خيط من حرير بقلم د.سميحه رجب الفصل الأخير.
لقد تبعثرت تلك الخيوط المتصلة بقلوبنا على حافة الحياة ونحو كل حدب وصوب فرت، لا زلت أذكر يأسي حين ظننت أن جمع تلك الخيوط مستحيل وأنه لم يبق بيني وبين الإنطفاء إلا القليل،
لكن المجازفة بما تبقى لي من نور استحقت العناء كما استحق الامر كل ذلك التعب والبكاء، لقد خسرت وكسرت وحزنت لكن في في النهاية فزت وحلت السكينة على قلبي فجأة كمواساة إلهية يستغني بها البشر عن كل شيء فأدركت أنه يجب أن تنفطر قلوبنا من شدة الألم أحيانا ليس لشيء، فقط كي تزهر أرواحنا من جديد….
ماذا ستفعل الآن؟
وهناك طريق طويل معتم يسألها هل أنت مستعدة؟ فترد "لا أدري"
دون سابق انذار وبعد أن كانت تتجهز للفرح تسافر هاهو الخوف والفقدان يتجهز ليستقبلها.
تجلس في ذلك المستودع مع الكثيرين الذين اختطفوا على حين غرة مثلها، فتحت عيونها بتثاقل وتنفست بعمق كي تهدأ من ذلك الكابوس الذي رأته فكثيرا ما تزورها الكوابيس حين تنام قلقة لكن الذي حدث حقيقة وهي في قلب الخطر، بحلقت بعيون متسعة لتلك الوجوه واستوعبت أنه لم يكن كابوسا ، منهم من لايزال نائما ولربما يوجد هناك من مات متأثرا بسبب الخوف وآخرون يبحلقون كما تفعل هي، لفت رأسها في كل جانب بخوف شديد باكية ثم رددت بهمس:
لا لا، لا يمكن، لا يمكن، أين نحن؟ ماذا حدث؟ يا الهي ماذا حدث؟ لا إله إلا أنت سبحان إني كنت من الظالمين ساعدني ياربي…
حولها صراخ وبكاء وشهقات وآخرون صامتون يشبهون الأموات من هول الصدمة، نظرت في تلك الوجوه مرات كثيرة لتسأل فلم تجد شيء ليطمئنها، يتصبب وجهها عرقا ويخفق قلبها بشدة كلما سمعت تلك الهمسات التي تأتي من خلف الباب، لم هي هنا؟ لم الكل هنا؟ ما الغرض من خطف طائرة مدنية؟ هل هم رهائن لأجل مبتغى؟ هل سيموتون بأي لحظة؟ ما ذنبهم؟ اولادها وياسمين ووعدها لخالد ينتظر على قارعة الطريق، هل ستموت قبل أن تضم ابنها أنس؟ إنها الآن وحدها والناس حولها في غربة، ما الحل؟ فكلما رسمت طريقا للفرح تأتي المصائب وتكسره.
كل تلك الأسئلة تدور في رأسها وعيونها المتورمة تبحث بهلع هنا وهناك عن مخرج خائفة، تائهة، ضائعة، بمن تستنجد فلا أحد يمكن أن يسعفها، نظرت للأعلى ورددت باكية:
ربي ساعدنا، ربي ساعدنا ما الذي يحدث هنا؟ ليساعدنا أحد، رجاء ساعدونا، ألا يسمعني أحد، لا يجب أن ينتهى كل شئ هنا ولن يتوقف قطارى هنا فهذه يستحيل أن تكون محطة النهاية بعد كل هذا العناء يجب ان الحق بأحمد واشاهد نجاحه واواصل البحث عن أنس، يجب ان أعود لأستقبل خالد حين يخرج من السجن واعانق نوح واطمئنه قبل ظهور نتيجته، وملك... لن تستطع دونى، من سيشهد تحقيقها لحلمى ان لم أعود اليها؟
وفجأة أصبحت الحياة التي كانت تصنع لها ولأولادها مجرد وهم.
أسكت بكاءها بعض الهمسات التي سمعت من خلف ذلك الباب الحديدي، مسحت دموعهت وتحركت زاحفة تسير بلا هدى باحثة عن شبر من النجاة، اقتربت تسترق السمع، في الخارج الكثير من الرجال المسلحين ورجلان قرب الباب يتشتجران، سمعت الكثير من الصراخ وما زادها ذلك إلا خوفا فقد أيقنت أنهم خطفوا، نظرت لتك الوجوه المرتعبة مرة أخرى ثم عادت تستمع لشجار الرجلين، ألقت سمعها جيدا فتحدث ذلك الشاب للرجل الذي أمامه بحدة قائلا:
فعلت كما طلبت رغم أنني لم أكن راضيا ادخل وانظر لوجوههم الكل خائف، الكل لا يدري أين هو ولم هو بهذا المكان حتى؟ تجعلني كل يوم أشبهك أكثر وأكره نفسي أكثر، لكن لا يهم، أريد.أن أراها وإياك أن تخدعني هذه المرة، لن أسمح لك بأذية شخص واحك منهم.
ومن بين زحام مشاعر الخوف التي تعتصر قلبها اعتصارا أحست بألفة لذلك الصوت، لم تسمعه من قبل ولم ترى صاحبه لكن مألوف لدرجة أنها نسيت برهة الوضع الذي هي به.
فجأة اختفى الصوت وانتهى النقاش الحاد الذى تحاول أن تستدل منه على مكانهم او سبب وجودهم هنا، تراجعت خطوة للخلف ببطء محاولة أن تستند على شئ ولكن لا سند حولها الآن، معركة جديدة على شفا البداية بينما تقف وحدها مجددا فلم تتحمل هذه المرة لتستسلم للسقوط مغشيًا عليها…
في مكتب الشركة يجلس مراد مستندا على كرسيه وعيونه على هاتفه يحمله كل دقيقتين يتفقده عله يرن، كل دقيقة تمر يختنق من فكرة فقدانها أكثر، كل دقيقة تمر يطالع نظرة الخذلان بعيون صاحبه خالد فقد أضاع الأمانة وما صانها حق صيانتها، فتح ربطة العنق تلك التي كادت تخنقه بل نزعها ورماها جانبا وفتح زر قميصه العلوي ثم عاود النظر لساعة مكتبه ثم لساعة هاتفه ثم لساعة يده في نفس اللحظة يريد للوقت أن يمضي ويأتيه خبر يريحه يطمئنه عن زهرة لكن ما حدث، حمل هاتفه وتحدث بضيق قائلا:
هيا اتصل هيا، هيا
مضى بعض الوقت وهاهو هاتفه يرن وما كاد يفعل حتى فتح وتحدث مباشرة قائلا:
هل وصلت لشيء؟
رد الآخر قائلا:
ليس بعد يا سيد مراد، لم نتوصل لشيء لكن رجالي يواصلون البحث
رد بامتعاض قائلا:
حسنا لا تتهاون يجب أن تجدها قبل مطلع الشمس، أنا أنتظر اتصالك.
أقفل الخط ورمى هاتفه على المكتب ثم قام من مكانه وتحرك ذهابا وإيابا مرددا بضيق:
أين هي اين؟ من بمقدوره اختطاف طائرة بهذه السهولة من؟
لم يكد ينهي جملته حتى رن هاتفه ثانية فسارع إليه وحمله ثم فتح الخط فتحدث أحمد مباشرة وقال:
ما الأخبار يا عمي مراد؟ طمئني هل وجدت أمي؟ أريد أن أكمل المباراة بفرح.
زفر مراد بضيق ورد:
مع الأسف لم نجد الطائرة بعد لكن رجاء يا بني لا تتأثر بشي وركز في مباراتك، سنجد زهرة لا تقلق أنت أكمل بنفس الحماس لتفوز حينها فقط ستسر أمك حين تعود.
سكت أحمد برهة وابتلع مر تلك الغصة وتشتت افكاره وظهر أمامه السيء فقط، شعر بضيق أصاب رأسه مع قلبه، لقد فقد زهرة أي أنه فقد الدنيا كلها، ثم قال بحزن:
وددت لو أكون متفائلا مثلك عمي مراد لكن لا أستطيع، لا يمكنني أن أركز على شيء أو أهنئ بفوز وهي في خطر، ما نفع الفرح دون زهرة.
حاول مراد التظاهر بالثبات فرد بجدية قائلا:
هذا أول امتحان أمامك دون زهرة بني لذا أرنا إن كنت ستأخذ بنصائحها ومواعظها لك أو لا، دعها لله فما خاب من قال يارب و اهتم بمباراتك وحين تنهيها ستأتيك البشارة مني قبل أن تأتبني البشارة منك بفوزك.
رد أحمد بحزن تجلى في صوته وقال:
إن شاء الله.
أقفل أحمد الخط وأعاد هاتفه إلى خزانة أغراضه واقفلها ثم جلس على أحد الكراسي واستند على ركبتيه يفكر، لا يشاركه حيرته وألم فقدانها أحد، إنها زهرة التي أتت لبيتهم في وقت ماض على حين غرة فصارت تلك المرأة كل أحبابه في الوقت الذي انسحبت فيه أمهم بسخرية وابتسامة باردة،أتت إليهم في حالة يأس بخيط الأمل ليكون ذلك شفاءهم من الفقد.
زفر بضيق ورفع رأسه متحدثا:
لا يمكنني أن أبقى فاخوتي بحاجتي، لن أخذلك يا أمي...
أما مراد فلا يزال في مكتبه على حاله يروح ويجيء وينظر لهاتفه، رن من جديد فنظر للمتصل ليجدها ياسمين، ضغط على هاتفه بيده وقال بامتعاض:
اف، ماذا سأقول لها؟ ماذا؟
رد وسلم بكل هدوء وكأن شيء لم يكن فردت التحية قائلة:
وعليكم السلام، أنا بخير يا مراد لا تقلق لأمري لكن قلقة على أختي، ألم تتصل بك أو تبعث رسالة؟
رد يهدؤها وقال:
اهدئي حبيبتي أين ستذهب يعني بالتأكيد لم تغير شريحة هاتفها وذهبت مباشرة للملعب لتقف مع أحمد ألا تعرفين أختك؟
ردت ياسمين قائلة بتوتر:
لا أدري مراد لكني لست مرتاحة، أحس بغصة في صدري وكأن شيء يخنقني ولم تغب عن فكري للحظة، لا أدري لم أنا خائفة:
ضحك وحاول المزاح مضيفا:
هذه الهرمونات، زهرة لا علاقة لها بتوترك، هيا ياسمين اهدئي مجرد دقائق وتتصل بك، دعيها تستمتع مع ابنها أنت تعلمين أنها محبوسة داخل البيت طوال الوقت، لنترك لها مساحة لترتاح.
سكتت قليلا تفكر ثم ردت:
حسنا، سآخذ بنصيحتك لكن إن اتصلت أو اتصل أحمد أعلمني.
رد قائلا:
سيحدث حبيبتي اطمئني.
_________
خيم شبح الأحلام على عالمها من جديد جالبًا إليها هذا الحلم الذى هجرها منذ سنوات طوال، ذات الهيئة ولمعة العين تطاردانها بين جولات أحلامها فسلمت نفسها للنوم فما دام ليس موجودا وهى عاجزة عن خوض البحار والقفار بحثًا عنه إذا فليكن اللقاء مكانه الأحلام، كانت هناك حيثما لا تدرى ماهية الزمان ولا المكان، قابعة بأحد أركان القطار حزينة تتلفت بتيه بحثًا عن صغيرها وتنادي بأعلى صوتها: يا أنس، أين أنت يا حبيبي، لقد أهلكنى الإنتظار يا ضياء عيوني، تسعة عشر خريفا مروا الى متى سأنتظر اكثر؟
ليظهر أمامها ذاك الشاب الطويل خمرى البشرة ذا الملامح مجهولة بالنسبة لها ولكن عيناه مألوفة، هذه عيناه وهذه نظرته وهذا شعره المجعد، انحنى نحوها ليقبل جبينها ثم ابتسم قائلا:
لبينا نداء قطار الحياة يا زهرتى لم اتمكن من الرفض، فلو فعلت لكان دهسنى وحرمنى من لقائك، اردت ان اعانقك بدلا من عناق عجلاته، اصبرى يا زهرة فلقد اقترب اللقاء وسيتلاقي قطارانا يوما لا محالة…
لتقاطعه بدموع تسابق كلماتها:
وان تقابلنا ألن تحترق المدينة وتتحطم المحطة؟
ابتسم يطمنها وهز رأسه هامسا جوار أذنها:
لا تقلقي لن يدفع أحدنا الثمن مرة أخرى، لن أكون كبش الفداء لأجل أحد، ثم فلتحترق المدينة ويفنى العالم فداء لقائك يا أمى، اصبرى فحسب وتذكرى دوما "فأما أيوب فلقد صبر ثمانية عشر عاما، وصبر يوسف ثلاثة عشر عاما في حين أن يعقوب صبره طال قليلا لأربعة عشر عاما، وكان لموسى النصيب الأكبر فصبر أربعون عاما، اصبري فقط يا أمى... اصبري وابدأي في العد كم عاما سيستغرق قطارك حتى يصل لمحطتى…"
ثم نهض ومضي مستديرًا فأخذت تصيح منادية إياه:
صبرت تسعة عشر سنة يا بنى ولم يعد بمقدرتى أن اصبر على المزيد من السنين دونك.
حركات خفيفة من كف خشن على وجهها ورائحة غريبة اخترقت أنفها متبوعين بصوت أحدهم:
هل انت بخير؟
انتفضت لتجلس مكانها مبتعدة عنه واخذت تبحث بنظرها عن شئ حولها فتحدث قائلا:
خمارك تمزق قبل أن تأتى الى هنا، من حسن حظك فطرحتك لم تسقط ايضا، اكتفي بها حتى يتضح مصيرك، والآن فلتأكلى شئ حتى لا يغشي عليك مرة أخرى.
ليأتيه صوت من خلفه:
وهل تخشي عليها المرض؟ او تخشي الله؟ بيننا العليل والفقير والذى ترك خلفه أرواحا وأطفالا يجب أن يعود اليهم، اتركنا نذهب لأحوالنا والا ستنل جزاء خطفك لنا من الله.
التفت نحو الرجل ليطلق طلقة نارية من سلاحه في الهواء على حين غرة صارخا به:
ان تحدثت مرة أخرى او تفوه أحدكم بكلمة سيكون مقر الطلقة الثانية منتصف رأسه.
أما هى فلم تنتبه لكلمة واحدة مما دار أمامها ولم تسمع حتى صوت الرصاص، كل ما شغلها هذا الشاب الذى تعرفه ولكن لا تدرك من أين؟ تشعر أنه مألوف بالنسبة لعقلها وقلبها، فتتسائل: " أيعقل أن يكون هو؟ قلبى يحدثنى بأنه أنس، انه يشبهه لحد كبير ذاك الشاب مؤنس أحلامى"
ثم تعاود لتحادث نفسها بعد أن تفكر قليلا بعقلها:
ولكن يستحيل أن يكون ابنى رجل مافيا، لقد وهبت ثواب سنينى مع خالد واولادنا الثلاثة لصلاح ابنى، وحاشا لله أن يضيعني او يخيب مسعاى.
خرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه تاركًا إياها في حرب ضروس بين عقلها وقلبها، وكأن ما بها ليس كافيًا لتتفاقم عليها الحيرة، اغمضت عينيها بإرهاق وأخذت تردد: " يامن هديت يعقوب لريح يوسف اهدنى لأثر أنس، يا من اعدت ليعقوب بصره وأقررت عينيه بلقاء يوسف قر قلبى بعودة أنيسه"
مرت ساعات سحبتها إلى عمق تمقته من التفكير بأبنائها، يعز عليها أن تتركهم حائرين تائهين يبحثون عنها بتوجس ولا تستطيع أن تواسيهم وتهدئ روعهم، تعلم يقينا أن أحمد لن يهدأ حتى تلحق به ولن تستطع فلن يلج مباراته الأولى في درب أحلامه، ونوح … كيف سيتمكن من المثابرة دون التحدث معها كل يوم، وملك وياسمين وخالد كيف سيكن وقع الخبر عليهم، تنهدت بضيق ورجعت برأسها للخلف قائلة:
لربما يكن هذا اختبارنا الحقيقي، لترى الله منك كيف ستتصرف يا خالد بعد أن اشهرت توبتك وتجردت من كل ما فات…
التفتت حولها لتجد كل من معها يتابعونها بأبصارهم فتحدثت:
هل انتم بخير؟ هل بينكم أحد مريض او مصاب؟
ليجيبها احدهم:
الطائرة خطفت، كان التنبؤ بسقوطها مجرد كذبة، لذا فلم يصاب أحد.
التفتت على الجانب الاخر لتلمح فتاة مستلقية بالقرب من والدتها ذات شفتين زرقاوتين وعيون دامعة تحاول ان تخطف نفسا يعينها بصعوبة، ووالدتها جوارها تحاول أن تساعدها على النهوض لتتنفس بشكل جيد فأسرعت زهرة نحوها لتقترب وتسألها:
هل تعانى من مرض معين؟
لتتحدث والدتها قائلة:
اجل فهى تعاني من حساسية صدر شديدة وتحتاج للمساعدة الطبية الفورية.
انتفضت زهرة على الفور لمساعدة الطفلة، جلست بجانبها وأخذت تطمئنها بلطف، وتقوم بإزالة أي عوائق قد تعيق تنفسها، ثم بدأت بتدليك ظهر الطفلة بلطف لمساعدتها على التخلص من الضيق في التنفس محاولة تهدئة الطفلة وتشجعها على التنفس ببطء وعمق حتى بدأت تتنفس بشكل منتظم.
فتحركت قائلة:
أصبحت بخير ولكن لربما يتفاقم الأمر اذا لم تذهب للمستشفى.
فأسرعت نحو الباب لتضربه بقوة منادية بصوت عال:
أين انتم؟ فليأت أحد لينقذ الفتاة، يا جبابرة يا من اختطفتونا بخير وجه حق فلتدعو الأطفال وشأنهم على الاقل، نحتااج المساعدة لأجل الطفلة…
ولكن لم يأتها رد فزادت من نبرة صراخها:
عليكم من الله ما تستحقون أنقذوا الصغيرة..
فجأة فتح أحدهم الباب ليدفعها بقوة لتسقط ارضا صارخا بها:
ألم يخبركم الشاب أن من سيحدث جلبة سنق-تله؟ أ تريدين انتهاء عمرك هنا؟
التفتت نحو الصوت بسرعة لتجده امامها، اجل انه هو لم تغير السنوات من هيئته ولا شكله، حتى ملامحه المسودة بسبب ذنوبه مازالت كما هى، كآخر مرة رأته فيها، ومن خلفه تقف تلك التى باعت نفسها وأبنائها لأجله، لم يكن لقاء زهرة بنورسين وكرم بعد تسعة عشر عامًا سهلاً، أسئلة كثيرا تكالبت على ذهنها جعلتها تشعر بالغضب والحسرة في آن واحد، تذكرت كل الأوقات التي تواجهت فيها بالتحديات والصعوبات وحدها، حيث حرمت من حقها في رؤية ابنها والاهتمام به ومشاركته لها طوال رحلتها التى طالت دونه.
لم يكن هناك مكان للهدوء فسرعان ما بدأ شجار بينهم دون مقدمات حيث انقضت على كرم تخن-قه هاتفة بغضب من بين أسنانها:
أين ابني؟ لقد حرمتموني منه لسنوات عديدة، والآن تظهرون أمامي وتريدون أن تقتلونى؟
واجتاحت نورسين بارتفاع صوتها وتوترها، وقالت:
أنتِ لا تستحقين أن ترى ابنك! لقد تركته وتخليتي عن مسؤوليتك الأمومية
بلغ غضبها جله فصرخت بها:
انا لا أستحق الامومة؟ وانت تستحقين؟!
لم أترك ابنى بخاطرى، لقد حرمتمونى منه والآن تريدان أن تحملانى مسؤولية فعلتكم المتجبرة؟ هل انا من لا أستحق ام من باعت اولادها بثمن بخس ورحلت دون أن تلتفت اليهم؟ تركتى نوح ينازع بين الحياة والموت ولم تهتمى، شهد أحمد على فضائحك ولم يشغلك؟
فلتجلبا أنس والثلاثة وندعهم الأربعة يقررون من منا تستحق.
اقتربت منها نورسين وهمست بأذنها:
أنس ابنى انا، هل ظننت أن اخذك للثلاثة لا مقابل له؟
أخذته مقابل الثلاثة فلست طماعة ابدا، والآن لكى نكن عادلين سنأخذك أيضا.
تصاعد الغضب والانفعالات في المكان، وحتى كرم الذي كان يحاول أن يكون هادئًا ووسطًا كان يفكر بما سيفعله حتى لا يعلم أنس أن هذه والدته التى يبحث عنها، ولكن لم يتمكن من ضبط الأمور، وفى لحظة غضب قرر كرم أن يعت-قل زهرة ويخت-طفها بعيدًا عن هذا المكان الملتهب.
فحاول اقتياد زهرة بقوة، لتنظر في عينيه بغضب وخوف، ولكن سرعان ما تذكرت النور الدافئ والعناق القوي الذي تبادلته مع ابنها قبل أن يجره بعيدا عنها منذ سنوات، ولم تفقد الأمل فاستخدمت قوتها وقامت بركله في ساقه، مما أفقده توازنه وأسقطه على الأرض.
وفي لحظة من الصمود والقوة، ركضت زهره بجرأة والتفتت للجري بأقصى سرعتها، حلمت أن تبتعد عن هذا الكابوس وتبحث عن ابنها، وتعيش حياة جديدة مشبعة بالسكينة…
ولكن يده اقسمت ألا تتركها تهنأ ففجأة وجدته يكتم أنفاسها بمنديل مبلل بشئ اتضح انه مخدر، ليجرانها بعدها إلى مكان آخر بعد أن هدد كل من كانوا موجودين الا يخبروا أحد عما دار هنا، وشدد الحراسة على المكان قبل أن يذهبا ليتخلصا منها.
وفى غرفة مظلمة وضيقة حيث تشعر بالبرودة والرطوبة، والأرضية مغطاة بقطعة قماش قذرة ومتسخة، والجدران مغطاة ببقع من الصدأ والرطوبة، وتوجد بعض الحشرات الزاحفة على الجدران، الغرفة تفتقر إلى أي نافذة أو ضوء طبيعي، مما يجعل الجو مظلمًا ومخيفًا، تجلس زهرة على الأرض، وتشعر بالألم من جراء القيود التي تحيط بها، تحاول بشدة التحرك والتخلص من القيود، لكن لا يوجد أي فرصة للهروب، تشعر بالعجز والإحباط، وتبدأ في التفكير في كيفية الهروب من هذا المكان المظلم.
تستخدم كل طاقتها للصمود والانتظار، على أمل أن يأتي أحدهم لإنقاذها، تعلق آمالها على أن ابنها سيشعر بها وسيكن بطلها الذى سينقذها منهم، أصبحت تتيقن ان الذى كان امامها منذ أن أحضروها هنا انه لأنس، انه نفس الشخص الذى كان يرسله الله اليها فى حلمها على هيئة رحمات، فأخذت تبكى بحسرة:
يارب لقد قررا قت-لى والانتهاء من أخرى قبل أن يعرف بوجودى، أنت الأكبر والاقدر وانت على هين وبى رحيم، ارزقنى رؤية حبيبي وهيئ الأمور كى تسير نحو لقائنا.
فى هذه اللحظة دلفت نورسين مع الطبيب بينما بقي كرم في الخارج، ما ان رأتهم حتى انتفضت صارخة:
ماذا تريدون منى؟
لتجيب نورسين بينما تنظر للطبيب الذى يملأ حقنة المخدر قائلة:
سننهى الأمر من جذوره، بالأصل هذا ما كان على فعله منذ البداية لا القضاء خالد وعمله فادنى بشئ.
تحفزت زهرة بضيق:
وبما سيفيدك القضاء علي.
صمتت تفكر وفي الواقع لم تجد ردا فلقد تملك الشر منها ليجعلها تقدم على كل أذى لمن يقع تحت يديها دون هوادة، وكأن غضب الله عليها تمثل في رغبتها المستمرة في ارتكاب المعاصي وأذى الغير لكى يثقل ميزان سيئاتها أكثر وأكثر…
أشارت للطبيب عديم الضمير أن يتقدم ويبدأ عمله، فأغمضت عينيها بقوة وأخذت تردد الشهادة بثبات أذهلهم، وفى اللحظة الحاسمة وقبل أن تخترق الابرة جسدها وصل ذاك الشاب الوسيم لتحريرها من هذا المصير المظلم، علامات الخوف والاندهاش لازالت تتصاعد على وجهها وهى تشاهد الشجار الذى نشب خلال اقل من الثانية، حاول كرم ان يوقفه قائلا:
لماذا جئت؟ ألم تتتهى مهمتك عند خطفهم؟
صاح به بقوة هزت اركان المكان:
هل هذه أمى؟
شعر كرم أن الدنيا تسحب البساط من تحت قدميه، أدرك الآن أن أنس كبر وزهرة انقادت لمكانه وهو السبب في مجيئها الى هنا، يريد أن يعود الزمن للوراء وما كان أمره بخطف هذه الطائرة، طال صمت أبيه فلم يتحمل ليسرع نحو نورسين موجها سلاحه نحوها قائلا بضيق:
ان لم تخبرينى بالحقيقة فستكونين اول من يم-ت.
حاولت أن تلمس عاطفته قائلة بخوف:
بنى… لنتحدث بعيدا عن هنا..
فقاطعها بصراخ اخترق مسامعها بعد أن اطلق طلقة نارية في الهواء مرت من فوق رأسها:
لا تتحدثي بشئ سوى ما أريد سماعه فقط.
حاول كرم ان يمنعها من التحدث واقترب منهم خطوة ليوقفه أنس بنظراته الغاضبة، فبدأت نورسين تتحدث بارتجاف:
هذه والدتك.. هذه زهرة العراقي.
فى هذه اللحظة وصل رجال الشرطة إلى المكان ليتم القبض على نورسين وكرم والطبيب عديم الضمير، لقد قرر أنس أن ينهى جذور الشر التى عاش أسفل أشجاره مجبرا، انقاد كرم معهم دون أى مقاومة فيكفيه من الأمر أنه خسر أنس الذى حارب السنوات كى لا تأخذه منه، أما نورسين فلا تصدق ان الأمر انتهى بهذه البساطة، لا تستوعب أن امبراطورية الشر التى أسستها مع كرم طيلة التسعة عشر عاما انهارت بلحظات وعلى حين غفلة منها..
جر الاثنين لمصيرهم المحتوم نحو طريق العدالة بينما أسرع أنس ليفك قيود والدته التى لم تستوعب بعد أن العون والاغاثة متمثلين في أنسها، عقلها لا يستوعب لطف الله الذى قادها إلى مكان ابنها بهذه السهولة وكأنها كانت في اختبار صعب وها قد ظهرت نتائجه بإعلان نجاحها، زاد لوعة اللقاء باللقاء وذهب الحزن والاشتياق، مقلتيه تقترب من مقلتيها ففقدت قدرتها على استعاب ما حولها تراه هو فقط وتحس بنبضات قلبه التي كانت تنبض داخل رحمها وهو جنين، كبر دونها لكنه كبر في قلبها، أضاع عمره في الفناء لكن حين كان اللقاء حاد للحياة والمضي فيها وهو يمسك بيدها الرحيمة كآخر مرة يتذكر فيها، " وهو علي هين" ولم يكن صعبا عليه جمعها مرة أخرى، عاشت عمرها موقنة أن الذي ارجع موسى لحضن أمه وهي التي ألقته في صندوق معتم في يم جارف ليلتقفه عدوه وعدو لله قادر على أن يرجع أنس لحضن زهرة بعد أن أخذه منها بطشا من يسمى أبا مجرد من خصال الأبوة، عاد أنس فعاد الأنس مكتملا…
حينما لامست يده بعد أن فك قيدها توقفت في لحظة تجمدت لحظة لن تنساها أبدًا، كان تناغمًا فوريًا بينهما، كأن الأرواح تلتقي وتتحدث بلا حاجة للكلام، وأخيرًا…
وجدت زهرة نفسها في عناق قوي وحميم مع شخص يعود بها لذكريات الأمومة التي تغلبت علي النسيان، إلى علاقة تربية وحنان افتقدتها لمدة تسعة عشر عامًا.
"أنتِ... أنتِ حبيبتي التى صليت ودعيت لأجل لقائها ولو للحظة" تلفظ أنس بالكلمات وكأنه يكسر حاجز الزمن بينهما… تنهد وما زال قابضا على يدها بقوة ثم اكمل:
معذرة على الألم الذي تعرضتِ له، لكني هنا الآن، وسأحميكِ من الظلام والألم إلى الأبد.
لم تستطع زهرة سوى التصاق وجهها بصدره وبكت حد الانفجار، تشعر بأحاسيس طالما تمنت أن تكون قادرة على التعبير عنها، وفي هذا الاندماج المتبادل بينهما، لاحظت زهرة دفء قلبها ينبض مرة أخرى بالحب والانتماء والسكينة.
تحدثت ببطء ولسان مثقل ليردد معها تلك الجملة التى لازمت احلامهم طوال التسعة عشر عاما:
"فأما أيوب فلقد صبر ثمانية عشر عاما، وصبر يوسف ثلاثة عشر عاما في حين أن يعقوب صبره طال قليلا لأربعة عشر عاما، وكان لموسى النصيب الأكبر فصبر أربعون عاما، اصبري فقط يا أمى... اصبري وابدأي في العد كم عاما سيستغرق قطارك حتى يصل لمحطتى…"
اكملت باكية:
تسعة عشر عامًا دونك، من دون وجهك وعيناك
من دون صوتك وضحكتك، تسعة عشر خريفا كأني أعيش من دوني.
ابتسم بعيون باكية مقبلا جبينها محاولا انتشاء رائحتها الذى تلهف اليها كثيرا، واخيرا استعادت زهرة ابتسامتها المفقودة وحيويتها المنسية، تجلت ذاكرة الماضي الجميل وأوقات السعادة التي لم تستطع نسيانها، أصبحت تلك الغرفة المظلمة التي كانت تعيش فيها قبل قليل بجوار الألم تتلاشى رويدا رويدا لتتحول إلى لمحة جميلة ومتلألئة تزيح الأسود الذى كان يطبع حياتها.
انطلقا ببطء خارج الغرفة المظلمة، بينما يرافقهما ضوء الشمس المشرقة وهدوء الطبيعة الجميلة، اثناء خروجهما شعرا وكأنما المدينة تحتضنهما بأذرع مفتوحة، تضفي الأمل والفرح على صفحة جديدة من حياتهما المجروحة….
_____________________
عودة بالزمن قليلا قبل ان يأتى لإنقاذها….
كان يجلس في مكان بعيد على صخرة في أحد الشواطئ يناظر البحر ويلاطم نفسه مثلما تتلاطم أمواج البحر أمامه، يضيع كلما تذكر الذي صنع ويختنق ندما كيف وصل به الحال لأذية أبرياء لا ذنب لهم ويتألم كلما تذكر أنه لن يراها ولا يوجد أمل بأن يراها، تنهد بضيق محدثا نفسه:
لو املك لها صورة على الاقل تصبرنى على فراقها فأنا لا أملك حتى صورة لها! هي فقط موجودة في ذاكرتي..،
أدرك أن كل الطرق تؤدي إلى روما لكن لا طريق يؤدي إليها، وأن والده قد صنع منه الشخص الذي يريد مع أنه قاوم لآخر نفس منه، لا تزال عيون أمه تحاوطه لكن الصورة ضبابية وتكاد تضمحل لكنه لا يزال ينتظر وبين هذا وذاك يتذكر تلك المرأة وألفتها.
بقي بعض الوقت هناك ثم تحرك من مكانه وركب سيارته وتوجه إلى ذلك المكان مقررا أن ينهي ما بدأ ويكف عنه هذا الفعل فلن يكون ثمن رؤية أمه أذية أبرياء، وصل المستودع بعد حين ودخل وما إن فعل حتى سمع صرخات قادمة من باب المستودع، اقترب نحو الحراس وتحدث قائلا بصوت خشن:
ماذا يحدث هنا؟
رد الآخر قائلا:
هذه المرأة تصرخ منذ ساعتين وتزعجنا، حاولت اسكاتها لكنها لا تزال تنوح ، لو كان والدك هنا لقت_لها دون تفكير.
دفع الرجل جانبا وتحرك نحو الباب قائلا:
هذا كل ما تجيدون صنعه، الق_ تل، هيا ابتعد من أمامي اخرج هيا وأحذركم جميعا لو تأذى شخص واحد منهم سأنهيكم جميعا، هيا اللعنة عليكم جميعا.
خرج الرجال فتحرك هو نحو الباب وفتحه لتندفع تلك المرأة وتتشبث به صارخة بوجهه:
أليس لدى أحدكم ضمير؟ أين المرأة أين أخذتموها؟ ماذا ستفعلون لها؟ كل ما فعلت أنها حاولت انقاض ابنتي.
أمسكها بقوة وصرخ بوجهها قائلا:
اهدئي، عن أي امرأة تتحدثين، ان كنت تريدين الخروج من هنا سالمة اهدئي وتحدثي ببطئ.
سكتت وأخذت نفسا عميقا ونظرت لابنتهت فاقترب منها وتحدث بهمس قائلا:
ماذا حدث؟ تحدثي بصوت خافت
ردت بهمس باكية:
ابنتي تحتضر لقد حاولت تلك المراة أن تساعدها لكن يبدو أن المرأة التي كانت هنا والرجل قد خطفاها.
لف بصره حول المكان وبحث عنها بين الوجوه لكن لم يجدها فأحس بغصة في صدره ثم اقترب أكثر من المرأة وسألها قائلا:
أين هي أين ذهبت؟ أخبريني ماذا سمعت وأنا سآخذ ابنتك للمشفى، المهم أن تخبريني ما سمعت.
نظرت لابنتها الممددة هناك ثم إليه فأماء بالإيجاب لتضيف:
لقد كان هنا رجل وامرأة تشاجروا معها وقد كانت تصرخ بهما وتقول" أين ابني"، لكن يبدو أنهم أسكتوها وخط_فوها أو ربما قت_لوها المسكينة.
اتسعت عيونه وبصيص أمل أصاب شعوره فأحس براحة وطمأنينة ضاعت منه تسعة عشر سنة كاملة فسألها بلهفة مرة أخرى قائلا:
أخبريني هل قالوا أسماء؟ انت فقط أخبريني وأنا أعدك سأخرج ابنتك من هنا تحدثي هيا.
ردت قائلة بخوف:
ذكروا على ما أعتقد اسم أحمد واسم أنس، هذا الذي سمعت، لكن لا تغدر بي رجاء على الأقل أنقذ ابنتي.
ارتجف قلبه فرحا ولم يخيبه احساسه حين رآها أول مرة، نعم تلك نبرة صوتها وتلك عيونها وتلك طريقة وضعها للخمار وتلك وتلك ما تبقى في ذاكرته من الأشياء البسيطة التي تخص أمه، تحدث بفرح قائلا:
عودي للداخل وسأخرجكم من هنا حالا، لا تقلقي لن يؤذيكم أحد وسأرسل أحدا لينقلكم للمستشفي أعدك.
___________________
وبعد يومين وعلى متن الطائرة العائدة نحو مصر تجلس زهرة جوار قرة عينها مسندة رأسها على كتفه لا تصدق انها واخيرا تحققت رغبة الوحيدة في الحياة وهى استعادة ابنها واعادة بناء علاقتها معه، وكأن كل الألم والفراق قد تلاشى أمام هذه اللحظات التى يتحدث فيها
عن حياته، عن الأمور التي فاتتها ولم يشعر بها، وعن الحب الذي أحاط بمكانتها في قلبه، سألته بتودد:
لم تخبرنى ماذا درست؟
ابتسم مجيبا:
درست الهندسة ولكن لم اكمل بالجامعة، كنت مجبرا لأعتمد على نفسي وانزل سوق العمل مبكرا حتى لا يدخل جوفي قرش حرام من أموال أبى، ولكى يستجيب ربى دعائى ويعيدك إلى.
احتضنت يده بقوة ثم سحبتها لتقبلها عدة مرات قائلة:
لم أكن أتمنى أن تكون نهاية والدك على يدك.
زفر بحنق مردفا:
ليس والدى ولا أكن له أى مشاعر سوى الغضب، لقد رمانى بدم بارد في مدرسة داخلية لسنوات وقضيت طفولتى في وحدة وألم وكلما كنت اترجاه ليخرجنى من هذه المدرسة لم يكن يرأف بحالى، لم يكن يحبنى ابدا فكل ما كان يهمه هو احزانك وحرمانك منى فحسب، حاول كثيرا أن يشوه صورتك امامى ويخبرنى انك تخليت عنى بارادتك ولكن سبحان الله الذى كان يرسل لى الرؤى بعد كل حوار معه وكأنها رسائل من الله إلى قلبى كى يطمئن، كنت على يقين انك يستحيل أن تتخلى عنى فالصورة المشوشة التى ما زلت احتفظ بها لك من طفولتى تخبرنى ان مثلك لا يستطيع فعلها.
كانت كلماته مشحونة بالاحترام والامتنان، ليكمل:
أنا ممتن لك… يا أمي، وممتن لله سبحانه وتعالى الذى انعم على بلقائك، أنتِ كنز قد ضاع لكنه الآن قد وجد.
مازالت مستندة على كتفه لتتحدث وكأنها تريد ان تستغل كل لحظة معه للتحدث في امور متعددة تحاول ان تعوض كل ما فاتها معه:
كانت الرحلة صعبة ومؤلمة، والآن يجب ان نكسر قيود الماضي، ونعيش الحياة بكل ما فيها من فرح وحب،
اومأ برأسه مقتنعا بكلامها ثم اردف:
هل سيتقبلونى؟
ابتسمت حين تذكرتهم ثم التفتت نحوه قائلة:
لقد كنت الشغل الشاغل لخالد لسنوات كى يجدك ويعيدك لى، وأحمد ونوح وملك جميعهم يحبونك من احاديثي عنك ويتمنون لقائك، حتى أن أحمد قد قرر اخذ الغرفة الأكبر في البيت ووضع فيها سريرين أحدهما لك ومنع إخوته من البقاء معه بنفس الغرفة، أما نوح فيعتبرك توأمه الضائع رغم فارق العمر بينكما ولكن هكذا كنت أشعر زمان والآن يشعر هو بنفس الشعور…
وهكذا، بدأت الحياة تكتسب معنى جديدًا بالنسبة لزهرة، أصبح الظلام ذكرى مؤلمة في الماضي، بينما أضئ أمل جديد وسط الظروف القاسية التي اضطرت لمواجهتها..
وبعد مرور وقت هبطت الطائرة اخيرا عاد أنس لموطنه وموطنه ممسكا بيده، خطوا خطواتهم نحو قاعات الانتظار مقررين ان يبدأا رحلتهما الجديدة إلى الحرية والسعادة، فلقد كانت المحبة بينهما أقوى من أي شيء، تنبئ بالاستمرار في إشعال النور في حياتهما ومحو آثار الظلام بشكل كامل…
كانت تنظر حولها بعيون مليئة بالحماس والشوق، تتنفس بصعوبة، وقلبها يدق بسرعة مذهلة تشعر بالتوتر والحماس في آن واحد، فلقد انتظرت هذه اللحظة انتظارًا طويلًا، تبحث بعينها بين الحاضرين عن عائلتها… تبحث عن خالد.
عندما وقع بصرها عليه تنفست الصعداء فهذا حبيبها الذي حرمت منه خمسة عشر عاما، ها هو أمامه يستقبلها فاتحا ذراعيه على مصراعيهما، لقد أوفت بوعدها وانتظرته وصانت أمانته فوفى بوعده وتاب وعاد إليها، كان العناق لم شمل لكل سنين الفراق، الاحساس بدفئ ذراعيه كان كفيلا أن يعيد أليهما ما فقدا من سعادة، بكت وبكى وبكى الجميع، لا بأس بقليل من بلل الجفون بعد فقد أتى سيل من السعادة عليهم.
ها هو يناظرها بعيون مليئة بالحب والشوق، ترى في عينيه الكثير من الذكريات والأمل لبدء حياة جديدة سويًا، تشعرت بأن الزمن توقف وانها الآن في أحضان الحب الحقيقي، وكأنها تعيش في حلم لطالما تمنت أن يتحقق، كانت تشعر بالدفء والأمان عندما وضعت يدها في يده،
شعرت بالسعادة العارمة عندما رأت ابتسامة خالد الرائعة، وهي ابتسامة تعرفها جيدًا من الماضي،
كانت تشعر بأنها تحمل في قلبها الكثير من الكلمات التي تود أن تقولها له حين يخرج من السجن، ولكنها لم تستطع إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير عن مشاعرها،
فكانت هذه اللحظة المؤثرة تجمع بين الفرح والحنين والشوق، وكأنها تعيش في عالم خيالي، حيث يمكن للماضي أن يلتقي بالحاضر كما التقي خالد بأنس وتبدأ قصة جديدة مع من تحبهم.
اقترب خالد ليستقبل أنس فوجده مختفيا بين أحمد ونوح كلا منهما يستقبلانه بطريقة خاصة، بينما يحاول أن يبادلهما نفس الفرحة جاء خالد قائلا:
فلتكملا فى البيت يا شباب، سنفضح هكذا، امامكم العمر كله سويا…
التفت اليه انس قائلا:
انت اكثر من تشوقت للقائه.
ليعانقه خالد بقوة قائلا:
اه لو تعلم ماذا عانينا لكى نجدك! ولكن الحمد لله فلكل شئ حكمة بالغة، اهلا وسهلا بك يا بنى.
نظر نوح لخالد وقال بهمس:
أنس أطول من أبي وأنت أطول من أبي أيضا، هل تتخيل حين يقف ليوبخكم كيف يكون المنظر؟
رد أحمد هامسا:
هلا سكت، لا تنس أنه خالد مهران هو لا يوبخ إنه يعلق بالمقلوب
نظر اليهما خالد وقال:
هاي انتما بم تهمسان؟
رد نوح على عجل:
لا شيء خالد مهران لا شيء…
ابتسم خالد ثم رد بجدية:
جيد، ظننت أن هناك شيء
ومن وسط جميع الحاضرين لمعت عيناه ونبض قلبه وتعلق ناظره معجبًا بتلك الجميلة التى أتت من بعيد راكضة، ابتسم متنهدا بإرتياح وشعر اخيرا انه في مستقره، وهتف بينه وبين نفسه:
لابد ان هذه هى ملك!
ابتسمت لها زهرة قبل أن تباغتها بعناق حاد طال وطال وطال حتى غرقتا في دموعهما، كانت لحظة اللقاء تجسد الحب والرابطة القوية بين زهرة وابنتها، كانت تشعران بالسعادة والارتياح لأنهما معًا مرة أخرى،
قبل أن يتحركوا للخروج سألت بقلق:
أين ياسمين؟
ليجيبها أحمد:
عمى مراد رفض مجيئها وقرر أن يكون لقائكما في البيت لذا فلم يخبرها بعودتك حتى لا تصمم على المجئ.
تعجبت متسائلة:
لماذا؟
ليجيبها نوح وملك بصوت واحد:
لأنك ستصبحين خالة يا دكتورة زهرة…
_______________
والان لا يسعنى الا ان اقول….
في كل بداية تكمن نهاية، ومع كل نهاية تولد بداية جديدة، فالحياة مليئة بالأحداث والمراحل التي تنتهي، لكن هذه النهايات لم تخلق لتجلب الحزن والأسى، بل خُلِقَتْ لتجعلنا سعداء، فلا يوجد شيء دائم في هذه الحياة، فكل شيء يتغير ويتلاشى في النهاية، قصص الحب تنتهي، والأصدقاء يغادرون، والأشخاص يرحلون عنَّا، لكن هذه الانتهاءات لم تأتِ لتجرح قلوبنا، بل جاءت لكي نستفاد منها ونستمر في سرقة السعادة من رحم المعاناة.
فإذا اقترب غروب شمس حبٍ عظيم، فلا تحزَنْ!
فقط ابحث عن شروق جديد في أفق حبٍ آخر كما فعل خالد بزواجه من زهرة، فالعالم ملئ بالأشخاص المدهشين الذين ينتظرون ليدخلوا حياتنا ويملؤوها بالسعادة والحب كما كان مراد لياسمين…
وإذا رحل صديقٌ عزيزٌ عنك، فلا تحزَنْ!
فقط افتح قلبك لأصدقاء جدد يمكنهم ملء حياتك بالضحك والمرح، فالصداقة ليست مجرد شخص واحد، بل هي شبكة من العلاقات الجميلة التي تتشابك معًا.
وإذا خسرت حلم فلا تحزن!
فأقدار الله لنا ما هى الا رحمات مخبأة لا يدركها الا كل راضى مؤمن…
وإذا غادر شخصٌ عزيزٌ عليك فى هذه الحياة، فلا تحزَنْ! فقط ابتسم لأجله وتذكر الأوقات الجميلة التي قضيتها معه، فالذكرى هي أغلى هدية يمكن أن نُهديها لأولئك الذين رحلوا، وفِي قلبِ كُلِّ ذِكْرَى سَعِيدَةٍ تَخْفُقُ أَجْنِحَةُ السَّعادَةِ.
فلا تخف من النهاية… بل استقبلها بابتسامة، فالنهاية هي بداية جديدة، وفي كل نهاية تكمن فرصة للتحدي وفك تشابك خيط الحرير؛ لان النهايات يا عزيزي خلقت لتكون سعيدة والقطار سيصل الى المحطة المناسبة في الوقت المناسب لا محالة….
______________
3/10/2023
8:50 بتوقيت القاهرة….
رفعت الأقلام، وجفت الصحف..وتجمعت خيوط الحرير بقبضة زهرة العراقى وانتهت سنوات عجاف ثبتت أمام مظالمها ولياليها المضنيات…
إلى هنا انتهت روايتنا، أتمنى أن تكون قد نالت اعجابكم واستحسانكم.
انتظروا الجديد خلال أيام بإذن الله
