خيط من حرير الفصل العشرون بقلم د. سميحه رجب
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: " إن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت، مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة، قال تعالى: {وكان الشيطان للإنسان خذولا} (الفرقان:29)"
خذلان لا يتحمله بشر ولكن الكثيرين لا يحسبون حسابه، يوقعهم الشيطان من فخ الى فخ ولا ينتبهون يستمرون في غفلتهم وضياعهم حتى يستحوذ عليهم، فتموت الضمائر وتطبع القلوب وتسير الانفس حسب هوى الشيطان، حتى يحين يوم كهذا على حين غفلة وتتحقق الحقيقة الكبرى والمصير المحتوم…
وفى هذا اليوم الغائم الممطر، يعلو الحزن والألم في ركن صغير بقلوب أبنائها بينما تسيطر الشماتة على قلوب سكان القرية أجمعهم، يقف خالد وسط إخوته بشكل متفرق، بدون مشاعر ولا تعاطف، أمام قبر جديد يتربع في وسط مقابر العائلة، يحملون على أكتافهم ثقل البرد وتأبى عين خالد ان تلقي نظرةً أخيرة على الراحلة، بينما ظلت أعين أبنائها متعلقة بباب مقبرتها الذى أغلق عليها قبل ثوان، والسؤال الذى يجول بخاطر ابنتها:
ما هو مصيرك ياأمى؟ هل ستتحملين تبعات أفعالك في الدنيا؟ هل تساوى الدنيا شئ امام لحظات الحساب والوقوف امام الله مطأطأة الرأس خائبة تحملين أعمالك على كتفيك؟
ليتسائل خالد محدثًا نفسه:
كيف سعيت لنشر الشر والكراهية ولم يرف لك جفن؟
صحيح لست بشخص صالح ولكننى أحاول خائفا من عقاب ربى؟ كيف قضيت حياتك تسيئين إلى الآخرين، فعمدتِ إلى نشر الشائعات والأكاذيب وتفتيت البيوت والعائلات، لم يأتِ لجنازتك أحد من القرية لأن الكثير منهم أصبحوا ضحايا للتصرفات الشريرة التي قمت بها على مر السنين.
يقف عامر بالقرب منهم ينظر بلا تعبير للتراب المعلق عن أصابعه المتدلية، الشخص الوحيد الحزين عليها، الذي ورث منها صفات الشر والقسوة، وعاش في ظل طغيانها، لم يتمكن من الهرب من حكم والدته القاسي، وأصبحت حياته مظلمة بسبب تأثيرها العتيق على روحه، شعوره أشبه بشعور شايبٍ توحش في عزاء آخر صديق له، فلقد كانت مرشدته وصديقته والشخص الوحيد الذى يحبه ويدافع عنه بصدق، رغم شرها ولكنه الوحيد الذى نال جانبًا من حبها ومشاعرها الصادقة… هو فقط.
عبوس الوجوه والصمت الذي يخيم يعكسون حالة عدم الاكتراث التي تملؤها القلوب، يشعرون بالتأرجج الداخلي، مزيج من الألم والغضب والصدمة، في حين يجتاح الأسف قلب ابنتها التى همست بصوت خفيض ولكنه مسموع:
نتمنى لو كنا قد عرفنا الحب والرحمة في حياتنا، على الاقل لكنا بكينا ورأفنا بحالتك، ولكن سوء خاتمتك طبع على القلوب زيادة، نصحتك كثيرا ولكنك لم تكترثي، سأدعو ربى ان يغفر لك وليس بيدى شئ أفعله أكثر من ذلك.
ثم نظرت لأخيها خالد ليتطلعا في عيون بعضهما البعض، مشتاقين لدفء وعائلة حقيقية، قد يكون الأمل متلاشياً للراحلة ولكنه يبقى موجوداً في قلبيهما ويريدون تغيير مسار حياتهما المظلمة إلى طريق جديد، طريق الخير والمحبة، بعدما استنفذت سنينهم الماضية تحت ظل طغيان صفية، فاقترب منها ليضم يدها قائلا:
هيا لنذهب..
ثم التفت نحو عامر مردفا:
هل ستأتى معنا؟
ليتنهد بضيق قبل أن يلتفت نحوه هاتفًا بغل:
واضح على ملامحك الرضا، هل أنت سعيد لأننا اصبحنا بلا أم مثلك؟
دون أن يلتفت ليواجهه تحدث بنبرة متراخية بعض الشئ:
لن اعاتبك على شئ الآن، ولكن فلتعلم اننى اول شخص شرب من أذاها واخر شخص سعت لهلاكه، امك ماتت وبيدها صندوق مليئ بالتعويذات والطلاسم التى تحيط اسمى وصورتى، لو انها لم تمت لكنت في نوبة الهلاك غارقًا وهى على الشاطئ سعيدة بإنجازها، لن اكذب عليك فكل سعيى طوال السنوات الماضية كان لأجل القضاء عليها في اللحظة المناسبة وتلك اللحظة أخرتها بإرادتى لأجلك ولأجل عالية، ولكن سبحان الحى القيوم الذى لا يغفل ففى اللحظة المحتومة بأمره أنهى كل شئ، لتنل هى ما تستحقه، لو كان امرها بيدى ونالت عقابها الدنيوى منى فلربما خفف ذلك من حسابها ولكن لم يشأ الله أن يحدث، فاجلس وادعو لها بالمغفرة والرحمة افضل من معاتبتى وتحميلى ذنبها.
بدأ المطر تشتد غذارته فتحرك ليضم أخته هامسًا لها:
لا تقلقي سأعود له بعد أن يهدأ..
وأخذها تحت جناحه وتوجها نحو البيت…
في هذا النهار المظلم البارد، بين أزقة المدينة وتحديدا في ذلك الحى الذى يعيشون فيه، تركض نورسين هاربة، تحاول الخروج من الحى بكل سرية، تهب الرياح القوية وتمطر السماء، وتعكس حالة الفوضى والخوف التي تخيم على القرية، الجميع على دراية بفضائحها وهروبها مع كرم… ذلك الشخص الذى باعت شرفها له بالرخيص، وغير ذلك فلقد استغلها لتقوم بأفعال فاحشة وقذرة علنًا على احدى شبكات التواصل الاجتماعي فى الاونة الاخيرة، مما قد استفز شرور الناس في تلك البلدة الصعيدية التى تقدس الشرف والعرض ولا يتقبلوا أى فعل مخل ولا بوجود صاحب هذا الفعل.
تتجوّل هاربة وحيدة في الظلام، تحاول أن تجد مأوى وملاذًا، تنسكب الأمطار على رأسها المبلول وتُغرس شوكة الانكسار في قلبها، تلهث تحت الأمطار الغزيرة، حيث يذهب الصوت الصاخب للمطر ويدمج مع صراخ الناس المتجمعين في كل مكان تصل إليه.
مع مرور الوقت، يتجمع أهل القرية من حولها، بوجوههم المشدودة وقلوبهم الممزقة بين الشجن والغضب، هؤلاء الناس المتسخون بالطين يطاردونها من مكان لآخر، يركضون خلفها وجثثهم تتأرجح بشكل متناسق مع قرع قدميهم في الوحل.
تمكث في أحد المباني المهجورة على احدى جوانب الطريق، حيث تلجأ إليها في محاولة يائسة للبقاء في ظلمته بعيدًا عن أنظارهم ولكن دون فائدة فلقد وجدت نفسها محاصرة ومحاطة بالضجة الصاخبة للجموع، يندلعون بغضب وعداء، يخترق صراخ الرجال اصوت الرعد ويلوحون بالعصي والحجارة في غضبهم ويهمشون آخر فرصتها للمغادرة.
تستسلم لهؤلاء الناس الجائعين للانتقام، يعترضون طريقها ويركضون شرسين نحوها فتنهار على ركبتيها وترفع يديها على وجهها المغطى بالدموع، وتصرخ بكل قوتها:
الرحمة، ارحموني!
حينها، تجتاح أبسط المشاعر الإنسانية قلوب الناس، ويشعر بعضهم بالشفقة والتأثر، في حين أن آخرين يظلون مشتعلين بغضبهم وبغطرستهم، ومع ذلك، تبقى بلا مأوى، تتراجع وسط دموعها الحارقة وخيبة أملها العميقة، حيث لا مكان للاستسلام، حيث اندلع صوت أحد الرجال:
لا مكان لك هنا اما الخروج من البلدة دون رجعة واما الموت.
لتنطق من بين شهقاتها:
اين سأذهب؟ لم يعد لى مكان أذهب اليه، انتم أهلى وأناسي وانا أخطأت ولكن عدت نادمة اطلب الغفران.
لينطلق صوت من بعيد باستهزاء:
عدت نادمة ام أن النذل الذى أغواكِ تخلى هنك..
فى هذه اللحظات كانت زهرة تطالع هاتفها لا تصدق ما يحدث، فلقد بدأ أحد شباب البلدة يصورون ما يحدث في بث مباشر، انتفضت مذعورة لتأخذ الأطفال إلى غرفتهم قائلة:
لا يوجد ذهاب للمدرسة اليوم هيا فلتبدلا ملابسكما فربما سنذهب لزيارة الخالة ياسمين وجدتكم فردوس.
ابتهج الصغار وانفرجت اساريرهم وبدأ كلا منهما يستعد ويجهزون أغراضهم واغراض أخيهم الأصغر..
بينما تأهبت زهرة لتقابل خالد حال وصوله مع عالية، وقبل ان تنطق بشئ استوقفها حزنها وصمتها، فضمتها بقوة مواسية إياها:
البقاء لله وحده، فليجعلها ربى آخر احزانك ويصبرك على فراقها.
اومأت عالية برأسها مستسلمة ثم تحركت نحو غرفتها بخطوات ضعيفة متثاقلة، وبعد أن تأكدت زهرة من دخولها لغرفتها رفعت الهاتف بوجه زوجها قائلة بحدة:
أريد تفسيرًا لهذه المهزلة.
ابعد الهاتف عن وجهه قائلا:
ليست لدى طاقة للاهتمام بأمرها.
وتحرك ليجلس على الاريكة ساندًا رأسه بإرهاق، فأسرعت نحوه قائلة بنبرة جادة:
ويكأننى لا أعلم أنك وراء ما يحدث لها، كيف طاوعت غضبك وسعيت لأن تعاقب ام أبنائك بهذه الطريقة، ألا تخشي عليهم لو علموا ما فعلته بأمهم؟
ناظرها بضيق مردفًا:
انا والدهم وانت أمهم هذا الأمر محتوم.
لترد بحزم:
ولأجل أنهم أبنائى فلقد أخبرتك من قبل أننى لن اسمح لك بأذيتهم أبدا، ثلاثتهم أمانة عندى ولست انت من وكلتنى بهذه الأمانة بل ربى سبحانه وتعالى من وهبنى اياهم، لن اسمح لك بتعقيدهم وتدمير صحتهم النفسية، ابنك الاكبر أصبح واعيا لكل الامور، لماذا تريد أن تجعله نسخة صريحة منك؟
ألم تسعى لانقاذ نفستك من غياهب الأمراض النفسية وعقد الماضى؟ فلماذا تريد أن تجبره على تحملها؟
ان لم تنهى هذا الهراء الآن وترحم ضعف تلك المرأة فلن أؤمنك على نفسي ولا أبنائى دقيقة واحدة، وسآخذهم من هذا البيت فى الحال، هذا البيت وهذه الظروف التى لا نرغب بها ستدمرهم ولست مستعدة لهذا الشئ، لقد دخلت حياتك لأصلحها لا لأقف واشاهد دماركم من بعيد، من هذا اليوم سيعيشون حياة مستقرة هادئة كبقية الاطفال ويستقرون بمدرسة واحدة لا تتغير كل فترة، مستقبل ابنائى مهدد وانا امهم كما تقول ودورى ان اؤمن مستقبلهم…
صمت برهة ليزفر بحنق دون رد يهديها لشئ يطمئنها فأسرعت تنادي على الأطفال وأخذت تجمع أغراضها، وفى وقت وجيز كانت بمحطة القطار حاملة نوح بين يديها وبالمقعد المجاور يجلس احمد وملك سعيدين بمغادرة هذا البيت الذى لم يطمئنوا به ولا دقيقة،
أما زهرة واه والف اه عليها، كتب عليها أن تسلك طرق جديدة كل حين دون استقرار، لا تعلم موضع القرار الصحيح الذى يجب عليها التمسك به..
في هذه اللحظة المحيرة، تظهر شخصية لشخص غريب ذو لحية طويلة وثياب متواضعة، يتقدم بثبات نحو نورسين، رغم خطواته الثابتة ولكن لا تعكس عيونه شعور محدد لا الرحمة ولا الحنان ولا الغضب حتى، عيون من فراغها تخيف وتبث الرعب في الاوصال، يهمس بصوت هادئ يخترق جدياً أذن الجميع:
الرحمة تأتي من الله، ونحن كإنسانين مسلمين لدينا القدرة على التغيير ربما قد يصعب العفو فالعفو عند المقدرة من شيم الاسوياء وتحتاج جهاد نفسي ربما لا يملكه غالبيتنا ولكن على الأقل فلدينا القدرة على التغيير.
ثم تقدم برفق ومد يده لمساعدتها على النهوض، يتأملها بعيني الشفقة، ويقول للناس بقوة وثبات:
رأينا أعمالها وكشف لها سترها، وهدمت بيدها بيتها وأبنائها ولكن جميعنا لسنا كبار على المعصية، لا أدافع عنها ولكن فلنتركها وشأنها ان تابت فالله عفو كريم وان كابرت واستمرت فى طريق المعاصي فرب العالمين سيكون لها رادع.
يفاجئ هذا الشخص الجميع، وأخذ الكثيرون يخفتون وينظرون بشِكْ إلى بعضهم البعض يحاولون معرفة من هذا الشخص الغريب، يتبع هذا الهمس صمت ملأ الأرجاء ومن ثم يرفض البعض العفو عنها.
في تلك اللحظة، ينضم العديد من الشباب والشابات إلى الرجل ذا اللحية، يقفون معه في وجه الغضب والعنف، يسايرهم الأمل والقوة، ويعاتبون الناس الغاضبين بكلمات المحبة والتسامح، لتدب الشجاعة في أعماق الناس، واحدًا تلو الآخر يلتحقون بصوت المدافعين عنها، لينفجر صوت التضامن في الهواء، واضحًا وصافيًا مثل حال السماء بعد عاصفة مريرة.
لتعتلى نظرة الأمل وجه نورسين ورفعت يدها ببطء لتلتقط يد الرجل ذو اللحية ليقول:
قدر الله وكتب لك فرصة للبداية من جديد فأحسنى استغلالها، وصححى الاخطاء وامحى الأذى وتضرعي لربك بالتوبة والاستغفار.
تحركت لتسرع بالرحيل متخفية عن أنظار الناس، تتنفس الصعداء فلقد كتب لها عمر جديد، لا تعرف إلى أين ستذهب ولكن عليها أن ترحل وتهجر هذه البلدة وهؤلاء الناس للأبد، لتقرر البحث عن مكان جديد وسط أناس جدد لا يعرفونها، يجب أن تطوى صفحات الماضي بمن فيها خالد وكرم وأبنائها..
اجل لم تفكر سوى بنفسها وتريد بداية جديدة لنفسها وحسب…
اما الرجل ذو اللحية فلقد تسلل من وسط الناس وولى هربًا قبل أن ينتبه إليه حد، أسرع ليختفي من وسطهم خلف أحد الأشجار متجردا من عبائته ونظارته ولحيته، لينفض عنه تلك الشخصية ويلتقط هاتفه ليخاطب خالد قائلا:
تم الأمر وتركوها لتذهب، والواضح انها ستخرج من الأقصر للأبد، انتهت حكايتها معك يا أخى فلتنظر لحياتك وتنساها.
ليصله رد خالد:
لا أعرف كيف سأشكرك يا يحيى، معك حق يجب أن تنطوى صفحتها للأبد.
تنهد يحيى واردف بتوجس:
ويجب أن نترك تجارة الآثار، لقد ماتت صفية وانتهت نورسين فلماذا نكمل في هذا الطريق؟
زفر الآخر بحنق مجيبًا:
ان ضعفنا فكرم سيقضي علينا بدم بارد، ننهى أمره وبعدها أقرر ولكن لا عليك ان اردت ترك العمل وتعود للعيش مع امك بسلام فلا تتردد.
ليقاطعه:
يستحيل أن ادعك وحدك واتخلى عنك، ننهى امر كرم ونعيد لزوجتك صغيرها ولحينها فأنا معك.
اومأ خالد برأسه موافقا ثم قال:
حسنا سأذهب للجيزة لأتابع العمل هناك ولحين موافقة عالية للعيش معنا هناك فهى بأمانتك.
ليغلق ويكمل تجهيز أغراضه ليلحق بزوجته وأبنائه بعد أن فكر بحديثها وادرك أن معها حق بخوفها على الأطفال ومستقبلهم الذى لن يستقر إلا إذا نشأووا بنفسية سوية.
مضت ساعات هذا النهار البارد الذى انقلبت فيه الاحوال، ومع اولى ساعات الليل وصلت زهرة الى المحطة مع صغارها، حيث استقبلتهم ياسمين بأحضانها للصغيرين اللذين اسرعا بالركض نحوها، لتقبل كلا منهما على حدى قائلة بنغمة اشتياق:
اشتقت لكما كثيرا، ان قرر والدكما ان يبعدكم عنى مرة اخرى سأقاضيه.
ليصلها صوت شقيقتها:
لن نغادر مرة أخرى، والقرار بخصوصهم هذه المرة نهائى.
وقفت لتضمها بلهفة واشتياق بالغ فلقد شعرت انها ليست بخير، لتهتف زهرة بخفوت:
اشتقت كثيرا.
لترد الاخرى:
اشتقت واحتجت لوجودك اكثر.
لتبتعد زهرة لتناظرها بقلق:
هل حدث شئ بغيابى؟
هزت ياسمين رأسها بالنفى لتقول الاخرى:
الجو بارد اليوم لنذهب قبل أن يصابوا بالزكام وسنتحدث في البيت..
التقطت الصغير من اختها لتعانقه وتنهال عليه بالقبلات، وحملت زهرة اغراضهم لسيارة الاجرة التى استقلتها ياسمين الى المحطة…
وصلوا جميعا إلى البيت بعد فترة قصيرة، حيث كانت تنتظرهم فردوس بشغف، تتحرك بكرسيها المتحرك حاملة باقة من الزهور لتضعها على طاولة صغيرة قرب الباب، يشع وجهها بالابتسامة والانتظار المشوق.
لتصل السيارة التي تقل ابنتها وأحفادها إلى المنزل، فخرج الأطفال أولًا، يركضون على السلم متجهين حيث توجد جدتهم بسعادة غامرة، يضحكون ويركضون نحو حضنها فتستقبلهم بذراعيها المفتوحتين، تعانقهم بحب كبير وتغمرهم بالقبلات، ثم تلحقهم ابنتها هي أيضًا مشعَّة بالسعادة لأجل لقاء أمِّها، تسارع نحو أمها وتغمرها بدموع الفرح للقياها، في حضن دافئ يشع بالحب واللهفة والاشتياق.
استقبلتهم فردوس بابتسامة كبيرة وعيون دامعة، وظلت تحتضنها بقوة وتقول بصوت مليء بالشجن: أشتقت إليكِ يا حبيبتي، أهلاً وسهلاً بكِ…
لتجلس الجدة مع أحفادها فى غرفة المعيشة، تروى عليهم قصص السفر والمغامرات وقصص جدهم عثمان العراقي، بينما اختلت الشقيقتين ببعضهما فى رحلة فضفضة يتشاركان كل مآسي الفترة التى قضوها بعيدا عن بعضهما.
شعرت زهرة بالحسرة على شقيقتها التى كسر قلبها من جديد فضمتها بقوة مواسية إياها:
لا عليك اتركى الأمور لرب العالمين وسيبهرك بعوضه عن كل ما عانيتيه، و…
وقبل أن تكمل رن هاتف ياسمين لتجده مراد، ترددت في البداية ورفضت أن تجيب ولكن زهرة شجعتها قائلة:
من حقه عليك أن تردى على اتصاله وان أصر أخبريه بالحقيقة اما أن يتقبل واما أن يرفض وكلا منكما يذهب بطريقه.
وبمجرد أن ردت عليه تحدث مباشرة:
مرحبا يا ياسمين، دون لف ودوران لقد علمت بالحقيقة، وبزواجك من أدهم ولكن لا أنكر انى اضطربت قليلا حين علمت ورغم ذلك فرغبتى فيكِ لم تتأثر، لقد ازددت تعلقا بك وبشخصيتك القوية التى استطاعت تخطى الماضي والمعافرة والنهوض من جديد، لا يهمنى ماذا حدث في الماضي ولا اى شئ حدث قبل أن التقيكِ بيوم واحد.
وقبل أن يترك لها المجال للرد أنهى المكالمة ليعقبها اتصال خالد بزهرة، فنظرت لأختها قائلة:
هل اتفقا معًا؟
لتنظر لها الاخرى ببلاهة لترد زهرة لتسمعه يقول برسمية:
مرحبا يا دكتورة زهرة، أردت أن اعلمك كونى ولى امر أختى ياسمين فلقد تقدم لخطبتها شاب محترم وانا سألت عنه وتأكدت انه كما يقول النبى عليه الصلاة والسلام: من نرتضي دينه وخلقه… لذا ففرمان عاجل تجهزوا لأنه سيأتى غدا مساءا لطلبها بشكل رسمى بصحبة الورد والشوكولاته، واخبرى أمى فردوس ومهدى لها الأمور..
وعلى غرار صديقه أغلق دون أن يترك لها المجال لتنطق ببنت كلمة، فنظرت للهاتف ثم لشقيقتها ببلاهة قبل أن تقول ياسمين:
ما هذا الآن؟
ابتهجت زهرة مجيبة:
هذا يعنى ان رب العالمين قدر أن يجبر كسرك ويفرج همك ويرزقك بالعوض الذى سيمحو الماضي ويدفنه، وسيأتي خالد ومراد وليلى غدا لخطبتك يا صاحبة الشعر المشعث يلزمك خمس ساعات حتى يسرح ويلزمنا خمس ساعات أخرى لنجد لك فستانا يليق بذوقك الصعب طبعا فكل لباسك سراويل وقمصان طويلة.
صرخت ياسمين في وجهها قائلة:
ماذا؟
فى مساء الليلة التالية في مطبخهم الصغير تقف ياسمين وزهرة تستعدان لقدوم مراد وخالد وليلى حسب الموعد لطلب ياسمين، ارتدت فستانا بسيطا باللون الأبيض بلون اسمها وسلامه وسرحت شعرها تسريحة بسيطة، رغم أنها تريده حلالها لكن في داخلها خوف لا تفسير له هذا طبيعي فمن اعتاد الحزن ظن الفرح فخا، تنهدت بضيق فنظرت إليها زهرة مستغربة ثم اقتربت منها وربتت على كتفها قائلة:
اهدئي، سيكون كل شيء كما ترغبين.
نظرت إليها بحزن قائلة:
لست مرتاحة زهرة كيف له أن بتجاوز ماضي بهذه السهولة؟
ردت الأخرى تطمئنها:
جل من لا يخطئ ياسمين ثم أنت اعترفت بخطئك وتبت عنه لذا دعيها تسير واستمعي واستمتعي بخرير المياة وهي تنفذ من بين الصخ الصلد.
قاطع حديثهما الصغيرة ملك التي تشبثت في ياسمين قائلة بمرح:
انظري خالتي فستاني أيضا أبيض.
ابتسمت وحملتها ثم قبلتها قائلة:
لكن هناك فرق بين فستاني وفستانك، خاصتك أجمل وأنت أجمل.
قبل أن تضيف زهرة شيء رن جرس الباب فأنزلت ياسمين ملك وتحركت من مكانها لكن زهرة استوقفتها قائلة:
انت ابقي هنا أنا سأستقبلهم.
تحركت وفتحت الباب ورحبت بهم ثم أخذت عنهم الورد وعلبة الشوكولاطة وأشارت لهم بالتوجه للصالون أين تجلس فردوس تنتظرهم.
توقف خالد مكانه ولم يمض ثم اقترب من أذنها هامسا:
اشتقت إلك وإلى الأطفال، يكفي جفاء وعودوا.
نظرت إليه بأسى وقالت:
حتى تعود لوعيك خالد مهران، تعبنا.
ابتسم ورد بهمس:
نورسين بخير وتركت البلد وهي بمكان آمن ثم تحرك خلف مراد وليلى لكن أطفاله استوقفوه وركضوا نحوه فرحين بقدومه، بينما ياسمين لا تزال بالمطبخ وعيونها على بهو البيت.
سلم كل من ليلى ومراد على فردوس ليقترب خالد مقبلا يدها ثم قال:
كيف حالك أمي؟
ابتسمت وردت:
الحمد لله لكن سأكون أفضل حين تجتمع مع عائلتك.
ابتسم وجلس بجانب مراد ثم جلست زهرة فعم الصمت للحظات الكل ينظر للآخر، اقترب خالد من مراد وقال هامسا:
تحدث بشيء.
رد الآخر هامسا:
ماذا سأقول؟ هذه أول مرة أخطب فيها تحدث أنت.
رد الآخر هامسا:
هل أنا العريس أم أنت؟
نظرت ليلى لزهرة وابتسمت مشيرة للشباب ثم ابتسمت وقالت:
أين ياسمين؟
ردت زهرة قائلة:
في المطبخ ستأتي في هذه اللحظات.
أخذ خالد نفسا عميقا وخاطب نفسه قائلا:
ماهذا؟ تهريب الآثار كان أسهل من هذا، حسنا أمي فردوس تعرفين لم أتينا بالطبع أخبرتك زهرة.
أماءت بالإيجاب قائلة:
أعرف بني وأعجبني موقف صديقك أتى من باب البيت ولم يستغل الفتاة لمجرد أنه مديرها كشباب هذه الأيام.
تحدث حينها مراد وقال:
حاشا لله يا خالتي، ما كنت لأستغلها لأنها تعمل معي لا عندي فأنا أعتبر موظفي زملاء ولا بسبب ذلك الماضي.
هنا سكت الجميع فجأة وتوقفت ياسمين التي أتت بصينية القهوة عند الباب وارتجف قلبها وعرفت أن زوادة ماضيها البشع لن تتركها تهنئ بحاضر مفرح، نطقت فردوس مستفهمة:
أي ماض بني؟
نظر مراد لخالد والآخر لزهرة مستنجدا بها فتحدثت زهرة قائلة:
مراد التقى مع ياسمين حين كانت تعمل في أهرامات الجيزة مصورة وطبعا التعامل مع السياح صعب وكثير من الناس يرونها مهنة غي لائقة بامرأة فكانوا يزعجونها.
ابتسم مراد وتنفس براحة ثم واصل الحديث قائلا:
أولئك الناس معقدي الفكر فأنا لم أنظر لها يوما إلا بعين احترام.
أخذت ياسمين نفسا عميقا ودلفت أخيرا إلى الصالون تحمل صينية القهوة، رفع رأسه نحوها فتاح في اتساع تلك العيون وذاك الجمال، رغم أنه قرر أن لا ينظر إليها حتى لا يحرجها لكن قلبه قاده وما استطاع، ابتسم خالد ثم ضربه برفق كي يعوده لوعيه فطأطأ الآخر رأسه وابتسم متمتما:
إنها جميلة جدا سبحان من جعلها لقبي السكن، أتتمها على خير يارب.
وزعت ياسمين القهوة على الحضور ثم جلست بجانب زهرة تتجنب عيون مراد التي تسترق النظر إليها كل حين لتتحدث حينها ليلى قائلة:
ان كنا متفقين فلنقرأ الفاتحة ونحدد ميعادًا للخطبة، ولن نختلف بخصوص أى شئ يضمن حقها كما أمر الشرع.
وأخيرا استوعبت ياسمين أن ترك المحطات خالية وراءنا والمضي دون الالتفات ليس هزيمة بل هو درس لنتعلم كيف نحيا، وأن اليد التي أمسكتها وهي تمشي ذاك الطريق الوعر لم تتركها، أبدعت الحزن لسنوات وآن لها أن تغير الرداء وتفرح.
تحدث حينها خالد وهو ينظر لزهرة يستمد منها الثقة قائلا:
بعد إذنك خالتي، بما أنني ولي أمر ياسمين هنا فأنا سأسألها مباشرة ياسمين، هل توافقين على طلب أخي مراد لك على سنة الله ورسوله؟
لتتحدث فردوس:
ولقد قبلنا…
تنفس خالد براحة أخيرا فلن يطمئن على ياسمين بقدر اطمئنانه وهي زوجة لصديقه مراد ثم رفع يديه لتقاطعه فردوس قائلة:
انتظر بني أريد سؤال مراد شيء أولا.
ناظرها الكل بترقب وأوجس مراد في نفسه خيفة من سؤالها فتحدثت قائلة برجاء:
هل تصون الله فيها؟
حينها ناظر ياسمين بحب قائلا:
بمنزلة الأم والأخت والزوجة والصديقة، في عيوني هي
فأسرعت ليلى بحماس:
اذا لنقرأ الفاتحة.
ليبدأ الجميع في قراءة الفاتحة، ليكونوا شهود على بداية جديدة وعلاقة حب طاهرة كللت بالحلال، وقصة جبر لتلك الفتاة التى ذلت قدمها لمرة واحدة طوال حياتها وظلت تدفع الثمن لسنوات طوال دفن فيها شبابها، ها قد انقشع الهم وحل الفرج لينسيها الماضي جملة واحدة.
فى جانب آخر فى مدينة المعز وفي بيت أدهم المعتم، وفى ساعات الليل المتأخرة تنام رباب بعد أن أتعبها السهر منتظرة زوجها الذي لم يعد يأتي لبيته إلا لحاجة، على صوت تلك القرقعة الخفيفة فتحت عيونها فزعة، أخذت نفسا عميقا والتفتت نحو الجهة الأخرى لكنها لم تجده في فراشه، أخذت نفسا عميقا آخر لا بل موجعا بغصته وحقيقة أنها نكرة وما عاد لها وجود بين أهلها بغير الاسم، شدت على شعرها بغضب ثم تحركت من مكانها قائلة:
نفس الوضع، نفس الوضع ولن يتغير، إلى متى سأتحملك إلى متى؟
قامت من مكانها وخرجت من الغرفة غاضبة تتوعد له بالإهانة ككل مرة لكن ما إن فعلت حتى حاوطتها تلك الذراع القوة وأمسكت بها ثم أطبق يده على فمها فشل حركتها وكتم صرخاتها وهمس بتمتمة شفاه قائلا:
أين نقودك وذهبك؟
شهقت من الخوف واتسعت عيونها وحاولت فك نفسها لكن ما استطاعت، حركت جسدها لكن ما استطاعت، صرخت لكن لم يصدر لها صوتا فتجمع كل الخوف داخلها ولم تجد سبيلا للنجاة إلا أن تخضع لأمره، تحركت تدريجيا نحو غرفة نومها رغم أنها لا تملك ذهبا ولا تملك من المال إلا القليل وشيء فشيء دخلت الغرفة وهو لا يزال يمسكها بكل قوته، اشارت له أن يقترب من الخزانة قليلا، قلبها يخفق يتأهب للخطر وجسدها يرتجف خوفا فهمس قائلا:
لا تتغابي.
أماءت بالإيجاب وما إن فعلت وفتحت باب الخزانة حتى باغتته وعضت يده بقوة فسحبها متألما ونظر إليها بغضب ثم حاول امساكها لكن قبل أن يلمسها أتته تلك الطعنة التي مزقت صدره بعنف، فعلتها وطعنته بمقص كان في الخزانة، لم تدر كيف فعلتها لكن حدث الذي حدث ، سقط على الأرض والدم يتطاير من صدره فنزف وأخذ يتخبط بينما هي مرتعبة ترتجف فدنت منه مرددة بهلع:
ماذا فعلت ياربي ماذا فعلت؟ قامت والتفتت يمنة ويسرة ثم حاولت أن توقضه لكنه توقف عن الحركة تماما.
لمست موضع جرحه وسحبت ذلك المقص ثم صرخت مرددة بألم:
من أنت؟ استفق أرجوك، أرجوك ماذا فعلت أنا؟ ماذا فعلت؟
اقتربت منه أكثر ونزعت عنه ذلك اللثام الذي كان يغطي به وجهه وهنا كانت صدمتها الحقيقية وأوج الخوف والندم والخذلان بل هو نتاج الحقد الذي عفن قلبها، لقد كان شقيقها حسن هو السارق يريد بعض المال ليقتني المخدرات التي أذهبت عقله، لقد وصل به الإدمان إلى اقتحام منزل أخته وسرقته، إنه شعور مخيف انصب فوق كتفيها فكان بثقل الأرض، شعور أفقدها النطق والصراخ لدقائق فحاولت أن تضرب نفسها لتستفيق من ذلك الكابوس لكنها حقيقة وواقع سقطت في قعره، حاولت أن توقضه فهزته قائلة بخوف:
حسن أخي افتح عيونك، حسن سأسامحك لأنك حاولت سرقتي لكن لا تفعلها أخي..
أحيرا أعلنت ألمها وندمها وتنهدت بشكل مسموع لكن...فات الأوان.
مضى بعض الوقت وكانت الشرطة هناك لقد حضروا بعد أن طلبهم أحد الجيران بسبب الصراخ الذي سمعه، صفدت يداها واعتقلت ونحو منفاها سحبت وفي عيونها ألف أسف وألف نظرة احتقار لأدهم الذي أتى كعادته متأخرا يترنح لشدة سكره فوجد البيت الذي تركه قائما قد خرب، وما الجزاء إلا من جنس العمل فمن يؤذي اليوم سيتأذى في الغد.
نقل حسن بسيارة الٱسعاف إلى المشفى وتحديدا إلى غرفة حفظ الجثث للبدأ في التحقيق.
إلى هنا انتهى فصل اليوم، آمل أن ينل إعجابكم
