recent
جديدنا

حب بطعم الشوكولاته | الفصل الثاني

     حــب بــطــعــم الــشــوكــولــاتــة

                 بقلم أمــل محمــد الكاشــف


بعض اللحظات الصغيرة تحمل من الحب ما تعجز الكلمات عن وصفه، وقطعة شوكولاتة قد تختصر حكاية قلبٍ عرف أخيرًا لمن ينبض. 

⬅⬅⬅⬅⬅⬅⬅⬅⬅

عجزت عبير عن استيعاب ما عرفته للتو.

وليد... ابن عمها!

للحظة تجمعت كل المواقف الغريبة التي جمعتهما في ذاكرتها ولكن هذه المرة وهي تحمل عنوانًا جديد… وليد ابن عمك.

تحركت من أمامه مسرعة إلى المطبخ منشغلة بوضع وترتيب الأواني النظيفة داخل الخزانة، محاولة أن تقنع نفسها بعيدا عن تلك المفاجأة الذي قلبت أفكارها رأسًا على عقب.

وبعد قليل، دخل وليد إلى المطبخ بعدما غسل يديه فوجدها ترتب الأواني في صمت.

تابعها بعينيه لثواني تحدث بعدها وكأن شيء لم يكن وكأنه حديث عادي دار بينهما:

ـ أين الشيكولاتة التي وعدتني بها؟

تعمدت تمثيل عدم سماعها لكلامه، واصلت ترتيب الأواني وكأن السؤال لم يصل إلى أذنيها أصلًا.

ـ عبير… عبير…

لا جواب ظلت على حالتها وكأنها وحدها بالمطبخ، ابتسم وجهه بخبث وهو يقترب قليلًا متحدثًا بنبرة أعلى:

ـ نحن هنا، الشيكولاتة... هل تتذكرين وعدك لي؟ أم أن الذاكرة أصابها عطل مفاجئ؟

ظلت صامتة بملامح حادة تعمل دون الاعتبار لوجوده، تنهد بكلماته الأخيرة:

ـ حسنا لا أريد وكأننا نطلب المستحيل، مجرد قطعة شيكولاتة هذا كل شيء ، أين ذهب كرمك وسخاءك في العطاء.

كاد أن يبتسم وجهها وهي تستمع لنبرة صوته التي تغيرت بجانبها، توقفت بجانب علبة مربعة حديدية أخرجت منها قطعة من الشكولاته ثم مدتها إليه دون أن تنظر في وجهه:

ـ تفضل.

نظر إلى الشيكولاتة ثم إليها، ثم عاد ينظر إلى الشيكولاتة مرة أخرى، هامسًا؟

ـ أبهذه السهولة؟

لم تجبه رغم استغرابها من سؤاله.

ـ غريبة... كنت أظن أنني سأحتاج إلى مفاوضات طويلة حتى احظى بها.

وضعت آخر طبق في مكانه وأغلقت الخزانة، ثم استدارت مجيبة بضيق:

ـ خذها يا وليد وعد للحديقة… هيا لا تدعهم يستفقدونك.

رفع حاجبه مستغربًا من حدتها، طالبًا المزيد منها، ولكنها لم تجبه من جديد، ليقترب بنفسه من علبة الشوكولاته ليفتحها أخذًا منها قطعتين إضافيتين، رافعهم بوجهها :
ـ بهذا الكم سنكون اغلقنا الحسابات السابقة، ولكن من الآن وصاعد لن اقبل بواحدة فقط بعد كل مساعدة، ارتفعت اسعار الذهب والدولار وأجور العاملين لا زالت كما هي… 

ابتسمت ابتسامه جميلة خرجت من قلبها لأول مرة من غير خوف، اكتفى وليد بهذه الابتسامة ليخرج بعدها للحديقة بقلب فرح.

 ظل يساعدها طوال اليوم من بعيد، يراها تحمل شيئا ثقيلا فيستدعي أخته نادية لتساعدها بدلا من أن يذهب بنفسه أمام الجميع.

جلست حفيظة بجانب نجلاء التي استغلت بقائهم بمفردهم، لتسألها بصوت خافت:

ـ هل استطعتم التفاهم مع زوج شادية والوصول إلى حل من أجل ابنتها؟

 ألقت حفيظة نظرة سريعة نحو ابنتها شادية قبل أن تجيب، ثم اقتربت من نجلاء وهمست محذرة:

ـ اخفضي صوتك، لا أريدها أن تسمع شيئًا وتحزن من جديد. لنتحدث في هذا الأمر بعيدًا عنها.

أومأت نجلاء رأسها بالموافقة وهي تلتزم الصمت  وعيناها معلقتان على شادية بحزن كبير تتمنى لو استطاعت أن تمحو عنها كل ما يؤلم قلبها ببعدها عن ابنتها.



كان  وليد يجلس بين إخوته يتابع حركة الجميع من بعيد، حتى وقعت عيناه عليها وهي تضحك مع نادية على أمر لم يسمعه وهنا ابتسم وجهه دون أن يشعر.

كانت ضحكتها هذه المرة أكثر عفوية وراحة عن ابتسامتها الأولى، نظر بجانبه إذ بأخيه الجالس بجواره يتأمله بريبة، غامزا له:

ـ ما بك؟

اعتدل وليد في جلسته فورًا:

ـ لا شيء.

ـ كيف لا شيء! هل كنت تبتسم للهواء؟

فتح وليد هاتفه وانشغل به قائلًا ببرود:

ـ على الأقل الهواء لا يطرح أسئلة سخيفة مثلك

قهقه أخوه على ما يقال له، بينما تظاهر وليد بالانشغال محاولًا إخفاء ابتسامته التي عادت إلى وجهه رغمًا عنه.

لم يكن يريد شيئًا من ذلك اليوم سوى أن يراها أمامه مرتاحة وسعيدة بجانب إخوته، أو لربما أراد قلبه أن يراها وهي تضحك مجددا أمامه.


بعد انتهاء حفل الشواء، اتفق عبد العزيز وجلال على تكرار الأمر مع بقية العائلة، بعد أن أصبح تجمعهم نادرًا ولا يكاد يحدث إلا في الأعياد والمناسبات الكبيرة.

رحب جلال بفكرة شقيقه الأكبر، مقترحًا أن يكون هناك تجمع عائلي في نهاية كل أسبوع، يتناوبون على استضافته في منزل أحد الإخوة، لتعود بينهم تلك الألفة التي افتقدوها منذ وفاة والديهم، وايضا كي تصبح لقاءاتهم عادة لا تقتصر على المناسبات.

وهذا ما حدث حين فرح باقي الإخوة باقتراحهم وفاز أخاهم فارس بدعوتهم في منزله يوم الجمعة ليكون اجازة للجميع، حضرت حفيظة صواني الجلاش باللحمه المفرومه والبيتزا والمعجنات بالدجاج ، بينما حضرت نجلاء صينية بسبوسة وكيك بالشكولاته كما أحضرت عبير حقيبتها المملؤة بقطع الشكولاتة كي توزعها على الجميع هناك.

صعد عبدالعزيز بجانب رأفت منتظر صعود زوجته وبناته السيارة حتى ينطلق باتجاه منزل أخيه فارس، على أن يلحق وليد وباسم بهم من خلال سيارة اجره .

تجهزوا وخرجوا من المنزل ليتصادف خروجهم وجود عمهم جلال وزوجته بجانب سيارتهم.

أخذ جلال الشنط من زوجته ووضعهم بالسيارة، وما إن رآها تخرج من منزلها حاملة صواني الحلويات حتى أسرع وليد نحوها دون تفكير، أخذهم منها قبل أن يمنحها فرصة في الاعتراض، هامسًا دون أن يلفت انتباه أحد :

- لا تنسي مقابل هذه الخدمة.

ثم رفع صوته:

ـ اتركيهم أنا ساحملهم عنك.

حاولت أن تعترض لكنه حملهم بالفعل متجها بهم نحو سيارة عمه الذي رفض أن يستقلا سيارة أجرة وسيارته موجودة.

تولى وليد القيادة بينما جلس باسم بالمقعد المجاور له، تاركين المقعد الخلفي لعمهم وعائلتة.
 
اكتظ منزل العم فارس بشباب وفتيات العائلة صغار وكبار حيث بدأت السهرة بالأحاديث والضحكات، كان هناك من يتذكر الماضي الجميل وهناك من يتحدث بالخطط المستقبلية، بينما توحد حديث الإخوة عن اخبار البلد والحروب العالمية المتوقعة حتى وصل لهم بتوقع جائحة جديدة تقضي على العالم كله، تحدث رأفت لنعيم ابن عمه :

ـ سينهوا العالم قبل أن أتزوج .

ضحك نعيم غامزا له:

ـ لا تنتظر أحد أخطب وتزوج بسرعة ولا تقل لم أحذرك.

تحدث وليد :

ـ هذا يعني أن الزواج جميل كما نسمع يا ابن عمي .

ضحك نعيم :

ـ حتى الآن استطيع ان ابشرك بجماله، لا احد يعلم كيف سيكون بعد ولادة أماني.

تعالت ضحكاتهم ، ليتحدث أحمد ابن عمهم فهمي:

ـ لن أخاف أريد تجربته حتى ولو كان مظلم.

جاءهم صوت حفيظة وهي تنادي على وليد الذي أسرع ملبيا النداء، مستمعا لحديث أمه :

ـ زوجة عمك لديها مشكلة في الغسالة ادخل انظر ما بها.

ابتسم وجهه مجيبا:

ـ انظر لها … لا… لا يمكن عيب.

ضحكت زوجات وبنات عمه على ما قاله، صدمت حفيظة كف يدها على كتف ابنها بلطف قائلة:

ـ انظر إليه توقفت منذ عدة أيام .

نظر وليد لزوجة عمه فارس :

ـ ما بها لماذا توقفت فجأة 

ـ لا اعرف فجأة توقفت ، لعلها تحتاج إلى صيانة ، انظر الى مدى صلابتها خمسة وعشرين سنة وهي تعمل دون كلل، ولكنها فجأة توقفت.

ضحك وليد مجيبا بنبرة اندهاش أراد أن يضحك من سحرته بضحكتها الجميلة قائلا:

ـ حسنا علمت السبب ، لقد أكملت مدة المؤبد وحان وقت الإفراج عنها.

انضم عمه فارس للحديث مقتربا من الغسالة فاتحا بابها وهو يقول :

ـ تحتاج لأحد لديه خبرة يعلم السبب ويصلحه سيكون عمل بسيط .

رفع نظره لابن أخيه مكملا:

ـ ألم تأخذوا توكيل هذه الشركة ، استدعي لنا رجل من الشركة يأتي ويقوم بصيانتها.

ـ والله أخشى ان أخبرهم بعمرها يأتون لاستردادها عوضا عن تصليحها، ومع ذلك سأحاول إرسال رجل صيانة ماهر بهذه الأعمال لعل المحرك حدث به عطل أو شيء من هذا القبيل.

سحبته زوجة عمه من يد سترته تجاه المطبخ ، قائلة:

ـ اريد موقد جديد وكبير سئمت من تصليح عمك له دون فائدة ، ولكن إياك أن تعطينا من هذه العلامة التجارية .

نظر لكم سترته معيده مكانه بعد أن سحب يده قائلا : 

ـ لا اعرف ما مشكلتكم معه 

ورمق بنظره جهة عبير مبتسما ابتسامة خفية.

نظر للموقد امامه ووعدها أن يحجز لهم الافضل والانسب بناءا على السعر الذي أخبرته به .


أخذت عبير تتنقل بين الاهل بعفويتها المعتادة، توزع قطع الشيكولاتة على الحاضرين فرحه بمدحهم بطعمها.

راقبها بحذر من بعيد دون أن يشعر به أحد، تابع ابتسامتها وهي تقدمها لهذا وذاك، حتى توقفت أمامه ومدت يدها إليه بقطعة واحدة.

تناولها منها وهو يرفع حاجبه بمكر، ثم ظل يتابعها بعينيه وهي تبتعد لتكمل توزيعها على الآخرين.

انتظر حتى سنحت له فرصة وجودهما وحدهم في الخارج أثناء عودتهم لمنازلهم، مال نحوها قليلًا هامسا:

- كان عليكي اعطائي واحدة إضافية .


نظرت إليه باستغراب ممزوج بابتسامة:

ـ ألم نصفي حساباتنا بآخر مرة ؟

ابتسم وهو يخفض صوته أكثر:

- ألم أحمل اليوم صواني الحلويات عوضًا عنك؟

رفعت عينيها إليه بدهشة وقد اتسعت ابتسامتها رغما عنها، فكرت بمكر قائلة بمشاكسة:

ـ تقول لا يوجد مساعدة لوجه الله؟

ابتهجت جوارحه فرحا حتى كادت الفراشات أن تتطاير من عينيه :

- لا يمكن… لقد انتظرتها بحماس من لحظة حملي لهم، وايضا لتكن زيادة هذه المرة كون الصواني ثقيلة والمسافة طويلة.

ضحكت بخفة ومدت يدها إليه بقطعة أخرى اخرجتها من حقيبتها على الفور :

- حسنا تفضل لنقفل الحساب بشكل كامل.

نظر إلى الشيكولاتة فاتحا يدها ليأخذها منها، ثم عاد لينظر إليها، ولابتسامتها التي اتسعت :

ـ كم تبقى داخل هذه الصغيرة، أم أن الشكولاته تتكاثر بداخلها ، سأقول شيء من الآن فصاعدا عليك المحافظة على حقيبتك بشكل جيد، لا تقولي لم أحذرك.

صمت للحظة، ثم تابع بنبرة ساخرة:

ـ هل ملأتم حقائب السفر بالشيكولاتة، وتركتم ملابسكم في المجر؟

سحرته بضحكتها الهادئة:

ـ بالاصل لم يتبقى إلا القليل وتنتهي .

تسارعت ضربات قلبه طالبا المزيد قبل أن تنتهي، سألته هل هو جاد ؟ الهذه الدرجة أعجبته؟ ولكنه لم يجبها حين ظهر عمه وزوجته وباسم مقتربين منهم.

ظل جوابه بحلقه عالقا دون أن يتاح له الفرصة بقوله لها.

كما ظلت تفاصيل لقاءاتهما عالقة في ذاكرته بشكل لم يستطع تفسيره، ومن بين كل تلك التفاصيل كانت هناك لحظة صغيرة تعود إليه كلما أغمض عينيه...الشيكولاتة.

تذكر كيف كانت تقف بعفويتها المعتادة، تمد يدها إليه بقطعة الشيكولاته بينما كان قلبه وقتها يتعامل مع تلك اللحظة وكأنها شيء أكبر بكثير من مجرد قطعة حلوى.

ابتسم وهو يتذكر ارتباكه الخفي، وكيف يحاول أن يبدو طبيعيا أمامها بكل مرة وعيناه تلتقطان كل شيء بها، ابتسامتها، طريقتها في الحديث، لم يسلم حتى تذمرها وتمردها على أعمال المنزل من تتبعه.

 
لم يكن يعلم أن تلك اللحظة البسيطة ستكبر داخله بهذا الشكل، ولم يكن يعلم أن قطعة الشيكولاتة تلك ستصبح، بعد سفره، واحدة من أكثر التفاصيل التي يشتاق إليها.
 اضطر وليد للسفر إلى القاهرة لعدة أشهر بسبب فتح فرع جديد لهم في القاهرة، انشغل مع إخوته في تجهيز المكان وترتيبات الافتتاح والاتفاق على البضاعة.

لم تغب ضحكتها ولا عفويتها عن عينه في هذه الفترة ابدا، أراد لعدة مرات العودة لأهله بحجة اشتياقه إليهم ولكن بالحقيقة قلبه الذي كان يشتاق للقاءاتهم ..

كان يتابع العمل بعقل شارد ووجه يبتسم كلما تذكرها وهي تعطيه كيس القمامة، أو تطلب منه مساعدتها بحمل الاغراض معها.

كم تخيل ورسم وحلم بأول لقاء بينهما بعد هذا الغياب، كان يتمنى لو لم يبتعد عنها وخاصة وهم بالبداية المفعمة بالمشاعر الجياشة النظرة الأولى والضحكة الأولى، ربما لم تكن عبير تعرف شيئًا عن كل ما يحدث داخله تمنى كثيرا لو تبادله نفس المشاعر ، ماذا إن كانت تفكر به في نفس الوقت الذي يفكر ويحلم هو بها،

كان يتمنى لو تعرف عليها أكثر لو أنه تقرب منها اكثر بل ووصل به الحال إلى أن يتمنى لو أنه أخذ خطوة جادة وحقيقية تجاهها قبل سفره.

 منذ تلك اللحظة، لم تعد الشيكولاتة مجرد قطعة حلوة المذاق بل بداية الحكاية ، حكاية قلب عاشق سقط بشباك الحب من النظرة الأولى، حكاية لم يكن يصدقها ولا يسمع عنها إلا في الروايات الخيالية بعقل لا يصدقها، لم يكن هو نفسه يعرف متى تحول ذلك اللقاء العابر إلى بداية شعور جاد لم يعد قادرا على تجاهله، يعيشه تفاصيله بشكل لا يصدق، ورغم قرب المسافة بين المحافظات إلا أنه لم يحظى بالعودة لمنزلهم لمدة اقتربت من شهرين

كان يتساءل أحيانًا وهو وسط انشغاله في القاهرة:
هل تتذكر هي أيضًا لقاءاتهم التي كثرت مع توالي الايام؟
هل مروا في خاطرها كما مروا في خاطره؟
أم أنه وحده الذي منح تلك التفاصيل الصغيرة كل هذا المعنى؟

تنهد ثم ابتسم مبحر في الذكريات من جديد

لم يكن جلال من الرجال الذين يشتكون من التعب بسهولة، فقد اعتاد أن يمضي يومه بين عمله وبيته، ولا يسمح لوعكة بسيطة أن تعطل ما اعتاد القيام به، فهذه هي ضريبة الغربة التي يدفعها المرء دون أن يشعر، عمل كثير، ومسؤوليات لا تنتهي، وأيام تمضي متشابهة دون أن تمنح الجسد حقه من الراحة، كان جلال قد اعتاد أن يحمل فوق عاتقه أكثر مما يحتمل، ويؤجل راحته دائمًا إلى وقت لاحق، حتى بدأ جسده يطالبه بالراحة التي حرمه منه طويلًا.

بدأ يشعر في الأيام الأخيرة، بأن جسده لم يعد يمنحه تلك المساحة التي اعتادها كان التعب يأتيه على فترات متقطعة، يصاحبه ضيق في التنفس وثقل في صدره، ثم يزول بعد دقائق فيتجاهله ويعود إلى يومه كأن شيئًا لم يحدث.

لاحظت زوجته ذلك أكثر من مرة لتسأله بقلق:

ـ هل تشعر بشيء؟

فيجيبها مطمئنًا:

ـ لا شيء، مجرد إرهاق.

مع الاسف مع مرور الزمن والتقدم بالعمر الأمر لم يعد يمر كما كان يمر في السابق، ففي أحد الأيام وبينما كان جالسًا مع أسرته، شعر بثقل واضح في صدره وضع جلال يده عليه دون أن يتحدث.

انتبهت عبير إلى حركته مقتربة منه بقلق:

ـ أبي... ما بك؟

رفع عينيه إليها محاولًا الابتسام التي بالكاد ظهرت على وجهه:

ـ لا شيء يا بنتي اطمئني.

 لم تقتنع خصوصا أن ملامح وجهه ووضع يده لا يظهرون ما يقول، تكررت الحالة مع جلال ليومين متتاليين مما جعل أسرته تصر على الذهاب للمستشفى عوضا عن الاكتفاء بالمسكنات والراحة ، اقترح نعيم ابن أخيه فهمي أن يذهبوا إلى طبيب قلب معروف في القاهرة كي يأخذ العلاج المناسب لحالته من اول مرة .

اقتنع جلال بعدما سمع من فهمي عن المرضى الذين يشكرون بتشخيص وعلاج هذا الطبيب، لذلك تم حجز موعد قريب له.

وصل جلال إلى القاهرة برفقة زوجته نجلاء وابنته عبير، كان التعب قد بدأ يظهر عليه بوضوح خلال الأيام الأخيرة رغم محاولاته المستمرة لطمأنة أسرته واخفاء ما يشعر به عنهم، أصرت نجلاء على مرافقته بينما رفضت عبير أن تترك والديها يذهبان وحدهما.

أوقفت نجلاء السيارة أمام منزلهم الذي يقيم فيه أبناء عبد العزيز خلال وجودهم في القاهرة منذ بدايك تجهيزهم الفرع الجديد، فكان البيت منارة لكل من له حاجة هناك من لحظة أن ترك جلال مفاتيحها مع إخوته على مدار آخر عشر سنوات دون أن يسأل من ذهب ومن رحل منه.

ترجلت نجلاء أولًا، ثم ذهبت للجهة الأخرى كي تساعد زوجها على النزول

حدثها جلال محاولًا طمأنتها:

ـ لا تقلقي أنا بخير.

أجابته وهي تنظر إليه بقلق:

ـ لو كنت بخير كما تقول، لما احتجنا إلى طبيب قلب من الأساس.

ابتسم جلال ولم يجد ما يرد به، بينما اقتربت عبير منهما بنعاسها حاملة الحقائب الصغيرة بيدها قائلة:

ـ واخيرا وصلنا 

ابتسمت امها قائلة:

ـ وكانك كنتي مستيقظة طوال الطريق.

ظهر وليد وباسم وهما يخرجان من بوابة العمارة لاستقبال عمهم بعدما اتصل بهم وأخبرهم عن وجوده بالاسفل.

ما إن رفع وليد عينيه ورأى عبير حتى توقفت الكلمات على لسانه وظل ينظر إليها لثواني قليلة دون أن يشعر بسبب المفاجئة التي أربكت كل ما رتبه في ذهنه، فلقد أخبره أبيه أن رأفت هو من سيأتي بعمه ليتفاجأ بوجود أسرته معه

ضحك وجهه رغمًا عنه، اقترب ليصافح عمه هو وباسم الذي أسرع بأخذ الحقائب من السيارة:

ـ حمدًا لله على سلامتكم يا عمي، كيف حالك الان.

ـ شكرا ليحفظك الله يا بني أنا بخير 

 مد وليد يده نحو حقيبة عمه المعلقة على صدره:

ـ أعطني هذه يا عمي.

قال جلال:

ـ اتركها انها صغيرة وضعت بها الاوراق والأدوية فقط أستطيع حملها.

ـ أعلم، ومع ذلك دعني أحملها كي تصعد براحة أكبر.

اخذها منه، ثم أومأ رأسه واضعا يده على صدره ملقي السلام على زوجة عمه وابنتها التي وجدها تحمل عدة حقائب صغيرة بيدها.

مد يده إليها دون تفكير:

ـ وهذه أيضًا.

نظرت إلى يده، ثم إلى ما تحمله:

ـ لا شكرا أستطيع حملهم بنفسي، يكفيكم الحقائب الكبيرة.

ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه وهو يأخذها منها قائلًا:

ـ يكفي عليكم تعب الطريق هيا اصعدوا وارتاحوا حتى نأتي إليكم.


رفعت عينيها إليه لحظة، ثم تركتهم له دون اعتراض.

كانت نجلاء قد سبقتهم إلى الداخل مع جلال، ولم تنتبه إلى تلك اللحظة الصغيرة بينهما.

نزل باسم بعد أن وضع الحقيبة الكبيرة في المنزل بالطابق الأول، أما وليد فتحرك خلف عبير وهو يحمل حقائبها مع حقيبة عمه وعدة حقائب صغيرة متفرقة وقلبه يخفق على نحو لم يستطع السيطرة عليه، ولم يكن يعلم أن القدر سيضعها أمامه بهذه البساطة وفي البيت نفسه، تحت السقف نفسه، وكأن المسافة التي أبعدته عنها طوال تلك الفترة لم تكن موجودة أصلًا.

التقى هو وباسم أمام باب المصعد الكهربائي تحدث إليه:
ـ سأذهب لأشتري شيء يتناولونه واعود .

ـ لا تنسى شراء المزيد من الماء، نعم تذكرت والقهوة أيضا انتهت صباح اليوم.

ـ حسنا ، هل يوجد نواقص أخرى 

ـ لا اعرف ما الموجود وما الناقص نحن بالعادة نأكل في المحل مع العمال .

ـ لا عليك سأتولى أنا الامر .

دخل باسم باخر حقيبة وضعها في المنزل مغلق الباب خلفه قائلا لابنة عمه :

ـ هل انتقلتم للعيش بالقاهرة بشكل كامل ، أم أنكم ستعودون بعدها مباشرة للمجر.

ابتسمت نجلاء وهي تجيبه عوضا عن ابنتها:

ـ كي لا ينقصنا شيء ونتعذب بشراءه .

عاد وليد بعد أن غاب ما يقرب عن الساعة منصدما مما أتوا به كما انصدم باسم قبله:

ـ لما كل ذلك، هل فرغت القاهرة من الطعام.

تابع حديثه بعينيه التي تدور حوله

ـ جبن وخضار ولحم وسمك  

ابتسم لرؤيته الحلويات ناظرا لعبير :

ـ حتى هذه لم تسلم منك.

ردت زوجة عمه :

ـ هذه أهم قسم بالاصل لا تستطيع العيش بدونها.

كان مبتهجا لا يستطيع التحكم بحماسه وفرحته بوجودها ، فتح علب فطائر البيتزا ووضعها على طاولة الطعام ومن ثم وضع علب الكاتشب والمايونيز وهو يدعوهم لتناول الطعام.

شكره عمه وجلس بمنتصف زوجته وابنته:

ـ ولما الغلبة يا وليد ، زوجة عمك قامت بعمل معجنات بالجبنة وبسكوت بالتمر.

تحمس باسم وهو يأكل :

ـ من الواضح أننا سنعيش ايام جميلة هذه الفترة.

ـ ما بك يا باسم اهدا قليلا 

قالها وليد ناظرا لعمه مكملا:

ـ بل من المؤكد اننا سنسعد بوجودكم معنا حتى نطمئن على الوضع الصحي لعمي.

ضحك عمهم قائلا لباسم:

ـ لا تستمع له كن على راحتك يا بني حتى ان هناك مفاجات لم نعلن عنها حتى الآن.

ابتلعت نجلاء قطعة البيتزا التي بفمها قائلة بعدها:

ـ نعم لا تخجلوا يا اولاد لا احد غريب.

ـ لم اقل ذلك من أجل الخجل ولكني خشيت أن يفضحنا من شدة حماسه وكأني كنت اقطع عنه الطعام.

تابعت نجلاء حديثها بفرح :

ـ سأعطيك يا باسم من بسكوت التفاح الخاص بعبير ، اتحداك ان تذوقت طعمه دون طلب المزيد منه.

رد جلال على زوجته:

ـ ألم يكن خاص بي 

ضحك الجميع بسعادة بالغة، تحرك باسم ليغسل يده ذاهبا إلى فراشه لينام مباشرة دون حتى أن يستأذن منهم ، كان يتوقع إنهاء مكالمته أثناء غسل الجميع ليده وانتهاء الشاي ليسكب لهم ولكنه نام على حاله من شدة وكثرة العمل طوال اليوم، فهم يعملون بأيديهم أكثر من استئجارهم للعمال كي يوفروا و يتمكنوا من فتح المحل كما يتمنون ويحملون .

سكب وليد الشاي بالاكواب بينما جمعت عبير علب البيتزا الفارغة ووضعتها في سلة القمامة.

رفض جلال ونجلاء أن يشربا الشاي قبل النوم، تحرك هو مستأذنا منهم كي يدخل الغرفة الكبيرة ليبدل ملابسه وينام بعدها ، تبعته نجلاء:

ـ وأنا أيضا ساتي لمساعدتك وتبديل ملابسي 

نظرت لابنتها ثم تابعت حديثها:

ـ وأنتِ يا عبير ضعي كل الاكل بالتلاجه كما هو، وتعالي نامي وغدا أنا وأنتِ نرتبها كما يجب أن تكون.
 
ـ حاضر يا امي ولكني ساشرب الشاي قبل أن أعمل أي شيء 

ـ ألا يزال ألم راسك مستمر .

اومأت برأسها:

ـ تناولت مسكن قبل قليل ، ساشرب الشاي حتى يبدأ مفعوله.

تحدث وليد:

ـ اذهبي أنت لترتاحي وانا ساجمع جميعهم في الثلاجة حتى نستيقظي بالصـ….

لم تسمح نجلاء أن يكمل حديثه حتى قطعته قائلة:
ـ لا يمكن سمعت من باسم كيف يمضي يومكم في العمل ، بالأصل نامت طوال الطريق كلما أيقظناها تعود لنومها لهذا تؤلمها رأسها.

ضحكت عبير بعفوية :

ـ امي !

ـ لا تدللين ، انا متعبة من الطريق هل ستتركي عملك عليه، هل جئنا لنتعبهم.

ـ العفو منكِ يا زوجة عمي.

ـ ليرضى الله عنك هيا يا ابني اذهب للغرفة وارتاح.

ـ حسنا كما تريدين دقائق انهي اتصال مهم واذهب بعدها للنوم

ـ تفعل ما تريد ما عدا أن تساعدها بشيء.

وما أن دخلت نجلاء الغرفة مغلقة الباب خلفها جاءه عرضها المغري وهي تقول بوجهها المبتسم: 

ـ هل تريد ان تتذوق بسكوت التفاح مع الشاي 

ابتسم وجهه فرحا ، تابعت حديثها قبل موافقته التي اقترب خروجها دون اعتراض ، قائلا:

ـ صنعته من أجل ابي مقدار قليل خاص به، إلا أن يمكنني اعطائك منه بجانب قطعتين من الشيكولاته إن….

خرجت منه ضحكة تابعها عدة قهقهات متتالية، نظرت عبير نحو غرفة والديها بخجل من ضحكته التي خرجت فجأة وكأنها انفجرت بوجهها دون سابق إنذار 

وضع وليد يده على فمه محاولا اخفاض صوت ضحكته قائلا:

ـ من الواضح انك اعتدتي على مقايضتي 

ـ اقسم لك لولا ألم راسي كنت فعلتها وحدي، ولكن انظر الاكياس والعلب بكل مكان وانا لا طاقة لدي 

شرب ما تبقى من كوب الشاي قائلا:

ـ حسنا كنت امازحك فقط، بالاصل يظهر من حمار وجهك كم انت متعبه اذهبي وانا ساجمعهم كلهم بالثلاجة .

وضعت يدها على وجهها بخجل جلست به على مقعد جانبي:

ـ لا لن اذهب للغرفة على الفور، ستقطعني امي وسيلقني ابي درس كبير في الاخلاق، انت ابدا وانا ساجلس لشرب الشاي خاصتي ومن ثم أقوم لمساعدتك

ضحك من أعماق قلبه:

ـ على من تضحكين انتِ !، هل ستنطلي حيلتك علي، ساجلس لانتظرك حتى نبدأ سويا في جمعهم.

ـ حسنا حسنا انتظرني من الواضح انك اصبحت لا تحب الشيكولاته المستوردة التي تبقى القليل منها لتنتهي.

فتح هاتفه ليرد على اتصال مهم بعد أن تأخر في المبادرة هو باتصاله.

.بدأت عبير في إخراج الطعام من الأكياس ووضعها بالثلاجة وهي تشرب بين الحين والآخر رشفة شاي من كوبها، بينما كان وليد يحمل عوضا عنها اللحوم المثلجة واضعها في ادراج البراد الكبير وهو يتحدث عبر هاتفه.

تابعها بعينيه دون لفت انتباهها أو التحدث معها يعطيها ويشير لها نحو الادراج الفارغة في الخزانة حين تسأله عن مكانه بينما كان يجمع هو الاكياس الفارغة خلفها ويرفع العلب البلاستيكية ويرتب المقاعد بمكانها

من يراهما من بعيد يظنهما لوحة جميلة اكتملت دون ترتيب يد تضع الأشياء في أماكنها، وأخرى تمتد لتساعدها، ونظرات تتابع في صمت، و تفاصيل صغيرة لكنها كانت ترسم بينهما خطوط حكاية لم يعرفا بعد إلى أين ستقودهما.
غسلت عبير الاكواب بصعوبة ارهاقها، وبينما كان وليد يغلق المكالمة التي طالت كثيرا من أهميتها، ظهرت عبير أمامه من جهة المطبخ تنظر إليه ، قائلة:

ـ شكرا لمساعدتك ، فليرضى الله عنك ويرزقك بمن يساعدك وقت الحاجة تصبح على خير.

لم يستوعب حتى الآن وجودهما في نفس المكان، بل لا يستوعب أنها واقفة أمامه تحدثه ، لذلك ظل صامتا يستمع لها دون جواب، تتبعها عينيه حتى بعد دخولها الغرفة لتنام مع والدتها و والدها.

كان من المفترض ان يسألها عن حقه في الشيكولاته وبسكوت التفاح ولكنه لم يفعل أمام سحرها الذي أغرقه بها من اول لقاء.

ففي أثناء انشغاله باختلاق أي سبب أو حجة تعيده لمحافظته كي يراها إذ بها تأتي إليه في نفس المنزل تحت نفس السقف لا يفصلهما إلا جدار الغرف .

قام بحالته الغريبة كأنه فعلا مسحورا شاردا ، ذاهبا لفراشه مستسلما للأحلام الجميلة.

في صباح اليوم التالي، اجتمعوا حول مائدة الإفطار في هدوء لم يخلُ من بعض القلق.

بدا على جلال إرهاق أكثر وإن حاول أن يخفي ذلك خلف حديثه المعتاد.

جلست عبير إلى جواره تضع أمامه كوب الشاي قائلة وهي تنظر إليه باهتمام:

ـ تناول إفطارك كي تتجهز بعدها و نذهب إلى الطبيب.

ابتسم جلال وقال:

ـ لا تقلقي يا ابنتي إنه مجرد فحص للاطمئنان.

تابع وليد حديثهما مضيفا عليه:

ـ سأذهب معكم لأجل القيادة والاطمئنان عليك يا عمي

رفع جلال عينيه إليه بهدوء تحدث به:

ـ لا داعي يا وليد نجلاء ستأتي معنا.

تدخلت نجلاء بحديثهما:

ـ لا تقلق عليه يا بني أنا أعرف الطريق جيدًا، كنت أعيش مع أمي في القاهرة قبل زواجي وأعلم جيدا الطرق والمناطق.

تردد وليد مجيبا :

ـ أعلم ذلك لكنني أستطيع ايصالكم للطبيب للاطمئنان على عمي ومن ثم أعود بعدها إلى المحل.

ابتسم جلال:

ـ لا عليك يا وليد أنت لديك ما يكفيك من العمل مع إخوتك، لا تجعل انشغالك بي سببًا لتعطيل عملك ، سنتصل بك أن احتجنا لشيء .

سكت وليد لثواني استسلم بعدها وهو يومأ رأسه بالموافقة:

ـ حسنًا كما تريد يا عمي و لكن اتصلوا بي فور احتياجكم لاي شيء.

نظرت عبير إليه بهدوء، قائلة :

ـ لا تقلق انا ساتصل بك أن لزم الامر.

رد بجديه:

ـ هل لديك رقمي؟

أجابت هي أيضا بجدية :

ـ لا ولكني ساخذه من هاتف ابي أو اتصل مباشرة من هاتفه .

ـ حسنا ، اتفقنا .

كان يرغب أن تكون فرصة في الفوز برقمها ولكن المحاولة باءت بالفشل.

التقت عيناهما للحظة قصيرة قبل أن تخفض عبير عينيها إلى طبقها.

عاد وليد إلى إفطاره لكنه لم يستطع منع نفسه من التفكير في الأمر كان يريد أن يرافقهم، لا لشيء سوى أن يطمئن على عمه بنفسه.

وبعد أن انتهوا من الإفطار نهض جلال يستعد للخروج، بينما وقفت عبير إلى جوار أمها تراجع معها ما يحتاجون إليه.

أما وليد، فظل واقفًا عند الباب يراقبهم وهم يستعدون للمغادرة، حتى اطمأن إلى أنهم خرجوا بالفعل ثم بدأ يتجهز ليذهب الى عمله بجانب أخيه باسم الذي سبقه إلى هناك منذ الساعة السادسة.


مضت ساعات الصباح واتبعتها الظهيرة حتى اقترب أذان العصر يرفع في المآذن ولا زالوا هم عند الطبيب ينتظرون خروج الحالة من غرفة الطبيب كي يدخلوا هم.

أوصى عبدالعزيز ابنه بالاهتمام بعمه وأسرته والعودة للمنزل بوقت مبكر لعله يحتاج لشيء فوضع مرضه مع عدم وجود رجل بجانبه يضع عليهم مسؤولية رعايته.

ـ لا تقلق يا ابي لم اذهب للعمل بالصباح حتى اطمأننت أنهم لا يحتاجون لشيء ، وسأعود قبل عودة باسم لعلهم يحتاجونني عند عودتهم.

ـ اشتري طعام كافي عند عودتك 

ـ اتصل بي عمي قبل ساعة وأكد علي أن لا اشتري اي شيء من الخارج، يقول إنه لا يأكل من المطاعم.

ـ وماذا سياكلون إذا 

ابتسم وليد قائلا :

ـ زوجة عمي أخرجت السمك من الثلاجة ، ستحضره عند عودتهم.

ـ سمك !

ضحك وليد مكملا:

ـ ليس سمك فقط، بل أحضرت المنصورة كلها وهي قادمة إلينا.

أوصاه أباه بعمه من جديد مغلقا الهاتف وهو يضحك مع زوجته:

ـ تدهشني زوجة أخي يوما بعد يوم. 

ـ لديها حق المرأة تعلم جيدا ما عليها فعله، زوجها مريض وهم لا يحبون شراء الطعام الجاهز، وايضا لا يوجد من يذهب ليشتري لهم وقت حاجتهم ، عوضا عن عبير طبعا ، والأولاد منشغلون بعملهم، من الجيد انك اوصيت وليد عليهم كي ينتبه.

عاد وليد إلى منزل عمه بعد أن راودته فكرة تحضير السمك قبل عودة عمه من يوم طويل شاق.

قرر أن يشوي السمك فتح فيديوهات لتحضير التتبيلة الخاصة به، ليجد زوجة عمه حضرت كل شيء من تنظيف وتتبيل.

تذكر فيديو رآه منذ عدة أيام ، قرر أن يقسم السمك الي قسمين قسم مقلي في الزيت والقسم الآخر كما شاهده في الفيديو كي يكون صحي وخفيف على معدة وقلب عمه جلال .

وضع الارز الابيض اولا ، ومن ثم قشر اربع حبات من بطاطس ومن ثم قطعهم الي مربعات اضاف عليهم القليل من شرائح الطماطم والفلفل الرومي والبصل .

وضع البصل والقليل من الطماطم كطبقة اولى في الصينية ثم وضع البطاطس والفلفل وما تبقى من الطماطم ، فكر :

ـ لا يضر أن وضعت القليل من الثوم الطازج.

قطع القليل من الثوم أعلى البطاطس ومن ثم أمسك شرائح السمك المتبل ووضعها كطبقة أخيرة ختمها برشة زيت زيتون على وجهها.

وضعها بالفرن ، ومن ثم بدأ بتحضير السلطة الخضراء والطحينة

كان مستمتعا يبحث ويتأكد مما يقف أمامه عبر مواقع الإنترنت ، تبين أن حفيظة لم تقصر في تربية أولادها وجعلهم يعتمدون على انفسهم منذ الصغر، لم تخرجهم أطباء أو مهندسين فهم يساعدون والدهم بعمله منذ صغرهم، بدأوا بالعمل معه في ورشة تنظيف وغسل السيارات والسجاد بالقدم ، شيء فشيء تغير الحال لمحل ادوات كهربائية تكلل هذا بنجاح وصمود الشباب بجانب والدهم .


عاد جلال من عند الطبيب وقد بدا عليه الإرهاق أكثر مما كان عليه قبل ذهابه فطريق العودة رغم قصره إلا أن الازدحام المروري والحر الشديد أثقل جسده الذي لم يعد يحتمل ساعات الانتظار والقلق كما كان يفعل من قبل.

تفاجات نجلاء بما حضره وليد ، كما فرح عمه جلال لدرجة إزالة عنه عناء الإجهاد ، تحدثت عبير بحماس :

ـ الرائحة شهيه سأدخل انا ايضا لتبديل ملابسي ومن ثم أعود لوضع الطعام 

ـ هذا يعني أنك تريد المزيد من الشكولاته 

ضحك مبتهجا متستمعا بحديثه:
ـ كم عمرك يا عبير 

ـ اثنان وعشرون، لماذا سالت؟

ـ لاني شعرت للحظة أنني اتحدث مع طفلة لم تتجاوز السنتين .

ابتسم وجهها أكثر وهي تستمع لتكملة حديثه:

ـ ولكنها توقفت عن ارتداء ملابس باربي .

ضحكت ضحكة عفوية اجابته بها:

ـ جميعكم لا يتذكر من طفولتي غير ملابس باربي خاصتي.

حدثها بلمعان عينيه :

ـ ماذا نفعل ، هي المرة الوحيدة التي أتيت بها إلينا وحينها لم ترتدي سواء الفساتين الزهرية المزينة بأشكال العرائس الكرتونية ، تمسكين بيدك عصاه سحرية كنت اتمنى لمسها واكتشاف كيفية انارتها بهذا الشكل الجميل لولا صراخك بوجهنا كلما اقتربنا منك وكأننا سنخطفك.

ـ انتم السبب كنتم كلما رأيتموني تجمعتم حولي تاخذون العابي وتبعثرونها بالغرفة بعد أن تحدثوا الفوضى بها.

ـ أنت من كان وكأنه مخلوق فضائي جاء من كوكب آخر تبهرينا بالعابك وملابسك ماذا كنت تنتظري منا، ولكن الحق يقال اصبحتي كريمة ومختلفة تشاركين حلوياتك مع الجميع حتى اقترن اسمك في العائلة بالشكولاته.

سمع صوت زوجة عمه وهي تتحدث فور خروجها من غرفتهم:

ـ ادخل انت اغسل يديك وانا سأنظر للاولاد.

قطع صوتها ذكرياتهم ، تحركت عبير لتدخل الغرفة بعد خروج والديها كي تبدل ملابسها، بينما ظل هو صامتا يتذكر جمالها وهي طفلة صغيرة ، خرج من المطبخ بعد أن فشل في إخفاء ابتهاج وجهه و الابتسامه العريضة عليه ، أغلق باب غرفته عليه مطلق العنان لضحكته وفرحته أن تمتلكه وهو يتمدد على الفراش متذكر وجهها وهي تطل بحديقة منزلهم تنادي عليه كي تعطيه اللحم. 

لم يلبث عدة دقائق حتى انتفض من فراشه فور صدمته بفتح عمه الباب عليه:

ـ هل ستنام قبل أن تتناول طعامك معنا، هيا اشبع بطنك ثم ارتاح بعدها.

وقف وليد محاول إخفاء حالته بتوتر وارتباك كأن عمه لديه قدرة على قراءة ما بداخله .

حدث عكس توقعاته حين أجمعوا على جمال طعم صنية السمك بالبطاطس، فرح أكثر عندما أسرعت عبير بأخذ اخر قطعة سمك من الصينية قبل أن يأخذها هو :

ـ لم يجبرك أحد على إخراجها بهذا الجمال.

ابتسم وجهها 

ـ عافية لكِ

ضحكت نجلاء :

ـ عيب يا عبير على الأقل اقتسميها معه

ـ ولا بالأحلام سيراها كي يعرف كيف يتنمر عليّ

انصدم وليد:

ـ من أنا!

ـ نعم الم تتنمر عليّ قبل قليل كالكائنات الفضائية وما شابه

ضحك حتى كاد الطعام أن يقف بحلقه حين تدخل جلال مدافعا عن ابن أخيه:

ـ من جمالك، قالها ليصف مدى جمالك وانتِ صغيرة 

ساد الصمت للحظات بالفعل توقف الطعام بحلق وليد ، حاول أن لا يظهر لهم ، ولكن احمرار وجهه وهو يحاول ابتلاع الطعام جعلهم يسألونه ما بك.

مدت نجلاء يدها لتعطيه الماء وهي تسمي الله.

قام ليدخل الحمام مغلق الباب عليه اخذا نفسا عميقا أخرجه بصعوبة، أسند وليد كفيه إلى حافة المغسلة، ناظرا الى المرآة كان لا يزال يشعر بحرارة وجهه، تنهد بضيق وهو يتمتم:

ـ ما بك اهدا ستفضح نفسك أمامهم.

تنفس ببطء ثم غسل وجهه بالماء، بقي لحظات أخرى يحاول استعادة هدوئه قبل أن يخرج.

وحين فتح الباب وجدها تمر من أمامه حاملة الاطباق ذاهبة تجاه المطبخ، توقفت لحظة حين رأته، متحدثه بابتسامة صغيرة:

ـ هل أصبحت بخير؟

نظر إليها لثواني ثم أجاب محاولًا أن يبدو طبيعيًا:

ـ الحمدلله…. لا شيء الطعام دخل في المكان الخطأ فقط.

ـ الطعام دخل في مساره الخطأ ام انك هربت من مساعدتي هذه المرة.

سلبت عقله من جديد ظل صامتًا وهي تكمل طريقها إلى المطبخ دون أن تنتظر جوابًا منه. 

لقد كانت عبير طبيعية إلى حد يربك من حولها، يضيء وجهها بابتسامة صادقة دون تكلف أو تصنع، كما أنها تضحك بعفوية تجعل جمالها أكثر حضورا من الجميع.

كانت عفويتها وحدها كافية لأن تتدلل دون أن تقصد، وأن تسحر من حولها دون أن تبذل أدنى جهد، أما ملامحها الطفولية فكانت تملك قدرة غريبة على التسلل إلى القلوب وإسقاط كل الحواجز أمامها لذلك كان والديها لا يشعران بتغيير وليد واحمرار وجهه أو أن يلفت انتباههم أحاديثه مع ابنتهم، فكل ما يرونه في ابنتهم طبيعي عليهم فهي مدللتهم جميلة أمها وأبيها كل ما يخرج أمامهم طبيعي .

⬅⬅⬅⬅⬅⬅⬅⬅⬅⬅
وإلى هنا سيداتي انساتي سادتي تنتهي حكايتنا لهذا الفصل،  حكايات أبطالنا لا تزال تحمل الكثير من المشاعر والأسرار التي لم تُكشف بعد، لذلك عليكم أن تنتظرونا لنلتقي بإذن الله في الفصل القادم مع أحداث جديدة ومشاعر تزداد تعقيدًا.

لكن قبل أن أختم ، أخبروني في التعليقات
ما أكثر مشهد لمس قلوبكم في هذه الحلقة؟ 
وماذا تتوقعون أن يحدث في القادم؟ 

تفاعلكم وتعليقاتكم تسعدني وتمنحني حماسًا لأكمل معكم هذه الرحلة، فلا تحرموني من آرائكم الجميلة. 

دمتم بخير ومحبة، في رعاية الله وحفظه
اختكم أمل محمد الكاشف ✍️
author-img
أمل محمد الكاشف

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  • منال قاسم10 أكتوبر 2026 في 12:18 ص

    احلى حاجه أكلت السمك هههههه
    شعور جميل أنك تحب تشارك في مساعدة الآخرين والمفاجأة قطع الشيكولاتة في النهاية
    اتوقع بداية الارتباط بيهم

    حذف التعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent