"وقت في إيه؟"


لم تعرف ماذا تجيب.


في كل شيء.

في الحب الذي لم يحدث.

في الوظيفة التي لم تحصل عليها.

في الفرص التي خافت منها.

في السنوات التي مرت وهي تحاول أن تفهم نفسها.

في الأشخاص الذين أخذوا وقتًا طويلًا من عمرها ثم رحلوا.

في الأيام التي قضتها وهي تنتظر أن تصبح مستعدة.


قالت أخيرًا:

"حاسة إن كل الناس سبقتني."


ابتسمت أمها، وقالت بهدوء:

"سبقتك على فين؟"


ضحكت لكن السؤال ظل معها.

على فين فعلًا؟


---


نحن نعيش وسط فكرة خفية تقول لنا إن للحياة جدولًا زمنيًا محددًا.

سن معين للدراسة.

سن للعمل.

سن للزواج.

سن للاستقرار.

سن للإنجاز.

حتى الحزن يبدو وكأنه له موعد انتهاء.

وكأن الإنسان إذا لم يصل إلى المكان الذي وصل إليه الآخرون في نفس الوقت، فقد أخطأ الطريق.

فنبدأ في قياس حياتنا بأرقام الآخرين.

"هي أصغر مني واتجوزت."

"هو في سني وعنده مشروع."

"دي اتخرجت قبلي."

"دي عرفت هي عايزة إيه وأنا لسه."


ومع الوقت، تتحول المقارنة من مجرد فكرة عابرة إلى حكم قاسٍ على الذات:


أنا متأخرة.

لكن المشكلة أن الحياة ليست سباقًا له خط نهاية واحد.

نحن لا نبدأ من النقطة نفسها.

ولا نملك الظروف نفسها.

ولا نحمل الخوف نفسه.

ولا نمتلك الموارد نفسها.

ولا نمر بالتجارب نفسها.


والأهم...

أننا لا ننضج بالطريقة نفسها.

هناك شخص يتعلم مبكرًا كيف يدافع عن نفسه.

وآخر يحتاج سنوات حتى يتعلم أن يقول "لا".

شخص يعرف منذ طفولته ماذا يريد.

وآخر يقضي نصف عمره في تجربة الأشياء حتى يكتشف ما لا يريده.


هناك من يجد الحب في العشرين.

ومن يجده في الأربعين.

ومن يكتشف أن أهم علاقة في حياته لم تكن مع شخص آخر أصلًا… بل مع نفسه.


وهذا لا يعني أن كل تأخير جميل، أو أن علينا أن نبرر كل شيء بعبارة "كل شيء سيأتي في وقته".

أحيانًا نتأخر فعلًا لأننا خائفون.

أحيانًا نهرب.

أحيانًا نؤجل ما نعرف أنه مهم.

وأحيانًا نحتاج إلى مساعدة حتى نخرج من دائرة نفسية عالقين فيها.


لكن الفرق كبير بين أن تقول:

"أنا تأخرت."


وأن تقول:

"أنا انتهيت."


الأولى اعتراف يمكن أن يكون بداية.

أما الثانية، فهي حكم نهائي على حياة لم تنتهِ بعد.


---


في علم النفس، يمكن للمقارنة الاجتماعية المستمرة أن تؤثر في تقدير الإنسان لذاته، خصوصًا عندما يقارن حياته الداخلية بحياة الآخرين الظاهرة.

فنحن لا نرى خوفهم.

ولا نرى فشلهم.

ولا نرى لياليهم الطويلة.

ولا نعرف الثمن الذي دفعوه للوصول إلى ما نراه.

نرى النتيجة فقط.

ثم نقارنها بكواليس حياتنا.

وهذه مقارنة غير عادلة من الأساس.


قد تنظر إلى شخص وتقول:

"هو سبقني."


بينما هو ينظر إليك ويفكر:

"هي تملك شيئًا أتمنى لو كان عندي."


ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر رحمة من:

"لماذا لم أصل بعد؟"


هو:

"هل أنا فعلًا أريد المكان الذي أشعر أنني متأخرة عنه؟"


لأننا أحيانًا لا نحزن لأننا لم نحصل على الشيء… بل لأن الآخرين حصلوا عليه.


وهناك فرق كبير.


---


في اليوم التالي، فتحت هاتفها مرة أخرى.

وجدت صورة جديدة لإحدى صديقاتها، كانت في حفل زفاف، ابتسمت لها من قلبها هذه المرة.


ثم أغلقت الهاتف، ذهبت إلى مكتبها، فتحت الملف الذي ظلت تؤجله منذ أشهر.

بدأت ببطء.

لم تشعر فجأة أنها أصبحت بخير.

لم تتغير حياتها في لحظة.

لم تصل إلى أي مكان عظيم.

لكنها شعرت بشيء آخر.

شعرت أنها عادت إلى طريقها.

طريقها هي.


ولأول مرة، لم تسأل:

"كم بقي لي لأصل؟"


سألت:

"هل هذه الخطوة تشبهني؟"

ربما لم أكن متأخرة.

ربما كنت أحاول أن أصل إلى حياة لم تكن حياتى أصلًا.

وربما...

كبرتُ في ميعادي.

لا في الموعد الذي حدده الآخرون لي.

ولا في الموعد الذي تخيلته وأنا صغيرة.

بل في الموعد الذي احتجتُه أنا.

لأن بعض النضج لا يأتي عندما نكبر في العمر...

يأتي عندما نتوقف أخيرًا عن قياس أعمارنا بحياة الآخرين.


google-playkhamsatmostaqltradent