وحين يبلغ الصبر مداه يهل عوض الرحمن ليمدك بالقوة التي تدفعك لللحاق بالقطار الخمسين بعد أن فاتك الأول والثاني والعاشر، يأتيك كمكافئة تشعل قناديل السعادة في أماكنك المظلمة فتكتشف انها ما كانت سوي أملا مخزونا وليست ابتلاءا وظلاما حالكا كما كنت تظن.
ظل الشيخ يحتضن صغيرته ويضمها إليه يلاعبها ويقبلها كل حين، يشعر أنه مسلوب الارادة امامها ان ضحكت رقص فؤاده وان بكت احس بالدموع تتقطر منه.
بدأت تئن فاقتربت منهم خديجة لتحملها عنه قائلة:
لقد جاعت الصغيرة وانت مستمر بإرهاقها اتركها قليلا.
اعطاها الشيخ اياها قائلا:
أنا أرهق جنتي !
هذه قرة عين أبيها، كيف أرهقها وهي أميرتي ونور عيني، ثم قبل وجنتها بخفة واكمل:
آه لو تعرف هذه الاقل من نصف متر كم احمل لها من الحب في قلبي.
قاطعته خديجة بنبرة غيرة وهي تبتعد بالصغيرة: أميرتك ونور عينك!
من وجد أحبابه نسي أصحابه يا شيخ حسن
جلست والصغيرة بحجرها وجاءت مرضعتها ببرونتها فأخذتها خديجة وبدأت تطعمها بيد وبالاخري تلامس شعرها بحنان متحدثة بصوت هادئ:
ماذا فعلتي بنا يا جنة، هللت علي عالمنا فجأة فسكنت القلب وسكنت ما يحتويه، ربما تكونين رسالة الله لقلوبنا التي شابت وكسرت، سأُبصرُ ما بين سطور وجودك وأحتويكي بقلبي كل يوم أكثر من سابقه، أنا امك وانت ابنتي، سآخذ بمضغتك التي على يسارك متى إحتجت وسأحتوي خوفك وبرد أفكارك و أمتص حرارة غضبك، إني أنا أمك فلا تبتئسي يوما ولا تفتحي للحزن بابًا بقلبك ، ربما تحتاجين أما، ربما تحتاجين بعضي وأنا لك بكُلّي ما استطعت، آمّن الله قلبك حتى تطمئني يا جنتي
ونامت الطفلة بين يديها فجاءت المرضعة لتأخذها ولكنها آبت
المرضعة: ولكنها ستتعبك هكذا
خديجة: لا لن اتعب أبدا، دعيها معي أريد أن اشبع منها
المرضعة: لك ما أردتِ
تحرك الشيخ حسن نحوها وهمس: سأتركك دقائق واذهب الي مديرة الدار
خديجة: لماذا؟ هل حدث شئ؟
الشيخ حسن: لا، سأطمن فقط علي احوال جنة واعطيها أمانة كل شهر
خديجة: ما دامك تضاعف عملك وتجلب المال للملجأ كل يوم فلما لا نتبناها
الشيخ حسن: لا تستعجلي واتركي تقادير الله تسير كما يريد سبحانه، لقد استخرت ربي وهو الذي ألهمني لما افعل، فما هذا الا خير
اومأت بالايجاب: حسنا اذهب وانا سأظل معها هنا
تحرك الشيخ حسن نحو غرفة المديرة وطرق الباب فأذنت له بالدخول
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السيدة أمل: وعليك السلام يا شيخنا
الشيخ: جئت لأسلمك أمانة كل شهر
السيدة أمل: بارك الله فيك، ليت كل الناس مثلك
الشيخ: أصابع يديك ليست متشابهة
السيدة أمل: معك حق ولكن ولأول مرة طوال عملي هنا أعاهد أشخاصا تجلت بهم معاني الرحمة مثلك انت والسيدة خديجة زوجتك، ما هذا الحب تجاه جنة
ثم أخرجت هاتفها واعطته اياه ليري نفسه وهو يعانق جنة حينما نطقت اسمه، عندما رأي المشهد من منظوره دمعت عيناه ورجف قلبه حين تذكر مناداتها له بأبيها، عجز لسانه عن التعبير عن سعادته بهذا الفيديو وهذه الذكري التي سجلتها المديرة
فتحدثت باسمة: اعتذر ان اخترقت خصوصيتكم بتصويري لكم ولكنني أدركت رغبة حضرتك في تدوين كل ذكري لأجلها وعندما رأيتك تلاعبها بهذه الحيوية دمعت عيني تأثرا فوجدت نفسي اصور كما لأرفقه بمقتنياتها
الشيخ بامتنان: والله لقد عجز لساني عن التعبير عن شكري وتقديري لحضرتك
المديرة: بل انا من يجب عليها شكرك علي كل ما تفعله من أجل جنة وبقية الأطفال
الشيخ: هذا واجبي نحو هؤلاء الملائكة الصغار، بل حقهم علينا جميعا ان نساندهم ونترفق بهم فلقد أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام: اوصيكم بالضعيفين: المرأة واليتيم
المديرة: عليه افضل الصلاة والسلام، معك حق ولكن للأسف فالناس اضحت قلوبهم كالحجارة
الشيخ: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}
المديرة: ونعم بالله العلي العظيم ولكن معذرة اخبرني سبب ارتباطك بجنة يعني طفلة لا علاقة لك بها وترتبط بها لهذا الحد!
غريبة!
الشيخ: وما الغريب في ذلك؟
المديرة: بالأمس كنت احادث ابني فهو أضحي بسن المراهقة وكنا نتحدث عن أمور كثيرة ووقفنا عند نقطة ارتباط شخصين أيا كانا، وكنت احكي له عن كرمك وجودك مع هذه الصغيرة التي لا يربطها بك سوى صدفة جمعتكما فسألني سؤالا توقفت عنده وعجزت عن اجابته، لقد سألني: ….
قاطعها الشيخ باسما: سألك كيف لعجوز أن يرتبط بطفلة لهذا الحد وكأنه أبيها رغم إدراكه انه لن يعيش لها طويلا وربما سيرحل قبل أن تكبر أو تعي وجوده وربما تنساه عندما تكبر وربما يكفلها أب وأم آخرين فتنساني وتنسي زوجتي يعني ان تنسانا فهذا ربما يكون مؤكدا
ضحك الشيخ واردف قائلا: ابنك كبقية الشباب في عصرنا هذا يظنون أن الوحدة هي الحل والارتباط بأي شخص فنهاية الطريق لابد وان يكون حزن وفراق، هم ينظرون لنصف الكوب الفارغ اما انا فلا أنظر إلا للنصف الممتلئ، بدلا من ترك هذه الصغيرة أحببت أن أدخر لها حبي حتي يساندها عندما تكبر وتجد نفسها وحيدة
المديرة: معك حق ففعلا اولادي وحتي زملائهم مقتنعون اقتناع غريب بأن الوحدة هي السبيل للراحة
الشيخ باسما: أتمني أن أعيش لليوم الذي أري فيه الناس تتحدث بسلاسة وبانفتاح عاطفي واعي عن أهمية الانسان الآخر في حياته، وأن مهما قلنا وعدنا وفرد هؤلاء الشباب عضلاتهم فكله بلا فائدة فأقوى مؤثر في الحياة كلها على الانسان، بكل تأكيد هو انسان آخر، يعني علي سبيل المثال فأكبر شيء يسبب لي السعادة، مهما سافرت وعشت وجربت كل سبل السعادة صحيح لا انكر انها مصادر سعادة ولكن أكبر وأعمق سعادة أحصل عليها مؤكد تكون من زوجتي
المديرة باعجاب: انت عملة نادرة بهذا الزمان لو اقتنع الشباب اليوم بمنظورك للسعادة لما كان هذا حالهم من الضياع والهوان
الشيخ: ليسوا علي خطأ ولكن ليسوا علي صواب
المديرة: بمعني؟
الشيخ: جميل أن يتمكن المرء من العيش بمفرده وينجح في اسعاد نفسه ولكن ليس صواب لأنها مهارة أعتقد انه الزامي علي كل شخص ان يتعلمها قبل ما يقول بسم الله في أي علاقة مع أي أحد، لكن لايوجد انسان طبيعي بالفطرة يحب هذا من كل قلبه، لا احد يختار الوحدة إلا إذا كان لا يتمكن من إيجاد الرفقة المناسبة، فيختار الاختيار الذي يسبب له اقل تعاسة بمعني أصح فهو يضطر للوحدة لكن لا يختارها
المديرة: والله معك حق ماذا علينا أن نفعل سوي الدعاء لهم بالهداية
الشيخ: آمين آمين والآن لأستأذن من حضرتك يجب أن نعود للبيت
المديرة: في حفظ الله
خرج الشيخ ليودع الصغيرة مع زوجته ويتركانها نائمة هادئة مطمئنة وتركا قلبيهما يحرسانها وذهبا علي عكس ما آتيا، فلقد جاءا فرحين خفيفين علي كفي الراحة وذهبا يجران حزنهما من ابتعادهم ينظران للسماء، يحاولان بالتوقف، يحاولان بالمضي، يحاولان وقد فشلت كل المحاولات، يحاولان وقد انتهت كل الساعات السعيدة معها، يحاولان ولا يملكان سبباً للمحاولة إلا الصبر حتي يحين موعد اللقاء القادم مع جنة روحهما
يتبعهما بصمتٍ حشدٌ من الجدران ولافتات الشوارع والمجانين ...كلاً بوحدته يتقاسمون الحزن كالرغيف كلما عبر بهم الفرح، لوحوا له بالذكريات.
عادا للبيت اخر اليوم بعد انا زارا مسجد الحسين اولا لينعما بالراحة في هذا المكان المبارك حيث يقع ضريح حفيد رسول الله ليس بنية التبرك به ولكن عملا بما أمر به رسول الله «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» ثم عادا للبيت مساءا لم يتناولا طعامهما حتي فرغم سعادتهم طوال اليوم بعد أن ابهجت الصغيرة قلبيهما عندما أكدت ببرائتها انه أبيها كما يقول دائما، ولكن رغم فرحه وبهجته احساس مرعب كان يتمكن منه طوال هذه الليلة، هناك رعب لا يمكن وصفه بل يفوق أي رعب آخر، إنه العجز عن النوم.
يبدو الأمر سهلا في البداية لكنه اكتشف مع الوقت أنه دخل دائرة جهنمية، لا يستطيع أن يستدعي النوم ولكن يأتي عندما يريد ذلك، نهض ليشرب كوبا من الحليب الساخن ودخل الفراش الذي يبدو مريحا، وعندما أغمض عينيه وشعر بزوجته تغط في نوم عميق ابتسم وهو يتأمل وجهها الذي بدأت علامات الكبر تبدو عليه رغم انها مازالت في الأربعين من عمرها وهتف بلطف خافت:
أي خديجتي وَجهك الوَحِيد فِي جَمِيع فُصُوله يَبدُو رَّبيعاً، رغم أرق ليلتي ولكن مازلت كما كنت شابا أعشقك، مازلت كما أنت تهربين من الحزن الى النوم أما أنا فعندما أحزن يهرب النوم مني كما الآن لا يأتي أبدا ها أنا انتظره ولا يأتي.
تحرك لينم على ظهره معلقا نظره بالسقف هاتفا بخفوت:
اخاف عليها ولا أعرف ماذا بيدي لأفعله؟
اليوم نادتني بابا ولكن ماذا ان جاء رجل غيري فجأة مع زوجته وكفلها وحرمني صغيرتي؟
تنهد بضيق ثم نهض فتوضأ ليصلي ركعتين يسأل ربه:
اللهم يا مسهّل الشديد ويا مليّن الحديد، ويا منجز الوعيد، ويا من هو كل يوم في أمر جديد، أخرجني من حَلق الضيق الى أوسع الطريق، بك أدفع ما لا أطيق، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، اللهم احفظ ابنتي ولا تبعدها عني ولا تحرمني وجودها مادمت حيا
وبعد أن انهي صلاته عاد لفراشه عله ينام ولكن ظل يتقلب يحاول التفكير في أشياء كثيرة.. ذكريات اليوم.. ذكريات الماضي و ما ينتظرهم غدا، ثم يكتشف أنه مازال يقظا وأن التنميل يغزو ذراعه اليمني فينهض ويتقلب، ويقول لنفسه: لابأس فهذا وضع مريح أكثر ربما أنام الآن
ولكن المزيد من الذكريات تتدفق إلى عقله، تعود به الي الماضي، يري اشخاصا ظلموه واشخاصا اختفوا من حياته واشخاصا يتبادل معهم الحديث ويعتذر لنفسه عن أفعال ارتكبها في شباب طيشه
استفاق للحظة فأدرك أن الساعة الثالثة بعد منتصف الليل وأنه مازال مستيقظا لم ينم بعد
لقد صارت ذراعه اليسرى منملة فيحاول النوم علي ظهره ثم فتح عينيه يراقب الظلام فهذا ربما يساعد علي النوم كما يقولون.
ولكن الظلمة بدت له كلوح يناديه ليسطر عليه مخاوفه.
لتمر عليه ساعة ثم استفاق ليجد اللوح مليئا بالكتابة وأدرك أنه لم ينم بعد، خرج الي شرفة البيت يتنفس قليلا ثم تحرك للمسجد ليصلي فرض الفجر، كان يسير هائما يحاول أن يطمئن نفسه على صغيرته ولكن لا يستطيع فخوفه عليها إنما هو كالحاجة التي كانت في نفس يعقوب خوفا علي يوسف.
صلي الفجر وعاد أدراجه مجددا عاقدا العزم ألا يفكر في اي شئ وسينام ساعتين قبل الذهاب لعمله في تحفيظ الصبية للقرآن
تعذبه فكرة أن الجميع نائم يستعيد توازن جهازه العصبي، الكل يحلم ويخرج رغباته المكبوتة بشكل رمزي بينما هو محتفظ بكل هذا القلق والخوف رغم يقينه أن الله سيدبر الأمر ولكن سواد النفسية البشرية لا يخفت لا يمكن تفريغ أحشاء النفس من ذكرياتها المؤذية مهما حاول
دخل البيت مرددا: يبدو أنني بدأت أخرف.. ما سبب هذا الخوف المبالغ فيه يا حسن
وعاد للفراش الذي أضحي مشعثا ـ بعد كل هذه الحركات ـ لم يعد يرحب به الصورة المنظمة الموحية بالاسترخاء اختفت وتحولت الي ارض حرب معادية مائة ثنية في الملائة ومائة تجعيدة والوسادة لن تعود أبدا لوضعها القديم، كأنه كان يحارب وليست ثمة محاولة للنوم بهدوء، استلقي جوار زوجته وتعجب من عدم استيقاظها للفجر فأدرك انها مثله خائفة علي الصغيرة ولكن تعبيرهم عن الخوف علي النقيض تماما
في الخامسة صباحا تسلل نور النهار المبكر إلي الغرفة وأدرك الشيخ حسن أن كل شيء صار حقيقيا ولم تكن تلك الليلة المليئة بالارق مجرد حلما
فذهب الي المطبخ وشرب كوبا من الحليب البارد علي أمل أن يظفر بساعة أخرى قبل موعد العمل، ولكن صوت زقزقة العصافير يسخر من قلقعه فوق كل أشجار الشارع وحول النافذة
من جديد عاد لفراشه يتقلب ألف مرة ويدعو الله أن ينقذه من هذا الجحيم فتأتي النجدة علي صورة يد حازمة تهزه متبوعة بصوت خديجته: حسن حسن حسن ! هيا حتي لا تتأخر علي الصبية
نهض ينفض عن كتفيه أرق الليلة وتحرك نحو الحمام ولكن قاطعه صوت هاتفه وهنا زاد قلقه عندما وجد رقم الملجأ الذي تقبع به الصغيرة فارتسمت علي وجهه كل الوان الخوف والذعر وانتهي الاتصال ولم يتمكن من الرد، عاد رنين الهاتف من جديد فأجاب متزامنا مع قدوم خديجة نحوه لتخبره المرضعة:
جنة طوال الليل مريضة لم تنخفض حرارتها ولم تكف عن البكاء ولو للحظة وحضرة المديرة طلبت مني ان اخبركم انها مريضة
مريضة!
جنة مريضة!
خبر مرضها حل عليهم كما براثن الفهد وأنياب الأسد، وجع اعتلاهما وبدي كل شئ زائغا ماسخ اللون، كل شيء مزدوج، كل نفس صعب بحاجة لتفكير وتمحيص في وضع صغيرتهم، وخبر مرضها الذي رجفت علي اثره القلوب واهتزت الأرواح خوفا وقلقا
