recent
جديدنا

تشخيص إنسان |08 انفصام الشخصية

 لم يكن شخصين
 كان يحاول أن يعرف بأيّ الأصوات يمكنه أن يثق



في البداية، لم يخبر أحدًا. كان يسمع صوتًا يناديه باسمه، ليس دائمًا.


أحيانًا في المساء، وأحيانًا عندما يكون وحده في غرفته، وأحيانًا وسط الناس.


في البداية ظن أنه يتخيل، ثم قال لنفسه إنها مجرد ضغوط.


ثم بدأ يبحث عن تفسير منطقي.

__"يمكن الجيران."

__"يمكن التلفزيون."

__"يمكن أنا سمعت غلط."


لكن الصوت كان يعود هادئًا في بعض المرات، وغاضبًا في مرات أخرى. ولكنه يعرف شيئًا واحدًا فقط:

أنه لا يستطيع أن يطلب منه أن يصمت، ولا سلطة له عليه. 


في أحد الأيام، كان جالسًا مع أسرته على مائدة الغداء، ضحك أخوه على شيء حدث في العمل.

ضحك معهم، ثم فجأة سكت، نظر إلى الباب.

سألته أمه:

"مالك؟"


لم يجب، كان يسمع صوتًا يقول له:

"ما تثقش فيهم."


نظر إلى أمه، ثم إلى أخيه، ثم عاد إلى طبقه قائلا:

"مفيش."


لم يكن يعرف كيف يشرح، كيف سيقول لهم إنه بدأ يشعر أحيانًا أن الأشياء من حوله تحمل رسائل موجهة إليه؟

وأن نظرة عابرة من شخص في الشارع قد تبدو له مقصودة.

وأن حديثًا عاديًا في التلفزيون قد يشعره أحيانًا بأنه يتحدث عنه.

وأن عقله، الذي كان المكان الأكثر أمانًا بالنسبة له، بدأ يصبح مكانًا لا يستطيع الوثوق بكل ما يحدث داخله.


---


بعد أشهر، تغيرت حياته، توقف عن الخروج كثيرًا. أصبح أكثر شكًا، رفض بعض الدعوات.

بدأ يبتعد عن أصدقائه، لم يعد يهتم بأشياء كان يحبها، وأصبح يقضي وقتًا طويلًا في غرفته.


قالت أخته يومًا:

"أنت بقيت شخص تاني."


لم يرد.


لأن الجملة أخافته. شخص تاني؟


هل هذا ما يحدث فعلًا؟

هل أصبح شخصًا آخر؟

هل انقسم إلى شخصين كما تقول الأفلام؟

هل أصبح مجنونًا؟


كانت الأسئلة أكثر قسوة من الأعراض نفسها.


---


هناك خطأ شائع جدًا في استخدام تعبير "انفصام الشخصية".


الفُصام Schizophrenia لا يعني أن الإنسان لديه شخصيتان منفصلتان.


ولا يعني "انقسام الشخصية" بالمعنى الشائع.


الاضطراب الذي يرتبط بوجود هويات أو حالات شخصية منفصلة هو اضطراب آخر يُسمى اضطراب الهوية الانفصامية (Dissociative Identity Disorder)، وهو مختلف عن الفُصام تمامًا.


أما الفُصام فهو اضطراب نفسي شديد يؤثر في طريقة إدراك الشخص للواقع والتفكير والانفعالات والسلوك.


وقد تظهر فيه أعراض مثل الهلاوس، والأوهام، واضطراب التفكير أو الكلام، وبعض الأعراض السلبية مثل الانسحاب الاجتماعي وانخفاض الدافعية والتعبير العاطفي.


والهلاوس لا تعني ببساطة أن الشخص "يتخيل أشياء".


فقد يسمع الشخص أصواتًا لا يسمعها الآخرون ويختبرها على أنها حقيقية.


أما الأوهام فهي معتقدات ثابتة لا تتوافق مع الواقع، رغم وجود أدلة قوية تخالفها.


ومن المهم هنا أن نتذكر:

الشخص الذي يعاني من الفُصام لا يختار ما يراه أو يسمعه أو يعتقده.


ولا يستطيع ببساطة أن يقول لنفسه:

"بطل تفكر كده."


كما أن وجود هذه الأعراض لا يجعل الإنسان بالضرورة عنيفًا أو خطيرًا.


هذه صورة رسختها الدراما أكثر مما تعكس الواقع.


معظم الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية شديدة ليسوا عنيفين تجاه الآخرين، وهم أنفسهم قد يكونون أكثر عرضة للاستغلال أو الأذى أو الإهمال.


---


في إحدى الليالي، جلست أخته بجواره، قائلة:

"أنا مش فاهمة اللي بيحصل لك."


ظل صامتًا، فأكملت:

"بس مش لازم تفهمه لوحدك."


رفع عينيه إليها. وقال:

"أنتِ مصدقاني؟"


سكتت قليلًا، ثم قالت:

"أنا مصدقة إنك بتعاني."


كانت الجملة مختلفة، لم تقل أنها تصدق كل ما يسمعه، ولم تدخل معه في جدال حول حقيقة كل فكرة، ولم تسخر، ولم تقل:

"دي أوهام."


فقط اعترفت بالألم، وهذا أحيانًا أول شيء يحتاجه الإنسان حين يصبح الواقع من حوله مرتبكًا.


أن يجد شخصًا لا يسخر من تجربته، وفي الوقت نفسه لا يشجعه على اعتقاد قد يكون جزءًا من مرضه.


---


الفُصام ليس حكمًا بأن الحياة انتهت.

وهذه ربما واحدة من أخطر الأفكار التي يحتاج المجتمع إلى تغييرها.


العلاج المبكر والمتابعة المنتظمة يمكن أن يساعدا في تقليل الأعراض وتحسين الأداء ونوعية الحياة.


وقد يشمل العلاج أدوية مضادة للذهان، إلى جانب التدخلات النفسية والاجتماعية، والتثقيف والدعم الأسري، وإعادة التأهيل بحسب احتياجات الشخص.


والأمر ليس دائمًا صورة واحدة ثابتة، بعض الأشخاص يعانون من نوبات ثم تتحسن أعراضهم.


وآخرون يحتاجون إلى علاج مستمر ومتابعة طويلة المدى.


وكل حالة لها قصتها.


ولهذا لا ينبغي أن نرى التشخيص كأنه نهاية القصة.


أحيانًا يكون التشخيص هو اللحظة التي تبدأ فيها القصة الحقيقية للعلاج.


---


بعد فترة من العلاج، عاد إلى المقهى الذي كان يجلس فيه قبل مرضه.


طلب القهوة نفسها، جلس إلى جوار النافذة، دخل شخصان وتحدثا بصوت مرتفع، للحظة شعر أن الحديث عنه، توقف ثم أخذ نفسًا بطيئًا، تذكر ما تعلمه.


لم يصدق الفكرة فورًا، ولم يحاربها بخوف.


فقط قال لنفسه:

"ممكن يكون عقلي بيقول لي حاجة مش حقيقية."


رفع كوب القهوة. شرب، ثم نظر إلى الشارع.


كانت السيارات تمر، والناس تمشي، والمدينة تفعل ما تفعله كل يوم.


وللمرة الأولى منذ وقت طويل...


لم يكن مضطرًا أن يصدق كل شيء يخبره به عقله.


---


ربما لهذا السبب، لا يجب أن نسأل الإنسان المصاب بالفُصام:

"أنت شايف إيه؟"

فقط.

بل يمكن أن نسأله:

"أنت عامل إيه مع اللي بتشوفه وبتسمعه؟"


لأن المرض قد يجعل الواقع أكثر ضبابية، لكن الإنسان الذي بداخله لا يزال موجودًا.

والتشخيص قد يصف جزءًا من معاناته...

لكنه لا يملك الحق في أن يصبح نفسه.


تشخيص إنسان |08 انفصام الشخصية
اوتار الحياة

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  • Norhan14 أغسطس 2026 في 2:25 م

    ماشاء الله اسلوبك وافكارك وطريقة سردك للمشاكل النفسية بسيطة وفي نفس الوقت بتوصل الفكرة وتجبرنا نعيد النظر في سلوك الناس

    حذف التعليق
    • غير معرف14 أغسطس 2026 في 2:26 م

      أحسنت

      حذف التعليق
      google-playkhamsatmostaqltradent