recent
جديدنا

رواية ملجأ جنة الفصل الثاني

 📖 ملجأ جَنّة
✍️ بقلم د. سميحة رجب ♥️
الفصل الثاني 



سبحانك ربي على هذا التكامل...

 خلقت العقيم و اليتيم حتى يتألفا ويكملا بعضهما البعض فيكونا عونا لبعضهما وآية من آياتك سبحانك لا إله إلا أنت. 
#الشيخ_حسن


مضي يومين على رحيل جنة، كانا يومين باهتين لا طعم لهما ولا لون 

يخرج الشيخ يوميا لعمله ويقضي بقية اليوم في المسجد يقرأ القرآن ويدعو ربه أن يحفظ صغيرته وان يرزقه المال فلقد ضاق ذرعا واشتاق إليها ولا يريد أن يذهب خالي الوفاض 


خرج من المسجد ليشم بعضا من نسيم الصباح العطر ووقف امام الباب يلتفت يمينا ويسارا وكأنه بلا وجهة فأغمض عينيه وأخرج زفرة حارقة وتحرك بلا دليل يخطو الموضع الذي تطأه قدماه بلا هدف، لم يخيل إليه يوما أن يحزن لهذه الدرجة من أجل أحد فوالله ان حزنه علي جنة يتعاظم يكاد يفوق حزنه عندما فارق بلدته في الماضي 

ظل يسير لساعتين دون أن يشعر بالوقت أو بوصوله باب الملجأ، لقد سارت قدماه منقادة لقلبه حتى وصلت لمسكنها 

ابتسم بحزن ورغم عدم رغبته في زيارتها قبل أن يحوز المال ولكن لم يقدر على الرجوع وقد وصل الى هنا، فدخل الملجأ ليتأمل الأطفال يركضون ويلعبون هنا وهناك، جميعهم أيتام لا أهل لهم … بعضهم تخلى عنه والديه وبعضهم توفي والديه والشيخ حسن لم يرزق بأبناء فسبحان من وزع الأرزاق 

تمتم الشيخ بينه وبين نفسه: سبحانك ربي على هذا التكامل، خلقت العقيم وخلقت اليتيم ليكونا عونا لبعضهما وآية من آياتك سبحانك لا إله إلا انت 

وأكمل طريقه لمكتب مديرة الدار والتي تسمى ب "مدام أمل" ثم طرق الباب حتى أذنت له بالدخول وعندما رأته نهضت مرحبة به: اهلا بك ياشيخ حسن 

الشيخ حسن: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حضرة المديرة

مدام أمل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته 

الشيخ حسن: من فضلك أريد أن أري جنة لدقائق 

مدام أمل: اجلس دقيقة لترتاح هنا وستحضرها المرضعة

الشيخ حسن: لا … اريد ان اخلو بها قليلا في الحديقة بالخارج 

مدام أمل: لك ما أردت 


دقائق مرت حتى جاءت المرضعة تحمل جنة بين يديها، التقطها بحضنه لهفة وأخذ يقبلها متحدثا: السلامُ عليكِ وعلى نقاءِ روحكِ الذي شعرتُ به مُنذُ لقائك ياصغيرتي 

ضمها الي صدره بشوق يريد أن يطفئ نيران شوقه لهذه الصغيرة وضج خفقانِ قلبه الذى يشعر به كلما رأها وكأنها ابنته من دمه ولحمه، كان موقفَ ذهولِ ، الجميعُ يتحدثُ و يتكلم بالصوتِ العالى ، و المكانُ مزدحمٌ بالبشرِ والاطفال، ولكنَ العجيبُ في الأمر أنه لا يرى سواها على الرغم من أنه كان حوله الكثير، طفلا ينادى عليه وطفلا آخر يمسكه من ملابسه ويلوّحُ بيَديهِ لكى ينظُرَ إليه ، و لكن لا يعلمُ ماذا حدث ، لم يرى سواها ولم يسمع غيرَ صوتُ مداعبتها، ولم يأخذ أىُ أحدٍ منهم انتباهه سِوىٰ عينيها التي تشبه بجمالها الجنة


ظل يضمها لحضنه صامتا لساعات فقط يلاعبها ويدغدغها بحب ثم بدأ يحادثها وكأنها شخص بالغ أمامه يفهمه فتحدث: شيئانِ يُحرّكانِ روحي: هل تعرفين يا صغيرة سأخبرك سرا، أنت تشبهين أمك خديجة جدا فكلتاكما احتلت من قلبي مكانة لم يظفر بها أحد من العالمين، تشبهينها اي انك تشبهين زهرة دوار الشمس خاصتي، أراقبكما ولا امل من تملكها والتحديقُ بالشّمس، وفي الموت، أنا أخبرت الجميع اني تركتك هنا بسبب الفقر ولكن الحقيقة يا صغيرتي انني علي استعداد ان اكفلك واعمل عملا واثنين وثلاثة واكفل لك حياة كريمة، ولكن مع الاسف فيبدو أنني سأسافر مع النُجوم ووقتها ستضحين بائسة حزينة مع أمك خديجة 

أشعر أن أجلي يقترب وزهور عمري مع خديجتي ستصبح زهورًا بلونِ الطّين، بعد ان تزرع نفسي في التُراب، وستنمو السنابل الخضراء والصفراء على مساحة رأسي وغربان الذَاكرة ستطيرُ بلا هواء، كما أن أمنيتي هي أن ادفن ببلدتي وسط سنابُل القمحٍ والغربان 


سأعطيك نصيحة يا جنتي واتمني أن تعملي بها… امممم انتظري سأكتبها لك واعطيها للأم مديرة الدار حتى تسلمها لك عندما تكبرين 


وصيتي اليك .. 

أن تحلمي ولا تكفي يوما عن الحلم ولكن قبل أن ترسمي الأحلام ادرسي واقعك بحكمة، خذي العبرة من ماضي ابيكي حسن الذي حلم احلاما اكبر منه حتي أضحي وحيدا لا يستند على أحد 

هذا لايعني ألا تحلمين ولكن اولا يجب أن تأخذي بالأسباب، هذا الشيخ الذي امامك صحيح يقولون اني حكيم وشيخ قدير ولكن لا أحد يعلم سفاهتي في الماضي، كانت أحلامي خيالية اتطلع لفوق الفوق حتي سقطت علي جذور رقبتي وبات كلّ شيءٍ مجرد حلم في رأسي … هباء أحلامٍ، وتفاجئت بعمري هذا أن ريشةُ التُرابِ كانت تخدعني في كلّ حين، قريبًا سأعيدُ أمانة التراب، وأُطلق العُصفورَ من صدري ليحلق نحو جنة نحو خالقه آه وسأنتظرك هناك علي بابها يا جنتي أيّتها السنُونُو، سأفتحُ لكِ القفصَ بهذا المسدس: القُرمزيّ يسيل، دمٌ أم النار؟

أجل إن ماضي ابيك حسن كان طائشا لدرجة ان غليوني لم يكف يوما على الاشتعال في شبابي: الأسوَد والأبيض كانا يلوّنانِ حياتي بالرّمادي، للرّمادي احتمالاتٌ لا تنتهي: رماديٌ أحمر، رماديٌ أزرق، رماديٌ أخضر!.

 التِبغُ كان يحرقني، والحياةُ كانت تتسَرب دون أن أشعر للرّماد طعمٌ مرٌ بالعادة نألفَه، ثم نُدمِنه، كالحياة تمامًا: كلّما تقدم العُمر بنا غدَونا أكثَر تعلقًا بها!. لأَجل ذلكَ أغادرُها في أوجِ اشتعالي! ولكن لماذا؟! إنّه الإخفاقُ مَرّةً أخرى. لن ينتهي البؤسُ أبدًا !


مسح دمعة فرت من عينيه وابتسم مردفا: ااه لقد نالك شئ من نكدي يا صغيرة 

ثم أكمل كتابة:

 العبرة بحياتي أن ابتلاء الله كان بمثابة الضربة التي افاقتني فتحولت من الشاب حسن الطائش الى الشيخ حسن كما ترين وتبت لربي عن كل خطأ طائش ارتكبته في ساعة غفلة وحمدته على نعمة زوجتي التي رزقت حبها وكرست حياتي لأجلها، وأريدك هكذا حبيبتي أن تحبي وتعشقي ولا تجزعي عندما تكبرين وتدركين قدر بلائك لتتأكدي ان الله يحبك ولو لم يكن يحبك لما اصطفاك بهذا الابتلاء لتكوني كنبيه وحبيبه محمد يتيمة منذ الصغر 

وتذكري دائما هذا الحديث الشريف 


 "عَنْ أَبي هُرَيْرةَ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ"

عل هذا البلاء حل بك ليهيئ الله الجنة لعينيك ولتكوني شفيعة لي و ابنتي في الجنة يا جنتي 


أبيك حسن …. 


انهي كتابة هذه الوصية ونهض في الحال حاملا الصغيرة وتوجه الى مكتب مدام أمل ليعطيها اياه واوصاها ان تعطيه لجنة عندما تكبر وتستطيع استيعاب ما سطرته داخله، عندما تجزع أو تيأس رجاءا أعطيها إياه وذكريها دائما بوصية أبيها حسن 

وما كان منها إلا أن أخذته منه ووعدته أن تعطيها الرسالة بالوقت المناسب 


في هذه الأثناء جاءته رسالة على هاتفه تفيد ب "ياشيخ حسن… المبلغ الذي طلبته جاهز، سأنتظرك بالمسجد لأسلمك إياه" 

وحلت السعادة على قلب هذا العجوز فاضطر أن يودع الصغيرة قائلا:

 صغيرتي سأودعك لساعات قليلة وأعود إليك ومعي أمك خديجة 

ثم قبلها وطار إلى صديقه ليأخذ منه المال ثم عاد لبيته أخيرا بعد أن تأخر عن ميعاد عودته الذي ألفت أن يعود عليه فبقيت خديجة كل حين تنظر لساعة الحائط لقد أوجست في نفسها خيفة وأصابها الكثير من التوتر لتردد بحنق:

ما سبب تأخيرك يا حسن


لحظات فقط مرت وهي بتلك الحالة ليصدح صوته خلف الباب محمحما يهم بالدخول فتلك عادته مخافة أن يكون هناك ضيوف بالبيت فيستلزم أن يسمعهم بأنه قادم.


تحركت نحو الباب مسرعة فدلف هو ليتفاجأ بها أمامه فتحدثت على عجل تلامس جسده لتردد باكية:

أنت بخير يا حسن؟ أين كنت؟ لم تأخرت خفت أن يكون قد أصابك مكروه.


أمسك يديها المرتجفتين يهدئ من روعها ليردد بخفوت:

اهدئي حبيبتي لا شيء بي أنا بخير كل الخير أيضا.


قالت خديجة بعتابٍ خفيف:

 لكن لِمَ تأخرتَ كل هذا؟


أجابها الشيخ حسن بهدوء:

كنت عند جَنّة.


اتسعت عيناها بدهشة، وقالت بلهفة:

جَنّة؟! ولِمَ لم تأخذني معك؟ أنا أيضًا اشتقت إليها.


ابتسم الشيخ حسن معتذرًا، وقال:

 في المرة القادمة سنذهب معًا، أعدكِ. لم أشعر كيف وجدتُ نفسي أتحرك نحو الملجأ، ووقفت أمامه، ولم تمضِ سوى لحظات حتى وجدتها في حضني... كأنها مغناطيس، جذبتني إليها تلك الصغيرة.


نظرت إليه خديجة بتذمرٍ طفولي، وقالت:

 آه... لم تشعر إذًا؟ مثلما لم تشعر أن هناك امرأةً تموت شوقًا لرؤية تلك الصغيرة!


اقترب منها الشيخ حسن، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة حانية، وسألها بملاطفة:

 أحزنتِ خُوَيْدِجتي؟


خديجة وهي تتحرك للداخل:

لا طبعا لم أحزن فأنا لم أشتاق لها لم اشتاق لدرجة انني لم أصنع لها عرائسا من القماش لتلعب بها حين تكبر شهورا أخرى،لم أشتاق لتلك الدرجة التي جعلتني أضم ثيابها التي احتفظت بها كل ربع ساعة، لم أشتاق لتلك الدرجة التي جعلتني أسمع صوت بكائها في رأسي فأركض للغرفة وانا اردد"قادمة ماما قادمة" ثم لا أجد أحدا،نعم لست مشتاقة لجنة أبدا.


ابتسم الشيخ حسن، وأمسك بيدها يضمها بحب، ثم نظر إليها وقال:

 لنذهب.


نظرت إليه خديجة وكأنها لم تصدق ما سمعت، ثم سألته بلهفة:

 وهل يمكن زيارتها مرتين في اليوم؟


طمأنها بابتسامة:

 لا ضرر في ذلك، فالمديرة متفهمة.


تهللت أسارير خديجة، وقالت بفرح:

 إن كان الأمر كذلك، فسأرتدي حجابي سريعًا، وأجهز لها العرائس، ونذهب إليها حالًا.


نظر إليها بحب وهي تتحرك أمامه، بتلك النظرة التي لم يغيرها زمن ولا شيب. وكعادتهما طوال السنين، كان يُجيد مطالعة عينيها، وكانت هي تجيد قراءة الحب في نظراته الشابة التي لم تشِب يومًا.


زفر بحنان، ثم قال:

 ستكونين أمًّا في الجنة، وزوجتي أيضًا إن شاء الله. صبرك هذا لن يذهب هباءً منثورًا.


تحركا معًا نحو الملجأ، وبعد فترة وصلا إليه، ودخلا مكتب المديرة، فوجداها تهم بالمغادرة لقضاء أمر ما. وما إن وقعت عيناها عليهما حتى توقفت بدهشة، وقالت:

 الشيخ حسن!


ابتسم وألقى السلام:

 السلام عليكم ورحمة الله.


أجابته مدام أمل:

 وعليكم السلام. خير يا شيخ؟ ما الذي أعادك بهذه السرعة؟


أشار إلى زوجته بابتسامة:

هذه زوجتي خديجة، لقد اشتاقت إلى جنة كثيرًا، وطلبت مني أن أحضرها لرؤيتها، إذا كان ذلك ممكنًا.


رحبت بها مدام أمل قائلة:

 أهلًا بكِ يا أختي.


ابتسمت خديجة وردت بأدب:

 بوركتِ.


بادلتها مدام أمل ابتسامتها:

 وفيكِ البركة. يبدو أنكما تعلقتما بجنة كثيرًا، حتى تزوراها مرتين في اليوم! ما شاء الله، الفتاة محظوظة بكما. لم يفعلها أحد من قبل؛ بالعادة يأتي المشايخ الذين يعثرون على الأطفال أمام أبواب المساجد، ويسلمونهم لنا من اللحظة الأولى. أما أنتما، فقد رعيتماها حتى بلغت شهرين. ولن أخفيكما... لا أتمنى أن ترعى جنة أسرة غيركما، لو أن ظروفكما كانت تسمح بذلك.


انخفضت عينا خديجة، وظهر الحزن في صوتها:

 لقد بقي فؤادي فارغًا بعد فراقها. بالكاد أستسيغ أن ابنتي لم تعد بيننا، لكن في النهاية... من حقها أن تعيش حياة كريمة حين تكبر، وألا ترى نفسها ناقصة مقارنة بغيرها.


نظرت إليها مدام أمل بتفهم، وقالت:

 المال ليس كل شيء يا سيدة خديجة، وأنتِ تعلمين ذلك.


رفعت خديجة عينيها إليها، وأجابتها بصدق:

 أعلم، لكن في زماننا هذا لا بد أن نوفر لهم ما يحتاجون إليه. نحن ربما لم نكن نهتم كثيرًا بهذه الأمور، لكن هذا الجيل... إن لم توفر له ما يحتاج إليه مثل غيره، حتى أنتِ نفسك قد تشعرين بالعجز أمامه.


تدخل الشيخ حسن بلطف، وقد شعر أن الحديث بدأ يثقل على زوجته:

 لا بأس في ذلك، لكن... أيمكننا رؤية الصغيرة؟


ابتسمت مدام أمل وقالت:

كنت سأخرج لتوي لأمرٍ مستعجل، لكن لا بأس، سأبقى قليلًا حتى تريا جنة.


أسرعت خديجة تقول:

 يمكنكِ الذهاب، لن نعطلكِ.


هزت مدام أمل رأسها نافية:

 لا أستطيع. يجب أن أتأكد أولًا أن جنة عادت إلى سريرها، وأن جميع الأطفال موجودون وسالمون قبل أن أخرج.


ابتسم الشيخ حسن بإعجاب وقال:

 بارك الله فيكِ.


ثم أشارت مدام أمل نحو الخارج وسألت:

 إذًا، تودان رؤيتها هنا أم في الحديقة؟


أجابتها خديجة ببهجة لم تستطع إخفاءها:

 في الحديقة، إن أمكن.


ابتسمت المديرة وقالت:

 حسنًا.


وقبل أن يخرجوا، أخرج الشيخ حسن مظروفًا من جيبه، ثم مدّه إلى المديرة قائلًا:

هذا من أجل جنة. ربما هو قليل، لكنني سأبذل جهدي ألا ينقصها شيء طوال بقائها هنا.


نظرت مدام أمل إلى المظروف، ثم إليه بعينين ممتنتين، وقالت:

 بارك الله فيك، وأعطاك بقدر نواياك الطيبة. لا تقلق، سأحرص على راحة جنة كأنها ابنتي.


ثم تحركا بعدها نحو الحديقة وجلسا على أحد الكراسي يطالعنا بعض الأطفال هنا جالسين يدرسون بينما باقي الأطفال الصغار السن أغلبهم في الداخل.


نظرت خديجة ناحيتهم بحزن وقالت تتحاشى النظر لحسن:

كيف استطاعوا التفريط بهم.


الشيخ حسن محاولا تهدئتها قليلا وهو يربت على كتفها:

لكل أسبابه حبيبتي والخصام غدا عند رب العالمين قال تعالى:إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)

هذه حكمة الخالق وكل سيأخذ حقه ممن ظلمه.


خديجة:

ونعم بالله


لحظات فقط يتأملان الأطفال لتأتي المربية بجنة تحملها بين يديها والأخرى تنظر إليها مذبهلة وما إن لمحتها خديجة آتية نحوهم حتى هرولت هي إليها بخطوتين فقط كانت عندها مرددة:

طفلتي


لتأخذ الفتاة من يدي المربية سريعا ما جعل الأخرى تتذمر وتقول:

على مهلك ستوقعينها


ردت خديجة بنبرة حادة:

إنها طفلتي.


ناظرتها المربية قليلا ثم تحركت بعيدا لتقول:

سأنتظر هناك حين ينتهي وقت الزيارة سآخذها.


خديجة:

لا بأس فقط اتركينا لوحدنا.


تحركت بها خديجة نحو حسن لتقترب منه وتردد:

يييه يييه وجنتي الكرز وشفاه مرسومة جميلتي حبيبة أمها هذه اشتقت اليك يا صغيرة كثيرا كثيرا سبحان الذي خلقك وجعلك بلسما يشفي كل الجروح لقد بقيت وحيدة دونك يا حلوتي


مدّ الشيخ حسن يديه نحو الصغيرة وقال برجاء:

 أعطيني إياها قليلًا.


ضمّتها خديجة إلى صدرها أكثر، وقالت بمشاكسة:

 لا، لن أعطيها لك.


نظر إليها متعجبًا:

 ولماذا؟ أنا أيضًا أريد أن أضمها.


ابتسمت بانتصار طفولي وقالت:

 لكنك أتيت وضممتها حتى شبعت منك، إنها لي الآن.


رفع حاجبيه في استنكار مصطنع:

 يعني تقولينها هكذا في وجهي؟! منذ متى يا خديجة؟!


أجابته وهي تزداد تمسكًا بالصغيرة:

منذ الآن. أفرّط في عروسة المولد التي تحضرها إليّ إن شئت، أما جنة فلا أفرّط فيها.


تنهد الشيخ حسن متذمرًا، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال:

 حسنًا... رضينا. سأنتظر دوري وما ورائي إلا الصبر.


ابتسمت خديجة ثم بدأت تداعب الصغيرة بحب وتقبلها وتضمها وتشمها وكأنها فارقتها سبعين سنة لتقوم بسحب تلك العرائس من حقيبتها تريها لها وتقول:

انظري انظري لقد صنعت لك عرائس بيدي صحيح لا تزالين صغيرة على اللعب بها لكن لا بأس حين تكبرين تجدينها جاهزة وانظري هذا الحذاء الصغير لن تصدقي لقد كان لي في صغري احتفظت به لأجل أطفالي لكن لم يشأ الله أن ارزق بهم لكن عوضني بك حلوتي.


طالعها بحزن مرير وزفر ليردف:

يارب عوضها بم يطيب خاطرها المكسور يارب،خديجة أعطني قليلا لا أستطيع التحمل


خديجة ضاحكة:

انظروا من يوصف بالصبور لا يستطيع التحمل


الشيخ حسن:

أمام جنة أنا ضعيف


ابتسمت وأعطتها له ليقوم بتقبيل وجنتيها وضمها قليلا ثم لم يشأ أن يحرمها منها اكثر ولو ثوان فأعادها إلى حجرها مكتفيا بتأملهما بكل الحب.


لحظات مرت لا تزال تداعب الصغيرة وتتحدث معها وجنة تنظر فقط لا تستوعب شيء لكن ذلك الوجه الذي أمامها ألفته فبدأت تتحرك وتبكي بصوت خافت بالكاد يسمع حتى المربية هناك المنشغلة بهاتفها ولم تسمعه لكن خديجة تعرف جنة وكل حركة تقوم بها ماذا تعني بها وما تحتاجه فأدركت أنها تشعر بالنعاس لتقوم بتعديلها سريعا ثم قالت:

ماذا يا حلوتي أتريدين النوم؟ او علك اشتقت لصوتي وتهويدتك تلك، حسنا بأمرك سنهود لك حتى تنامي يالتأكيد لا يفعلون هنا.


رددت:

"نامي يا ابنتي نامي في حضني دفئ وحنان.....


وهكذا بقيت تحركها بهدوء وتهود لها حتى نامت الصغيرة في دفئ وأمان حقا.


تحدث حينها الشيخ حسن وقال:

لقد تعودت عليك وشعرت بالأمان فقد نامت سريعا.


خديجة بعيون قد اغرورقت دمعا:

هذه طفلتي أنا، ليس الزاما أن تكون ابنة رحمي بل والله انها لإبنة الروح التي حلت على عالمي فلونته وزينته، لقد مر وقت طويل على شعوري بالسعادة وجنة جاءت ومعها فرشاتي وألواني لترميم لوحاتي القديمة بعد أن اطفأها الزمان، لطالما دعوت ربي أن يجبر بخاطري، دعوت ودعوت ودعوت حتى ظننت أنه لن يستجيب دعواي في الدنيا ولكن ما أنا إلا إنسانة عجولة غفلت حتى جاءني جبر ربي لأستفيق على صوت بكائها الذي اشبع رغباتي وغريزة أمومتي… 


وأتت اللحظة ليجبر الله فيها بخاطر عبده حسن وزوجته خديجة، لحظة يفزّ لها قلبيهما تشفي كل كسورهما، يعوضهما عما كان ليطمئنا، فعوض الله إذا حل أنسي عباده ما فقدوه..


_________________


في إحدى المرات، وبينما كنت ألقي درسي، دخل علينا رجل بسيط الهيئة، تبدو على ملامحه مسحة من الغرابة، ولم أكن أعرفه من قبل. جلس في آخر المجلس صامتًا يستمع، حتى انتهى الدرس واقترب مني وقال:

 يا شيخ، أريد أن أسألك سؤالًا.


قلت له: تفضل.


قال: لماذا أعطى الله هذا المال لهذا، وأعطى ذاك الصحة، ومنح آخر العلم، ثم ترك غيرهم بلا شيء من ذلك؟


ابتسمت وقلت: ومن قال لك إنه تركهم بلا شيء؟


سكت قليلًا، ثم قال: أليس من لا يملك المال أقل من الذي يملكه؟


قلت: ليس بالضرورة.


أشار إلى رجل كان يجلس قريبًا منا، وقال:

هذا الرجل يملك من المال ما يكفيه ويكفي أولاده، وأنا لا أملك قوت يومي، أليس هو أفضل مني؟


قلت: لو كان المال وحده هو معيار الفضل، لكان أغنى الناس أفضل الناس جميعًا، ولما كان للفقراء عند الله منزلة، ولما كان للصبر منزلة، ولما كان للرضا منزلة.


ظل صامتًا، فتابعت:

انظر إلى جسد الإنسان؛ هل تستطيع أن تقول إن العين أفضل من اليد لأن العين ترى واليد لا ترى؟


قال: لا.


قلت: وهل تستطيع أن تقول إن القلب أقل قيمة من الأذن لأنه لا يسمع؟


هز رأسه نافيًا.


قلت: لأن لكل عضو وظيفته، ولكل واحد منها قدره، ولا يستطيع عضو أن يؤدي وظيفة الآخر. كذلك الناس. هذا أعطي مالًا، وهذا أعطي علمًا، وهذا أعطي صحة، وهذا أعطي قلبًا رحيمًا، وهذا ابتُلي بالصبر، وهذا حُرم شيئًا ليُعطى شيئًا آخر لا يراه الناس.


ثم قلت له:

 المشكلة أننا ننظر إلى ما في أيدي الآخرين، ولا نرى ما أخفاه الله عن أعيننا. نرى نعمة إنسان، ولا نرى ابتلاءه. نرى رزقه، ولا نرى حسابه. نرى ما أُعطي، ولا نرى ما أُخذ منه.


فقال: ولكن لماذا لا يعطينا الله ما نريد ما دمنا ندعوه؟


قلت: لأنك تطلب من الله أن يعطيك ما تراه أنت خيرًا، بينما الله يعلم الخير الذي لا تراه أنت. أنت ترى الطريق الذي أمامك، وهو سبحانه يرى الطريق كله.


ثم سكت قليلًا وقلت له:

 تخيل أنك دخلت على طبيب تثق به، ووجدته يمنعك من شيء تشتهيه، ويصف لك شيئًا لا تحبه. هل تقول إنه ظلمك لأنه لم يعطك ما طلبت؟


قال: لا، لأنه أعلم مني بما يصلح لي.


قلت: فما بالك برب الطبيب وربك ورب كل شيء؟


ظل الرجل ساكتًا، ثم قال بصوت خافت:

 إذًا ليس كل منع حرمانًا؟


ابتسمت وقلت: 

وليس كل عطاء نعمة.


ثم أضفت:

 قد يعطيك الله ما تحب، فيكون اختبارًا لك، وقد يمنع عنك ما تحب، فيكون رحمة بك. وقد تتأخر عنك أمنية، لا لأنك منسي، بل لأن وقتها لم يأتِ بعد. وقد يُغلق في وجهك باب، لأن خلفه ما لا تحتمل.


رفع الرجل رأسه وقال:

ولكننا نتألم من التفاوت.


قلت: لأننا نقيس الحياة بمقياس الدنيا، وننسى أن الدنيا ليست النهاية.


ثم نظرت إلى الحاضرين وقلت:

لو كانت الحياة هي المحطة الأخيرة، لكان في تفاوتها ظلمٌ لا يُحتمل. لكن هناك يوم آخر، يوم لا تضيع فيه دمعة، ولا يذهب فيه صبر، ولا يُنسى فيه محروم، ولا يفلت فيه ظالم.


ثم التفتُّ إليه وقلت:

 لذلك لا تسأل دائمًا: لماذا أعطى الله فلانًا ولم يعطني؟ اسأل نفسك: ماذا أعطاني الله ولم أنتبه إليه؟ وماذا يريد مني بما أعطاني؟ وماذا يريد أن يعلمني بما منعني؟


ظل الرجل صامتًا للحظات، ثم ابتسم وقال:

 الآن فهمت.


قلت: ماذا فهمت؟


قال: أنني كنت أنظر إلى نصيب غيري، حتى نسيت أن أسأل عن نصيبي أنا.


فابتسمت وقلت:

 وهذه يا بني واحدة من أكثر الأشياء التي تُتعب القلب؛ أن يعيش الإنسان عمره كله يعدّ ما في أيدي الناس، وينسى أن يشكر الله على ما بين يديه.


وهكذا يا ابنتي، تعلمت يومها أن العدل ليس أن يأخذ الجميع الشيء نفسه، وإنما أن يأخذ كل إنسان ما قدّره الله له بحكمة لا نحيط بها.


فلا تنظري إلى رزق غيرك فتظني أنك أقل، ولا إلى تأخر أمنية فتظني أنك منسية، ولا إلى باب أُغلق في وجهك فتعتقدي أن الله حرمك.


فربما كان المنع عطاءً لم تتعلمي بعد كيف ترينه.

وإياكِ أن تقيسي عدل الله بمسطرة الدنيا؛ فنحن نرى صفحة واحدة من القصة، بينما الله يعلم الكتاب كله.

وإن كان في الدنيا تفاوت، ففي الآخرة تمام العدل؛ هناك لا يضيع صبر، ولا تُنسى تضحية، ولا يذهب وجع بلا معنى.


فاطمئني يا قرة عين أبيك... ما دام الأمر بيد الله، فلا تخافي من نصيبك، الأشياء التي لا تصلك وأنت تحتاجها بشدة، هي أشياء قدر الله عز وجل لها التأجيل ؛ لتأتيك في وقتها المُناسب ..


لذا فنصيحتي لك هي:

 ألا تحزني يوما لأن الله حرمك شيئا، وجودك هنا ليس لأنك قليلة بل لأنك مختلفة ومتفردة


وبهذه الكلمات ختم الشيخ حسن خطابه اليومي لابنته جنة، فلقد مرت أربعة أشهر قضاها الشيخ حسن بروتينه المعتاد يوميا يقضي الصباح مع جنة بعد أن يفطر مع خديجته 

هكذا يجلس معها يلاعبها ويدللها ويحملها علي كتفه ويصورها ويتصور معها ثم يطبع هذه الصور ويرفقها مع كل حكاية ونصيحة يخطها لها فعلي مدار الاشهر الماضية كتب لها يوميا نصائح تكفي لثباتها عمرها بأكمله، يريد أن يكون معها بروحه ووجدانه مستقبلا كما هو معه محاوطها الآن 

كانت تحبو امامه تلعب بعرائسها التي أعدتها خديجة وتمثل انها تحادثها ويحاول أن يفهم ما تقول ولكنه لا يستطيع إلا أن يضحك علي لغتها - لغة الأطفال - التي علي الرغم من عدم فهمه لها إلا أنها بالنسبة له حياة للحياة وعمرا جديدا أضيف لعمره فأضاءه 


في المساء عاد الشيخ لبيته قبيل العشاء فوجد زوجته كالعادة تخيط الثياب الجديدة وترسم لوحات صغيرة عن يوميات الشيخ مع جنة كما طلب منها 

عندما دلف الي البيت قاده قلبه لمكانها حيث غرفة جنة ترسم وتلون وحولها الخيوط والألوان 

ابتسم واقترب مقبلا جبينها قائلا:

 السلام عليك يا أم جنة 


ردت خديجة مبتسمة: 

وعليك السلام يا أبا جنة 


نظر للوحتها متأملها ولكن استوقفه فراغ بأسفلها فأمسك بالفرشاة الصغيرة ليكتب:

 إلي ابنتي الكامنة في أيسري من ابيك حسن وامك خديجة 


نهضت خديجة من مكانها قائلة: 

يعطيك ربي طول العمر حتى تكبرها على يديك وتفرح بها 


ثم توجهت الي المطبخ لتحضر له عشائه وتركته وحيدا مع مقتنيات جنته فالتقطها بيديه وقبلها قائلا: 

كوني سعيدة يا جنة ابيكي فهذا يكفيني 


تناولا عشائهما ثم توجه للمسجد ليلحق بصلاة العشاء ويأم الناس 

وبعد الصلاة اتجه مع جاره الي احدي القهاوي والتي يحب الجلوس بها رفقة جيرانه واصدقائه 


كانت ليلة صيفية ممتازة ، الهواء العليل والنجوم والأضواء العالية وحركة الناس في الطرقات ، شيئ ما دفعه للتوجه الي القهوة ، لعله الفضول او شغفي في خوض مغامرة جديدة يكتشف فيها الإنسان عن قرب ، ذهب إلى تلك القهوة القريبة وتوقف عند صديقه الشاي الذي يعمل بالقهوة ألقي التحية المعتادة عليه وأخذ كأسا كبيرا من القهوة ولحق به جاره وجلسا معا يتسامران ليسأله جاره عن الصغيرة:

أخبرني يا شيخ حسن، ماذا فعلت بأمر الصغيرة التي وجدناها في تلك الليلة؟


ابتسم الشيخ حسن وقال:

 يا رجل، لقد مرت أشهر! ظننت أنك نسيت أمرها.


هزّ علي رأسه قائلًا: 

 لا والله، لم أنسَها، لكنها مشاغل الحياة كما تعرف. هيا، أخبرني ماذا حدث لها؟


ابتسم الشيخ حسن ابتسامةً شابها الألم، ثم أردف: حاولنا أنا وزوجتي كفالتها، لكننا لم نتحمل أكثر من شهرين؛ فالصحة لا تساعد، والعمر لا يسمح، واضطررنا في النهاية إلى وضعها في الملجأ. ومنذ ذلك الحين، أذهب كل يوم لزيارتها.


قال علي مطمئنًا: 

 خيرًا فعلت، فالعيش في الملجأ خير لها من البقاء في هذه الحارة. والله إن حفيدي الصغير لم تعد صحته على ما يرام بسبب الجو والرطوبة هنا، والعيش في العشوائيات صعب جدًا.


أومأ الشيخ حسن وقال: 

 وأنا أدرك ذلك، ولهذا أرسلتها. والحمد لله، مديرة الدار متفهمة لوضعنا، وتسمح لي بزيارتها في أي وقت. لكن، لأكون صادقًا معك... ليس الفقر هو السبب الحقيقي الذي دفعني إلى وضعها في الملجأ.


نظر إليه علي بدهشة، ثم سأله: 

 وما السبب إذًا؟


نظر الشيخ حسن أمامه لحظات، ثم قال بهدوء غامض: 

 ستعلم لاحقًا.


وفي تلك الأثناء، اقترب منهما شاب في مقتبل العمر، وجلس إلى طاولة قريبة منهما. لاحظ الشيخ حسن شرود ملامحه، فسأله الشيخ حسن:

ما بك يا بني؟ تبدو مهمومًا.


الشاب:

وعليكم السلام يا شيخنا... كلما شكوت همي لأحد، انتقدني بدل أن يواسيني.


الشيخ حسن:

 إذًا شاركنا همك، ولتضع حملك أولًا عند الله.


تنهد الشاب وقال بحسرة:

 رزقني الله بطفلة، وكنت أريد ولدًا... هل في ذلك عيب؟


ابتسم الشيخ حسن وقال:

 ليس في رغبتك عيب، لكن لماذا ترى الولد سندًا، والبنت عبئًا؟


الشاب: الحياة هنا صعبة، وأريد ولدًا يحمل همي حين أكبر.


تأمله الشيخ قليلًا، ثم قال:

 ذكرتني برجل كان له تسعة أبناء من الذكور، فلما رُزق في المرة العاشرة ببنت، استقبل الخبر كأنه مصيبة، وقال: يا ليلي الأسود!


ثم تابع:

 جحدها، وأشاح عنها، وكأنها اختارت أن تكون فتاة. مرت السنوات، وكبر الأب وضعفت صحته حتى فقد بصره، وانشغل أبناؤه عنه، حتى نسيه بعضهم تمامًا.


صمت لحظة، ثم أردف:

 أما ابنته، فلما بلغها حال أبيها، عادت إليه مسرعة. كانت تنظف خيمته، وتعد له الطعام، وتغسل جسده، وتناولُه دواءه. شعر الرجل براحة لم يعرفها منذ زمن، لكنه لم يعرف من تكون. وحين أمسكت يده لتسقيه دواءه، سألها: 

من أنتِ يا ابنة الكرام؟


فاغرورقت عيناها بالدموع وقالت:

 أنا ليلك الأسود يا أبي.


عرفها، وانفجر باكيًا، وقال نادمًا:

 سامحيني يا بنيتي... ليت الليالي كلها كانت سوداء!


ثم أنشد:

 ليت الليالي كلها سود

دام الهنا بسود الليالي


لو الزمان بعمري يعود

لأحبها أول وتالي


تسعة رجالٍ كلهم جحود

تباعدوا عن سؤالي


ما غير ريح المسك والعود

ابنتي بكل يومٍ قبالي


ظل الشاب صامتًا، وقد تغيرت ملامحه تمامًا، ثم تمتم:

 دام الهنا بسود الليالي!


نظر إليه الشيخ حسن طويلًا، ثم قال بهدوء:

لا تجعل أمنية في قلبك تُنسيك نعمةً بين يديك. فربما تكون ابنتك هي السند الذي تبحث عنه في ولد لم يُكتب لك بعد.


 البنات كالنجوم ينزلن بالبيوت يزينّها كما تزين النجوم السماء فوالله إنهن للحياة الحياة إذا تلاطمت المشاكل والهموم ولا تنسي أن نبينا وحبيبنا محمد أوصانا: قال ﷺ " لا تَكْرَهُوا الْبَنَاتِ فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَاليات

يا بني ان الأنبياء وهم خير خلق الله كانوا آباء بنات وكما قال إمامنا احمد بن حنبل عندما بلغه أنّ أحد أصحابه رُزِق ببنت: أخبروه أن الأنبياءَ آباءُ بنات ولا يزالُ الرَّجل عقيمًا من الذّرارِي؛حتىٰ يُوهب البنَات، وإنْ كانَ لهُ مِئة منَ الأبنَاءِ إنَّ البناتَ ذخائرٌ من رحْمةٍ وكنوزُ حبٍّ صادقٍ و وَفاء 

 

انتهي حديثهم وانتهت ليلتهم فاتجه الشاب لبيته ليأخذ ابنته بين احضانه نادما علي كل ما بدر منه بحقها 

وذهب الشيخ حسن لبيته لينام وهو يبتسم يتذكر تفاصيل اليوم مع جنته 


وفي الصباح تجهز هو وزوجته ليذهبا لجنة كما وعدها منذ ايام أن يأخذها إليها نهاية الأسبوع

ذهبا للملجأ وقد كانت جنة متجهزة مع الممرضة وفي انتظارهم فوجودهم ووجود الشيخ حسن خصيصا أصبح جزءا من هذا الملجأ، جميع الأطفال يحبونهم فهم يعطفون عليهم ويحضرون لهم الهدايا كل حين، كما أن الأطفال بقلوبهم النقية يميلون كل الميل لكل قلب عفيف لطيف برئ نقي 


اسرعت خديجة وحملت جنة بين يديها واخذت تضمها وتغرقها بالقبلات والصغيرة تضحك بصوت عالي سعيدة بوجود امها خديجة تضحك تلك الضحكة التي تساوي الدنيا بما فيها، تسعد القلب وتبهج الروح، استمرت هكذا وهي تلاعب يدها وارجلها وخديجة تضمها بقوة وتحاوطها بيدها ثم اجلستها بحضنها 

وذهب الشيخ ليوزع الهدايا التي احضرها لبقية الأطفال ليركضو نحوه فرحين مناديين اسمه: عمو حسن لقد جاء عمو حسن 


دمعت عين خديجة من منظر الأطفال حولهم وفرحتهم به فابتسمت قائلة بخفوت:

 صدق أبيكي عندما اخبرني أن العوض يأتي فجأة حين يصل اليأس ذروته، وهل بعد هذا المشهد من عوض ؟ وهل من بعده سعادة؟ 


انضم إليهم الشيخ حسن بعد قليل وجلس جوارهم ثم دنى قليلا مقبلا رأس الصغيرة كعادته ثم انتقل الى يديها القطنيتين الصغيرتين فابتسمت باشراق يبعث الربيع من وسط الشتاء فرفرف قلبه حبا لتضيف على تلك الابتسامة ضحكتها الطفولية فقبل كفها القطني مجددا ومجددا لا يمله وسرح في برائتها وظل يتأملها طويلا وهي تلعب وتعبت في الألعاب وتتحدث بلغتها الغير مفهومة وفجأة عم الصمت وهدأ محيطهم دون سبب فقط هكذا صمت مريح ولم يخطفهم سوي كلمة هزت كيانهم، كلمة حلت فجأة فأشبعت ظمأ أبوتهم وحلم السنين لقد قالت: ب ا ب ا، با بابا


نعم لقد أصبح عمرها ثماني أشهر تقريبا وأصبحت في الوقت المناسب للنطق وقد كانت اول كلمة نطقتها هي بابا 


الشيخ بفرحة:

 ماذا ؟، ماذا قلتي؟ هل سمعتيها يا خديجة؟ 

لقد قالت بابا… آه والله لقد قالتها، حبا بالله اعيديها، كرريها يا جنة ابيكي 


وسال دمعه وهو يتوسلها أن تعيدها فرأفت به طفلته واعادتها من جديد: بابا 


فحملها الشيخ ودار بها بالمكان سعيدا فرحا مجبور الخاطر وزوجته تراقب سعادته التي لم ترها لهذا الحد من قبل طوال السنوات الماضية.


ظل يرفع طائر السنونو خاصته للاعلي فرحا بها واصوات ضحكاتها تبهج القلوب وتفرح الأنفس وتدمع الأعين، ظل هكذا دقائق ثم احتضنها بقوة وضمها اليه قائلا لخديجة: 

انها ملاك مُنزل من السماء لجبر خاطرنا، بضحكتها الدافئة رغم برودة الأيام، جاءت كالنور لظُلمتنا، لقد أصبحت سعادتنا الدائمة وكل سعادة أخرى غيرها مؤقتة.


ردت عليه وهي تبكي فرحة لفرحته:

 والله إنها لحياة أخرى لحياتنا.

وظل الشيخ يضم الصغيرة ويتردد بأذنيه آية كريمة "يُؤتِكُم خيرًا مما أُخذَ منكُم"

فظل يبتسم ويضحك دون وعي فلقد جاء العوض من ربه بطريقة لم يتخيلها أبدا وظل يقبلها بقوة وهو يردد:الحمد لله الحمد لله، اللهم لك الحمد والشكر 


لطالما جاء عوَض الله كريمًا مُضاعفًا يُنسينا كل مرارة تذوّقنها، في أكثر الأوقات يأسا وأحلكها ظلاما يأتي عوض الله وجبره كمكافأة على تسليمنا وصبرنا، ربما تناسى الشيخ حسن امنيتها ولكن في هذه اللحظة أدرك أن ربه لم ولن ينسى أمنية عبده التي استقرّت في فؤاده وقلبت كيانه في يوم من الأيام، ربما يؤجّلها قليلاً لتنمو بصورة أجمَل وأكمَل، حتى إذا أقبلت عليه أقبلت مُبهرة، تغمره بالهناء والرِضا والسرور كما أقبلت عليه جنة.. 


الي هنا انتهي الفصل آمل أن ينال إعجابكم🌹



رواية ملجأ جنة الفصل الثاني
اوتار الحياة

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  • غير معرف13 أغسطس 2026 في 7:51 م

    يا ربى عليكى
    حلقه تمس القلب فعلا

    حذف التعليق
    • Norhan14 أغسطس 2026 في 2:29 م

      اسلوبك دافي بشكل!

      حذف التعليق
      • Norhan14 أغسطس 2026 في 2:33 م

        الرواية دي فيها شئ غريب بس جذاب فيها حنان ودفء ومشاعر افتقدناها

        حذف التعليق
        google-playkhamsatmostaqltradent